عن العضو
السيرة المهنية
تتمتع بخبرة تمتد لأكثر من عشرين عاما في التحرير الصحفي، إعداد التقارير، وتغطية الأحداث الاقتصادية والاجتماعية في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية. تميزت لوريس بقدرتها على كتابة المحتوى بدقة وتحليله بأسلوب مهني، إلى جانب مساهمتها في تطوير غرف التحرير لضمان جودة الأخبار والمقالات المنشورة.
حاصلة على إجازة في التجارة والاقتصاد من جامعة تشرين، وبدأت مسيرتها المهنية في جريدة الثورة السورية عام 1996 حيث عملت محررة صحفية، ثم انتقلت إلى جريدة الحرية السورية عام 2017. كما عملت مراسلة لمجلات المجتمع الاقتصادي والمزمنة، وكتبت تقارير اقتصادية وتحليلية لموقع سينسيريا. خلال مسيرتها، أجرت مقابلات مع خبراء في الاقتصاد وغطت مجموعة واسعة من الأحداث المحلية والسياسية والاجتماعية، مع الحرص على تقديم مواد دقيقة وموضوعية.
انضمت لوريس اليوم إلى شبكة سيريا مورس لتمثل صوت محافظة اللاذقية وتسهم بخبرتها ورؤيتها المهنية في إثراء التغطية الصحفية وتقديم محتوى إعلامي موثوق ومتميز.
الأرشيف
مقالات ومواد العضو
بين فيض العطاء وطمأنينة الأرض: مزارعو ريف اللاذقية يستبشرون خيراً
تجاوزت الهطولات المطرية في المنطقة الساحلية هذا العام كافة المعدلات التاريخية المسجلة، مما أدى إلى تدفق مياه النهر الكبير الشمالي بريف اللاذقية خارج ضفافه ليغمر الأراضي المحيطة بمساره. ورغم ما تثيره الفيضانات عادة من مخاوف، إلا…
تجاوزت الهطولات المطرية في المنطقة الساحلية هذا العام كافة المعدلات التاريخية المسجلة، مما أدى إلى تدفق مياه النهر الكبير الشمالي بريف اللاذقية خارج ضفافه ليغمر الأراضي المحيطة بمساره. ورغم ما تثيره الفيضانات عادة من مخاوف، إلا أن سكان القرى الممتدة من وطى الخان وصولاً إلى جبل النوبة وسلمى وحكرو استقبلوا هذا الحدث بارتياح واسع، نظراً للأهمية الاستراتيجية لهذه المياه في إنهاء حقبة من الجفاف أرهقت التربة والمزارعين على حد سواء.
لم يكن هذا الفيضان بالنسبة للأهالي مجرد ارتفاع في منسوب المياه، بل استجابة طبيعية لسنوات من الشح المائي، حيث ساهم في تعويض النقص الحاد في الينابيع المحلية المحدودة التي كانت تعجز عن تلبية احتياجات الري خلال فصل الصيف.
إن وصول المياه إلى هذه المساحات الواسعة يضمن استعادة التوازن الحيوي للتربة ويوفر مخزوناً جوفياً كافياً، مما يمهد الطريق لموسم زراعي وفير يعيد للمنطقة إنتاجيتها المعهودة بعد فترة طويلة من الاعتماد على مصادر مائية غير كافية.
ذاكرة الأرض
لطالما خاض المزارعون في قرى الريف الشمالي صراعاً مريراً مع محدودية الموارد المائية، حيث تظل الينابيع المتوفرة في تلك التضاريس الجبلية والمنحدرات غير كافية لإرواء المساحات الشاسعة أو تشبيع التربة في أعماقها بما يضمن بقاء الأشجار مثمرة. وجاء فيضان النهر الكبير الشمالي ليكون المنقذ الطبيعي، إذ توغلت المياه في مسام الأرض لتعيد إحياء الخزانات الجوفية وتغسل التربة من الأملاح المتراكمة.
غسلة للقلوب والتراب
في جولة استطلاعية لشبكة “سيريا مورس” الإخبارية رصدت خلالها آراء أهالي ريف اللاذقية حول تدفق السيول وتفجر الينابيع، لم تكن ملامح الخوف من “الفيضان” هي السائدة، بل غلبت عليها مشاعر الامتنان والاستبشار بموسم زراعي واعد.
بخبرة السنين وحكمتها، أشار الحاج أبو محمد أحد كبار مزارعي منطقة حكرو إلى أن هذا المشهد المائي الذي قد يراه البعض “فيضاناً مخيفاً”، يراه الفلاحون غسلةً للقلوب والتراب.
ولفت أبو محمد إلى أنهم واجهوا أياماً صعبة كانوا يقتصدون فيها بقطرات الينابيع التي لم تكن تروي ظمأ الشجر، مؤكداً أنهم اليوم على موعد مع صيف أخضر بامتياز، لاسيما وأن المياه غمرت وروت كل شبر من أراضيهم.
تحالف الأرض مع صاحبها
يرسم تدفق مياه النهر فوق أراضي جبل النوبة لوحة من الطمأنينة في نفوس المزارعين، الذين يرون في هذه الغزارة ضمانة لموسم وفير يعيد للأرض حيويتها، مؤكدين أن التربة التي ترتوي حتى التشبع لا تخذل صاحبها بل ترد العطاء أضعافاً عند الحصاد. ويترافق هذا الشعور مع تطلعات واسعة لأهالي منطقتي سلمى وحكرو نحو التوسع في زراعة الأشجار المثمرة والخضروات الصيفية، استناداً إلى قناعة راسخة بأن جودة ومذاق ثمار التربة الفيضية تتفوق بمراحل على تلك التي تعتمد على الري الصناعي، مما يجعل من هذا العام محطة حقيقية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من أصناف الفواكه التي كانت تتطلب سابقاً تكاليف ري باهظة ورعاية استثنائية.
وفي قرية وطى الخان وضع الصحفي حميشة حميشة النقاط على الحروف لمواجهة موجة التهويل الإعلامي التي صاحبت الفيضان، موضحاً أن المشهد الميداني يختلف جملة وتفصيلاً عما روجت له بعض المنصات الباحثة عن الأزمات. مؤكداً أن المحاصيل القائمة لا تزال في حالة ممتازة، كما ظل قطاع المواشي، الذي يمثل العصب الحيوي لمعيشة السكان، بعيداً عن دائرة الخسائر الحقيقية.
وأشار حميشة إلى أنه على الرغم من وقوع بعض الحوادث العرضية التي تمثلت في جرف المياه لسيارات كانت مركونة في منخفضات قريبة من المجرى، مبيناً أن تكاتف المجتمع المحلي وشهامة الشباب جنباً إلى جنب بالإضافة إلى التدخل الاحترافي والسريع لرجال الدفاع المدني، ساهم في استعادة الممتلكات بأقل الأضرار. والمفارقة الجميلة تكمن في موقف أصحاب تلك السيارات أنفسهم، الذين قابلوا الموقف برضا تام، إدراكاً منهم بأن هذه الحوادث ليست إلا ضريبة بسيطة مقابل الخير الوفير التي ستطرحها الأرض في شتى أرجاء القرية.
الذهب الطيني المتجدد
وفي السياق نفسه أشار المهندس الزراعي الدكتور باسل العلي إلى رؤيته التحليلية المعمقة حول الجدوى الاقتصادية والبيئية لهذا الفيضان، موضحاً أن هذا الموسم يحمل بشائر خير، لاسيما لمحصول الزيتون الذي يعتبر الهوية البصرية والاقتصادية لريف اللاذقية. مبيناً أن ما قام به النهر هو عملية “تخصيب طبيعية” واسعة النطاق، حيث نقلت التيارات المائية وترسبت في الأراضي المستوية كميات هائلة من المواد الطينية والرملية الدقيقة الغنية بالعناصر الكيميائية والمواد العضوية المتفسخة.
لافتاً إلى أن هذه الترسبات، التي يطلق عليها علمياً “التربة الفيضية” وتعرف في الموروث الشعبي للمنطقة باسم “اللحقيات” تشكل طبقة سميكة من الطين الداكن الذي يعمل كإسفنجة مغذية للجذور.
وبين الدكتور العلي أن هذه العملية تتم عبر آليات طبيعية معقدة تساهم في تجديد خصوبة الأراضي المنهكة، مضيفاً أن مع انحسار المياه تتبقى هذه الطبقة لتشكل مهداً مثالياً للبذور، مما يقلل بشكل كبير من حاجة المزارعين للأسمدة الكيماوية التي باتت أسعارها تشكل عبئاً ثقيلاً على كاهل المنتج.
استراتيجيات الاستثمار الزراعي للمرحلة القادمة
وأكد الدكتور العلي أن المرحلة التي تلي انحسار مياه الفيضان هي المرحلة الأهم، حيث تتحول الأراضي إلى مناجم من الخصوبة الجاهزة للاستثمار. مشيراً إلى ضرورة التحرك السريع لاستغلال هذه الرطوبة العالية والمغذيات المتوفرة. خاصة وأن التربة التي سقاها النهر الكبير الشمالي باتت اليوم مؤهلة لزراعة محاصيل متنوعة، وعلى رأسها القمح والشعير التي ستنمو بقوة ومقاومة عالية للأمراض.
تكامل الوعي الشعبي والعمل المؤسساتي
يعكس فيضان النهر الكبير الشمالي صورة ناصعة لعمق الارتباط بين الإنسان وأرضه في ريف اللاذقية، حيث تحولت غزارة المياه من تحدٍ لوجستي إلى بشارة خير استقبلها الأهالي بوعي جمعي لافت.
هذا المشهد لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل تجسيد لحالة من التكاتف المجتمعي الذي يدرك قيمة الموارد المائية في صياغة مستقبل زراعي واعد، محولاً “فورة” النهر إلى طاقة إيجابية تسري في عروق القرى والبلدات.
إن تدفق الخير في مناطق وطى الخان وجبل النوبة يؤكد أن الأرض السورية لا تزال تختزن في باطنها الكثير من العطاء لأبنائها الصامدين، وأن هذه الوفرة المائية هي بمثابة شريان حياة جديد يغذي التربة ويعد بمواسم استثنائية.
إذ تتجاوز أهمية هذا الفيضان حدود اللحظة الراهنة، لتضعنا أمام مسؤولية استثمار هذه النعمة في تعزيز الأمن الغذائي المحلي وتطوير الواقع الزراعي في المنطقة. فالمياه التي غمرت المساحات الخضراء اليوم هي ذاتها التي ستتحول غداً إلى محاصيل وفيرة وخيرات تعم أرجاء الريف، مما يساهم في دفع عجلة الاقتصاد المنزلي وتحسين جودة الحياة للأسر الفلاحية. بالإضافة إلى أن استدامة هذا الخير يتطلب استمرار روح التعاون والمبادرة التي أظهرها المجتمع المحلي، لتبقى المواسم الماطرة ركيزة أساسية في بناء مستقبل مزدهر، يترجم صمود الأرض إلى رخاء ملموس يطرق باب كل بيت، معلناً بداية عهد جديد من الخصوبة والنماء لا يعرف الكلل.

من مهلة التدمير الشامل إلى طاولة الصفقة الكبرى: هل سقطت القلاع الإيرانية تحت ضربات “الغضب العارم”؟
لم يكن الانتقال المفاجئ من قرع طبول الحرب الشاملة ومهلة السابع من نيسان الصارمة إلى طاولة المفاوضات مجرد تهدئة عابرة، بل جاء كنتيجة حتمية لارتداد عسكري عنيف هز الأركان القيادية في طهران، حيث يرى المراقبون أن…
لم يكن الانتقال المفاجئ من قرع طبول الحرب الشاملة ومهلة السابع من نيسان الصارمة إلى طاولة المفاوضات مجرد تهدئة عابرة، بل جاء كنتيجة حتمية لارتداد عسكري عنيف هز الأركان القيادية في طهران، حيث يرى المراقبون أن ما حققته عملية “الغضب العارم” طوال شهر من الضربات العنيفة تجاوز فكرة الضغط التقليدي ليتحول إلى شلل كامل في القدرات النوعية التي كانت تشكل العمود الفقري للردع الإيراني.
شلل القدرات النوعية وفرض واقع الميدان
وفي هذا السياق أوضح الاستشاري السياسي الدكتور سامر الصفدي أن واشنطن حققت هدفها في شل القدرات الصاروخية والبحرية والنووية الإيرانية الرئيسية قبل الدخول في المفاوضات الجادة، مما أتاح للإدارة الأمريكية ممارسة الضغط الدبلوماسي من موقع القوة المطلقة بالإضافة إلى تحويل نتائج الميدان العسكري إلى رافعة سياسية فعالة فرضت واقعا جديدا على طاولة البحث.
وأكد الصفدي لشبكة سيريا مورس الإخبارية أن الصواريخ البالستية والقدرات البحرية في مضيق هرمز كانت تمثل أوراق ضغط إستراتيجية تساوم بها طهران لسنوات، مبينا أن الضربات المكثفة والدقيقة أسفرت عن تدمير جزء كبير من البرنامج الصاروخي بالإضافة إلى إلحاق دمار كبير بالمنشآت النووية الحيوية، ما أدى إلى تباطؤ ملحوظ وغير مسبوق في الطموحات النووية الإيرانية.
مضيفا أن استهداف عدد كبير من القادة البارزين، بالصفوف الأولى وحتى المستويات القيادية الأدنى، أدى إلى إضعاف البنية القيادية للنظام بشكل كبير، واضعا طهران أمام تحديات معقدة. وفي ظل هذا الواقع، أصبحت المفاوضات خيارا لا مفر منه لتفادي مزيد من التدهور والحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة.
انكسار الحصانة الجغرافية والتحول نحو “تغيير السلوك”
ولفت الصفدي إلى أن عملية إنقاذ طاقم الطائرة الأمريكية (F-15E) في العمق الإيراني شكلت إنعطافة سايكولوجية حاسمة تجاوزت أبعادها العسكرية المباشرة، إذ إن نجاح القوات الخاصة في اختراق الجغرافيا الإيرانية والوصول إلى موقع الطائرة والعمل على إخلاء الطاقم وجه رسالة استعراضية كانت بمثابة المسمار الأخير في نعش التصلب العسكري الإيراني، مؤكدا أن هذا الإنجاز النوعي أثار صدمة كبرى في دوائر صنع القرار بطهران لأنه كشف عن ثغرات أمنية واستخباراتية خطيرة أفقد النظام الشعور بالحصانة الجغرافية التي كان يعتمد عليها تاريخيا ، مما سرع من وتيرة القبول بالمفاوضات وأنهى مرحلة الرفض والمكابرة بشكل حاسم.
وفي قراءة متأنية لأسلوب الإدارة الأمريكية في إدارة هذه الأزمة، أكد الدكتور الصفدي أن التوفيق بين تهديد الرئيس ترامب بـ “إبادة الحضارة” وبين نغمة المفاوضات الجيدة جدا يعكس جوهر دبلوماسية الصدمة والترهيب، وهو نهج يعامل الصراعات الدولية كعمليات تجارية معقدة، مبينا أن طموح تغيير النظام في العقل السياسي بواشنطن تحول إلى استراتيجية تغيير السلوك، خاصة بعد أن أدت العمليات العسكرية إلى بروز قيادة إيرانية جديدة تبدو أكثر مرونة وتعاونا نسبيا نتيجة غياب مراكز القوى المتشددة التي جرى تحييدها ميدانيا.
ملامح “الصفقة الكبرى” وإعادة صياغة الاقتصاد الإيراني
وعلى صعيد ملامح الاتفاق المرتقب الذي تترقبه العواصم العالمية، يدور الحديث حاليا عن نقاط جوهرية تشكل جوهر الصفقة الكبرى التي يسعى ترامب لإبرامها، حيث أشار الدكتور الصفدي إلى أن أبرز ملامح هذا الاتفاق تتمثل في تحييد دائم وشامل للملف النووي من خلال تفكيك المنشآت الرئيسية وفرض رقابة دولية صارمة ومستمرة مع تقييد صارم لتطوير البرنامج الصاروخي ووقف الدعم المالي والعسكري للأذرع الإقليمية في المنطقة، كما أوضح أن هذا التوجه يفرض التزاما إيرانيا صريحا بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز وعدم تهديد الممرات البحرية العالمية مقابل رفع تدريجي ومشروط للعقوبات الاقتصادية الخانقة.
وفي ختام حديثه أشار الدكتور الصفدي إلى الشق الاقتصادي، مضيفا أن الاتفاق يتضمن خطة دقيقة لإعادة دمج إيران في سوق الطاقة العالمي بشكل تدريجي ومنظم تحت رقابة دولية، لافتا إلى أن خطط إعادة بناء البنية التحتية المدمرة ستكون تحت إشراف ومشاركة مباشرة من شركات دولية بقيادة أمريكية بارزة، مما يفتح الباب أمام استثمارات ضخمة تسعى واشنطن من خلالها لترسيخ دورها كلاعب رئيسي في إعادة صياغة الاقتصاد الإيراني الجديد.
موضحا أن روسيا والصين حاولتا لعب دور دبلوماسي في اللحظات الأخيرة لمنع سيناريو الأرض المحروقة، إلا أن الاتفاق الجديد لا يبدو أنه يضمن لهما حصصا استثمارية مميزة، مؤكدا أن الانتقال السريع من لغة التدمير الشامل إلى لغة الهدنة يعكس رغبة براغماتية عميقة، حيث أن واشنطن تريد قطف ثمار قوتها دون استنزاف، وطهران تدرك أن إستكمال المسار العسكري يعني الانهيار الكامل.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
هل تخرج سوريا من دائرة الصراع؟.. تحولات دمشق الاستراتيجية في ظل سياسة الابتعاد المتعمد
تشهد منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة مخاضا عسيرا يعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات الدولية، وفي قلب هذا الإعصار المتلاطم تبرز الدولة السورية كلاعب يسعى لاستعادة توازنه المفقود من خلال مقاربة سياسية جديدة تتسم بالواقعية…
تشهد منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة مخاضا عسيرا يعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات الدولية، وفي قلب هذا الإعصار المتلاطم تبرز الدولة السورية كلاعب يسعى لاستعادة توازنه المفقود من خلال مقاربة سياسية جديدة تتسم بالواقعية المفرطة والابتعاد المتعمد عن محاور التصادم المباشر.
وما نلمسه اليوم في المشهد السوري ليس مجرد تهدئة ميدانية عابرة أو استراحة محارب لامتصاص الضربات، بل هو تجل واضح لمرحلة انتقالية حرجة وعميقة، تحاول فيها دمشق فك الارتباط العضوي بين أمنها القومي والصراعات الإقليمية المشتعلة من حولها، وذلك في محاولة استراتيجية لاستثمار حالة الهدوء القسري وتحويلها إلى استقرار بنيوي يمهد الطريق لعملية إعادة بناء شاملة لما دمرته الحرب، بعيدا عن لغة الشعارات والمواجهات الصفرية التي استنزفت مقدرات البلاد.
وفي هذا السياق، أشار الدكتور أحمد السباعي، المقيم في الولايات المتحدة والعضو الاستشاري في التحالف السوري الأمريكي للسلام والازدهار، في قراءته التحليلية لهذا المشهد، إلى أن الدولة السورية بدأت بالفعل تتبنى تحولا استراتيجيا دائما وليس مؤقتا، على الأقل في المدى المنظور الذي قد يمتد لعشر سنوات كحد أدنى.
النأي بالنفس كاستراتيجية بناء وطني بعيدة المدى
وأوضح الدكتور السباعي لشبكة “سيريا مورس“ الإخبارية أن سياسة “النأي بالنفس” التي تنتهجها سوريا حاليا لم تعد مجرد مناورة تكتيكية لتفادي ضغوط دولية أو ضربات عسكرية محتملة، بل صارت عقيدة سياسية وطنية تهدف بالدرجة الأولى إلى توفير المناخ الملائم للنهوض الاقتصادي وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة المنهكة.
