د. أسامة معمر
عضو في شبكة سوريا مورس الإخبارية
فريسكو, تكساس, الولايات المتحدة
عن العضو
السيرة المهنية
ينضم الدكتور أسامة معمر إلى شبكة سيريا مورس الإخبارية بصفة مستشار، حيث يرفد الشبكة بخبرة مهنية وفكرية واسعة، ورؤية استراتيجية متصلة بالشأن السوري والعمل العام في الولايات المتحدة.
ينحدر الدكتور معمر من مدينة دمشق، وهو طبيب حاصل على شهادات البورد الأمريكي في الطب الداخلي والتجميل اللاجراحي. كما يُعرف بحضوره ككاتب وناشط سياسي، وله العديد من المقالات والدراسات المنشورة في مجالات الأدب والشعر والسياسة في مجلات عربية وأمريكية. وقد أسس أكاديمية لتعليم التجميل اللاجراحي في دالاس، تكساس، وشارك في العديد من المؤتمرات الدولية.
كما يشغل الدكتور أسامة معمر منصب مستشار أول في Morse Policy Forum، حيث يتولى ملف الشؤون الاستراتيجية، ويدعم الدائرة الاستشارية العليا للمنتدى برؤية متصلة بالتقييم المؤسسي، والتحليل الاستراتيجي، والانخراط الجاد في قضايا السياسات العامة. ويمثل حضوره إضافة نوعية لشبكة سيريا مورس من خلال الجمع بين الخبرة المهنية، والاهتمام بالشأن السوري، والقدرة على الإسهام في خطاب إعلامي رصين ومؤثر.
الأرشيف
مقالات ومواد العضو
دولة المواطنة… بين الواقع والخيال!
استيقظتُ من نوم عميق لأجد نفسي مستلقيًا بعكس اتجاه السرير؛ قدماي إلى الأعلى ورأسي إلى الأسفل. أخذت أتساءل عن سبب هذه الوضعية الغريبة التي تحدث لي للمرة الأولى، ثم أيقنت أنها أثر ذلك الحلم المضطرب الذي…
كنت أحاول، في منامي، أن أجد جوابًا عن سؤال ملحّ تفرضه هذه المرحلة:
لماذا لم نستطع أن نحقق مفهوم الدولة في الوطن العربي، لا بوصفها كيانًا مستقلًا تحيط به الحدود، بل باعتبارها عقدًا اجتماعيًا، وفكرة جامعة، وبوصلة تهدي المجتمع نحو المستقبل؟
أعتقد، كما يرى المفكر الأردني مالك العثامنة، أن المشكلة تكمن في أننا بدأنا من القمة بدلًا من أن نبدأ من القاعدة؛ فبنينا مؤسسات قبل أن نبني المواطن، وكتبنا دساتير قبل أن نرسّخ الثقة بين الناس والسلطة. وهكذا أصبح لدينا شكل الدولة من دون روحها، وإطارها من دون مضمونها الحقيقي؛ اسم رسمي وشعار وحدود، لكن من دون إحساس يومي بالانتماء إلى الكيان الذي نعيش فيه.
غاب العقد الاجتماعي الحقيقي، وغاب معه صوت الناس. فلا انتخابات حقيقية تمنح الفرد شعورًا بأنه شريك في صنع القرار وبناء الوطن، وتعزز لديه الإحساس بالمسؤولية والانتماء. ولعقود طويلة، لم نكن شركاء في دولنا، بل متلقّين للأوامر، نخضع لأيديولوجيات متباينة تشترك في غاية واحدة: تطويع المجتمع وتحويل أفراده إلى قطيع يسير خلف من يمسكون بدفة القيادة.
لقد خلطنا بين الدولة والنظام الحاكم؛ لأن النظام سخّر مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسستان الأمنية والعسكرية، لحماية مصالحه ومصالح الموالين له والدفاع عنها بكل شراسة ودموية. وفي ظل هذا الخلط غاب القانون، وتحولت الاستثناءات إلى عرف سائد، وأصبح كثير من أصحاب النفوذ فوق المساءلة.
وهكذا ضاعت الحقوق، وخسر الإنسان الضعيف والبسيط والفقير آخر درع يحميه من حيتان المجتمع، وقاطعي الطريق، وأصحاب السلطة والنفوذ. وكان من نتيجة ذلك أن ماتت فكرة الدولة بوصفها منظومة للعدل، وتشرذمت الهوية الوطنية، وتحولت الانتماءات العائلية والعشائرية والطائفية والمناطقية إلى الملاذ الأخير للإنسان العربي.
وحين بدأنا نبحث عن الهوية الحقيقية للدولة، لم نستطع أن نحسم خياراتنا: هل نريد دولة مواطنة، أم دولة عشيرة، أم دولة طائفة، أم دولة الحزب الواحد، أم دولة تحمل رسالة أيديولوجية تتجاوز مواطنيها واحتياجاتهم؟
تحولت كل دولة عربية إلى حالة منفصلة، وأحيانًا مناقضة لما حولها. وأصبحت الدولة مجموعة من المؤسسات التي تؤدي بعض الوظائف، لكنها لم تتحول إلى رافعة حقيقية لمشروع حضاري ينهض بالمجتمع ويمنحه غاية مشتركة.
كما أغرقنا الخوف من الحرية في متاهات أكبر وأعمق. فالدولة الحديثة تقوم على حق السؤال وحق المساءلة، لكننا، دولةً ومجتمعًا، ظللنا نخشى النقد وكشف العيوب ومواطن الضعف، بل ونخشى المختلف أيضًا؛ مع أن الاختلاف، حين تحميه المواطنة وينظمه القانون، يصبح مصدر قوة لأي بلد متحضر يقوم على التشاركية والعدالة الاجتماعية.
وكان من أخطر النتائج غياب الخيال السياسي؛ لأن الدولة، في معناها العميق، مشروع خيال وحلم جماعي. غير أن الانشغال بلقمة العيش والصراعات التي لا تنتهي أطفأ حتى الحلم الكامن في داخلنا، فتحولت الدولة إلى مجرد جهة يُنتظر منها تقديم الخدمات، بدلًا من أن تكون فكرة كبرى تحتضن مستقبل أبنائها.