ويؤكد أن هذا المسار السوري الجديد ينطلق من إدراك عميق وواقعي لحجم الدمار الهائل الذي خلفته سنوات الصراع، مما جعل الأولوية الوطنية القصوى هي الالتفات التام نحو الجبهة الداخلية وتأمين الاحتياجات الأساسية للشعب السوري، الذي بات يعيش الجزء الأكبر منه تحت خط الفقر.
كذلك بين أن هذا التوجه يفرض بالضرورة الانكفاء عن الانخراط في أي صراعات إقليمية خارجية قد تؤدي، في حال وقوعها، إلى الانهيار التام لما تبقى من هيكل الكيان السوري، وهو ما تدركه القيادة السورية وتضعه في الحسبان.
سيادة القرار الوطني وتعارض الرغبات الدولية
وفيما يخص التدخلات الخارجية، أكد الدكتور السباعي أن القرار السوري بتجنب الانزلاق إلى مستنقع الحرب الإقليمية هو قرار سيادي بامتياز، نابع من تقدير دقيق وحذر للمصالح الوطنية العليا، بعيدا عن أي إملاءات قد تفرضها القوى الكبرى.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم محاولاتها في بعض المنعطفات تشجيع دمشق على لعب أدوار معينة تخدم استراتيجيتها (كالتدخل في لبنان لمواجهة بعض الأطراف)، إلا أنها قوبلت برفض سوري قاطع وحاسم. موضحا أن هذا الرفض يثبت استقلالية الخيار السوري وبعده عن أي تفاهمات سرية أو صفقات قد ترهن القرار الوطني للخارج.
وبين الدكتور السباعي أن الإدارة الأمريكية تبدي اليوم نوعا من الواقعية في تفهم هذا الموقف السوري، فهي تدرك تماما أن الدولة السورية في وضعها الراهن، بما تعانيه من أزمات اقتصادية خانقة وعقوبات دولية، لا تملك القدرة ولا الرغبة في لعب أدوار إقليمية كبرى تتجاوز حدودها الجغرافية.
وبناء على ذلك، يرى السباعي أن هدوء الجبهة السورية يتقاطع في هذه المرحلة مع الرغبة الأمريكية في منع اشتعال حرب شاملة قد تخرج عن السيطرة.
توازنات القوى الإقليمية وآفاق الصراع المفتوح
وعند الانتقال لتحليل موازين القوى بين واشنطن وطهران، قدم الدكتور السباعي رؤية تحليلية تتسم بالواقعية السياسية، حيث استبعد تماما سيناريوهات الانهيار السريع أو السقوط المفاجئ للنظام الإيراني تحت وطأة الضغوط الحالية.
واستشهد السباعي برأي أحد أكبر الخبراء الاستراتيجيين في الولايات المتحدة، وهو البروفيسور الدكتور جون ميرشايمر، الخبير في العلاقات الدولية، الذي أكد أن أي محاولة جدية لتغيير الواقع السياسي في إيران تتطلب تدخلا عسكريا بريا واسع النطاق، وهو خيار يقع خارج دائرة حسابات التكلفة والمنفعة للإدارات الأمريكية المتعاقبة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية.
واوضح أن استمرار سياسة “حافة الهاوية” الحالية ستؤدي إلى تضييق الخناق الاقتصادي على المجتمع الدولي بأسره نتيجة الارتفاع الجنوني المتوقع في أسعار الطاقة، مما يضع واشنطن وحلفاءها أمام معضلات كبرى لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد لتشمل تهديد البنية التحتية الحيوية في دول الجوار.
وأكد الدكتور السباعي أن هذا الواقع الجيوسياسي المعقد يفرض نوعا من الاستقرار الهش القائم على استنزاف متبادل للقوى دون الوصول إلى نقطة اللاعودة أو الانفجار الكبير، مما يعني أننا بصدد مرحلة طويلة من إدارة الصراع بدلا من حسمه، وهو ما يقلل من احتمالات حدوث تغيير جذري وفوري في شكل الشرق الأوسط في المستقبل القريب.
العودة الخليجية وإعادة تعريف النفوذ في سوريا
وعلى صعيد التحولات الكبرى في خريطة النفوذ الإقليمي داخل الأراضي السورية، أكد الدكتور السباعي وجود مؤشرات قوية ومتزايدة على عودة الزخم للدور الخليجي، ولا سيما الدور السعودي، وهو حضور يلقى صدى إيجابيا واسعا في الشارع السوري الذي يتطلع لاستعادة التوازن العربي في بلاده، مبينا أن هذا النفوذ الخليجي الصاعد لا يهدف بالضرورة إلى استئصال أو استبدال النفوذ الإيراني الذي تغلغل بعمق طوال العقود الماضية، بل يسعى إلى خلق حالة من التوازن الاستراتيجي افتقدتها سوريا لسنوات طويلة.
كذلك أشار إلى أن العلاقة التي تتبلور حاليا مع المملكة العربية السعودية تميل لأن تكون تحالفا سياسيا رصينا يحترم خصوصية وسيادة الدولة السورية، بدلا من كونها تدخلا مباشرا في الشؤون الداخلية أو محاولة لفرض وصاية سياسية، مما يمنح دمشق مساحة أكبر للمناورة في المحافل الدولية ويفتح لها أبوابا كانت مغلقة لسنوات في وجه التعافي الاقتصادي المنشود.
مستقبل سوريا بين طموح التعافي وتعقيدات الوساطة
أيضا استبعد الدكتور السباعي أن تلعب سوريا في الوقت الراهن أو القريب دور الوسيط بين إيران والغرب، مبينا أن هذا الدور يتطلب شروطا ومناخات سياسية لم تنضح بعد، فضلا عن التعقيدات والعداءات المترسبة التي تجعل من هذه المهمة عبئا سياسيا ثقيلا قد يضعف الموقف السوري بدلا من تقويته، مؤكدا أن الأولوية السورية المطلقة ستبقى متمحورة حول الحفاظ على حالة الهدوء الحالية كخيار استراتيجي وحيد لضمان النجاة الوطنية والبدء بورشة الإصلاح الداخلي.
وأعرب عن تفاؤله الحذر بقرب انتهاء موجة التصعيد الحالية في المنطقة خلال الأسابيع القليلة القادمة، خاصة مع توجه الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب نحو إغلاق ملفات الحروب المكلفة والتركيز على الاتفاقات السياسية والاقتصادية.
وفي ختام قراءته المعمقة، بين الدكتور السباعي أن سوريا قد اجتازت بالفعل أخطر مراحل الصراع، وهي اليوم تسير بخطى حثيثة، وإن كانت صعبة، نحو استعادة عافيتها والابتعاد نهائيا عن دوامة الحروب الإقليمية، لتصبح طرفا يسعى للاستقرار بدلا من أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الدولية.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
تصاعد الرعي الجائر يهدد الزراعة في ريف اللاذقية
تشهد قرى ريف اللاذقية وجبلة بالآونة الأخيرة تصاعدا خطيرا في ظاهرة الرعي الجائر، التي لم تعد مجرد مخالفة عابرة لقوانين حماية الطبيعة، بل تحولت إلى تهديد وجودي ينهش الغطاء النباتي ويقوض الجهود الزراعية في المنطقة. وبينما…
تشهد قرى ريف اللاذقية وجبلة بالآونة الأخيرة تصاعدا خطيرا في ظاهرة الرعي الجائر، التي لم تعد مجرد مخالفة عابرة لقوانين حماية الطبيعة، بل تحولت إلى تهديد وجودي ينهش الغطاء النباتي ويقوض الجهود الزراعية في المنطقة. وبينما ينتظر الفلاح الساحلي فصل الربيع لترميم ما أفسدته الظروف المناخية، تبرز قطعان الماشية كعدو صامت يجتاح الحقول، محولة المساحات الخضراء إلى مساحات من القحط المبكر، مما يضع مستقبل الزراعة الساحلية على المحك في ظل غياب الرقابة الصارمة.
أنين الشجر ونداءات الاستغاثة
في المناطق المحيطة بمدينة جبلة، حيث تشكل بساتين الزيتون والحمضيات العمود الفقري لمعيشة الأهالي، يسود الشعور بالقلق والمرارة نتيجة التعديات المتكررة للمواشي.
وفي هذا السياق أشار المزارع حسن لموقع سيريا مورس إلى أن المعاناة بلغت ذروتها مع تعمد بعض الرعاة إطلاق قطعانهم في جنح الليل داخل الأراضي الخاصة، حيث تلتهم الماشية أغصان أشجار الزيتون الفتية وتجردها من أوراقها تماما. موضحا أن ما تتركه هذه القطعان خلفها ليس مجرد خسارة موسمية، بل هو تدمير لهوية الأرض وإرث الأجداد، مبينا أن الشجرة التي قضى الفلاح سنوات في رعايتها تذبح في ليلة واحدة تحت أسنان الماشية، وهو ما يستدعي تحركا فوريا من الجهات المعنية لوقف هذا النزيف وتأمين الحماية للمزارع الذي بات يشعر بالعجز أمام جشع البعض.
حين تغيب العطور وتسكت الكينا
وبالانتقال إلى المرتفعات الجبلية في ريف جبلة، إذ تعتمد مئات العائلات على استثمار النباتات العطرية والطبية، تبدو الكارثة أكثر عمقا وتأثيرا على الاقتصاد المحلي. حيث أكد نوار وهو أحد المهتمين في جمع وتقطير النباتات العطرية، أن الرعي العشوائي بات يستهدف بشكل مباشر القمم النامية لأشجار الغار والكينا في توقيت حرج جدا من دورة نموها.
ولفت نوار إلى أن ضياع هذه المحاصيل قبل نضوجها يؤدي إلى تراجع حاد في كمية وجودة الزيوت المستخرجة، مبينا أن هذه الزراعات التي تميز الساحل السوري وتمنحه ميزة تنافسية تتعرض اليوم لعملية تجريف ممنهجة، مما ينذر بفقدان مورد اقتصادي حيوي في وقت يواجه فيه الفلاح تحديات معيشية قاسية تتطلب صون كل حبة تراب وكل غرسة خضراء.
هربوا من الحريق فوقعوا بالرماد المتحرك
أما في قرى ريف اللاذقية فإن الوجع يتخذ صبغة الحفاظ على ما تبقى من رئة الجبل. فقد بينت زينب وهي مهتمة بالشأن البيئي والزراعي في المنطقة، أن الغابات التي نجت بجهود مضنية من حرائق الصيف الماضي، تموت اليوم ببطء تحت حوافر القطعان. وأوضحت زينب أن الرعي الجائر في هذه المناطق لا يدمر المحاصيل الزراعية فحسب، بل يمنع التجدد الطبيعي للغابة من خلال قضم الشتلات الحراجية الصغيرة قبل أن تضرب جذورها في الأرض، واصفة ما يحدث بأنه اغتيال صامت للبيئة الساحلية يحول الجبال الخضراء إلى تلال جرداء صماء، مما يهدد بتغيير الطبيعة المناخية للمنطقة وزيادة وتيرة الانجرافات المطرية في الشتاء القادم.
دق ناقوس الخطر لمواجهة شبح التصحر
يرى الخبراء المختصين بالبيئة أن التمادي في غض الطرف عن الرعي العشوائي سيقود المنطقة إلى كارثة بيئية لا يمكن الرجوع عنها. وفي هذا السياق أكد الدكتور المهندس مرهف اسمندر أن ما يحدث في ريف الساحل يتجاوز فكرة الخسارة المادية المباشرة، ليصل إلى مرحلة الخلل البيئي الجسيم الذي يطال بنية التربة نفسها، حيث حذر من أن رص التربة بحوافر الماشية يقتل نفاذيتها، مبينا أن استنزاف الغطاء النباتي يحرم الأرض من درعها الحامي أمام التغيرات المناخية القاسية، مما يسرع وتيرة التصحر وانجراف التربة الخصبة، مؤكدا أن الاستمرار بهذا النهج سيحول المرتفعات الخضراء إلى بيئة طاردة للزراعة والحياة خلال سنوات قليلة.
وأشار الدكتور اسمندر إلى أن الرعي الجائر يؤدي إلى انضغاط التربة تحت حوافر الماشية، مما يقلل من نفوذية المياه ويحرم الخزانات الجوفية من التغذية، أيضا يزيد من معدلات الانجراف بفعل غياب الغطاء النباتي الحامي.
وشدد الدكتور اسمندر على ضرورة تفعيل القوانين الناظمة للرعي بشكل حازم، بالإضافة إلى تحديد محميات رعوية بعيدة عن النطاق الزراعي الحراجي، معتبرا أن حماية التربة من التصحر هي الأولوية القصوى لضمان استدامة الزراعة في الساحل السوري.
وعي أبناء اللاذقية للدفاع عن أراضيهم
تبقى الصرخات المنبعثة من ريف اللاذقية وجبلة نداء أخيرا لإنقاذ الموسم الزراعي والغطاء النباتي. إن حماية “الأخضر” الساحلي تتطلب أكثر من مجرد تعاطف، بل تستوجب إجراءات رقابية ميدانية تضع حداً لتجاوزات الرعاة وتضمن للفلاح أن يرى ثمرة تعبه تنمو بسلام، فليست الأرض مجرد مساحة للرعي، بل هي كيان حي يستحق أن يصان من الزحف الصامت الذي يهدد لقمة عيش أبنائها وجمال طبيعتها.
وفي النهاية يبقى الرهان الحقيقي على وعي أبناء اللاذقية أنفسهم، في الدفاع عن أراضيهم وحماية مواسمهم، إذ لم تعد المسؤولية حكرا على جهة بعينها، بل أصبحت مسؤولية مجتمع كامل يدرك أن الحفاظ على أرضه هو حفاظ على مستقبله.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
كعك العيد بنكهة التحرير يروي حكايات الصمود
تستعد محافظة اللاذقية هذه الأيام لدخول أجواء مختلفة عن المعتاد، مع إقتراب ذكرى إنطلاقة الثورة السورية بشهر آذار ، في المدينة شعور بالحنين والانفعال " لذكريات الماضي" وكأن الماضي يعود ليعيش مع الناس لحظاتهم اليومية. الذكرى…
تستعد محافظة اللاذقية هذه الأيام لدخول أجواء مختلفة عن المعتاد، مع إقتراب ذكرى إنطلاقة الثورة السورية بشهر آذار ، في المدينة شعور بالحنين والانفعال ” لذكريات الماضي” وكأن الماضي يعود ليعيش مع الناس لحظاتهم اليومية. الذكرى هنا ليست مناسبة عابرة على التقويم، بل لحظة يستعيد فيها الناس أحداثا وأماكن ووجوها شكلت وعيهم وهويتهم. من شوارع المدينة إلى البيوت الصغيرة، ومن الحوارات اليومية إلى الصور والرموز التي تملأ الذاكرة، يشعر المرء بأن الثورة تركت أثرها العميق، أثر ما زال حيا في وجدان الناس ويصنع حضورهم، ويذكرهم بالقيم والتجارب التي عاشوها معا.
في الأحياء القديمة وعلى أطراف المدينة، تتردد الأحاديث عن البدايات الأولى، وعن الأيام التي كسر فيها حاجز الخوف، تحولت الشوارع إلى مساحة للتعبير. وبينما تختلف وجهات النظر وتتنوع التجارب، يبقى القاسم المشترك هو الشعور بأن تلك اللحظة تركت أثراً لا يمكن تجاوزه أو نسيانه.
فرحة التحرر: شعور يتجدد رغم كل شيء
بالنسبة للكثيرين هذه الأيام لا تبقى مجرد تاريخ يستذكر على صفحات التقويم، بل تتحول إلى نبض حي في الروح، شعور متجدد بالأمل، يتسلل بهدوء إلى القلب ويزرع فيه ما يوصف أحيانا بـ”فرحة داخلية”. إنها فرحة لا تعتمد على الأحداث الخارجية، بل تنشأ من الشعور بالتحرر من قيود الماضي، و ثقل الأيام الصعبة، أيضا من قيود النفس التي طالما كبلتها المخاوف والشكوك.
يقول خالد أحد الشباب المتواجدين في ساحة الشيخ ضاهر : إن الإحساس بالحرية يبدأ من الداخل مشيرا إلى أن استذكار تلك اللحظات يمنحهم طاقة معنوية تساعدهم على الاستمرار. مضيفا أن هذا الشعور يظهر في تفاصيل بسيطة، مثل تجمعات الأصدقاء، أو النقاشات التي تعود إلى تلك الفترة، أو حتى في رمزية بعض العبارات التي يتداولها الناس في هذه الأيام.
في السياق نفسه بادر شبان ببعض المناطق إلى تنظيم أنشطة رمزية، كتنظيف الساحات و إعادة طلاء الجدران، في محاولة لإضفاء طابع إيجابي على الأماكن التي تحمل ذاكرة خاصة لديهم. هذه المبادرات، وإن بدت بسيطة تعكس رغبة واضحة في ربط الماضي بالحاضر بطريقة تعزز الإحساس بالاستمرارية.
المجتمع المحلي: تماسك يتحدى التحديات
بريف اللاذقية لاسيما في مناطق الحفة والجبال المحيطة، يظهر التماسك الاجتماعي بشكل لافت خلال هذه الفترة. إذ تترافق الذكرى مع مبادرات جماعية تهدف إلى دعم العائلات المحتاجة، وتنظيم أنشطة تطوعية تعيد الحيوية إلى القرى.
يؤكد حسن أحد المتطوعين أن هذه الأيام تشهد حراكا هادئ لكنه مؤثر، حيث يشارك الأهالي في أعمال جماعية تعزز الشعور بالانتماء. مضيفا أن الذاكرة هنا ليست فقط استرجاعا للماضي، بل دافعا للعمل في الحاضر.
لافتاً إلى أن هذا التداخل بين الذكرى والعمل المجتمعي يمنح المناسبة بعدا عمليا بعيدا عن الخطابات، حيث يجعلها أقرب إلى تجربة معيشة يومية.
من الذكرى إلى العيد: انتقال نحو الفرح
ومع اقتراب نهاية شهر رمضان، تبدأ ملامح التحول التدريجي في أجواء المدينة، حيث تنتقل الحالة العامة من التركيز على الذكرى إلى التحضير لاستقبال عيد الفطر السعيد . هذا الانتقال لا يلغي المشاعر السابقة، بل يضيف إليها بعدا جديدا يجمع بين التأمل والفرح.
في شوارع اللاذقية وصولا بمدينة جبلة تبدأ زينة العيد بالظهور، وتزداد حركة الناس في الأسواق، وكأن المدينة تعيد ترتيب أولوياتها لتفسح المجال لمساحة من البهجة، يحتاجها الجميع بعد فترة طويلة من الضغوط.
تحضيرات العيد: فرح رغم ضيق الحال
تشهد الأسواق مثل سوق هنانو وأحياء الرمل والصليبة وصولا إلى سوق المقبي بجبلة حركة ملحوظة مع اقتراب العيد، رغم التحديات الاقتصادية التي يواجهها السكان. إذ يخرج الناس للتسوق ضمن إمكانياتهم المحدودة، محاولين تأمين احتياجاتهم الأساسية التي تضفي طابع العيد على منازلهم.
يقول أحد الباعة لسيريا ” مورس”: إن الناس تشتري بالقليل، لكنها مصرة على الشراء مشيرا إلى أن الحفاظ على طقوس العيد أصبح أولوية لدى الكثيرين، حتى في ظل الغلاء.
مضيفا أن هذا الإصرار يظهر أيضا في تفاصيل صغيرة، مثل اختيار ملابس متواضعة للأطفال، أو شراء كميات محدودة من الحلويات، مبينا أنها كافية لخلق أجواء مميزة داخل المنزل.