لا يبدأ الحل بإضافة نصوص جديدة إلى دساتير قديمة، ولا بتغيير أسماء المؤسسات والشعارات، بل بإعادة كتابة العقد الاجتماعي على أسس حقيقية: مواطن واعٍ وحر، ودولة عادلة، وقانون يحمي الجميع على قدم المساواة، وهوية وطنية واضحة لا تخجل من تنوعها، بل تتباهى به وتحميه.
نحتاج إلى دولة تمنح الحقوق قبل أن تطالب بالواجبات، وتمنح مواطنيها شعورًا حقيقيًا بالمواطنة والكرامة والشراكة؛ دولة تصبح مرآة لأحلامهم مجتمعة، ومشروعًا حضاريًا ينتمون إليه، ويحرصون عليه، ويدافعون عنه؛ لأنهم يرون في صوته صوتهم، وفي كرامته كرامتهم، وفي مستقبله مستقبل أطفالهم.
المضيق ينتصر دائمًا: الدردنيل شاهداً
التاريخ ، المعلم القاسي هناك في الجغرافيا أماكن لا تُقاس بمساحتها، بل بما تفرضه على التاريخ من قوانين. والمضائق ليست مجرد ممرات مائية تعبرها السفن، بل بوابات تختبر غرور القوى العظمى وتعيد رسم خرائط النفوذ بالدم…
وهنا تعيدنا الاحداث الى ما حدث في شباط 1915، حيث اعتقدت بريطانيا، التي كانت آنذاك من أبرز القوى البحرية في العالم، أن بضع بوارج وأسطولًا جرارًا كافية لاختراق مضيق ضيق يفصل بين قارتين الا وهو مضيق الدردنيل، لكن الحملة انتهت بإخفاق عسكري كبير وخسائر بشرية واسعة قُدّرت بمئات الآلاف من القتلى والجرحى من الجانبين. الدرس الذي خرج به العالم من حملة الدردنيل (غاليبولي) لم يكن درسًا عسكريًا تكتيكيًا فحسب، بل درسًا استراتيجيًا أعمق: المضيق لا يُسيطر عليه بالقوة النارية وحدها، بل بالجغرافيا والزمن والإرادة الجماعية للطرف المدافع عنه. ويحضر هذا الدرس عند مقارنة أي سيناريو تصعيد محتمل حول مضيق هرمز، ولا سيما في ظل حسابات واشنطن وتل أبيب تجاه كلفة المواجهة المباشرة.
القصة، مبسّطة، أن بريطانيا أرادت فتح طريق بحري إلى حليفتها روسيا عبر البحر الأسود، وإخراج الدولة العثمانية من الحرب بضربة سريعة تُغني عن حرب برية طويلة في الجبهة الغربية. حاول الأسطول البريطاني-الفرنسي في مارس 1915 اختراق المضيق بالقصف المباشر، فاصطدم بالألغام البحرية والمدفعية الساحلية العثمانية وخسر عدة بوارج في ساعات قليلة.
حين فشل الخيار البحري، لجأ الحلفاء إلى الإنزال البري على شبه جزيرة غاليبولي في أبريل 1915. لكن التضاريس الوعرة، والمقاومة العثمانية الشرسة بقيادة ضباط من بينهم مصطفى كمال (أتاتورك لاحقًا)، حوّلت المعركة إلى حرب خنادق استنزافية دامت أشهرًا دون أي تقدم حقيقي. بحلول نهاية العام، أدرك الحلفاء استحالة المهمة وانسحبوا، بعد خسائر تجاوزت 250 ألف قتيل وجريح من الجانبين.
اليوم، تجد الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما أمام معضلة شبيهة في مضيق هرمز. تملك واشنطن تفوقًا بحريًا وجويًا ساحقًا، لكنها تدرك أن أي محاولة لفرض سيطرة كاملة أو خنق الممر بالقوة ستصطدم بواقع جغرافي وسياسي معقّد: إيران تقف على الضفة الشرقية للمضيق، وأي تصعيد عسكري مباشر يهدد بإغلاقه فعليًا أمام حركة نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وهو ما يضرّ بالاقتصاد الأمريكي والعالمي قبل أن يضرّ بطهران وحدها.
المؤشرات على هذا التحول تتراكم بسرعة لافتة خلال الأسابيع الأخيرة:
هذه التحركات، مجتمعة، ترسم ملامح استراتيجية أمريكية أوسع: تقوية محور إقليمي سنّي (عربي-تركي-باكستاني) قادر على ملء الفراغ الأمني والاقتصادي الذي ستتركه واشنطن خلفها مع انسحابها التدريجي من المنطقة، مقابل أن يتولى هذا المحور مهمة كبح الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق ولبنان، وضبط الحدود لمنع تسلل فصائل مسلحة عبر سوريا، وتحييد أي تهديد مباشر ضد القوات الأمريكية أو دول الخليج انطلاقًا من هذه الساحات الثلاث. ومع ذلك، يبقى هذا المسار محفوفًا بالمخاطر، وقد يقود إلى توترات إقليمية أوسع إذا لم تُضبط تداعياته السياسية والأمنية بعناية.
ويشير درس الدردنيل إلى أن القوى الكبرى قد تعيد مواجهة القيود الجغرافية نفسها كلما بالغت في تقدير أثر التفوق العسكري وحده. لا يمكن حسم معركة السيطرة على ممر مائي استراتيجي بالقوة البحرية أو الجوية وحدها. ويبدو أن واشنطن تواجه معضلة مشابهة في هرمز، ما قد يدفعها إلى تفضيل مسارات غير مباشرة لإعادة تشكيل موازين القوى حوله بدل الانخراط في مواجهة مباشرة عالية الكلفة.
قراءة تحليلية مميزة تؤكد أن الجغرافيا كثيرًا ما تفرض حدود القوة العسكريةمع طرح يستحق النقاش والتأمل في ضوء تعقيدات المنطقة وتغير موازينها.
مقال تحليلي يسلّط الضوء على أهمية قراءة دروس التاريخ والجغرافيا السياسية عند فهم التحولات الإقليمية. كل الشكر للكاتب على هذا الطرح.
تم
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
طريق دير الزور .. ثقب اسود و مأساة بلا حدود!
ليس كل حادث سير قضاءً لا يمكن تلافيه، وليس كل مأساة قدراً مكتوباً لا يد للإنسان فيه. فثمة مآسٍ تصنعها الطبيعة، وأخرى تصنعها السياسات، وثالثة يصنعها الإهمال المزمن حتى يصبح القتل على الطرقات أمراً اعتيادياً لا…
ليس كل حادث سير قضاءً لا يمكن تلافيه، وليس كل مأساة قدراً مكتوباً لا يد للإنسان فيه. فثمة مآسٍ تصنعها الطبيعة، وأخرى تصنعها السياسات، وثالثة يصنعها الإهمال المزمن حتى يصبح القتل على الطرقات أمراً اعتيادياً لا يثير إلا عناوين الأخبار.
حافلتان كبيرتان للركاب، إحداهما تقل مدنيين، والأخرى تقل عناصر من قوى الأمن الداخلي، تسيران في اتجاهين متعاكسين على طريق دير الزور – دمشق. لحظات قليلة كانت كافية ليقع الاصطدام المروع؛ اشتعلت إحدى الحافلتين بالنيران، بينما انقلبت الأخرى مرات عدة قبل أن تستقر على الأرض، تاركة خلفها عشرات الضحايا من أطفال ونساء ورجال.
قد يكون سبب الحادث غفوة سائق أنهكه الحر، أو لحظة شرود، أو خطأ بشرياً يمكن أن يقع في أي مكان في العالم. لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في سبب الاصطدام وحده، بل في البيئة التي جعلت من وقوعه كارثة شبه حتمية. هنا تبدأ مسؤولية الدولة، وهنا ينتهي عذر الصدفة.
فالطريق الممتد بين دمشق ودير الزور، بطول يقارب 450 كيلومتراً، لم يعد مجرد طريق، بل تحول في ذاكرة السوريين إلى “شارع الموت”، أو إلى ثقب أسود يبتلع الأرواح بلا رحمة. طريق كان يفترض أن يكون أوتوستراداً حديثاً، واسعاً وآمناً، يفصل بين الاتجاهين بجزيرة وسطية، وتضيئه الإنارة الليلية، وتحيط به الشواخص العاكسة، والاستراحات، والخدمات، والإسعاف السريع. لكنه، في الواقع، طريق ضيق بالكاد يتسع لمركبتين كبيرتين، يخلو من أبسط معايير السلامة، ويترك حياة الناس رهينة للحظ.
في الدول التي تضع الإنسان في صدارة أولوياتها، لا يمر حادث بهذا الحجم مرور الكرام. تبدأ التحقيقات فوراً، وتُحدَّد المسؤوليات، وقد يدفع وزير أو مسؤول رفيع منصبه ثمناً للإهمال، قبل أن تُرصد الميزانيات لتحديث الطريق ومنع تكرار المأساة، ويُعوض ذوو الضحايا بما يليق بكرامتهم.
أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: ما أولوياتنا الوطنية؟
هل تحتاج دير الزور إلى بناء معبد جديد بملايين الدولارات، بينما طرقها تحصد أرواح أبنائها كل عام؟ وهل نحن بحاجة إلى مزيد من الأبنية، في حين أن ربع مدارس سوريا ما زال خارج الخدمة، وآلاف الأطفال يفتقدون بيئة تعليمية تليق بمستقبلهم؟
إن بناء المساجد والكنائس عمل جليل، ولا يختلف اثنان على قيمته الروحية. لكن حفظ النفس، في كل الشرائع السماوية، هو من أعظم المقاصد. وما قيمة عمران الحجر إذا بقي الإنسان نفسه مهدداً في حياته وكرامته كل يوم؟
أليس من الإيمان أن نُصلح طريقاً يحفظ حياة المصلين قبل أن نبني لهم مسجداً جديداً؟ أليس من البر أن نؤمن للأطفال مدرسة آمنة قبل أن نتباهى بمشاريع لا تمس حاجاتهم اليومية؟ إن صيانة حياة الإنسان ليست ترفاً إدارياً، بل واجب أخلاقي وديني ووطني لا يحتمل التأجيل.
لقد قامت الثورة السورية، ودفع السوريون ثمناً باهظاً من الدماء، من أجل أن تصبح كلمة الحق حقاً مكفولاً، وأن تصبح مساءلة المسؤولين ثقافة لا استثناء، وأن تُبنى دولة تُقدِّم الإنسان على الشعارات، والمواطن على المصالح، والعدالة على المجاملات.
ضحايا هذا الطريق لا يحتاجون إلى بيانات عزاء جديدة، بل يحتاجون إلى عدالة. وعدالتهم لا تكتمل إلا بتحقيق شفاف يحدد المسؤوليات، وخطة وطنية عاجلة لإعادة تأهيل هذا الطريق، وكل طريق يشبهه، حتى لا يتحول كل سفر بين المحافظات إلى مقامرة بالحياة.
فالطرقات ليست مجرد إسفلت يمتد بين المدن، بل هي مقياس لاحترام الدولة لمواطنيها. وحين يصبح الوصول إلى المنزل سالماً أمنية، فإن الخلل لم يعد في السائق وحده، بل في منظومة كاملة آن أوان إصلاحها.
رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ولعل دماءهم تكون آخر الدماء التي تُراق على طريق كان يفترض أن يكون طريقاً للحياة، لا ممراً إلى الموت.
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
السويداء… وإعادة اكتشاف الهوية الوطنية الضائعة
لم يكن السوريون، على امتداد أكثر من خمسة عقود، ينتمون إلى وطنٍ بقدر ما كان يُراد لهم أن ينتموا إلى شخص. فقد نشأت أجيال كاملة وهي تردد في مدارسها صباح كل يوم شعارات “الأب القائد” و”الرئيس…
لقد أفرغ النظام السابق مفهوم الدولة من مضمونه الحقيقي، وحوّل مؤسساتها إلى أدوات للهيمنة والقهر. ومع انتشار الفساد والمحسوبيات واستشراء الولاءات الشخصية والطائفية والمناطقية، لم تعد الدولة تمثل الحاضنة الجامعة لجميع أبنائها، بل أصبحت في نظر كثيرين مصدر خوف وإذلال، لا عنواناً للعدالة والمواطنة. وغاب الشعور بالكرامة والانتماء، ليحل مكانه الإحساس بالهزيمة، وانسداد الأفق، والعجز عن رسم المستقبل أو تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.