تستمر الطقوس المتوارثة في بسط دفئها داخل البيوت، حيث تنهمك العائلات في تحضير كعك العيد والحلويات التقليدية، بأجواء تمزج بين عناء العمل ولذة الاجتماع العائلي. هذه العادات التي تناقلتها الأجيال لم تكن مجرد ممارسات عابرة، بل صمدت أمام المتغيرات المتسارعة لتكتسب دلالات وجدانية أكثر عمقا في الوقت الراهن.
من جانبها أشارت السيدة منى إلى أن التحضير لاستقبال العيد بات يشكل ضرورة نفسية تلح على الوجدان قبل أن تكون مجرد ممارسة اعتيادية، مؤكدة أن تلك اللحظات تمنح العائلة إحساسا بالاستقرار النفسي والسكينة، ولو في إطارها المؤقت.
كما بينت أن هذه الجلسات الصباحية والمسائية تتحول في كثير من الأحيان إلى مساحة رحبة لتبادل الأحاديث واستعادة الذكريات المنسية، الأمر الذي يساهم في تمتين الروابط الأسرية إضافة إلى إعادة إحياء روح الجماعة التي تجمع الشتات العاطفي حول مائدة واحدة.
اقتصاد التضامن: حلول من الناس للناس
في ظل الضغوط المعيشية، ظهرت مبادرات محلية تهدف إلى تخفيف الأعباء عن الأهالي. بعض المحال قدمت تخفيضات على الألبسة والحلويات ، بينما اعتمدت بعض العائلات على تبادل الدعم فيما بينها، سواء من خلال مشاركة المواد الغذائية أو المساعدة في تأمين احتياجات العيد.
هذا النمط من التعاون يعكس قدرة المجتمع على التكيف، ويؤكد أن التضامن ما زال حاضرا كأحد أهم أدوات مواجهة الأزمات.
في النهاية ترسم اللاذقية في هذه الأيام صورة مركبة، تجمع بين استحضار الذاكرة واستقبال الفرح. ليست مفارقة بقدر ما هي تعبير عن واقع يحاول فيه الناس التوازن بين ما كان وما هو كائن.
بين ذكرى آذار وتحضيرات العيد، يعيش الأهالي لحظة خاصة، تتداخل فيها المشاعر، لكن يبقى فيها خيط واضح وهو الرغبة في الاستمرار، والتمسك بالحياة رغم كل شيء.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
سورية حجر الزاوية..هل يعيد خطاب أحمد الشرع رسم خارطة الاستقرار المشرقي ؟
يخطو المشرق العربي اليوم نحو مرحلة من المكاشفة السياسية وإعادة تموضع القوى، حيث تبرز الدولة السورية كلاعب محوري لا يمكن تجاوز ثقله الاستراتيجي في رسم خارطة الاستقرار الإقليمي. وفي قراءة تحليلية معمقة لمواقف الرئيس السوري أحمد…
يخطو المشرق العربي اليوم نحو مرحلة من المكاشفة السياسية وإعادة تموضع القوى، حيث تبرز الدولة السورية كلاعب محوري لا يمكن تجاوز ثقله الاستراتيجي في رسم خارطة الاستقرار الإقليمي. وفي قراءة تحليلية معمقة لمواقف الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة، يتبدى لنا أن دمشق لم تعد تكتفي بإدارة أزماتها الداخلية، بل انتقلت بوضوح إلى مرحلة المبادرة السياسية التي تضع أمن المنطقة برمتها في كفة، واستقرار سوريا في الكفة المقابلة بصفتها “حجر الزاوية” الذي بدونه يختل توازن البناء المشرقي كاملا.
عقيدة الدفاع الاحترازي وتأمين التخوم
وفي هذا السياق لفت الخبير السياسي الدكتور مرهف اسمندر إلى أن هذا الطرح الرئاسي يمثل انعطافة جوهرية في العقيدة السياسية السورية، حيث انتقلت الدولة من مفهوم الدفاع السلبي إلى مفهوم الدفاع الاحترازي النشط.
وأشار الدكتور اسمندر لموقع“ سيريا مورس ” إلى أن تعزيز القوات الدفاعية على الحدود السورية لم يكن مجرد إجراء تقني لتأمين التخوم، بل هو رسالة سياسية بليغة المضمون موجهة إلى القوى الإقليمية والدولية على حد سواء، تؤكد فيها دمشق أن الأراضي السورية لن تكون بعد اليوم ساحة مفتوحة لتصدير تداعيات الصراعات المجاورة، أو ممرا آمنا للتنظيمات العابرة للحدود التي استثمرت لسنوات في حالة السيولة الأمنية.
وحدة المصير المشرقي وتجفيف منابع الفوضى
وأكد الدكتور اسمندر في تحليله أن التنسيق السوري مع دول المنطقة يعكس رؤية ناضجة لمفهوم “الأمن الجماعي” حيث أشار إلى أن دمشق تدرك تماما أن أي اهتزاز أمني في بغداد أو بيروت سيجد صداه حتما في الداخل السوري. ومن هنا لفت الخبير السياسي إلى أن دعم الحكومة السورية للخطوات الجادة والحاسمة التي تتخذها حكومتا العراق ولبنان يمثل حائط صد منيعا أمام محاولات الانزلاق نحو صراعات إقليمية شاملة ، مشيرا إلى أن هذه السياسة تهدف بالدرجة الأولى إلى تجفيف منابع الإرهاب ومنع الجماعات المسلحة من استخدام الجغرافيا السورية كقاعدة انطلاق أو ملاذ آمن، وهو ما يعزز من هيبة الدولة ويبسط سلطة القانون على كامل التراب الوطني.
السيادة اللبنانية وحصر السلاح بيد الدولة
وفيما يتعلق بالشأن اللبناني، توقف الدكتور اسمندر مطولا عند الموقف السوري الداعم للرئيس اللبناني جوزيف عون في ملف نزع سلاح حزب الله. معتبرا أن هذا الموقف يمثل شجاعة سياسية في إعادة تعريف العلاقات البينية على أسس سيادية بحتة، مؤكدا أن وقوف دمشق إلى جانب مؤسسات الدولة اللبنانية الشرعية في بسط سلطتها الأحادية على السلاح، يقطع الطريق على أي محاولات لشرعنة السلاح خارج إطار الدولة، ويسهم في استعادة لبنان لعافيته السياسية بعيدا عن ضغوط الميليشيات أو الأجندات العابرة للحدود. لافتا إلى أن هذا التوجه ينسجم تماما مع الرغبة السورية في بناء منطقة مستقرة تقوم على قوة الجيوش الوطنية والمؤسسات الدستورية لا على توازنات القوى المسلحة غير النظامية.
مرحلة الوضوح الاستراتيجي واستعادة الدور الرائد
وعلى صعيد التحولات الجيوسياسية الكبرى، أكد الدكتور اسمندر أن هذا الخطاب ينهي حقبة “الضبابية” في التحالفات، ويؤسس لمرحلة “الوضوح الاستراتيجي”. لافتا إلى أن سوريا ومن خلال حماية حدودها بقوة ذاتية، تسحب البساط من تحت أقدام أي تدخلات أجنبية كانت تتذرع بمكافحة الإرهاب للتدخل في الشأن السوري، مشيرا إلى أن بناء السيادة المتكاملة يتطلب تضافر الجهود الشعبية مع الرؤية السياسية القيادية، مؤكدا أن الالتفاف حول مؤسسة الجيش والقوات الدفاعية هو الضمانة الأكيدة لتحويل الأراضي السورية إلى واحة أمن وسط محيط مضطرب، وهو ما سينعكس إيجابا على ترتيب البيت الداخلي وإعادة الثقة بالدور السوري الرائد في المحافل الدولية.
الأمن كمدخل للإعمار والنهوض الاقتصادي
كما لفت الدكتور اسمندر إلى أن خطاب “حجر الزاوية” يحمل في طياته بعدا اقتصاديا واجتماعيا لا يقل أهمية عن البعد العسكري، إذ إن مكافحة التنظيمات العابرة للحدود وتأمين التخوم يعد الممر الإلزامي لإطلاق عجلة الإعمار وجذب الاستثمارات الإقليمية، مؤكدا أن استقرار سوريا هو الضمانة الوحيدة لفتح الشرايين التجارية الحيوية بين عواصم المشرق، وهو ما يفسر حرص الرئيس أحمد الشرع على منع أي تداعيات خارجية من عرقلة مسار النهوض السوري الجديد.
وأشار اسمندر إلى أن العالم بات يدرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن الفوضى في سوريا تعني الفوضى في المشرق العربي برمته، وأن دعم الدولة السورية في فرض سيادتها هو أقصر الطرق لضمان أمن الطاقة وطرق التجارة الدولية.
دمشق صمام أمان المشرق
واختتم الدكتور مرهف اسمندر رؤيته بالتأكيد على أن سوريا تعيد اليوم صياغة دورها كصمام أمان للمنطقة، مستندة إلى واقعية سياسية ترفض الانزلاق نحو المحاور التصادمية وتفضل لغة التنسيق والتعاون السيادي، مشيرأ إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من التصلب في مواجهة أي خروقات أمنية حدودية، بالتوازي مع انفتاح دبلوماسي واسع يهدف إلى تثبيت أركان “حجر الزاوية” السوري في البنيان العربي والدولي.
إن هذا المسار كما لفت اسمندر، هو الكفيل وحده بإنهاء حقبة الاضطرابات وفتح الباب أمام مستقبل يسوده منطق الدولة والقانون، لتظل سوريا كما كانت دائما، القلب النابض للمشرق والضامن لاستقراره المستدام.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
مستقبل إيران بين مطرقة “الملحمة الغاضبة” وسندان التغيير الجذري
تشكل عملية الملحمة الغاضبة (Epic Fury) في عام 2026 ذروة التحول الجذري في العقيدة العسكرية والاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، حيث تعكس بوضوح رؤية الرئيس ترامب الجديدة التي تقوم على مبدأ الحسم العسكري المعتمد على…
تشكل عملية الملحمة الغاضبة (Epic Fury) في عام 2026 ذروة التحول الجذري في العقيدة العسكرية والاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، حيث تعكس بوضوح رؤية الرئيس ترامب الجديدة التي تقوم على مبدأ الحسم العسكري المعتمد على التفوق التكنولوجي والضربات الجراحية من بعيد، دون الانزلاق مجددا إلى مستنقع المواجهات البرية المكلفة بشريا وماديا.
وفي هذا السياق أوضح المستشار السياسي الدكتور سامر الصفدي أن واشنطن لم تعد تكتفي بسياسة الاحتواء، بل تسعى لتفكيك التهديد الإيراني من جذوره عبر استراتيجية متعددة الأبعاد، لا تقتصر فقط على تدمير المنشآت النووية المباشرة ومواقع التخصيب ومخازن الصواريخ الباليستية، بل تمتد لتشمل إحداث تغيير بنيوي وشامل في جوهر النظام الحاكم.
و أشار الدكتور الصفدي لموقع “سيريا مورس “إلى أن هذه المقاربة تعتمد بشكل أساسي على شل مفاصل القوة الصلبة لدى الحرس الثوري وتفكيك هيمنته العسكرية والمالية التي تمد أذرعها في المنطقة، مع ممارسة نوع من الضبط العسكري الذي يحرص تعمدا على إبقاء مؤسسات الدولة المدنية والجيش النظامي في حالة تماسك نسبي، وذلك لتجنب تكرار سيناريو “الدولة الفاشلة” الذي اختبرته الإدارات الأمريكية السابقة في تجارب العراق وليبيا وما نتج عنها من فوضى عابرة للحدود.
التوازنات الداخلية الأمريكية: صراع الشرعية ورهان النتائج
على جبهة واشنطن الداخلية يتبدى مشهد من الاستقطاب الحاد، حيث تضع حالة الانقسام بين البيت الأبيض والكونغرس “شرعية الحرب” على المحق القانوني. فبينما يتمسك الحزب الديمقراطي المعارض بضرورة وجود تفويض تشريعي صريح، يرى الدكتور الصفدي أن الإدارة الحالية تمارس لعبة “سباق مع الزمن” حيث
تراهن الإدارة على تحقيق نتائج ميدانية خاطفة لامتصاص الاعتراضات السياسية، مسوقة التكاليف الباهظة للعملية ليس كاستنزاف للموارد، بل كاستثمار وقائي ضروري لحماية الأمن القومي، ومنع طهران من تجاوز نقطة اللاعودة في طموحها النووي.
رهان الخليج الوجودي
وفيما يخص الحلفاء يشير المستشار السياسي إلى أن الحسابات الأمريكية تستند إلى أرضية صلبة في منطقة الخليج،حيث تعد القواعد العسكرية والمظلة الأمنية الأمريكية “صمام أمان” وجودي لهذه الدول ضد أي ردود فعل إيرانية انتقامية قد تطال شريان الطاقة العالمي. مبينا ان هذا الواقع يحول الوجود العسكري الأمريكي من رغبة واشنطن المنفردة إلى ضرورة أمنية إقليمية ملحة.
وفي المشهد الدولي المعقد لا تبدو روسيا والصين مجرد مراقبين، بل كداعمين استخباراتيين يزودون طهران ببيانات حيوية حول التحركات الأمريكية لمحاولة موازنة الكفة. ورغم ذلك يوضح الدكتور الصفدي أن واشنطن ما زالت تمسك بزمام المبادرة الاستراتيجية، فهي من ترسم الخطوط العريضة لإعادة هندسة المنطقة، تاركة للجانب الإسرائيلي تنفيذ التكتيكات الميدانية الأكثر خطورة.
الهدف النهائي: هندسة واقع سياسي جديد
ولفت الصفدي إلى أن الاستراتيجية الأمريكية تتجاوز منطق الانتقام العسكري إلى هدف أبعد وهو فرض واقع سياسي بوجوه إيرانية أكثر براغماتية، قادرة على التعايش مع المصالح الدولية، مما ينهي عقودا من العداء دون أن تضطر واشنطن لتحمل أعباء اقتصادية ضخمة لإعادة الإعمار (على غرار خطة مارشال).
سيناريو الاستنزاف: خيار “ترامب” البديل
يرى الدكتور الصفدي أنه في حال صمود النظام الإيراني وتحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة، فإن الاستراتيجية البديلة (استراتيجية ترامب) ستنتقل إلى مرحلة الخنق المطلق، وتعتمد على الحصار الاقتصادي الشامل لتجفيف منابع التمويل تماما.
بالإضافة إلى الضربات الجوية الجراحيةالمتمثلة بإستهداف مراكز الإمداد بشكل متقطع لإبقاء النظام في حالة إرباك دائم.
وفي ختام حديثه اشار المستشار الصفدي إلى أن هذه الضغوط تضع القيادة الإيرانية أمام فكي كماشة: إما قبول شروط التفاوض الجديدة بصيغة استسلام غير مشروط، أو مواجهة تآكل داخلي ينتهي بانهيار المنظومة تحت وطأة الضغط العسكري والمعيشي.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
بين تطمينات “الطاقة” وازدحامات “اللاذقية”: شبح الاحتكار والهلع يبتلع الشوارع
ِتعيش مدينة اللاذقية الساحلية على وقع حالة من الاستنفار الشعبي غير المسبوق، حيث تحولت شوارعها إلى ساحات انتظار طويلة أمام محطات الوقود ومراكز توزيع الغاز المنزلي. وبينما تصدر وزارة الطاقة بيانات تؤكد فيها توفر المخزون واستمرارية…
ِتعيش مدينة اللاذقية الساحلية على وقع حالة من الاستنفار الشعبي غير المسبوق، حيث تحولت شوارعها إلى ساحات انتظار طويلة أمام محطات الوقود ومراكز توزيع الغاز المنزلي. وبينما تصدر وزارة الطاقة بيانات تؤكد فيها توفر المخزون واستمرارية التوريدات، تحكي الحشود البشرية وأرتال السيارات التي تمتد لمئات الأمتار قصة أخرى، عنوانها “فقدان الثقة” والخوف من القادم في ظل الظروف الإقليمية المتوترة.
الأزمة أزمة وعي لا نقص مادة
بدأت القصة ببيان رسمي صدر عن وزارة الطاقة في الجمهورية العربية السورية، حمل لغة تطمينية تهدف إلى تهدئة الشارع، الوزارة أكدت في بيانها التوضيحي أن المصافي تعمل بكامل طاقتها، وأن عقود استيراد النفط الخام تسير عبر القنوات المعتمدة وببرامج تكرير معتادة.
وحول مشاهد الازدحام الخانقة، عزت الوزارة السبب إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب تجاوز 300% عن المعدل اليومي الطبيعي، معتبرة أن السبب هو الانجرار وراء الشائعات والتخوف من التطورات الإقليمية، وليس نقصا فعليا في المادة.
ودعت الوزارة المواطنين لعدم الضغط غير المبرر على منظومة التوزيع، مشيرة إلى أن المخزون التشغيلي يقع ضمن الحدود الآمنة.
صراع الأجساد من أجل “جرة غاز”
في أحياء اللاذقية تبدو كلمات البيان الرسمي بعيدة كل البعد عن ضجيج التدافع وصراخ المواطنين. مشكلة الغاز المنزلي أخذت منحا مأساويا، أي بمجرد انتشار خبر وصول سيارة توزيع الغاز إلى أحد الأحياء، يهرع المئات من الرجال والنساء، وحتى كبار السن، حاملين أسطواناتهم الفارغة في رحلة بحث مضنية.
يؤكد أبو محمد” لسيريا مورس “وهو موظف متقاعد وقف لساعات طويلة تحت غزارة المطر وشدة الرياح أنهم هو وجيرانه سمعوا في الأخبار أن الغاز متوفر، لكنهم على الأرض ينتظرون سيارة التوزيع كأنهم ينتظرون معجزة. لافتا إلى أنه عندما تصل سيارة الغاز يتحول المشهد إلى فوضى عارمة، حيث أن الناس يركبون فوق بعضهم البعض، والقوي هو من يحصل على الجرة أولا. مبينا أنهم لايتهافتون وراء الشائعات، فهم يركضون لأن بيوتهم باردة وطعامهم يحتاج للنار.
هذا المشهد المتكرر في أحياء مثل المشروع العاشر والرمل الشمالي وصولا إلى مدينة جبلة يعكس فجوة عميقة بين التخطيط الورقي والقدرة على ضبط التوزيع العادل على الأرض، مما يفتح الباب أمام “السوق السوداء” التي وصل سعر الأسطوانة فيها إلى أرقام خيالية نتيجة هذه التجمعات غير المنظمة.
الكازيات: “تفويل” الخزانات هربا من المجهول
أما أمام محطات الوقود فالمشهد لا يقل تعقيدا حيث أن أرتال البنزين والمازوت شلت حركة المرور في الشوارع الرئيسية. المواطنون هناك لا ينكرون “الهلع” لكنهم يبررونه بمرارة التجارب السابقة.
أشارت رنا وهي طبيبة أطفال كانت تنتظر دورها في ساحة الانتظار بإحدى محطات الوقود عند مدخل المدينة، إلى الدوافع وراء هذا الازدحام قائلة: لماذا نركض لتعبئة الوقود؟! لأننا إعتدنا تاريخيا أن التصريحات الرسمية التي تنفي وجود نقص ما، تعقبها دائما أزمة حادة. إذ نخشى حقيقة أن تنقطع الطرق أو تتوقف التوريدات نتيجة الأوضاع الإقليمية الراهنة، لافتة إلى أنها تجد قضاء 5 ساعات في الانتظار الآن، أفضل بكثير من البقاء بلا وقود لسيارتها مبينة أنها الوسيلة الوحيدة التي تنقلها إلى عملها ، وضمانها الوحيد لعدم التأخر عن مرضاها الصغار الذين ينتظرون رعايتها الطبية
من جهة أخرى أكد عدد من المواطنين المتواجدين أمام بعض محطات الوقود في مدينة جبلة أنهم يجدون أنفسهم اليوم مضطرين لتأمين مادة المازوت بما توفر لديهم من سيولة نقدية ومن أي محطة متاحة، وذلك في ظل المخاوف المتزايدة من انعكاسات الحرب على إيران وتأثيرها على استقرار التوريدات.