وفي ظل هذا الواقع، تراجعت الهوية الوطنية الجامعة أمام صعود الهويات الفرعية. فلم يعد كثير من السوريين يجدون الأمان في وطنهم، بل في طائفتهم أو عشيرتهم أو منطقتهم، لأنها بدت الملاذ الأخير في مواجهة بطش السلطة وأجهزتها الأمنية. أما الجيش، الذي يفترض أن يكون المؤسسة الوطنية الجامعة وحامي السيادة والسلم الأهلي، فقد جرى تحويله إلى ذراع أمنية تخدم بقاء النظام أكثر مما تحمي الوطن.
وقد كشفت سنوات الثورة السورية بوضوح حجم هذا الفراغ الوطني. إذ تصدرت الخطابات الدينية والطائفية مشهد الصراع، حتى إن كثيراً من مراكز الدراسات الاستراتيجية في العالم باتت تنظر إلى الأزمة السورية باعتبارها صراعاً طائفياً في جوهره. وعلى الرغم من وجود تيارات وطنية مدنية معتدلة، مثل تيار القاهرة، فإن حضورها الشعبي بقي محدوداً، بينما استطاعت الفصائل المسلحة ذات المرجعيات الدينية، وبعضها المتشدد، أن تملأ الفراغ الذي خلّفه غياب الدولة، وأن تتحول بالنسبة لكثيرين إلى مظلة للحماية ومقاومة القبضة الأمنية والعسكرية للنظام.
ولم تقف الأزمة عند هذا الحد، إذ أسهمت تدخلات خارجية في تأجيج الفتنة الطائفية، ودفعت بالأحداث نحو مزيد من العنف، فسقط ضحايا من أبناء السويداء، ومن أبناء العشائر، ومن المواطنين المسيحيين أيضاً. وكانت النتيجة اتساع فجوة الثقة وتعميق الانقسام المجتمعي، الأمر الذي جعل إعادة دمج السويداء في إطار الدولة الوطنية مهمة شديدة التعقيد، خاصة في ظل بطء مسار العدالة الانتقالية، وعدم اكتمال مشروع الحوار الوطني الشامل.
أما معالجة قضية السويداء، فلا يمكن أن تتم عبر القوة أو التخوين أو فرض الأمر الواقع، بل من خلال مسار وطني مسؤول يبدأ بالاعتراف الصريح بالمجازر والانتهاكات التي وقعت، وتحمل الحكومة الانتقالية في دمشق نصيبها من المسؤولية السياسية والأخلاقية عنها، ثم تعويض المتضررين، وإعادة المهجرين إلى ديارهم، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين لدى جميع الأطراف، والعمل الجاد على نزع فتيل الاحتقان.
وفي المقابل، فإن بناء سوريا الجديدة يقتضي أيضاً التخلي عن المشاريع الانفصالية، ورفض الارتهان للقوى الخارجية أو الاستقواء بها، لأن الأوطان لا تُبنى إلا بإرادة أبنائها، ولا تُحمى إلا بوحدتهم.
سوريا الجديدة لكل السوريين بكل طوائفها سوريا موحدة بإذن الله
إضاءة مهمة تؤكد أن استعادة الهوية الوطنية لا تتحقق إلا بالعدالة وسيادة القانون والحوار وبناء دولة المواطنة التي تتسع لجميع السوريين. الشكر للدكتور أسامة معمر على هذا الطرح المتوازن.
مقال رائع يسلط الضوء على القوة الوطنية لنكن موحدين ونظهر حسن النية لتكون سوريا الكرامة والإزدهار لكل السوريين
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
مجلس الشعب… بين شرعية الثورة ومسؤولية الدولة
ليس مجلس الشعب القادم مجرد محطة دستورية عابرة، ولا استحقاقًا سياسيًا يُضاف إلى روزنامة الأحداث، بل هو ثمرة ثورةٍ عظيمة دفع السوريون ثمنها من أغلى ما يملكون. أكثر من مليون شهيد ارتقوا وهم يحلمون بوطنٍ حر،…
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: من سيدخل المجلس؟ بل: أي مجلس نريد؟ وهل سيكون هذا المجلس على مستوى التضحيات التي صنعت وجوده، أم سيكرر أخطاء الماضي بأسماء جديدة؟
إن السوريين لا ينتظرون مجلسًا يصفق للسلطة، بل مجلسًا يراقبها ويحاسبها. لا يريدون نوابًا يجيدون الخطابة، بل رجال دولة يمتلكون الشجاعة للدفاع عن الحق، والقدرة على التشريع، والحكمة في صناعة القرار. مجلسًا يعبر عن ضمير الأمة، لا عن مصالح الأفراد، ويكون صوت المواطن قبل أن يكون صوت الحكومة.
إن المهمة التاريخية لهذا المجلس تبدأ من وضع دستورٍ عصري يرسخ سيادة القانون، ويصون كرامة الإنسان، ويكفل الحقوق والحريات لجميع السوريين دون تمييز على أساس الدين أو القومية أو الطائفة أو المنطقة أو الانتماء السياسي. دستور يؤسس لدولة المواطنة، ويكرس الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والتعددية السياسية، وحرية الرأي والتعبير، والتداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة، تكون فيها صناديق الاقتراع وحدها مصدر الشرعية.
لقد عانت سوريا طويلًا من مجالس صُنعت لتمنح الشرعية للقرارات، لا لتصنعها؛ مجالس غاب عنها نبض الشارع، فغابت معها الرقابة والمساءلة، وتراجعت هيبة المؤسسات، حتى أصبحت الديمقراطية مجرد عنوان بلا مضمون.
واليوم، يقف السوريون أمام فرصة قد لا تتكرر. فإما أن يولد مجلس يمثل ضمير الوطن، ويكتب بداية الجمهورية التي حلم بها الشهداء، وإما أن تضيع التضحيات في متاهة الحسابات الضيقة، ويخسر السوريون فرصة تاريخية لإعادة بناء دولتهم على أسس الحرية والعدالة.
إن بناء الأوطان لا يبدأ بالإسمنت والحديد، بل ببناء المؤسسات، ولا تنهض الدول إلا عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وحقوقه مصانة، وكرامته محفوظة بالقانون لا بالمحاباة.
هذا المجلس مطالب بأن يكون نقطة التحول بين زمن الاستبداد وزمن الدولة، بين حكم الفرد وحكم المؤسسات، بين الولاءات الضيقة والانتماء الوطني الجامع. فالتاريخ لا يتذكر عدد القوانين التي أُقرت، بل يتذكر الرجال والنساء الذين امتلكوا الشجاعة لتغيير مسار أوطانهم.