مشيرين إلى أن مادة المازوت متوفرة في المحطات، إلا أن الازدحامات الكبيرة والخانقة باتت المشهد الطاغي، لافتين إلى أن القلق من المجهول هو ما يدفع الجميع لمحاولة ملء خزاناتهم الخاوية الآن وتأمين الدفء قبل تفاقم الأوضاع.
ولفت المواطنون إلى أنهم يواجهون أعباء مادية وضغوطا نفسية كبيرة، حيث يضطرون للانتظار لساعات طويلة وسط هذه الزحمة، مؤكدين أن دافعهم الوحيد هو خشيتهم من مواجهة البرد بصدور عارية في حال تطورت الظروف الميدانية وأثرت على حركة التوزيع.
أزمة ثقة وإدارة أزمات
للوقوف على الجانب التحليلي يرى الخبير الاقتصادي الدكتور وديع اسمندر أن المعضلة الحالية تتجاوز في أبعادها مجرد نقص التوريدات لتستقر في عمق سايكولوجيا الأزمات وضعف آليات التدخل الحكومي. مبينا أن المشهد القائم في اللاذقية وغيرها من المحافظات لا يعكس بالضرورة عجزا في المادة الأولية، بل يمثل انفجارا غير مسبوق في الطلب مدفوعا بانعدام الثقة بين المواطن والجهات التنفيذية.
وأكد الدكتور اسمندر ” لسيريا مورس ” أن القفزة الهائلة في المبيعات، والتي وصلت إلى حدود 300% تشير بوضوح إلى سلوك استهلاكي تحوطي، حيث يسعى المواطنون لسحب مخزونات المستقبل وتخزينها اليوم، مما يفضي إلى ما يعرف بـ “الندرة المصطنعة” التي تخنق السوق وتزيد من حدة الاختناقات.
وفي سياق الحلول يرى الدكتور اسمندر أن إدارة الأزمة تتطلب ما هو أبعد من إصدار البيانات الإعلامية، إذ بات من الضروري التوجه نحو زيادة ضخ المادة بشكل استثنائي لكسر حدة الطلب وتهدئة روع المستهلك، بالتوازي مع فرض رقابة ميدانية صارمة على قنوات التوزيع لقطع الطريق أمام المحسوبيات والاتجار بالمواد في السوق السوداء بأسعار مضاعفة.
وفي ختام حديثه أشار الخبير الإقتصادي إلى أن الاستمرار في ضخ الوعود اللفظية بتوفر المادة، في وقت يزدحم فيه الواقع بمظاهر الاكتظاظ في الشوارع، لن يؤدي إلا إلى تفاقم حالة الهلع وتقويض ما تبقى من جسور الثقة.
صرخة أمل
بين سندان الحاجة اليومية ومطرقة القلق من القادم، يواصل المواطن في اللاذقية نسج خيوط صبره بانتظار فجر جديد. ومع تزايد الآمال بأن تحمل الأيام القادمة انحسارا لموجة الازدحام العابرة، تظل العيون شاخصة نحو الأفق ، ترقب اللحظة التي تترجم فيها الوعود إلى دفء في المواقد ونبض في المحركات. هي حياة يومية لا يطلب فيها المواطنين المستحيل، بل ينشدون استقرارا يطوي صفحات الانتظار الطويل، لتعود السكينة إلى تفاصيل حياتهم، وتضاء البيوت بنور الطمأنينة قبل نيران المواقد.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
اللاذقية في حضرة رمضان : تراتيل البحر ونفحات الجبل
حين يهل هلال شهر رمضان المبارك على محافظة اللاذقية، لا تكتفي المآذن بإعلان الصيام، بل تعلن الأرض برمتها حالة من الوجد الصوفي الفريد. حيث تتماوج زرقة المتوسط مع خضرة جبال الساحل السوري. يكتسب الشهر الفضيل أبعادا…
حين يهل هلال شهر رمضان المبارك على محافظة اللاذقية، لا تكتفي المآذن بإعلان الصيام، بل تعلن الأرض برمتها حالة من الوجد الصوفي الفريد. حيث تتماوج زرقة المتوسط مع خضرة جبال الساحل السوري.
يكتسب الشهر الفضيل أبعادا تتجاوز حدود الشعائر لتصبح طقسا وجوديا يجمع بين السكينة والبهجة. من “حي القلعة” العتيق في قلب اللاذقية، وصولا إلى “حي العمارة” وحواري “جبلة” الضاربة في القدم، يفوح عبق التاريخ الممتزج برائحة البخور وقمر الدين، ليرسم لوحة اجتماعية تعكس أصابة هذا الشعب الذي يقدس الروابط الأسرية ويحتفي بالضيف وكأنه صاحب الدار.
قناديل تضيء عتمة المسافات
تتحول شوارع اللاذقية وجبلة مع حلول الشهر الفضيل إلى معرض مفتوح للجمال البصري. لا تقتصر الزينة هنا على الفوانيس الورقية التقليدية، بل تتعداها إلى إضاءات فنية تغطي واجهات الأبنية والشرفات، حيث تتدلى الحبال المضيئة لترسم أهلة ونجوما تحاكي في لمعانها انعكاس القمر على سطح البحر. وفي أسواق مدينة جبلة القديمة، وتحديدا بالقرب من جامع السلطان إبراهيم تتشابك خيوط الزينة بين الأزقة الضيقة، مما يضفي صبغة روحانية تأسر القلوب. هذا الاهتمام بالتفاصيل الجمالية يعكس رغبة المواطن الساحلي في خلق مساحة من الفرح والسكينة، وتحدي الظروف الصعبة ببريق الأمل الذي يمثله الشهر الكريم.
سكبة رمضان: تجسيد حقيقي للتكافل الاجتماعي
وفي السياق نفسه أشار أبو خالد أحد رجال الدين إلى أن “السكبة” في محافظة اللاذقية تمثل ركنا أساسيا من أركان الشخصية الاجتماعية الساحلية. مبينا أن قبل أذان المغرب بدقائق تشهد مداخل البيوت وأدراج الأبنية حركة دؤوبة، حيث يتنقل الصغار والكبار حاملين أطباقا تفوح منها روائح الشهيات. لافتاً إلى أنها ليست مجرد عملية تبادل للطعام، بل هي ميثاق محبة غير مكتوب “الجار للجار مهما عصفت الأزمات”
وبين أبو خالد لموقع “سيريا مورس ” أن قرى ريف اللاذقية وجبلة تأخذ هذه العادة طابعا أكثر عمقا، حيث يحرص الأهالي على إرسال “السكبة” إلى العائلات المحتاجة أو الأيتام قبل موائدهم الخاصة، مما يكرس مفهوم الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
مائدة الساحل: تمازج النكهات بين البر والبحر
من جانبه أكد العم أبو ضياء وهو مزارع يعمل بالبيوت البلاستيكية أن المائدة الرمضانية في اللاذقية تنفرد بتنوع يجمع بين خيرات الأرض وهبات البحر. بالإضافة إلى أن طبق “الفتة” الشامي يجد مكانه المرموق، والأطباق المحلية مثل “المغربية” و”الكبة السفرجلية” و”السمكة الحرة” تفرض حضورها بقوة.
لافتا إلى أن سحور أهل الجبل يحضر “الشنكليش” و”الزيتون” الأخضر والأسود كعناصر لا غنى عنها. أما المشروبات فما زال بائع “العرقسوس” و”التمر هندي” يجوب الساحات بزيه الفلكلوري، يسكب لزبائنه جرعات من الانتعاش تقاوم صبر الصيام. مبينا أن “الجزرية” اللاذقانية تبرز كملكة للحلويات الرمضانية، فهي رفيقة السهرات بامتياز، تمد الصائم بالطاقة وتجمع حولها العائلة في طقس اجتماعي دافئ.
نبض الشارع وذكريات الأمس
بدوره أكد أبو غسان وهو تاجر من مدينة جبلة أن رمضان في جبلة له نكهة مغموسة برائحة التاريخ، فالمشي في سوق جبلة القديم بعد صلاة التراويح يمنح سكانها شعورا بأمان وسكينة لايوصف .
بينما تشير السيدة “ليلى” وهي مدرسة من مدينة اللاذقية، إلى أن أجمل ما في رمضان هو “اللمة” العائلية التي تزداد بريقا بزيارة الأقارب في القرى الجبلية، حيث يمتزج هواء البحر العليل بنسمات الجبل الباردة، مما يجعل الإفطار هناك تجربة لا تُنسى.
هؤلاء المواطنون يجمعون على أن رمضان هو فرصة للتصالح مع الذات ومع الآخرين، ومحطة سنوية لتجديد الروح.
وفي سياق متصل أشار الدكتور نبيل خضور باحث في التراث الشعبي السوري أن محافظة اللاذقية حافظت على هويتها الرمضانية الخاصة نتيجة لموقعها الجغرافي وتنوعها السكاني. وأكد الدكتور خضور أن العادات الرمضانية في الساحل، مثل “المسحراتي” الذي لا يزال يطرق طبله في أحياء اللاذقية القديمة وجبلة، تمثل نوعا من “المقاومة الثقافية” للحداثة الجافة.
مضيفا أن استمرار هذه العادات يؤدي دورا حيويا في تعزيز الصحة النفسية للمجتمع، حيث تخفف هذه الأجواء من ضغوط الحياة اليومية وتخلق نوعا من الاستقرار الوجداني الذي يتوارثه الأبناء عن الآباء.
اللاذقية.. منارة الروح والسكينة
يبقى شهر رمضان في محافظة اللاذقية بمدنها وقراها شاهدا على عظمة الإنسان السوري وقدرته على اجتراح الفرح من صلب التحديات. إنها المحافظة التي عرفت كيف تزاوج بين خشوع الصلاة وبهجة العيد، وبين هدوء الجبال وصخب الموانئ. في كل فانوس يضاء، وفي كل “سكبة” تمر عبر باب الجار ، وفي كل دعاء يرفع تحت قبة جامع “السلطان إبراهيم” أو “المغربي”، تتجلى روح اللاذقية العصية على النسيان.
سيبقى هذا الشهر في عروس الساحل منارة للقيم، وموئلا للمحبة، ودرسا بليغا في الكرم الذي لا ينضب، تماما كبحرها الذي يغسل أقدام التاريخ كل يوم.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
بين أروقة ميونخ وهواجس واشنطن: هل دقت ساعة “الواقعية السياسية” في سوريا؟
بينما كان العالم يترقب ملامح النظام الدولي الجديد في مطلع عام 2026 خطفت سوريا الأضواء من قلب "مؤتمر ميونخ للأمن" لترسم مشهدا لم يكن يتخيله أكثر المتفائلين قبل أعوام قليلة. لم تكن المصافحات في أروقة المؤتمر…
بينما كان العالم يترقب ملامح النظام الدولي الجديد في مطلع عام 2026 خطفت سوريا الأضواء من قلب “مؤتمر ميونخ للأمن” لترسم مشهدا لم يكن يتخيله أكثر المتفائلين قبل أعوام قليلة. لم تكن المصافحات في أروقة المؤتمر مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل كانت إعلانا ضمنيا عن انتهاء حقبة الجمود الكبير وبدء مرحلة الواقعية المشروطة في السياسة الأمريكية تجاه دمشق.
في هذا السياق تبرز قراءة الدكتورة عزة عبد الحق عضو استشاري بالتحالف السوري الأمريكي للسلام والازدهار، لتفكك طلاسم هذا التحول حيث أشارت إلى أن المتغيرات الميدانية والسياسية، بدءا من صعود القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، وصولا إلى براغماتية ماركو روبيو في الخارجية الأمريكية، قد وضعت قطار الحل على سكة التفاهمات المباشرة.
ولفتت عبد الحق إلى أننا لسنا أمام مجرد “تهدئة” بل نحن بصدد مخاض عسير لولادة سورية جديدة، تعيد تموضعها إقليميا ودوليا بعيدا عن صراعات المحاور.
واقعية “روبيو” وميلاد الدبلوماسية المشروطة
توقفت الدكتورة عزة عبد الحق، في حديثها إلى موقع «سيريا مورس»، عند ما وصفته بالتحول الجذري في اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية، مشيرة إلى أن تولي Marco Rubio وزارة الخارجية شكل انتقالا واضحا من مرحلة “الانتظار السلبي” إلى نهج يقوم على التفاوض المباشر. واعتبرت أن لقاء ميونخ، الذي جمع الوزير الأمريكي بوفد سوري رفيع ضم وزير الخارجية أسعد الشيباني وعددا من قادة «قسد»، مثل محطة مفصلية في إعادة فتح قنوات التواصل السياسي.
ورأت عبد الحق أن روبيو، الذي عرف سابقا بمواقفه المتشددة، بات اليوم أكثر انسجاما مع توجهات البيت الأبيض الرامية إلى خفض الانخراط العسكري وتقليص كلفته، مستندا إلى ما وصفته بأرضية تعاون أمني في ملفات مكافحة الإرهاب يمكن أن تشكل مدخلا لإعادة بناء الثقة بين الطرفين بعد سنوات من القطيعة.
تجاوز «قيصر» وصياغة اقتصاد الاستقرار
إلغاء قانون قيصر بالكامل
وفي قراءتها للمشهد الاقتصادي الراهن، أكدت الدكتورة عبد الحق على أن ما يعرف بـ قانون قيصر قد تم إلغاؤه بالكامل، في خطوة تعكس – بحسب توصيفها – تحولا واضحا في مقاربة الإدارة الأمريكية، التي باتت تفضل دعم مسارات الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات على سياسات الضغط القصوى التي غذت حالة الفوضى خلال السنوات الماضية.
موضحة أن الرؤية الأمريكية الجديدة لم تعد تفصل بين الملفين السياسي والاقتصادي، بل أصبحت تربط بشكل عضوي بين مشروع إعادة الإعمار في سوريا وبين تبني الحكومة السورية الحالية نهجا دبلوماسيا معتدلا ومنفتحا على الحوار الإقليمي والدولي. معتبرة أن هذا الربط يعكس إدراكا أمريكيا متزايدا بأن تحقيق الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتم عبر العقوبات وحدها، بل عبر تحفيز البيئة الاقتصادية وفتح قنوات التعاون المشروط.
وبينت عبد الحق أن المشهد داخل الكونغرس الأمريكي لا يخلو من التحفظات، إذ لا تزال بعض الدوائر تطرح تساؤلات وتطالب بضمانات إضافية تحول دون إعادة فرض عقوبات جديدة مستقبلا، حيث وصفت هذه المواقف بأنها أقرب إلى مناورات سياسية داخلية تهدف إلى تسجيل مواقف أو انتزاع التزامات محددة، أكثر من كونها عرقلة حقيقية لمسار التحول الجاري.
وفي هذا السياق، رأت أن القرار التنفيذي الفعلي يتجه من قبل إدارة الرئيس Donald Trump نحو تقديم دعم مشروط للحكومة السورية، التي أشارت إليها باسم حكومة “الشرع”، وذلك طالما استمر التنسيق الميداني والسياسي في الملفات الحساسة المرتبطة بالأمن القومي، سواء ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، أو ضبط الحدود، أو إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.
وأشارت عبد الحق بأن المرحلة المقبلة مرهونة بمدى قدرة الطرفين على ترجمة هذا التحول السياسي إلى خطوات عملية على الأرض، بما يفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات، وعودة المشاريع التنموية، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين، في إطار معادلة جديدة عنوانها” الاستقرار مقابل الانخراط المسؤول في المنظومة الدولية”.
وحدة التراب السوري في اختبار “الدمج الوطني”
وعلى صعيد الملفات السيادية، لفتت عبد الحق إلى أن قضية الشمال السوري دخلت مرحلة الحسم عبر رؤية مدعومة أمريكيا تهدف إلى “الدمج الكامل والسلمي” للقوى المحلية ضمن مؤسسات الدولة المركزية. وأبانت أن الجلوس خلف طاولة واحدة تحت العلم السوري الموحد في ميونخ، يعكس إرادة دولية لصهر الهويات الفرعية في بوتقة الهوية الوطنية الواحدة.
وأوضحت عبد الحق أن نجاح هذا المسار يتطلب مراقبة دولية دقيقة لبناء الثقة، وضمان اجتثاث جذور الإقصاء والفساد التي ميزت الحقب السابقة، بما يكفل حقوق كافة المكونات عبر تشريعات وطنية حديثة.
التموضع الإقليمي الجديد وفرص الانسحاب الأجنبي
وأكدت الدكتورة عبد الحق أن الانفتاح الاقتصادي هو السلاح الأقوى الذي تستخدمته واشنطن حاليا لإعادة تموضع دمشق في محيطها العربي، بعيدا عن الاستقطابات الحادة. مشيرة إلى أن الحكومة السورية تدرك تماما أن الطريق إلى “شرق أوسط آمن” يمر عبر استقرارها الداخلي، وهو ما يسهم بدوره في تسريع انسحاب القوات الأجنبية وتقليل الكلف العسكرية.
ولفتت عبد الحق إلى أن سوريا باتت تمتلك اليوم القدرة على اختيار شركائها الدوليين بناء على لغة المصالح المتبادلة، مما يفتح الباب أمام تحالفات استراتيجية تتناسب مع تطلعات الشعب السوري في حياة كريمة.
المغترب السوري قاطرة التعافي والنهوض الاقتصادي
وفي ختام حديثها، أكدت الدكتورة عبد الحق أن الجالية السورية في الخارج تمثل ركيزة أساسية في مسار “التعافي المبكر”، لما تمتلكه من خبرات علمية متقدمة وإمكانات مالية قادرة على إحداث تأثير حقيقي وملموس في الاقتصاد الوطني.
وأوضحت أن الرفع الكامل للقيود البنكية والمالية يعد شرطا جوهريا لتهيئة مناخ استثماري جاذب، يسهم في تدفق رؤوس الأموال وتنشيط المبادرات الاقتصادية.
وأشارت إلى أن السوريين في بلاد الاغتراب يمتلكون من الكفاءة والقدرة ما يؤهلهم للقيام بدور محوري في تحريك عجلة الاقتصاد ودفع مسيرة النهوض والتنمية.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
بين حلم الشباب وعراقة الأرض: جبلة تلملم جراحها
تخيم على مدينة جبلة الساحلية، تلك الرابضة بوقار تاريخي على كتف المتوسط، سحابة ثقيلة من الحزن الوجداني والأسى العام، إثر الحادثة الأليمة التي فجعت قلوب السوريين ليل أمس. إن رحيل أربعة من شباب المدينة في واقعة…
تخيم على مدينة جبلة الساحلية، تلك الرابضة بوقار تاريخي على كتف المتوسط، سحابة ثقيلة من الحزن الوجداني والأسى العام، إثر الحادثة الأليمة التي فجعت قلوب السوريين ليل أمس. إن رحيل أربعة من شباب المدينة في واقعة هزت الضمير الجمعي لم يكن مجرد خسارة بشرية عابرة، بل تحول إلى جرح غائر في جسد المجتمع الذي يرى في شبابه الركيزة الأساسية لمستقبله الواعد، وفي أرضه مستودعا لحضارة ضاربة في عمق التاريخ الإنساني. هذه الفاجعة تستوجب اليوم وقفة تأمل عميقة تزاوج بين أقصى درجات التعاطف الإنساني مع العائلات المكلومة، وبين القراءة الواقعية والمنطقية للواقع الأثري والجيولوجي لهذه المدينة العريقة، بعيدا عن أي سياق قد يقلل من قيمة هؤلاء الراحلين الذين قادهم الشغف أو البحث عن غد أفضل إلى مصير لم يكن في الحسبان، فالفقد واحد والمصاب يمس كل بيت في هذه المدينة الصابرة.