ولعل أعظم تكريم للشهداء، وأصدق وفاء للمهجرين، ليس في استحضار تضحياتهم في الخطب، بل في بناء دولةٍ لا يُظلم فيها إنسان، ولا يُقصى فيها مواطن، ولا يُحرم فيها طفل من حقه في مستقبلٍ يليق بسوريا التي حلم بها أبناؤها وضحوا من أجلها.
تم
يجب ان يلعب مجلس الشعب في سوريا دورا"أكثر فعالية في تحديد أولوياته خصوصا"في ظل التحديات الإقتصادية والإجتماعية الحالية بما يحقق طموحات المواطنين ويعزز الثقة بينهم
اطلقو سراح لمحكومين عزمن لمخلوع بسجن عدرا صرلن سنه ونصف بسجن
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
الخبز والكهرباء والغاز… ثالوث الأمن المعيشي
في خضم التحولات السياسية الكبرى التي تمر بها بلادنا، ومحاولات إعادة رسم النظام العالمي من جهة، وتعقيدات المرحلة الانتقالية ومآلاتها من جهة أخرى، قد ننسى الإنسان السوري البسيط؛ ذلك الذي يخوض معركته اليومية من أجل لقمة…
في خضم التحولات السياسية الكبرى التي تمر بها بلادنا، ومحاولات إعادة رسم النظام العالمي من جهة، وتعقيدات المرحلة الانتقالية ومآلاتها من جهة أخرى، قد ننسى الإنسان السوري البسيط؛ ذلك الذي يخوض معركته اليومية من أجل لقمة العيش، ويسعى بصمت إلى تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
وبعد عام كامل من الإنجازات الأمنية، ومحاولات تثبيت الاستقرار وتوحيد البلاد، أصبح واضحًا أن المسار الاقتصادي لا يسير بالكفاءة نفسها ولا بالوتيرة ذاتها. فقد نجحت الدولة، إلى حد كبير، في الوصول إلى صيغة أولية للتفاهم حول مناطق شرق الفرات، وبدأ الحديث عن دمج الفصائل التابعة لقوات سوريا الديمقراطية ضمن وزارة الدفاع، الأمر الذي بعث الأمل لدى السوريين بقرب عودة موارد النفط والغاز إلى خزينة الدولة.
وكان من الطبيعي أن يتوقع المواطن أن ينعكس ذلك على حياته اليومية، من خلال زيادة ساعات التغذية الكهربائية، وانخفاض أسعار الغاز المنزلي والطاقة، وبالتالي تخفيف تكاليف الإنتاج وتحريك عجلة الاقتصاد. فمن المعروف أن الطاقة تمثل أحد أهم عناصر تكلفة الإنتاج، وأي انخفاض في أسعارها ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، ويمنح المواطن المنهك فرصة لالتقاط أنفاسه في مواجهة الغلاء وجشع بعض التجار، في ظل ضعف الرقابة وغياب الردع.
لكن ما حدث جاء معاكسًا لكل تلك التوقعات، بل ومخيبًا لآمال الناس. فقد شهدت الأسواق ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار معظم السلع الأساسية، حتى أصبحت ربطة الخبز تُباع بنحو أربعة آلاف ليرة سورية بعدما كانت لا تتجاوز 450 ليرة، ناهيك عن الارتفاع المستمر في أسعار الغاز والكهرباء وسائر المنتجات المحلية.
وهنا تبرز أمام الحكومة في دمشق أسئلة لا يمكن تجاهلها:
فالوقت لا يعمل لصالحنا. وغالبية السوريين يعيشون اليوم تحت خط الفقر، ولولا الحوالات المالية القادمة من الخارج، لربما شهدنا منذ زمن ما يمكن وصفه بثورة الجياع.
إننا جميعًا نقف إلى جانب الحكومة، ونتمنى لها النجاح، ونقدم ما نستطيع من دعم ونصح، لكن لا يمكن للمجتمع وحده أن يتحمل عبء معالجة أزمة اقتصادية بهذا الحجم.
لذلك، فإن الحاجة أصبحت ملحة لاتخاذ إجراءات عاجلة، في مقدمتها رفع الرواتب، وخفض أسعار الركائز الأساسية للاستقرار المعيشي، وهي ما وصفها صديقي العزيز المهندس نعيم الكوكي في أحد منشوراته بـ
كما أن المرحلة تستدعي الاستعانة بالكفاءات الحقيقية، المحلية منها أو العالمية، دون تردد أو حسابات ضيقة. فالأوطان لا تُبنى بالمجاملات، بل بالخبرة والكفاءة والقدرة على الإنجاز.
تم
القادم أفضل إنشاء الله
تم
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
دمشق تستقبل ماكرون.. فأين هم القادة العرب؟
يتحدث الكثيرون عن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، كأول رئيس لإحدى دول حلف الناتو يقدم على هذه الخطوة الجريئة، رغم التحديات الأمنية والسياسية التي لا تزال تعيشها سوريا في مرحلتها الانتقالية. بل إنه واصل…
يتحدث الكثيرون عن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، كأول رئيس لإحدى دول حلف الناتو يقدم على هذه الخطوة الجريئة، رغم التحديات الأمنية والسياسية التي لا تزال تعيشها سوريا في مرحلتها الانتقالية. بل إنه واصل زيارته رغم التقارير عن وقوع تفجيرات على مقربة نسبية من مقر إقامته في فندق الفورسيزونز قرب جسر فيكتوريا، في رسالة واضحة مفادها أن الإرادة السياسية لا ينبغي أن تُرتهن بمحاولات التخويف أو زعزعة الاستقرار.
وبغض النظر عن دوافع الزيارة أو أهدافها، فإن أثرها السياسي والدبلوماسي كبير، ويحمل دلالات استراتيجية عميقة. ولست هنا بصدد الخوض في تلك الدلالات، على أهميتها، وإنما أطرح سؤالًا لم أجد له جوابًا مقنعًا:
أما كان الأجدر بالقادة العرب أن يكونوا أول من يزور دمشق؟
ومن باب الإنصاف، لا بد من الإشارة إلى الاستثناء المتمثل في سمو أمير دولة قطر، تميم بن حمد آل ثاني، الذي قام بزيارة دمشق، في خطوة عكست إدراكًا لأهمية التواصل المباشر مع القيادة السورية خلال هذه المرحلة الحساسة. ويبقى السؤال قائمًا: لماذا لم تتبعها زيارات عربية أوسع تعكس موقفًا عربيًا جماعيًا؟
أليس من الطبيعي أن تقف الدول العربية إلى جانب شعب عربي يسعى إلى تجاوز سنوات طويلة من الحرب والانقسام، وأن تدعم مرحلة انتقالية تمثل فرصة لإعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار؟
إن دعم دمشق في هذه المرحلة لا يخدم سوريا وحدها، بل يخدم الأمن القومي العربي بأسره. فاستقرار سوريا يعني الحد من الفوضى، وتقليص مخاطر الإرهاب، وتهيئة الظروف لعودة ملايين اللاجئين، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار والتنمية، وتعزيز الأمن الإقليمي، واستعادة دور سوريا الطبيعي ضمن محيطها العربي.
والأهم من ذلك، أن التضامن العربي الحقيقي لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يسهم في خلق موازين قوى أكثر تناغمًا مع القضايا والاحتياجات العربية، ويمنح الدول العربية قدرة أكبر على التأثير في القرارات الإقليمية والدولية، بدل أن تبقى ملفات المنطقة مرهونة بمبادرات القوى الخارجية. فعندما تتحرك الدول العربية برؤية مشتركة، تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها، والدفاع عن أمنها القومي، وصياغة مستقبل المنطقة بما يتوافق مع أولويات شعوبها.
وفي المقابل، قد تكون هناك أسباب دفعت العديد من القادة العرب إلى التريث، منها استمرار الضبابية بشأن مسار المرحلة الانتقالية، أو الحسابات السياسية الداخلية والخارجية، أو الرغبة في انتظار مزيد من الاستقرار الأمني، أو اختلاف الرؤى بين الدول العربية حول كيفية التعامل مع التطورات السورية. كما قد تلعب الاعتبارات الدبلوماسية والتحالفات الإقليمية والدولية دورًا في تأجيل مثل هذه الزيارات.
ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعًا: إذا كان رئيس دولة أوروبية استطاع أن يبعث برسالة سياسية من قلب دمشق، فلماذا غابت الرسالة العربية التي كان من المفترض أن تكون الأقرب، والأصدق، والأكثر تأثيرًا؟
إن الشعوب العربية تنتظر من قادتها مواقف تعكس وحدة المصير، وتؤكد أن التضامن العربي ليس مجرد شعار، بل ممارسة سياسية تُترجم في الأوقات التي تكون فيها الحاجة إليه أكبر.
“فالتاريخ لا يذكر من راقب الأحداث من بعيد، بل يخلّد من صنعها، ومن وقف إلى جانب أشقائه عندما كانت مواقف الشجاعة هي الأكثر احتياجًا “
الزيارات السياسية ليست مجرد بروتوكول بل رسائل تؤكد أهمية الحوار والتعاون ودور العرب في دعم استقرار سوريا وصياغة مستقبل المنطقة.
إذا كان التعليق موجهًا
في ظل الظروف الحالية بسوريا وجود العرب ضرورة ، هم جزء أساسي من نسيج المجتمع . وبإمكانهم ان يساهموا في بناء الثقة ودعم الاستقرار وخلق فرص جديدة للمستقبل .
في هذا الوقت الحساس لسورية الجديدة من المهم وقوف العرب مع الشعب السوري بشكل عملي وجودهم معنا يخلق قوة ويعزز صمودنا كل الشكر للدكتور أسامة عالمقال المهم جدا
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
الأندلس… حضارة التقاء الشعوب لا أسطورة النقاء الحضاري
الأندلس: حضارة التفاعل الإنساني بين الشرق والغرب لم تكن الأندلس حضارة أحادية الهوية، بل فضاءً تاريخياً فريداً تشكل من تفاعل العرب والأمازيغ وسكان شبه الجزيرة الإيبيرية، ومن تعايش المسلمين والمسيحيين واليهود، لتصبح واحدة من أغنى التجارب…
الأندلس: حضارة التفاعل الإنساني بين الشرق والغرب
لم تكن الأندلس حضارة أحادية الهوية، بل فضاءً تاريخياً فريداً تشكل من تفاعل العرب والأمازيغ وسكان شبه الجزيرة الإيبيرية، ومن تعايش المسلمين والمسيحيين واليهود، لتصبح واحدة من أغنى التجارب الحضارية في التاريخين الإسلامي والأوروبي.
مدخل تاريخي
يختزل كثيرون تاريخ الأندلس في كونها حضارة عربية إسلامية أموية خالصة، غير أن هذا التصور لا يعكس الصورة التاريخية الكاملة. فقد كانت الأندلس، في حقيقتها، فضاءً حضارياً فريداً تشكل من تفاعل الثقافات والأديان والشعوب، حيث تعايش المسلمون والمسيحيون واليهود، وأسهم العرب والأمازيغ وسكان شبه الجزيرة الإيبيرية في بناء واحدة من أكثر التجارب الحضارية ثراءً في التاريخين الإسلامي والأوروبي.
الأندلس كنموذج للتلاقح الثقافي
لقد تميزت الأندلس بكونها نموذجاً للتلاقح الثقافي، فلم تكن ثمرة جهود جماعة واحدة أو امتداداً مباشراً لمدينة دمشق فحسب، بل كانت نتاج تفاعل طويل بين حضارات متعددة، انعكس أثره في العمارة والعلوم والفنون والأدب والموسيقى، حتى غدت جسراً حضارياً بين الشرق والغرب.
بدايات الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية
وعند الحديث عن بدايات الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية، فإن المصادر التاريخية تشير إلى أن المشروع العسكري ارتبط بالوالي الأموي على إفريقيا موسى بن نصير، الذي قاد مرحلة الإعداد والتخطيط، بينما نفذ طارق بن زياد حملة العبور الشهيرة عام 711م، مستفيدين من حالة الانقسام السياسي التي كانت تعيشها مملكة القوط الغربيين آنذاك.