نداءات الغيرة والوعي المجتمعي
وبناء على هذا المصاب الجلل، ضجت الأوساط المحلية في جبلة عقب الحادثة مباشرة بنداءات صادقة تنضح بالوعي والغيرة، حيث انطلقت دعوات حثيثة من الأهالي والفعاليات الاجتماعية تحث الجميع على توخي الحذر الشديد والابتعاد الكلي عن مغامرات التنقيب الفردية التي تفتقر لأدنى مقومات الأمان. هذه التحركات لم تكن تهدف بأي حال من الأحوال إلى توجيه اللوم، بل انطلقت من دافع المحبة الصرفة والحرص على الأرواح الغالية التي لا تقدر بثمن، إذ إن أي خسارة بشرية تلم بالمدينة هي ثغرة في جدار مستقبلها لا يمكن تعويضها بكنوز الدنيا قاطبة.
ويؤكد أبناء جبلة في رسائلهم الموجهة للعموم أن باطن هذه الأرض لا يختزن سبائك ذهبية كما توهم بعض الأساطير الشعبية المتوارثة، بل يضم ما هو أسمى وأبقى ، حيث يضم الهوية الروحية والتاريخية للمنطقة، مما يجعل من المدينة بأكملها متحفا حيا يقبع تحت الأقدام، والعبث بنسيجه يمثل خطورة جسدية محققة قبل أن يكون ضياعاً لقيمة علمية وتاريخية لا تعوض.
التراكم الحضاري وهشاشة البنية التحتية
وعند الانتقال من البعد الاجتماعي إلى الزاوية الأثرية التخصصية، نجد أن مدينة جبلة المعاصرة تبرز كبنيان فريد تربع فوق طبقات حضارية متراكمة عبر آلاف السنين، مما جعل من جوفها بنية هندسية وجيولوجية شديدة التعقيد والحساسية البالغة. فالنمو العمراني عبر العصور المتعاقبة لم يقم على ردم المواقع التي سبقت، بل استند إليها وبني فوقها مباشرة، الأمر الذي خلف وراءه فراغات مهولة وقنوات مائية وأقبية قديمة أصابها الوهن والهشاشة مع مرور الزمن وتعاقب العوامل الطبيعية.
إن هذه الهياكل التحتية الغارقة في القدم لا تحتمل أي تدخلات بشرية عشوائية أو عمليات حفر تفتقر للدراسة الهندسية الدقيقة، إذ إن نقص الأكسجين الحاد وانبعاث الغازات السامة الناتجة عن التربة القديمة المغمورة، مضافا إليها احتمالية الانهيارات المفاجئة نتيجة تصدع الجدران الأثرية، يحيل أي محاولة للنزول إلى تلك الأعماق إلى مغامرة محفوفة بالموت المحقق. إن الطبيعة الإنشائية للمدينة القديمة جعلت من باطنها شبكة معقدة من السراديب والأنفاق التي تفتقر لأبسط مقومات التهوية والأمان، مما يحول أي محاولة دخول إليها إلى تهديد مباشر للحياة البشرية في تلك الظلمات.
حقيقة الدفائن في المنظور العلمي
وفي سياق متصل يصحح المفاهيم الخاطئة، يفيض الخبير الأثري الدكتور عزام العلي بتوضيحات هامة حول طبيعة المكتشفات في الساحل السوري عموما، مشيرا إلى أن كنوز جبلة الحقيقية تتركز في الرقم الفخارية، والنقوش الحجرية، والأدوات الزجاجية التي تروي تفاصيل الحياة اليومية والازدهار التجاري في العصور الفينيقية والرومانية.
ويشير الدكتور العلي إلى أن الاعتقاد الشائع بوجود كنوز ذهبية مدفونة يفتقر إلى أي أساس علمي أو منطق تاريخي، موضحا أن الحضارات التي تعاقبت على المنطقة اعتمدت في ازدهارها على التجارة البحرية والزراعة، ولم يكن من نهجها إخفاء الثروات من المعادن النفيسة في باطن الأرض كما تصوّره المخيلة الشعبية المتأثرة بحكايات الخيال.
مضيفا أن من هذا المنطلق، تكتسب دعوات الأهالي لوقف أعمال التنقيب العشوائي أهمية خاصة، إذ تنبع من إيمان عميق بأن الأرض تحتضن إرثا تاريخيا يعزز الهوية والانتماء القومي، لا ثراء سريعا موهوما. كما أن صون هذا الإرث لا يتحقق إلا بالحفاظ على سلامة الإنسان، باعتباره جوهر الحضارة ومنطلقها الأول.
الإنسان هو الذهب الحقيقي لجبلة
انطلاقا من هذه الحقائق، أشار الدكتور العلي إلى أن حالة التكاتف الاجتماعي المهولة التي أظهرها المجتمع الجبلاوي في هذه اللحظات العصيبة تعكس نبل هذا المعدن البشري وتماسكه الأصيل في وجه المحن ، حيث تحولت المجالس العامة ومنصات التواصل الاجتماعي إلى منارات حقيقية للتوعية وحماية ما تبقى من طاقات شابة يافعة، بالإضافة إلى أن الرسالة الجوهرية التي تتردد أصداؤها اليوم تتلخص في أن الشباب هم الذهب الحقيقي والكنز السيادي الذي لا يمكن التفريط به تحت أي ذريعة أو وهم مادي عابر.
ولفت الخبير العلي إلى أن الاعتزاز بما تحتويه الأرض من إرث حضاري عظيم يجب أن يتحول إلى جهد جماعي منظم لحماية هذا التراث وتوظيفه ضمن الأطر القانونية والسياحية الرسمية التي تعود بالنفع على المجتمع ككل، بعيدا عن المسالك الوعرة والمظلمة التي قد تودي بمزيد من الضحايا وتفجع مزيدا من الأسر. مبينا أن الوعي المجتمعي المتسلح بالعلم هو الدرع الحصين الوحيد الذي يحمي الأجيال من الانسياق خلف سراب الثراء المدفون تحت الأنقاض المتهالكة.
جبلة وفاء للحاضر والماضي
إن مدينة جبلة تلك الحاضرة التي تآخت مع هدير البحر وعبق التاريخ السوري القديم، تستحق منا اليوم أن نحمي أحلام أبنائها من الانزلاق خلف سراب الوعود المدفونة. فالحفاظ على أرواح الشباب هو أسمى درجات الوفاء للأرض وتاريخها، والتمسك بالوعي هو القنديل الذي سيضيء عتمة السراديب المنسية. ولتبقى هذه الحادثة الأليمة درسا قاسيا يعيد الاعتبار لقيمة الإنسان أولا.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
شتاء الوفاء بعد حبس الأنفاس
لم تكن زخات المطر التي انهمرت على المرتفعات الساحلية السورية هذا العام مجرد أرقام في سجلات الأرصاد الجوية، بل كانت بمثابة "قبلة الحياة" لقطاع زراعي عانى طويلا. فبعد عام 2025 الذي اتسم بتذبذب الهطولات وقلق المزارعين،…
لم تكن زخات المطر التي انهمرت على المرتفعات الساحلية السورية هذا العام مجرد أرقام في سجلات الأرصاد الجوية، بل كانت بمثابة “قبلة الحياة” لقطاع زراعي عانى طويلا. فبعد عام 2025 الذي اتسم بتذبذب الهطولات وقلق المزارعين، تعيش سدود محافظة اللاذقية اليوم مشهدا مغايرا ، هدير المياه في المفيضات عاد لتطرب الآذان، ومخازين السدود الرئيسية والفرعية سجلت قفزات نوعية وضعت المحافظة على أعتاب موسم زراعي واعد.
لغة الأرقام: قفزة “مليارية” في التخزين
تؤكد البيانات الصادرة عن مديرية الموارد المائية في اللاذقية أن إجمالي حجم التخزين في سدود المحافظة الـ14 قد تجاوز حاجز الـ 80% من الطاقة الاستيعابية الكلية مع مطلع شباط 2026. في مقدمة هذه السدود، يبرز سد 16 تشرين (أكبر سدود المحافظة) الذي سجل منسوبا يقترب من 185 مليون متر مكعب، مقارنة بنحو 150 مليون متر مكعب في ذات الفترة من العام الماضي. أما سد الثورة، فقد استعاد توازنه بتخزين تجاوز الـ 70 مليون متر مكعب، في حين أعلنت سدود صغيرة كـسد الحفة وسد القنجرة وصولها إلى عتبة الفيضان(100%) مما استدعى فتح المفيضات لتصريف المياه الزائدة بشكل فني مدروس.
نبض الأرض: ماذا يقول مزارعو اللاذقية؟
على ضفاف سد “16 تشرين” التقينا أبو محمد وهو مزارع حمضيات، الذي استبشر خيرا بالمناسيب الحالية، يقول وعيناه ترقبان امتداد المياه: السنة الماضية، كنا نراقب انحسار المياه عن ضفاف السد بخوف، حيث اضطررنا لتقليل عدد مرات الري مما أثر على حجم الثمرة ويبست بعض الأشجار، مضيفا أن المياه اليوم، وصلت لخطوط الأمان، وهذا يعني أننا سنزرع الخضروات الصيفية بقلب قوي، ولن نخشى جفاف الآبار أو انقطاع مياه الري الحكومية في ذروة الصيف.
وفي ريف منطقة الحفة أشار المزارع أبو جابر لموقع سيريا “مورس “عن أثر سد برادون والينابيع المغذية، إذ أكد أنهم كانوا في مثل هذا الوقت من العام الماضي يناقشون كيفية تأمين صهاريج المياه لإنقاذ مشاتل التبغ والخضار، لافتاً إلى أن اليوم، السدود الصغيرة ممتلئة تماما والينابيع الجبلية تفجرت بقوة. مبينا أن هذا المنسوب يعيد لهم الأمل بأن التكاليف ستنخفض، لأن الاعتماد على الضخ والمحروقات سيقل بفضل توفر مياه الري الحكومية.
أما المزارع شادي المتخصص في البيوت البلاستيكية بمنطقة جبلة، أضاف من زاوية أخرى أن الوفرة المائية هذا العام ليست فقط في السدود، بل في رطوبة التربة العميقة. مضيفا أن العام الماضي كان الشتاء جافا والتربة عطشى، أما الآن فالمخزون المائي في سد صلاح الدين و الحويز يعطيهم طمأنينة بأن دورات الري ستكون منتظمة ولن تضطر الجهات المعنية لتقنين المياه عنهم في شهر تموز كما حدث في الموسم السابق.
التغير المناخي والتدبير المائي
بناء على هذه المعطيات الميدانية، يوضح الخبير الدكتور أزدشير العلي خبير في إدارة الموارد المائية أن التميز هذا العام ليس فقط في “كمية” الأمطار، بل في توزيعها الزماني.
مبينا أنه في عام 2025، شهدنا هطولات غزيرة لكنها كانت متأخرة وقصيرة المدى، مما أدى لضياع كميات كبيرة كسيول جارفة نحو البحر دون استفادة السدود منها بشكل كامل. مؤكدا أن في موسم 2026، كانت المنخفضات المطرية أكثر تتابعا وبرودة، مما سمح بتشكل غطاء ثلجي على قمم الجبال الساحلية. هذا الغطاء يضمن استمرار تغذية السدود عبر الينابيع حتى وقت متأخر من فصل الصيف، لافتا إلى أن هذا ما جعل سد برادون تحديدا يلعب دور المايسترو في تنظيم تدفقات النهر الكبير الشمالي ورفع كفاءة سد 16 تشرين.
سد برادون: “الصمام” الذي غير المعادلة
وأشار الخبير العلي إلى أنه لا يمكن الحديث عن مياه اللاذقية هذا العام دون التوقف عند سد برادون. هذا المشروع الاستراتيجي بدأ يؤتي أكله فعليا ، مبينا أنه بخلاف العام الماضي الذي كان فيه التخزين في مراحله التجريبية الأولى، يعمل السد اليوم كمنظم رئيسي للتدفقات.
وأكد انه وبحسب المصادر الفنية، فإن “برادون” لا يحجز المياه فقط، بل يمنع الهدر المائي ويؤمن تدفقا مستداما يغذي السدود الأخرى عند الحاجة، مما جعله “صمام أمان” حقيقي للمحافظة.
وفرة تستوجب الرشد
إن محافظة اللاذقية تخرج من عنق الزجاجة المائي الذي هدد أمنها الغذائي العام الماضي. ومع ذلك يبقى التحدي الأكبر هو كيفية إدارة هذه الوفرة، فالأرقام المبشرة في السدود ليست شيكا على بياض للإسراف، بل هي فرصة ذهبية لترميم المخزون الجوفي وتطوير شبكات الري. أيضا إن عام 2026 هو عام “الاستقرار المائي” بامتياز، ومهمة الجهات المعنية الآن هي تحويل هذه المليارات من الأمتار المكعبة إلى نهضة زراعية ملموسة يشعر بها المواطن في جودة محصوله ووفرة رزقه، عبر تفعيل برامج الإرشاد الزراعي المكثف، ودعم الفلاحين بالتقنيات الحديثة التي تضمن استدامة الموارد. حيث أن الحفاظ على هذا الإرث المائي يتطلب تضافر الجهود بين المؤسسات والمزارعين، لضمان استثمار كل قطرة مطر في تأمين مستقبل الأجيال القادمة وتحقيق الاكتفاء الذاتي المنشود.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
البالة تبلع سوق الملابس الجاهزة
تعد ظاهرة الإقبال المتزايد على الملابس الأوروبية المستعملة، المعروفة بـ "البالة من أكثر التحولات الاقتصادية والاجتماعية بروزا في المشهد الاستهلاكي المعاصر بمدينة اللاذقية. فبعد أن كانت هذه التجارة مرتبطة تاريخيا بـ الشرائح المجتمعية الأكثر احتياجا…
تعد ظاهرة الإقبال المتزايد على الملابس الأوروبية المستعملة، المعروفة بـ “البالة من أكثر التحولات الاقتصادية والاجتماعية بروزا في المشهد الاستهلاكي المعاصر بمدينة اللاذقية. فبعد أن كانت هذه التجارة مرتبطة تاريخيا بـ الشرائح المجتمعية الأكثر احتياجا تحولت اليوم إلى سوق عالمي يفرض نفسه كبديل استراتيجي ومنافس شرس للملابس الجاهزة، مدفوعا بجملة من المتغيرات المعقدة التي تشمل الأزمات المالية المتلاحقة، وتغير الذوق العام، والبحث الحثيث عن الجودة، وفي مقدمة كل ذلك تقف “الفجوة السعرية الهائلة” التي لم يعد المواطن قادرا على تجاهلها.
سيكولوجية المستهلك: فلسفة “القيمة مقابل السعر”
يعكس سلوك المواطنين تجاه ملابس البالة تحولا جذريا في العقلية الشرائية، حيث لم يعد السعر المنخفض هو المحرك الوحيد لقرار الشراء، بل “القيمة النفعية المرتفعة”. يرى المستهلك اليوم أن الملابس الأوروبية، حتى وإن كانت مستعملة، تمثل استثمارا حقيقيا طويل الأمد، خاصة عند المقارنة الرقمية المباشرة مع المنتج المحلي الذي يعاني أحيانا من تراجع في جودة الأقمشة نتيجة الضغوط الإنتاجية وتكاليف المواد الأولية.
وفي جولة ميدانية لرصد آراء المتسوقين، يبرز التفاوت الصارخ في الأسعار كعامل حسم أساسي. يقول أحد المواطنين لـ “سيريا مورس” وهو يتفحص جاكيت شتوي : لقد أصبح شراء جاكيت جديد من المحلات الجاهزة ضربا من الخيال، إذ تتراوح الأسعار هناك بين 600 إلى 900 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ قد يعادل راتب شهر كامل لـ الفئات الكادحة”.
ويضيف في المقابل، أجد هنا في سوق البالة أفخر الماركات العالمية بسعر لا يتجاوز 300 ألف ليرة، ما يعني أنني أشتري جودة عالمية بثلث سعر السوق المحلي.
ولا يقتصر الأمر على القطع الثقيلة، بل يمتد ليشمل الألبسة اليومية. تشير إحدى السيدات إلى أن “المنطق الاقتصادي يفرض نفسه بقوة ،فبينما يبلغ سعر الكنزة العادية في محلات الملابس الجاهزة نحو 300 ألف ليرة كحد أدنى، يمكنني اقتنائها من ماركة عالمية وخامة صوفية ممتازة من البالة بسعر 75 ألفا فقط، هذا الفارق، الذي يصل إلى أربعة أضعاف، يجعل من التسوق في المحلات الجاهزة قرارا صعبا لـ الأسر التي تسعى لتأمين أساسيات الحياة وموازنة ميزانيتها المحدودة.
كسر الاحتكار وإزالة الحواجز الاجتماعية
من جانبهم، يرى تجار الملابس الأوروبية أنهم يقودون قطاعا حيويا يسد فجوة كبيرة في السوق. حيث يوضح هؤلاء أن عملية استيراد هذه الملابس تمر بمراحل فرز دقيقة، وصولا إلى تصنيف “الكريم” (Cream) وهي القطع الجديدة كليا، وصولا إلى الدرجات التي تناسب أصحاب الدخل المحدود.
ويشير تجار ” البالة ” إلى التحول الاجتماعي الافت ، إذ أصبحت بضائعهم مقصدا لنخب اجتماعية متنوعة، تشمل المثقفين وطلاب الجامعات. هذا الإقبال ساهم في إزالة الحواجز الاجتماعية التي كانت تلاحق مرتادي هذه الأسواق سابقا.
ويؤكد أصحاب هذا القطاع أنهم يوفرون آلاف فرص العمل، ويؤمنون احتياجات المجتمع بأسعار معقولة، حيث يقول أحد التجار: “نحن نبيع الجودة بسعر التكلفة تقريبا، بينما تضطر المحلات الجاهزة لرفع أسعارها لتغطية هوامش ربح ومصاريف تشغيلية باهظة من إيجارات وضرائب”.
تحديات الإنتاج المحلي: صرخة استغاثة
على الطرف النقيض، ينظر أصحاب المصانع ومحلات الملابس الجاهزة ببالغ القلق إلى هذا التمدد. فهم يرون أن الملابس الأوروبية المستعملة تشكل منافسة غير متكافئة تسببت في ركود حاد لديهم. تكمن المشكلة في أن المنتج المحلي يخضع لسلسلة طويلة من التكاليف المنهكة،من ارتفاع أسعار المواد الخام، وتكاليف الطاقة (المازوت والكهرباء)، وصولا إلى الرسوم المالية المتعددة.
ويعتبر المنتجون أن استمرار تدفق البالة بهذه الأسعار الزهيدة ينسف قدرة المصانع الوطنية على الصمود، فتكلفة إنتاج القطعة الواحدة محليا قد تتجاوز سعر بيع القطعة الأوروبية بمراحل. ويطالب هؤلاء بضرورة وضع ضوابط قانونية وجمركية أكثر صرامة لحماية الهوية الصناعية الوطنية، مؤكدين أن الاعتماد الكلي على المستعمل قد يؤدي في النهاية إلى فقدان الحرفية المحلية والاعتماد الكامل على الأسواق الخارجية.
الرؤية الاقتصادية: أزمة قدرة شرائية
عند تحليل هذه الظاهرة اقتصاديا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور بديع اسمندر أن اتجاه المواطنين نحو البالة هو نتيجة حتمية لخلل في ميزان الدخل والأسعار. فالدخل الحقيقي لم يعد يواكب التضخم، مما دفع المستهلكين للبحث عن “السلع البديلة” ذات العمر الافتراضي الأطول.