عبد الرحمن الداخل وتأسيس الكيان الأموي في الأندلس
أما عبد الرحمن بن معاوية، المعروف بعبد الرحمن الداخل، فقد ارتبط اسمه بمرحلة مختلفة تماماً. فبعد سقوط الدولة الأموية في المشرق وفراره إلى شمال إفريقيا، استطاع الوصول إلى الأندلس، حيث نجح في توحيد أنصاره وتأسيس كيان أموي جديد، كان له دور محوري في ترسيخ الاستقرار السياسي وبناء دولة أصبحت لاحقاً إحدى أبرز مراكز الحضارة الإسلامية بعد عام 750 م.
“لعل ما يميز الأندلس أكثر من أي شيء آخر هو أن هويتها لم تكن أحادية، بل كانت هوية مركبة تجمع بين التأثيرات العربية والأمازيغية والإيبيرية والمتوسطية.”
هوية مركبة لا حضارة أحادية
ولعل ما يميز الأندلس أكثر من أي شيء آخر هو أن هويتها لم تكن أحادية، بل كانت هوية مركبة تجمع بين التأثيرات العربية والأمازيغية والإيبيرية والمتوسطية. ويظهر ذلك بوضوح في تفاصيل عمارتها؛ ففي القصور والمساجد والقلاع تتجاور الزخارف الإسلامية مع العناصر الفنية المحلية، وتلتقي الحدائق الشرقية بالنباتات المتوسطية، كما تعكس الموسيقى الأندلسية مزيجاً فريداً من المقامات والإيقاعات والآلات القادمة من ثقافات متعددة، لتقدم نموذجاً استثنائياً للإبداع الإنساني المشترك.
مشاهدة شخصية لحواضر الأندلس
وعندما زرتُ الاندلس و حواضرها مثل غرناطة وإشبيلية و ملقا ، كنت أتوقع أن أجد آثار حضارة عربية إسلامية بالمعنى التقليدي، لكن ما وجدته كان أعمق وأشمل من ذلك بكثير. فقد رأيت حضارة إنسانية متكاملة، شاركت في بنائها شعوب وثقافات مختلفة، واستطاعت أن تحول التنوع إلى مصدر قوة وإبداع. كانت القصور والحدائق والشوارع القديمة شاهداً على مرحلة ازدهرت فيها العلوم والفلسفة والطب والهندسة والفنون، وأصبحت الأندلس منارةً للمعرفة أثرت في الشرق والغرب على حد سواء.
خاتمة: رسالة الأندلس إلى العالم
ولعل أعظم ما خلفته الأندلس ليس مبانيها الشاهقة أو آثارها الخالدة فحسب، وإنما الرسالة الحضارية التي قدمتها للعالم: أن ازدهار الأمم لا يتحقق بالانغلاق، بل بالحوار والتفاعل واحترام التنوع. ولهذا بقيت الأندلس، حتى اليوم، رمزاً لإمكان التقاء الحضارات، ودليلاً على أن الإبداع الإنساني يبلغ ذروته عندما تتعاون الثقافات بدلاً من أن تتصارع.
مقال رائع استوفى كل جوانب حضارة الأندلس ، وسلط الضوء على الرسالة الحضارية التي قدمتها للعالم من إبداع إنساني عندما تتعاون الثقافات بدلا من ان تتصارع كل الشكر للدكتور أسامة معمر
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
لبنان و حزب الله و رؤية الرئيس الشرع للحل
لقد اثارت تصريحات الرئيس ترامب زوبعة من التكهنات فيما يتعلق بالدور السوري في حل قضية حزب الله اللبناني و الصراع المسلح مع اسرائيل والذي ما زالت تدور رحاه منذ اربعة عقود أو اكثر دون اي بصيص…
لقد اوضح الرئيس الشرع ثلاثة نقاط اساسية لفهم السياق العام لرؤية سوريا لقضية حزب الله و الحل في لبنان :
-اولا ان مطلب الرئيس ترامب ياتي في إطار البحث عن مخرج سياسي حقيقي و نهائي للازمة اللبنانية و ليس مطلبا للتدخل العسكري في لبنان يفرض معادلة قوى جديدة ستُدخل لبنان و سوريا في دوامة احتراب لا تنتهي تحول طبيعة الصراع إلىصراع طائفي يقود إلى متاهات اكثر تعقيداً و أشد سوء على لبنان و المنطقة .
-اوضح الرئيس الشرع بما لا يترك مجالا للشك ان الحل يجب ان يكون سياسيا وليس عسكريا وانه على كل القيادات الحالية التي تقود المشهد السياسي ان تجد حلو لاً مبتكرة و خلاقة حيث ان الحلول التقليدية اثبتت فشلها . كما اكد على أهمية فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني و استعادة القرار السيادي للحرب والسلم الذي استولى عليه حزب الله بالقوة .
-أكّد الرئيس الشرع أن الحوار هو نقطة الانطلاق الاساسية لايجاد الحل ، وعلينا اشراك كل الاطراف المتنازعة بما فيهم اسرائيل حيث ان الذين يشاركون في صناعة الحل يكونون أكثر التزاماً به. وان الحوار يجب ان يبقى مفتوحاً حتى خلال ايامالصدام العسكري فالحسم السياسي اسهل و اكثر استدامة من الحسم العسكري
اعتقد ان التصريح الذي ادلى به الرئيس الاميركي ترامب مخاطباً رئيس وزراء الاحتلال الاسرائيلي كان يقصد به الاشارة إلى قدرة حكومة دمشق على حل الأزمات السياسية والأمنية المعقدة بدرجة عاليه من الكفاءة و بطرق استراتيجية سلميّة اثبتت فاعليتها منذ وصول الحكومة الجديدة الى دمشق
تم
من مبدا الشفافية والرقابة والتفتيش في سوريا،هل تعلمون ان الحكومة سلبت رواتب المتقاعدين بعد 2011 حقوقهم ورواتبهم التقاعدية ظلما وعدوانا ولا يوجد قانون على وجه الارض ولادولة في العالم حصل فيها هكذا امر نعم صار عشرون شهرا يعني سنة وثمان اشهر سلبت الحكومة رواتب المعترين المتقاعدين بعد 2011 ظلما وعدوانا ولم تقبضهم حتى الان ولا ليرة واحدة الا يدخل هذا الامر من الشفافية حاسبوا من تعدى وشبح وظلم واعطوا باقي المتقاعدين رواتبهم الذين لاناقة لهم ولاجمل بما حصل اهذه هي الشفافية واين العدل والرقابة في هذا البلد؟ ؟؟؟
ممكن لحظة من وقتك الثمين سيدي الرئيس احمد الشرع لها المواطنين السوريين المعترين متقاعدي بعد 2011 الذين لا ناقة لهم ولاجمل بما حصل وكل يوم يطلبون محاسبة اللي تعدى وشبح والباقين اطلاق سراح رواتبهم التقاعدية اللي صار عشرين شهر يعني سنة وثمانية شهور لم يقبضوا ولا ليرة واحدة لاقانون ولا دين يحرمهم حقوقهم المشروعة المدفوعة مسبقا
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
كيف تبدأ الفوضى؟ من نافذة مكسورة إلى مدينة بأكملها
تكتظ شوارع المدينة بالمارة، وأصوات السيارات، وضجيج الباعة المتجولين، ورواد المقاهي المنتشرة على جوانب الطرقات. ويستمر هذا المشهد حتى ساعات متأخرة من الليل، بل قد يمتد في كثير من الأحيان ليواكب شروق الشمس. إنه مشهد اعتيادي…
تكتظ شوارع المدينة بالمارة، وأصوات السيارات، وضجيج الباعة المتجولين، ورواد المقاهي المنتشرة على جوانب الطرقات. ويستمر هذا المشهد حتى ساعات متأخرة من الليل، بل قد يمتد في كثير من الأحيان ليواكب شروق الشمس.
إنه مشهد اعتيادي في كثير من العواصم العربية، مثل دمشق والقاهرة وبيروت، ويرتبط بالكثير من ذكرياتنا، بل ينطبع في الذاكرة كوشم أبدي لا يزول. غير أن أمرًا واحدًا يعكر صفو تلك الذكريات الجميلة، وهو كمية النفايات والمهملات الملقاة في الشوارع. فمع أنك قد تجد لافتات كثيرة تحمل عبارة:
“النظافة من الإيمان”
فإن الواقع يعكس صورة مختلفة تمامًا.
ولطالما راودني سؤال لم أجد له تفسيرًا مقنعًا: كيف يمكن أن تكون منازل الناس نظيفة وأنيقة، وتعكس ذوقًا رفيعًا في الجمال والترتيب، بينما تبدو شوارع مدينتهم مكتظة بالأوساخ والمهملات؟ ما سر هذا التناقض؟
وجدت جزءًا من الإجابة في أعمال عالم النفس والاجتماع فيليب زيمباردو، والتي أصبحت لاحقًا أحد الأسس التي استندت إليها نظرية النوافذ المحطمة.
وتشير الرواية الشائعة إلى أن زيمباردو وضع سيارتين متشابهتين تمامًا، بلا لوحات، إحداهما في حي منخفض الدخل والأخرى في حي ميسور. تُركت السيارتان مفتوحتين ومن دون رقابة. وبعد فترة قصيرة بدأ بعض المارة في الحي الأول بتفكيك السيارة والعبث بها حتى أصبحت حطامًا. أما السيارة الثانية فبقيت سليمة، إلى أن كُسر أحد نوافذها عمدًا، فبدأ الناس أيضًا بالعبث بها وتخريبها تدريجيًا.
وتقود هذه الملاحظة إلى فكرة مهمة: إن وجود علامة واحدة على الإهمال قد يبعث برسالة غير مباشرة مفادها:
“لا أحد يهتم بهذا المكان.”
وعندما تُترك المشكلات الصغيرة دون معالجة، فإنها قد تشجع على ظهور مشكلات أكبر وسلوكيات أكثر فوضوية، حتى يصبح إصلاحها أكثر صعوبة وكلفة.
ولتبسيط الفكرة، تخيل أنك تحمل صحيفة أو علبة مشروب فارغة. سيكون احتمال رميها على الأرض أقل بكثير إذا كان المكان نظيفًا، مقارنةً بما لو كان الشارع مليئًا بالنفايات أصلًا. فالنظام يشجع على احترام النظام، بينما يولّد الإهمال مزيدًا من الإهمال.
ولا يقتصر هذا المبدأ على نظافة الشوارع؛ فكثير من القضايا الصحية والبيئية والاجتماعية التي نواجهها اليوم ليست إلا نتيجة تراكمات من الأخطاء الصغيرة التي أُهملت عبر الزمن حتى تحولت إلى أزمات معقدة.
والحقيقة أن الأجيال تتعلم من السلوك العملي أكثر مما تتعلم من الأقوال والنصائح. لذلك، فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على الدعوة إلى القيم الجميلة، بل تمتد إلى تجسيدها في حياتنا اليومية، حتى نورث أبناءنا وأحفادنا عالمًا أنظف، وأكثر جمالًا، وأجدر بالحياة.
تم
فكرة جميلة ومهمة جداً. نظافة الشارع تبدأ من شعور كل شخص بأن المكان يعنيه، وأن الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة هو ما يصنع مدينة أجمل وأكثر احتراماً للجميع.
Bravo أحسنت
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
شبكة سوريا مورس الإخبارية
دليل أعضاء SMNN
ملفات أعضاء وكتّاب ومساهمين يظهرون في الدليل العام بحسب إعدادات الخصوصية.مستشار / عضو مهني
مستوى مخصص للأعضاء المهنيين أو المستشارين الذين يحتاجون إلى وصول أوسع للمواد الداخلية.


صحفي / مراسل
مستوى مخصص للمراسلين والصحفيين ضمن شبكة SMNN، مع قابلية توسيع أدوات العمليات لاحقاً.


ايلاف العلي
عضو في شبكة سوريا مورس الإخبارية


مساهم / كاتب
مستوى مخصص للكتّاب والمساهمين الذين لديهم ملف عام ومقالات مرتبطة بحسابهم.

Amal Kelzi
عضو في شبكة سوريا مورس الإخبارية


عضو قارئ
مستوى مناسب للقراء الراغبين في متابعة المحتوى المخصص والتحديثات الداخلية.

farah.alatrach
عضو في شبكة سوريا مورس الإخبارية

Syria Morse
عضو في شبكة سوريا مورس الإخبارية

محمد محمود
القسم الإخباري
هيلوز حاج علي
عضو في شبكة سوريا مورس الإخبارية
مقال رائع يسلط الضوء على الشراكة الفعلية بين الدولة والانسان لتحقيق مستقبل أفضل
تم
رؤية سليمة تؤكد أن الدولة الحقيقية تبدأ من الإنسان لا من المؤسسات والشعارات .
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.