ويشير الدكتور اسمندر إلى أن الملابس الأوروبية المستعملة باتت تصنف كـ “سلعة متفوقة” لدى المستهلك، لأنها تجمع بين الجودة والسعر المنافس، لافتا إلى أن هذه التجارة تتماشى مع مفهوم “اقتصاد الاستدامة” عبر تقليل الهدر البيئي. ومع ذلك، يحذر الخبير الاقتصادي من أن الفارق السعري الهائل يعكس أزمة حادة في القدرة الشرائية للمواطن. مؤكدا أن الحل لا يكمن في تقييد “البالة”، بل في دعم تكاليف الإنتاج المحلي لتمكين المصانع الوطنية من المنافسة النوعية والسعرية.
حماية الصناعة الوطنية من الانهيار
إن المشهد الحالي يفرض ضرورة التوازن بين حق المستهلك في الوصول إلى سلع جيدة بأسعار تنافسية، وبين حماية الصناعة الوطنية من الانهيار. يبقى خيار المواطن هو الحكم النهائي ، فما دام هناك فارق يصل إلى 400% لصالح الملابس الأوروبية، سيبقى الاتجاه نحو البالة في تصاعد مستمر. إن إنقاذ الموقف يتطلب إصلاحا شاملا للقطاع الصناعي، وخفض التكاليف التشغيلية، ليكون المنتج المحلي قادرا على الصمود في سوق لا تعترف إلا بالجودة والقيمة مقابل السعر.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
هل تنجح سورية في كسر الاحتكار الإقليمي لصناعة السفن بشرق المتوسط؟
تجاوزت الاتفاقية الاستراتيجية الأخيرة التي أبرمتها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مع شركة "كوزي ستار" التركية المتخصصة في الترسانات البحرية حدود البروتوكولات التجارية التقليدية، لتضع البلاد أمام استحقاق صناعي وتكنولوجي غير مسبوق في تاريخها الحديث، إن هذا…
تجاوزت الاتفاقية الاستراتيجية الأخيرة التي أبرمتها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مع شركة “كوزي ستار” التركية المتخصصة في الترسانات البحرية حدود البروتوكولات التجارية التقليدية، لتضع البلاد أمام استحقاق صناعي وتكنولوجي غير مسبوق في تاريخها الحديث، إن هذا التحرك المدروس يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة المرافئ الوطنية على التحول من مجرد منصات لوجستية للاستيراد والتصدير إلى قلاع صناعية ثقيلة تنافس الأحواض التاريخية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وما إذا كان هذا المشروع سيمثل حجر الزاوية الحقيقي في استعادة السيادة الاقتصادية البحرية عبر امتلاك أدوات التصنيع الهندسي المعقد وفق أرقى المعايير الدولية.
القيمة المضافة والأثر الاقتصادي التراكمي
في هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي في جامعة اللاذقية الدكتور علي ميا أن هذا المشروع يمثل الانطلاقة الحقيقية لما يعرف عالميا بـ “الاقتصاد الأزرق” في سورية، وهو القطاع الذي يعظم الاستفادة من الموارد البحرية بشكل مستدام وذكي.
وأكد الدكتور ميا أن صناعة السفن هي من الصناعات “القائدة” التي لا تعمل بمعزل عن غيرها، بل تحرك خلفها عشرات القطاعات المساندة والصناعات التحويلية، بدءا من صهر المعادن وتشكيل الحديد والصلب، وصولا إلى صناعات الكابلات والدهانات المتخصصة والمفروشات وأنظمة الملاحة الرقمية المتطورة.
ويضيف الخبير أن الأثر التراكمي لهذا الاستثمار سيتضح من خلال خلق بيئة صناعية متكاملة تحيط بالمنافذ البحرية، مما يرفع القيمة السوقية للمنطقة ككل ويحولها إلى قطب لوجستي وصناعي ينافس المرافئ الإقليمية الكبرى، مشيرا على أن هذا التوجه يساهم في تنويع روافد الدخل القومي بعيدا عن القطاعات التقليدية، مما يعزز من مرونة الاقتصاد الوطني أمام التقلبات العالمية، إضافة إلى أنه يخلق توازنا جديدا في ميزان المدفوعات عبر استبدال خدمات الاستيراد بقدرات تصديرية تقنية عالية القيمة.
فلسفة السيادة الاقتصادية عبر بوابة الاستثمار التشاركي
وبين الدكتور ميا أن هذه الشراكة تستند إلى رؤية اقتصادية براغماتية تعتمد صيغة البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، وهي معادلة قانونية واستثمارية تضمن تدفق رؤوس أموال أجنبية ضخمة تتجاوز 190 مليون دولار أمريكي دون تحميل الخزينة العامة للدولة أية أعباء مديونية أو التزامات مالية مباشرة. لافتا إلى أن القيمة المضافة في هذا النمط من العقود لا تكمن فقط في ضخ السيولة، بل في توطين بنية تحتية هندسية متطورة تؤول ملكيتها بالكامل للدولة بعد انقضاء ثلاثة عقود من الاستثمار والتشغيل.
وأكد الخبير أن هذا التوجه يعكس حنكة في استثمار المواقع الجغرافية المتميزة للمنافذ البحرية، وتحويلها إلى مراكز جذب للرساميل التقنية العالمية التي تبحث عن بيئات تشغيلية واعدة، مما يعزز من أصول الدولة الثابتة ويخلق قاعدة صناعية مستدامة للأجيال القادمة.
أثر الصناعة على التوازن النقدي
ولفت الدكتور ميا إلى أن إقامة حوض متكامل لبناء وصيانة السفن بمختلف أحجامها وأشكالها الهندسية سيؤدي حتما إلى تغيير جذري في موازين القوى في القطاع البحري المحلي. مضيفا أن الحسم الممنوح للأسطول الحكومي، والبالغ 20 بالمئة من إجمالي القيمة التشغيلية، يمثل وفرا ماليا سياديا يساهم في إعادة هيكلة السفن الوطنية وتحديثها بأقل التكاليف الممكنة. مشيرا إلى الدور المحوري للمشروع في حماية الاحتياطيات النقدية، إذ كانت عمليات الصيانة الدورية والبناء تتطلب في السابق تحويل مبالغ طائلة من القطع الأجنبي إلى الأحواض والشركات الخارجية. مبينا أنه بوجود هذا الصرح الصناعي، ستتحول البلاد من “مستهلك” مستنزف للخدمات البحرية الخارجية إلى “منتج” ومصدر لها، حيث ستجذب الترسانة الجديدة السفن التجارية الأجنبية العابرة للمتوسط، مما يرفد الاقتصاد بموارد مالية مستمرة بالعملة الصعبة ناتجة عن تصدير الخبرات والخدمات الهندسية.
هندسة الكوادر البشرية ونقل المعرفة التقنية العابرة للحدود
وكشف ميا أن الاتفاقية لم تقتصر على تأطير الجوانب المالية والفنية فحسب، بل ركزت بوضوح على بناء رأس مال بشري وطني عبر اشتراط نسبة عمالة وطنية لا تقل عن 95 بالمئة من إجمالي القوى العاملة في المشروع. بالإضافة إلى أن الالتزام بتأمين آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة يتجاوز في جوهره فكرة التوظيف التقليدي، ليصبح مشروعا وطنيا شاملا لنقل المعرفة (Knowledge Transfer).
مشيرا إلى انه من خلال الاحتكاك الميداني المباشر مع الخبرات العالمية في مراحل التصميم الهندسي والبناء والتدشين، ستتشكل طبقة جديدة من الكوادر الوطنية المتخصصة في علوم الميكانيك الدقيق، واللحام تحت الماء، إضافة إلى الإلكترونيات البحرية المعقدة. هذا التحول سيضمن مستقبلا استمرارية هذه الصناعة بأيد وعقول محلية، أيضا يحول الكفاءات الوطنية من قوى عاملة تقليدية إلى خبراء دوليين في تكنولوجيا البحار، مما يسد فجوة المهارات التقنية التي ظهرت في السنوات الأخيرة نتيجة الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد.
تحويل الواجهة البحرية إلى ترسانة إقليمية
إن الطموح الاستراتيجي الكامن خلف هذه الاتفاقية يتجاوز مجرد تطوير البنية التحتية، يؤسس لتحول نوعي يجعل المرافئ الوطنية محطة محورية في سلاسل التوريد والخدمات الدولية. فمع اكتمال إنشاء الحوض البحري وتجهيزه بأحدث الأرصفة والمعدات التشغيلية والمستودعات الفنية، ستغدو البلاد قادرة على تلبية احتياجات الأسواق الإقليمية التي تفتقر إلى منشآت متكاملة بهذا المستوى.
إن تحويل الواجهة الساحلية إلى ترسانة بحرية إقليمية كبرى تخدم حوض البحر المتوسط بأكمله من شأنه أن يعيد رسم الخارطة الاقتصادية للمنطقة، ويعزز موقع الاقتصاد الوطني كلاعب فاعل وقادر على الابتكار والنهوض مجددا ويستند هذا التحول إلى مزيج متوازن من الموقع الجيوسياسي الفريد، وتراكم الخبرات التاريخية، وتوطين التقنيات العصرية، بما يجعل هذا المشروع ركيزة أساسية لبناء مستقبل اقتصادي متين، مستقل، وقادر على المنافسة بثقة في الأسواق الدولية.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
الصقيع يضع الزراعة المحمية أمام اختبار صعب
استيقظ مزارعو ريف اللاذقية وجبلة على واقع ميداني معقد فرضته موجة من الصقيع الإشعاعي، والتي لم تكتف بتلف المحاصيل فحسب، بل كشفت عن ثغرات عميقة في قدرة القطاع الزراعي على الصمود أمام التقلبات المناخية المفاجئة. وفي…
استيقظ مزارعو ريف اللاذقية وجبلة على واقع ميداني معقد فرضته موجة من الصقيع الإشعاعي، والتي لم تكتف بتلف المحاصيل فحسب، بل كشفت عن ثغرات عميقة في قدرة القطاع الزراعي على الصمود أمام التقلبات المناخية المفاجئة. وفي الوقت الذي كان فيه المزارعون يترقبون جني ثمار تعبهم لتغطية الالتزامات المالية المترتبة على تكاليف البذور والأسمدة والنايلون، جاءت هذه الموجة لتبعثر الحسابات وتضع الكثيرين أمام تحدي الاستمرارية في الموسم الحالي، بعد أن تحولت آلاف البيوت البلاستيكية من وحدات إنتاجية إلى مساحات من الشتلات المتضررة التي فقدت قيمتها التسويقية في ليلة واحدة ساكنة.
استثمارات في مهب الريح
في جولة ميدانية قامت بها سيريا” مورس “لرصد حجم الأضرار، كانت ملامح القلق واضحة على وجوه المزارعين الذين استثمروا كل ما يملكون في تأمين مستلزمات الإنتاج التي باتت تشكل عبئا ماليا كبيرا.
أبو ياسر من قرية بخضرمو بريف جبلة الذي كرس وقته وجهده لزراعة البندورة المحمية، يرى أن الزراعة اليوم لم تعد مجرد مهنة مرتبطة بالأرض، بل تحولت إلى استثمار عالي المخاطر يتأثر بشكل مباشر بتقلبات التكاليف والمناخ على حد سواء، موضحا أن أسعار البذور الهجينة والأسمدة والمبيدات الزراعية، بالإضافة إلى تكاليف تجهيز البيوت البلاستيكية بالنايلون والحديد، استنزفت السيولة المالية المتاحة لديه، حيث كان يعلق آمالا كبيرة على هذا الموسم لسداد الديون المتراكمة للصيدليات الزراعية، إلا أن الصقيع كان أسرع من طموحاته، إذ أدى انخفاض درجات الحرارة المفاجئ إلى تلف الأوراق والثمار بشكل كامل.

سباق مع الزمن وفقدان الجدوى الاقتصادية
لا تقتصر المأساة على ضياع المحصول الحالي فحسب، بل تمتد لتشمل ضياع عامل الوقت الذي يعد حاسما في الدورة الزراعية. منير من قرية الشامية بريف اللاذقية أشار إلى أن البدء من جديد في منتصف الموسم يتطلب توفر سيولة مالية فورية ومستلزمات إنتاج قد لا تكون متوفرة بسهولة في الوقت الراهن، فضلا عن أن الأصناف التي تمت زراعتها لها توقيت زمني محدد للنمو والإنتاج، وتجاوز هذا التوقيت يعني فقدان الجدوى الاقتصادية من الزراعة لهذا العام. لافتا إلى أن هذه التعقيدات تضع المزارع في زاوية ضيقة، حيث يجد نفسه مطالبا بتأمين بدائل سريعة في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة، وهو ما يزيد من حجم التحديات التي يواجهها المزارع السوري الذي بات يعتبر الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج الغذائي.
ليلة الصقيع الإشعاعي
وفي السياق نفسه رأى المهندس الزراعي خالد العلي الخبير في وقاية النبات، أن ما حدث هو نتيجة ظاهرة “الصقيع الإشعاعي” وهي من أخطر الظواهر المناخية التي تواجه الزراعات المحمية، تحدث عندما يكون الجو صافيا تماما والرياح ساكنة، ما يسمح للأرض بفقدان حرارتها المخزنة بسرعة نحو الفضاء، فتتكون كتلة هوائية باردة جدا تستقر فوق سطح الأرض مباشرة.
ويؤكد العلي أن المحاصيل مثل البندورة والفليفلة والفاصولياء تحتوي على نسبة عالية من المياه في خلاياها، وعندما تهبط الحرارة إلى مستويات متدنية، يتجمد هذا الماء ويزداد حجمه، مما يؤدي إلى تمزق الجدران الخلوية للنبات، مضيفا أنه بمجرد بزوغ الشمس تبدأ هذه الأنسجة بالتحلل السريع، هذا ما يفسر تحول النبات إلى اللون الداكن وجفافه خلال ساعات قليلة.
وأكد الدكتور العلي “لسيريا مورس” أن البيوت البلاستيكية التقليدية المتبعة في المنطقة توفر حماية محدودة جدا ولا يمكنها مواجهة هذه الموجات دون توفر أنظمة تدفئة فعالة، وهي تقنيات يفتقر إليها معظم المزارعين بسبب تكاليف الطاقة المرتفعة وغياب الدعم اللازم لتطوير هذه المنشآت الزراعية.
المطلوب تقديم قروض انتاجية

تداعيات هذه الكارثة الزراعية لن تتوقف عند حدود الحقول، بل ستنتقل آثارها قريبا إلى الأسواق والمستهلكين بشكل مباشر. وفي هذا السياق، يشير الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عيسى خليلو إلى أن تلف كميات كبيرة من المحاصيل في أهم معقل للزراعة المحمية سيؤدي حتماً إلى نقص في العرض، ما سينعكس على شكل ارتفاع ملحوظ في الأسعار.
ويرى خليلو أن غياب منظومة تأمين زراعي فاعلة وشاملة هو الثغرة الأساسية التي تجعل المزارع مكشوفا أمام المخاطر الطبيعية، معتبرا أن الاعتماد على التعويضات المحدودة التي قد تقدم لاحقا لا يمكن أن يغطي التكاليف المرتفعة للزراعة الحديثة. ويؤكد على ضرورة تدخل المؤسسات المعنية عبر تقديم قروض إنتاجية عاجلة بدون فوائد، وتوفير منح من البذور والأسمدة لتمكين المزارعين من إعادة تأهيل أراضيهم قبل فوات الأوان، لضمان استقرار سلة الغذاء الأساسية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
رؤية وقائية مستدامة
كما يبرز دور البحث العلمي الزراعي في استنباط أصناف نباتية تكون أكثر مقاومة للتذبذبات الحرارية العنيفة، بالإضافة إلى ضرورة دعم مستلزمات التدفئة وتوفير المحروقات المخصصة للزراعة بأسعار مدعومة، لتمكين المزارعين من تشغيل أنظمة الحماية في الليالي المتجمدة.
في نهاية المطاف، يبقى المزارع في ريف اللاذقية وجبلة ينتظر خطوات عملية وجريئة تخرجه من دائرة الخسائر المستمرة. إضافة إلى إن صمود هذا القطاع هو مسؤولية جماعية تتطلب تكاتف الجهود لتوفير بيئة إنتاجية آمنة، تضمن استمرار الزراعة المحمية كدعامة أساسية للاقتصاد الوطني، وتحمي آلاف العائلات من مواجهة أزمات مالية قد تخرجهم من دورة الإنتاج بشكل نهائي إذا لم يتم تدارك الموقف وتقديم الدعم الحقيقي والمباشر في الوقت المناسب.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
النفط السوري… ملك للشعب السوري
تعد مسألة النفط في سوريا اليوم واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وحساسية في التاريخ السوري الحديث، فهي لم تعد مجرد مورد اقتصادي ناضب أو مادة خام تستخرج من باطن الأرض، بل تحولت إلى محور صراع جيوسياسي…
تعد مسألة النفط في سوريا اليوم واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وحساسية في التاريخ السوري الحديث، فهي لم تعد مجرد مورد اقتصادي ناضب أو مادة خام تستخرج من باطن الأرض، بل تحولت إلى محور صراع جيوسياسي محلي ودولي ألقى بظلاله الثقيلة والمؤلمة على معيشة المواطن السوري وتفاصيل حياته اليومية، ورغم أن الدستور السوري والقوانين الناظمة للثروات الباطنية تؤكد بوضوح لا لبس فيه أن النفط والغاز هما ملكية عامة للشعب السوري بأكمله، تهدف عوائدهما حصرا إلى تحقيق التنمية المستدامة ورفع مستوى الرفاه الاجتماعي، إلا أن الواقع الميداني خلال السنوات الأخيرة فرض تحولا جذريا ومأساويا في خارطة السيطرة على هذه الحقول. هذا التغيير أدى إلى حرمان الخزينة العامة من موارد كانت تشكل في وقت ما العمود الفقري للموازنة السنوية للدولة، وترك السوريين في مواجهة مباشرة مع أزمات وقود متلاحقة، وارتفاع جنوني في تكاليف المعيشة، وتدهور غير مسبوق في القدرة الشرائية نتيجة فقدان السيطرة على أهم رافعة للقطع الأجنبي في البلاد.
حين يتحول “الحق” إلى حلم بعيد
في جولة استطلاعية لرصد آراء المواطنين في محافظة اللاذقية حول هذا الملف الشائك، يبرز شعور عارم بالإحباط الممزوج بالأمل المتمسك بضرورة استعادة الثروات الوطنية كحل وحيد للأزمات الراهنة.
يقول أحد المواطنين من سكان حي الصليبة وهو يراقب حركة الشارع المثقلة بالأعباء: إن الحديث عن النفط السوري أصبح بالنسبة لعامة الناس مرادفا للمفارقة الموجعة، فبينما تمتلك بلادهم آبارا عملاقة، يضطرون إلى اللجوء لشراء المشتقات بأسعار تفوق طاقتهم المادية بمراحل لأنها مستوردة بالعملة الصعبة. ويضيف بحرقة أن المواطن لا يهمه من يسيطر جغرافيا بقدر ما يهمه أن يرى أثر هذا النفط في جيبه وفي انخفاض أسعار المواد الغذائية التي ارتفعت تبعا لارتفاع تكاليف النقل والطاقة، مشيرا إلى أن استعادة النفط هي استعادة لكرامة المواطن المعيشية قبل كل شيء.
من جهة أخرى يؤكد مصطفى أحد سكان منطقة المشروع السابع” لسيريا مورس ” أن غياب الإدارة المركزية الشفافة والوطنية لهذه الموارد خلال سنوات الحرب لم يؤد فقط إلى خسارة مالية، بل تسببت بكوارث بيئية وصحية نتيجة انتشار الحراقات البدائية في المناطق الخارجة عن السيطرة، والتي تنهب الثروات وتلوث الهواء والتربة في آن واحد ، ويرى مصطفى أن عودة هذه الحقول إلى كنف الدولة هي الضمانة الوحيدة لإعادة إطلاق مشاريع التنمية المحلية وتطوير الخدمات الأساسية من التعليم والصحة، حيث كان من المفترض أن تُموّل من عائدات هذا “الذهب الأسود”.
يتفق أبناء اللاذقية بمختلف شرائحهم على أن استعادة السيطرة الوطنية الكاملة على حقول الحسكة ودير الزور تمثل الخطوة الأولى والجوهرية لإنهاء المعاناة، شريطة أن تدار هذه الموارد بنزاهة تضمن وصول خيراتها إلى كل بيت سوري دون تمييز أو محاباة.
معركة استعادة الغاز والكهرباء
من زاوية فنية وهندسية ، أوضح الخبير في شؤون الطاقة الدكتور ملهم ديوب أن قطاع النفط السوري تعرض لدمار ممنهج وهائل في البنيته التحتية، بدءا من خطوط النقل الممتدة لمئات الكيلومترات وصولا إلى منشآت التكرير الكبرى في حمص وبانياس التي تعمل حاليا بأقل من طاقتها التصميمية نتيجة نقص الإمدادات الخام ، مشيرا إلى أن العقدة الأكبر تكمن في أن معظم الإنتاج السوري، وتحديدا في حقول العمر والتنك والرميلان، يقع حاليا خارج سيطرة الدولة المركزية، مما يجعل الاستفادة من الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط أمرا شبه مستحيل في الوقت الراهن ، مبينا أن هذا الغاز هو “كلمة السر” في حل أزمة الكهرباء، حيث أن فقدانه يجبر محطات التوليد بالاعتماد على الفيول المستورد والمكلف، أو البقاء في حالة عجز تؤدي إلى ساعات تقنين طويلة شلت الحركة الإنتاجية في البلاد.
وأضاف الدكتور ديوب أن إعادة تأهيل هذه الحقول فور استعادتها ستكون تحديا هندسيا ضخما يتطلب استثمارات هائلة وتقنيات حديثة لرفع كفاءة الاستخراج، خاصة وأن العديد من الآبار تعرضت للاستنزاف الجائر والضخ غير المدروس علميا من قبل جهات غير مختصة همها الوحيد الربح السريع. لافتا إلى أن المشكلة من وجهة نظر تقنية لا تكمن فقط في كمية الإنتاج التي يمكن تحصيلها، بل في القدرة على ربط هذه الحقول مجددا بالشبكة الوطنية للاستفادة من كل قطرة غاز تساهم في إضاءة المنازل إضافة إلى تشغيل المصانع، وهو ما سيوفر على الدولة السورية مئات الملايين من الدولارات التي تنفق شهريا لتأمين بدائل الطاقة.
كيف تنهار الليرة بغياب النفط؟
في السياق الاقتصادي التحليلي أشار الخبير الاقتصادي الدكتور علي ميا إلى أن فقدان السيطرة على الموارد النفطية هو السبب الجوهري وراء العجز الهيكلي المزمن في الميزان التجاري السوري. مبينا أن بعد أن كانت سوريا قبل الحرب تصدر كميات فائضة من النفط وتحقق اكتفاء ذاتيا كاملا يؤمن استقرار الليرة، تحولت اليوم إلى مستورد كامل للمشتقات النفطية بالقطع الأجنبي .
لافتا إلى أن هذا التحول الدراماتيكي أدى إلى استنزاف الاحتياطي النقدي لدى المصرف المركزي، وساهم بشكل مباشر في انهيار قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، مبينا أن الدولة أصبحت مضطرة لتأمين الدولار من السوق المحلية أو عبر قنوات معقدة لتغطية فاتورة الطاقة، مما يرفع الطلب على العملة الصعبة ويخفض قيمة العملة الوطنية.
وأكد الدكتور ميا أن استعادة النفط كـ “ملك للشعب” تتطلب بناء نموذج اقتصادي جديد يعتمد على الشفافية المطلقة وحوكمة العوائد، بحيث تودع هذه الأموال في صندوق سيادي وطني يوجه نحو القطاعات الإنتاجية المتعثرة.
المطلوب: وضع حد للتهريب
يرى هؤلاء أن استمرار الوضع الراهن، حيث يتم تهريب النفط السوري عبر الحدود أو بيعه في الأسواق السوداء الإقليمية، يمثل نزيفا مستمرا لثروة الأجيال القادمة وجريمة اقتصادية بحق الشعب السوري ، فهذه الممارسات تحرم الدولة من مورد سيادي أساسي كان من الممكن توظيفه في إعادة الإعمار، بالإضافة إلى دعم القطاعات الخدمية، وخلق فرص عمل حقيقية.
إن التنمية الحقيقية وتحسين مستوى المعيشة لا يمكن أن يتحققا في ظل غياب إدارة وطنية شفافة للموارد الطبيعية، بل يتطلبان استعادة السيطرة الكاملة على الثروات النفطية واستثمارها ضمن سياسات اقتصادية عادلة تخدم المصلحة العامة وتضع حداً لاقتصاد الفوضى والتهريب.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
انكسار الذهب الأصفر: الحمضيات في اللاذقية بين مطرقة التكاليف وسندان الخسارة
لم تكن بيارات الحمضيات في محافظة اللاذقية مجرد مساحات خضراء تكسو الجبال والسهول، بل كانت على مدى عقود "الذهب الأصفر" الذي يمنح العائلات الريفية أمانها الاقتصادي، والعمود الفقري للتجارة الزراعية في الساحل السوري. إلا أن هذا…
لم تكن بيارات الحمضيات في محافظة اللاذقية مجرد مساحات خضراء تكسو الجبال والسهول، بل كانت على مدى عقود “الذهب الأصفر” الذي يمنح العائلات الريفية أمانها الاقتصادي، والعمود الفقري للتجارة الزراعية في الساحل السوري.
إلا أن هذا المشهد الوردي بدأ يتآكل تدريجيا، ليحل محله واقع قاتم يهدد باقتلاع تاريخ زراعي كامل، اليوم يقف المزارع في اللاذقية حائرا أمام أشجاره التي باتت تطالبه بتكاليف تفوق قدرته على الاحتمال، في ظل غياب التخطيط الحكومي الفعال وتفاقم الأزمات المعيشية.
قصص من قلب البيارات: صرخة المزارع المنسي
في جولة ميدانية شملت القرى الممتدة من ريف جبلة وصولا إلى أقصى الريف الشمالي، التقينا بوجوه أتعبتها الشمس والهموم.
العم “أبو محمد” الذي قضى أكثر من خمسين عاما في رعاية بستانه الذي ورثه عن أجداده، تحدث بمرارة وهو يلمس أغصان شجرة برتقال ذابلة، مبينا أن هذه الأرض لم تبخل عليهم يوما لكنهم اليوم أصبحوا عاجزين عن خدمتها. لافتا إلى أن سعر كيس السماد الواحد يعادل تعب موسم كامل، والمبيدات التي يحتاجها لمكافحة الآفات باتت تباع بأسعار خيالية وكأنها معادن ثمينة.
وأشار أبو محمد ” لسيريا مورس ” أن المعاناة لا تتوقف عند المستلزمات، بل تمتد لتشمل شريان الحياة الأساسي ( المياه) فمياه الري باتت عملة نادرة نتيجة جفاف السدود واهتراء الشبكات التي لم تخضع للصيانة منذ سنوات ، حيث يضطر المزارعون للجوء إلى المحركات لاستخراج المياه، وهنا تبرز أزمة المحروقات ، إذ يصل سعر ليتر المازوت في السوق السوداء إلى أرقام تعجيزية، مما يترك الأشجار عرضة للعطش والموت البطيء.
أما في قرية “الشراشير” بجبلة يرسم “أبو الحسن” لوحة أكثر قتامة للواقع الميداني ، مبينا أن المشهد تحت الأشجار مؤلم للغاية فالثمار تنضج ثم تتساقط لتتعفن على الأرض لأن كلفة قطافها ونقلها إلى سوق الهال تتجاوز سعر بيعها.
وبين أبو الحسن أن سعر الكيلوغرام الواحد من أجود الأنواع “أبو صرة” أو “الليمون” لا يتجاوز 4 آلاف ليرة سورية بينما يحتاج المزارع لضعف هذا المبلغ لتغطية أجور اليد العاملة، و ثمن الصناديق البلاستيكية، وعمولات التجار والوسطاء. لافتا إلى أن هذا الواقع المرير دفع جيرانه، بقلوب يعتصرها الألم، إلى اقتلاع أشجار الحمضيات واستبدالها بزراعات استوائية كالموز، بحثا عن ربح سريع يسد رمق عائلاتهم.
غياب الصناعة التحويلية
السيد جمال مزارع آخر التقيناه في ريف اللاذقية، وضع يده على الجرح الغائر في هذا القطاع، وهو غياب “الصناعة التحويلية”. مشيرا إلى أنه منذ سنوات وهم يسمعون وعودا حكومية بإنشاء معامل للعصائر تستوعب الفائض الإنتاجي، لكنها بقيت حبرا على ورق ، منوها أنه عندما يفيض الإنتاج، يتحول المحصول من ثروة وطنية إلى عبء اقتصادي يغرق الأسواق المحلية ويخفض الأسعار إلى ما دون التكلفة. لافتا إلى أن غياب الدعم الحكومي المباشر، وتخلي المؤسسات المعنية عن دورها في استجرار المحصول بأسعار تأشيرية عادلة، جعل المزارع الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج.
بيئة مجهدة وأمراض تتربص
من منظور علمي وتقني أشار الدكتور المهندس ياسر العلي، المختص في وقاية النبات إلى أن الأزمة الحاصلة في موسم الحمضيات هي نتيجة تراكمية لسوء الإدارة البيئية والزراعية، لافتا إلى أن ضعف التسميد الناتج عن غلاء الأسعار أدى إلى تراجع “مناعة الأشجار”، مما جعلها فريسة سهلة لآفات مثل “صانعة الأنفاق” و”ذبابة الفاكهة”.
وحذر الدكتور العلي من التوجه العشوائي نحو المحاصيل البديلة (مثل الموز والمنغا) مؤكداً أنه رغم ربحيتها الحالية، إلا أنها تستهلك كميات هائلة من المياه تفوق قدرة الأحواض المائية في الساحل، مما قد يؤدي مستقبلا إلى تملح التربة وجفاف الآبار الجوفية.
مؤكدا أن الحل التقني يكمن في إعادة تأهيل شبكات الري واستخدام تقنيات الري الحديث، بالتوازي مع توفير المستلزمات بأسعار مدعومة لضمان جودة الثمار وقدرتها على المنافسة التصديرية.
فشل السياسات واحتكار الوسطاء
في السياق نفسه أكد الخبير الاقتصادي الدكتور شادي جليلكو أن أزمة الحمضيات هي مرآة لفشل السياسات التسويقية المتلاحقة، موضحا أن الفجوة الكبيرة بين ما يدفعه المستهلك وما يتقاضاه المزارع تذهب لجيوب “حلقات الوساطة” وسماسرة النقل.
وأشار جليلكو إلى أن الحكومات المتعاقبة اكتفت بمسكنات مؤقتة، بينما يحتاج القطاع إلى ثورة في البنية التحتية اللوجستية ، مبينا أن غياب مراكز الفرز والتوضيب الحديثة يقلل من فرص التصدير إلى الأسواق الخارجية التي تشترط معايير جودة معينة، مؤكدا أن خسارة هذا القطاع ليست مجرد خسارة فردية للمزارع، بل هي نزيف للاقتصاد الوطني الذي يفقد مصدرا هاما للقطع الأجنبي، مشددا على أن “السيادة الغذائية” تبدأ من حماية المزارع وتأمين استقراره في أرضه.
استراتيجيات الإنقاذ: ما العمل؟
من جهة أخرى بين الخبير الإقتصادي أن إنقاذ “الذهب الأصفر” في اللاذقية يتطلب خطة طوارئ وطنية تتجاوز لغة الوعود، مضيفا أنها تتمثل في دعم مباشر للمستلزمات (توفير الأسمدة والمبيدات والمحروقات بأسعار مدعومة فعليا عبر الجمعيات الفلاحية) وتطوير الري بالانتقال من الري التقليدي إلى الري الحديث وصيانة السدود لتقليل الهدر المائي.
أيضاً تفعيل الصناعات التحويلية عبر البدء فورا بإنشاء معامل عصائر حكومية أو تشجيع القطاع الخاص بتقديم تسهيلات ضريبية، لامتصاص الفائض السنوي.
بالإضافة إلى تنظيم التصدير بفتح قنوات تصديرية مباشرة ودائمة مع الدول المجاورة (مثل العراق وروسيا والخليج) وتسهيل حركة الشاحنات عبر الحدود، أيضا ضبط الأسواق كإلغاء تعدد الحلقات الوسيطة لضمان وصول الربح العادل للمنتج والسعر المنطقي للمستهلك.
بين الإرث والرحيل
يبقى المزارع السوري في اللاذقية اليوم واقفا في “منطقة رمادية” خطيرة فهو بين خيار التمسك بإرث أجداده ومواجهة الإفلاس، أو اقتلاع تاريخه بيده والبحث عن بدائل قد لا تكون مستدامة. إن استمرار تجاهل أوجاع هذا القطاع سيعني بالضرورة تحول الساحل السوري من سلة خضراء إلى مناطق زراعية مشوهة بيئيا واقتصاديا
إن حماية الحمضيات ليست مجرد ترف، بل هي ضرورة وطنية لإعادة التوازن للاقتصاد المحلي وحماية الأمن الغذائي السوري.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
قرار خفض الرسوم الجمركية على المواشي: دراما إقتصادية تعصف بأسواق اللحوم وتثير الجدل بين المربين والتجار
قرار خفض الرسوم الجمركية على المواشي: دراما اقتصادية تعصف بأسواق اللحوم وتثير الجدل بين المربين والتجار تحرير الاستيراد في مواجهة أزمة الثروة الحيوانية: خطوة جريئة أم طعنة في ظهر المربي المحلي؟ أعلنت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير…
قرار خفض الرسوم الجمركية على المواشي: دراما اقتصادية تعصف بأسواق اللحوم وتثير الجدل بين المربين والتجار
تحرير الاستيراد في مواجهة أزمة الثروة الحيوانية: خطوة جريئة أم طعنة في ظهر المربي المحلي؟
أعلنت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير مؤخرا عن قرار اقتصادي حاسم يقضي بتخفيض كبير ومفاجئ على الرسوم الجمركية المفروضة على واردات المواشي، هذه الخطوة التي وصفت رسميا بأنها تهدف إلى دعم قطاع الثروة الحيوانية وتشجيع حركة الاستيراد المنتظم، أطلقت شرارة نقاش ساخن حول تداعياتها المتوقعة، حيث انقسم الفاعلون في السوق بين متفائل يرى فيها فرصة للتحديث، ومتخوف يخشى الإغراق والمنافسة غير العادلة.
التعديلات الجمركية كانت جذرية وشملت خفضا هائلا على رسوم إدخال أنواع المواشي الرئيسية. فبعد أن كان رسم وارد الأبقار 53 دولارا للرأس الواحد، انخفض ليصبح 7 دولارات فقط ، كذلك سجل الرسم على الجمال انخفاضا دراماتيكيا من 27 دولارا إلى 7 دولارات للرأس. أما الأغنام والماعز، فشهدت انخفاضا متواضعا نسبيا من 7 دولارات إلى 5 دولارات للرأس ، هذا التباين في نسب التخفيض هو تحديدا ما فجر التناقضات في ردود فعل السوق.
مربو الأغنام والماعز: صرخة الخسارة في وجه المنافسة المستوردة
الشريحة الأوسع والأكثر تضررا وتخوفا من القرار هي بوضوح مربو الأغنام والماعز ، بالنسبة لهؤلاء المربين، الذين يعتمدون تقليديا على المراعي الطبيعية ويصارعون حاليا ارتفاعا غير مسبوق في أسعار الأعلاف، لم يأت القرار كدعم بل كتهديد وجودي.
أبو خالد الذي يمتلك قطيعا من 50 رأسا في ريف اللاذقية، عبر عن إحباطه العميق.
وأكد من خلال حديثه لسيريا مورس أن التخفيض الجمركي لا يخدم المربي المحلي، بل “يضربه في الصميم” لافتا إلى أن هناك قضية جوهرية غائبة عن المعنيين وهي الحاجة الملحة لدعم الأعلاف وليس لتسهيل استيراد قطعان تنافسهم.
وأشار أبو خالد إلى معادلة اقتصادية قاسية: سعر كيلو اللحم المحلي أصبح يكلفه أكثر مما سيباع به المستورد بعد هذا التخفيض الجمركي الهائل. هذا الوضع، بحسبه، سيدفعه اضطراريا لبيع قطيعه لأنه لم يعد مجديا اقتصاديا معتبرا أن الهدف هو إغراق السوق باللحم المستورد بدلا من إنقاذ المربي المحلي من مصاريفه المتفاقمة.
من جهتها قدمت أم علي وهي مربية ماعز حلوب في جبلة، منظورا آخر لتأثير القرار على المربي الصغير، مؤكدة أن القرار “موجه للمستوردين الكبار”، فهو لا يقدم أي تيسير للمربي الذي يعتمد على بيع الحليب ومنتجاته. حيث تضاعفت تكاليف الرعاية البيطرية والأدوية، وفي ظل تدفق اللحم المستورد الرخيص، يبتعد المشتري عن منتجات الحليب والجبنة المحلية التي تحتاج إلى سعر أعلى لتغطية تكاليف الإنتاج. وشددت على المطلب المحوري إذ يجب عليهم أن يدعموا العلف والنخالة أولا، عندها فقط يمكننا المنافسة.
هذه الأصوات تعكس هاجسا حقيقيا من تدمير القاعدة الإنتاجية المحلية نتيجة عدم التوازن بين تسهيل الواردات وتوفير مدخلات الإنتاج.
مربو الأبقار: بارقة أمل لتحديث السلالات ورفع الإنتاجية
على النقيض تماما، استقبل مربو الأبقار، خاصة العاملين في إنتاج الحليب، القرار بنظرة أكثر تفاؤلا وإيجابية. بالنسبة لهم، لا يعد التخفيض تهديدا بل فرصة طال انتظارها لإعادة بناء القطعان المحلية المنهكة.
المربي فهد يزبك الذي يمتلك 10رؤوس أبقار حلوب في رأس البسيط باللاذقية، رأى في تخفيض الرسوم “فرصة ذهبية”. فالسلالات المحلية من الأبقار أصبحت ضعيفة الإنتاج، والقرار الحالي يمثل حافزا قويا لتشجيع استيراد البقرات الحلوب ذات الإنتاجية العالية والمحسنة وراثيا، دون تكبيدهم رسوما جمركية باهظة الثمن، معتبرا أن مضاعفة إنتاج الحليب سيمكنه من تعويض ارتفاع أسعار العلف ولو بشكل جزئي، لكنه ربط نجاح هذه الفرصة بسهولة الوصول إلى السلالات المطلوبة.
في السياق ذاته، أكد الحاج توفيق، تاجر ومربي أبقار لحم في مدينة اللاذقية، على أن القرار “ضروري للتحول النوعي” في قطاع اللحوم الحمراء. مبينا ان السوق المحلي بحاجة ماسة لسلالات الأبقار التي تحقق وزنا أكبر وتنمو بمعدل أسرع. بالإضافة إلى ذلك، سيسهل التخفيض دخول العجول الصغيرة التي يمكن تربيتها محليا لفترة قبل الذبح، ما يساعد في سد النقص الهائل في اللحوم الحمراء. ومع ذلك، شدد الحاج توفيق على أهمية الرقابة الصارمة على نوعية المواشي المستوردة لضمان خلوها من الأمراض، وهي نقطة تقاطعت مع التحذيرات الاقتصادية العامة.
المستوردون والاقتصاديون: تفعيل التجارة النظامية وضبط الأسعار
ردود الفعل من التجار والمستوردين كانت متوقعة، إذ يرون في القرار تصحيحا اقتصاديا طال انتظاره.
الحاج منير مستورد مواشي من بانياس، أشار إلى أن الرسوم السابقة كانت تشكل “عبئا كبيرا” يرفع التكلفة النهائية على المستهلك، مضيفا أنه مع التخفيض الكبير الذي شمل حتى الجمال، أصبح الاستيراد النظامي أكثر جاذبية بكثير من التهريب، ما سيسمح بإدخال كميات أكبر لتغذية السوق، بالإضافة إلى الأمل في أن ينعكس ذلك على استقرار الأسعار.
من منظور تحليل اقتصادي أعمق أكد الدكتور حسام عيسى خليلو، الخبير الاقتصادي، على الأهمية الاستراتيجية لهذا القرار. فهو يساهم في دعم الأسواق المحلية وتوفير احتياجاتها من اللحوم ومشتقات الثروة الحيوانية، وفي نفس الوقت، يساعد في ترميم قطاع الثروة الحيوانية الذي تعرض “لتشوهات حادة” جراء تداعيات الحرب وتتالي مواسم الجفاف.
ومع ذلك أشار الدكتور خليلو إلى أن تأثير القرار لن يكون فوريا، بل “يحتاج إلى بعض الوقت” حتى ينعكس على الأسواق والمستهلكين، ريثما تنظم عملية الاستيراد بكميات مدروسة. والنقطة الأهم التي أثارها الخبير الاقتصادي هي ضرورة تشديد الرقابة الصحية على الأسواق ومراقبة المواشي المستوردة بدقة فائقة. مبينا أن هذا التحذير ليس هامشيا، فالمخاوف قائمة من تسلل أمراض ذات عدوى عالية، مثل الحمى القلاعية والجدري، والتي يمكن أن تودي بالقطيع المحلي المنهك أصلا، مما يحول مكاسب التخفيض الاقتصادي إلى كارثة صحية ومالية.
المطلوب تفعيل رقابة صحية صارمة
يمثل قرار خفض الرسوم الجمركية على المواشي ورقة اقتصادية ذات وجهين، فبقدر ما يحمل من وعود لتحديث القطيع الحلوب وتغطية النقص في اللحوم الحمراء عبر الاستيراد المنظم، فإنه يضع ضغطا هائلا على مربي الأغنام والماعز الصغار الذين يحتاجون إلى دعم مباشر في مدخلات الإنتاج لا منافسة مستوردة.
إن نجاح القرار رهين ليس فقط بمدى قدرة التجار على الإمداد، بل بقدرة الحكومة على خلق توازن دقيق يضمن دعم البنية التحتية للإنتاج المحلي بالتوازي مع تسهيل الواردات، بالإضافة إلى تفعيل الرقابة الصحية الصارمة على كل رأس ماشية يدخل البلاد.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
اللاذقية تحيي ذكرى الثامن من كانون الأول: رسائل شعبية تعكس مسار التعافي الوطني
شهدت مدينة اللاذقية احتفالات شعبية ورسمية حاشدة بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لحدث الثامن من كانون الأول، الذي يمثل نقطة تحول مفصلية في مسار التحولات التي عاشتها البلاد. اتسمت الفعاليات بحضور جماهيري لافت، ومشاركة واسعة من المؤسسات…
شهدت مدينة اللاذقية احتفالات شعبية ورسمية حاشدة بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لحدث الثامن من كانون الأول، الذي يمثل نقطة تحول مفصلية في مسار التحولات التي عاشتها البلاد. اتسمت الفعاليات بحضور جماهيري لافت، ومشاركة واسعة من المؤسسات المدنية والرسمية، ما عكس تطلعات قطاعات مجتمعية كبيرة نحو المرحلة الراهنة والمستقبلية لسوريا.
حضور جماهيري يتحدى الظروف الجوية
بدأت الاحتفالات صباحا في ساحة الشيخ ضاهر، التي تحولت إلى مركز رئيسي لاستقبال المشاركين من مختلف الأحياء والمناطق المحيطة. بالرغم من الأمطار التي سادت المدينة، حرص المواطنون على التوافد حاملين الأعلام واللافتات، ليؤكدوا رؤيتهم لهذا التاريخ كعلامة فارقة في حياة البلاد.
تجسد المشهد العام روح المشاركة الشعبية، حيث تجمعت العائلات، والشباب، وطلاب الجامعات، والموظفين الحكوميين، والشخصيات المحلية، ليضفوا طابعا احتفاليا واسعا على المناسبة.
خطابات ورمزية التعافي
تضمن برنامج الفعالية فقرات فنية ووطنية قدمتها فرق محلية، إضافة إلى سلسلة من الخطابات التي ركزت على مفاهيم التعافي، وإعادة البناء، وتنظيم الحياة المدنية بعد سنوات من التحديات.
وكان أبرز الفقرات بث كلمة للرئيس أحمد الشرع عبر شاشات كبيرة، حيث تناول الخطاب قضايا الاستقرار وإعادة الإعمار وتدعيم التماسك المجتمعي. حيث رأى الحاضرون في الكلمة ملامح أولية لاتجاهات المرحلة المقبلة في البلاد.
مسيرات عسكرية ومدنية لإبراز الجاهزية
تزامنت الاحتفالات الشعبية مع فعالية رسمية نظمتها وزارة الدفاع، تمثلت في مسير عسكري شاركت فيه وحدات المشاة والآليات، جابت محاور رئيسية بدءا من محيط جامع جود البحر وصولا إلى طريق الحرش.
شهد المسير تفاعلا شعبيا لافتا، إذ تابع المواطنون العرض على جانبي الطرق، حيث أكد بعضهم أن متابعتهم نابعة من الرغبة في الاطلاع على مستوى الجاهزية العسكرية، بينما رأى آخرون في وجود القوات جزءا من رمزية الذكرى نفسها.
في سياق متصل، نظمت وزارة الطوارئ عرضا موازيا شاركت فيه فرق الدفاع المدني وآليات الاستجابة للطوارئ، لتقديم عروض رمزية تهدف إلى إبراز قدرة الفرق على التعامل مع الحوادث والكوارث، و اعتبر الأهالي هذه الفقرة تذكيراً بالدور الحيوي للمؤسسات الخدمية في ظل التحديات التي شهدتها البلاد.
آراء شعبية: تقييم للإنجازات وتطلعات للمستقبل
على هامش الفعاليات، عبر المشاركون عن آرائهم حيال المناسبة. حيث رأى البعض أن مرور عام كامل شكل فرصة لتقييم التقدم المحرز في مجالات الخدمات وإعادة الإعمار وإدارة المؤسسات. بينما اعتبر آخرون أن ما تحقق يمثل بداية لمسار طويل يتطلب جهودا متواصلة لتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وتوفير بيئة تشجع على المبادرات الاقتصادية والاجتماعية لتحسين الواقع المعيشي.
مطالب قانونية واداربة لتعزيز الشفافية
في مدينة جبلة المجاورة، شهدت تجمعات مماثلة أكدت على أهمية بدء مرحلة جديدة تركز على الإدارة المدنية، وإعادة تنظيم القطاعات الاقتصادية، وتحسين مستوى الخدمات العامة. كما شدد المشاركون على ضرورة استثمار الاستقرار النسبي في تعزيز فرص النمو في القطاعات الزراعية والسياحية والخدمية، التي تعد ركائز الاقتصاد في الساحل السوري.
من جانبهم أكد الحقوقيون والمهنيون الذين شاركوا في الفعاليات أن العام الماضي شهد تغيرات مؤسساتية وإدارية، مؤكدين على ضرورة تعزيز الشفافية وتحسين بيئة العمل القانوني والإداري. ورأى هؤلاء أن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيف الجهود لتحديث القوانين الاقتصادية بالإضافة إلى تحسين آليات الرقابة والمساءلة، بما ينسجم مع تطلعات المواطنين.
اختتمت فعاليات الثامن من كانون الأول في اللاذقية بنشاط اجتماعي وسياسي وثقافي لافت، ما عكس شعورا عاما بأن المناسبة لا تقتصر على استعادة حدث تاريخي، بل ترتبط بعرض تصورات المجتمع حول مستقبل البلاد وكيفية الانتقال نحو مرحلة أكثر ازدهارا واستقرارا.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
قرار وقف استيراد المنتجات الزراعية: بين دعم المزارعين وحماية المستهلكين
أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير قرارا بإيقاف استيراد قائمة واسعة من المنتجات الزراعية الرئيسية خلال شهر كانون الأول، مستندة في ذلك إلى "الروزنامة الزراعية" وبهدف معلن يتمثل في حماية المنتج الوطني. هذا القرار، الذي شمل أصنافا…
أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير قرارا بإيقاف استيراد قائمة واسعة من المنتجات الزراعية الرئيسية خلال شهر كانون الأول، مستندة في ذلك إلى “الروزنامة الزراعية” وبهدف معلن يتمثل في حماية المنتج الوطني. هذا القرار، الذي شمل أصنافا حيوية كالـبطاطا، الحمضيات، التفاح، والبندورة، أشعل فتيل النقاشات المتباينة ضمن الأوساط الزراعية والاقتصادية، فبينما يرى فيه المزارعون ضخا مباشرا للدعم، يلوح الخبراء بتحذيرات تتعلق بضبط الأسعار والحفاظ على جودة المعروض في السوق المحلي.
تفاؤل المزارعين: انتصار للمنتج الوطني
للوقوف على الأثر الفعلي للقرار، استطلعت “سيريا مورس” آراء عدد من المزارعين الذين عبروا عن ردود فعل إيجابية بشكل كبير، معتبرين أن القرار جاء في التوقيت الأمثل لوقف تدهور أسعار منتجاتهم.
يؤكد الحاج أبو خالد وهو مزارع حمضيات من ريف اللاذقية، أن القرار يمثل “انتصارا حقيقيا” للمنتج الوطني. مشيرا إلى أن موسم الحصاد غالبا ما كان يشهد إغراق الأسواق بالحمضيات والليمون المستورد الأقل ثمنا، ما كان يجبر المزارعين في أحيان كثيرة على بيع محاصيلهم بخسارة كبيرة.
ويرى أبو خالد أن وقف الاستيراد سيمنحهم فرصة حقيقية لتعويض تكاليف الإنتاج المرتفعة، ولا سيما أسعار الأسمدة والمحروقات، مشددا على أن حماية المنتج الوطني تتطلب قرارات فعلية لا مجرد شعارات.
من جانبه أبدى فادي وهو مزارع للخضراوات الورقية (بما فيها الملفوف، الخس، والبندورة)، تفاؤلا ممزوجا بالحذر.
وأوضح فادي أن القرار يمنح الأولوية للمنتج المحلي، لكنه في الوقت ذاته حذر إلى الحاجة الملحة لفرض رقابة صارمة على الأسواق. ورغم إشادته بالقرار كخطوة مهمة لإنهاء “فوضى المنافسة غير المتكافئة” أعرب عن خشيته من استغلال بعض التجار للوضع الجديد عبر تخزين واحتكار البضائع بهدف رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه/ بالنسبة لفادي /فإن نجاح القرار الحقيقي يقاس بمدى استقرار سعر المنتج للمستهلك النهائي، وليس فقط بسعر بيعه للمزارع.
كما اتفق العديد من المزارعين على أن نجاح القرار لا يتوقف عند حدود ضبط الأسعار فحسب، بل يتطلب حزمة من الإجراءات الداعمة التي تضمن استمراريته وفعاليته على المدى الطويل. وفي هذا الإطار، أشاروا إلى أن تطبيق “الروزنامة الزراعية” بمرونة وشفافية يعد ركنا أساسيا لتنظيم عملية الإنتاج وحركة السوق، بما يحقق التوازن بين العرض والطلب ويمنع حدوث أي فجوات مفاجئة في توفر الأصناف، مما يعيد فوضى الأسعار إلى الواجهة.
الرؤية الاقتصادية: دعم الإنتاج وتحذيرات من التضخم
وفي السياق الاقتصادي الكلي قدم الدكتور علي ميا الخبير الاقتصادي في جامعة اللاذقية تحليلا موضوعيا لأثر القرار، مشيرا إلى أنه يحمل وجوها إيجابية وسلبية تتطلب التعامل معها بحذر.
وأكد الدكتور ميا أن الهدف الأساسي من القرار هو دعم استدامة القطاع الزراعي المحلي، مشيرا إلى أن وقف الاستيراد خلال فترات الذروة الإنتاجية للمحصول الوطني يعد أداة كلاسيكية لحماية الصناعات المحلية.
ويرى ميا أن هذا القرار يبعث رسالة طمأنة للمزارع بأن جهده لن يضيع، مما يشجعه على الاستثمار في المواسم القادمة. كما لفت إلى أن القرار يساهم، ولو بشكل مؤقت، في تحسين الميزان التجاري عبر تخفيف فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة.
ومع ذلك شدد الدكتور ميا على أهمية التعامل مع الجانب السلبي المحتمل، ملخصا تحذيراته في نقطتين رئيسيتين: جودة وتنوع المنتج والتضخم والتحكم في الأسعار.
لافتا إلى أن النقطة الأولى تتمثل في أن غياب المنافسة الخارجية قد يقلل من حافز المزارعين والتجار المحليين للحفاظ على مستويات الجودة أو تقديم تنوع في الأصناف، وهي مشكلة شائعة في الأسواق المحمية،
ودعا ميا وزارة الزراعة وهيئات الرقابة إلى تفعيل معايير صارمة للجودة والفرز والتخزين لضمان وصول منتج محلي عالي الجودة إلى المستهلك.
وأشار الخبير ميا إلى أن النقطة الثانية تكمن في خطر التضخم وارتفاع الأسعار. فإزالة مورد رئيسي للسلعة (الاستيراد) يؤدي إلى انحصار العرض في الإنتاج المحلي، ما يخلق بيئة خصبة لارتفاع الأسعار، حيث يتحول هذا الارتفاع إلى تضخم في أسعار الغذاء إذا لم تكن هناك رقابة فعالة.
ويضيف ميا أنه يجب على هيئات حماية المستهلك التدخل بشكل فوري وفعال لضمان بقاء هامش الربح ضمن الحدود المعقولة، والتأكد من أن المستهلك لا يتحمل كلفة حماية المزارع بشكل غير عادل.
الروزنامة الزراعية: مفتاح التوازن المستدام وضمان الأمن الغذائي
يشكل قرار وقف استيراد المنتجات الزراعية خلال شهر كانون الأول خطوة ضرورية وحاسمة ليس فقط لحماية المنتج المحلي، بل لتعزيز صمود المزارع الذي يعد الركيزة الأساسية للأمن الغذائي للبلاد. لقد نجح هذا الإجراء في منح المزارعين شعورا ملموسا بالدعم الفعلي، فاتحا أمامهم فرصة حقيقية ومستحقة لتسويق محاصيلهم بعائد جيد، يمكنهم من تغطية التكاليف الباهظة للإنتاج التي ارتفعت بشكل هائل، خاصة أسعار المدخلات الزراعية الحيوية كالأسمدة والمحروقات.
وكما عبر عنه مزارعو الحمضيات، فإن هذا القرار يعد “انتصارا حقيقيا” للمنتج الوطني، ينقذ المزارع من دائرة الخسارة التي كان يقع فيها جراء إغراق السوق بالمنتجات المستوردة الأقل تكلفة.
غير أن نجاح هذا الإجراء الحيوي لا يمكن أن يقاس بمعزل عن قدرة الدولة على إدارة تداعياته الاقتصادية والاجتماعية اللاحقة. فالرهان الحقيقي يكمن في إحكام ضبط الأسواق بفعالية غير مسبوقة، ومواجهة محاولات الاحتكار والتخزين التي قد يلجأ إليها بعض التجار عند غياب المنافسة الخارجية.
إن التحذيرات التي أطلقها الخبراء الاقتصاديون حول خطر التضخم وضرورة التحكم في الأسعار تعد جرس إنذار يجب أخذه على محمل الجد، لأن غياب المنافسة يهدد بجودة المنتج المحلي، وقد يقلل من حافز المزارع للالتزام بمعايير الفرز والتخزين المثلى، مما يتطلب تفعيل معايير صارمة للجودة من قبل وزارة الزراعة لضمان وصول منتج محلي عالي الجودة إلى يد المستهلك.
وفي هذا السياق تبرز الحاجة الملحة لهيئات حماية المستهلك للتدخل بشكل فوري واستباقي، ليس فقط لمنع محاولات تخزين البضائع، بل أيضا لضمان بقاء هامش الربح ضمن الحدود المعقولة، بحيث لا يتحمل المستهلك كلفة حماية المزارع بشكل غير عادل. إن هذا التحدي يتطلب تفكيرا شاملا، حيث أن النجاح المستدام لا يكمن في الإغلاق الكامل للأسواق، بل في الإدارة الحكيمة لها.
و هنا يكمن الدور الجوهري للروزنامة الزراعية، حيث أنها ليست مجرد قائمة تواريخ، بل هي الأداة الأكثر استدامة وفعالية لتحقيق التوازن المنشود بين العرض والطلب. إذ يجب تطبيق هذه الروزنامة بمرونة وشفافية عالية، بحيث يقصر وقف الاستيراد على فترات الذروة الحصادية للمحصول الوطني، ثم يعاد فتحه فورا عند توقع أي نقص في السوق أو ارتفاع غير مبرر للأسعار. هذه الشفافية تمنع الفوضى وتوفر للمزارع والتاجر والمستهلك رؤية واضحة للمستقبل القريب، وتجنب سيناريو “فوضى الأسعار” الذي قد يعيد الأزمة إلى الواجهة.
إن الأمن الغذائي للبلاد يرتكز على معادلة دقيقة تتطلب دعم الإنتاج المحلي، بالتوازي مع الحفاظ على قدرة المواطن الشرائية. إذ أن هذا القرار هو خطوة أولى نحو تعزيز الشق الأول، لكن نجاحه الكامل يتطلب نظاما رقابيا متكاملا وشاملا يضمن مصلحة المنتج مع حفظ حق المستهلك في الوصول إلى غذاء جيد بسعر عادل.
بهذا التوازن وحده، يتحقق الهدف الوطني الأسمى من القرار، ويتحول الدعم للمزارع إلى استقرار مستدام للأسواق والمستهلكين على حد سواء.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
اللاذقية تضيء ليلها: شجرتا السلام والميلاد توحدان السوريين في مشهد وطني
احتفلت مدينة اللاذقية ببدء موسم الأعياد بإضاءة شجرتي السلام والميلاد في ساحة المدينة وكنيسة مار ميخائيل للروم الأرثوذكس ضمن فعالية حملت عنوان "اللاذقية تكتب ليلها بالضوء". الحدث الذي شارك فيه مئات الأهالي والفعاليات الرسمية والاجتماعية تجاوز…
احتفلت مدينة اللاذقية ببدء موسم الأعياد بإضاءة شجرتي السلام والميلاد في ساحة المدينة وكنيسة مار ميخائيل للروم الأرثوذكس ضمن فعالية حملت عنوان “اللاذقية تكتب ليلها بالضوء”.
الحدث الذي شارك فيه مئات الأهالي والفعاليات الرسمية والاجتماعية تجاوز الطابع الاحتفالي ليحمل رسالة وحدة وأمل بعد سنوات من التحديات التي عاشتها المدينة.
احتفال يجمع الساحة والكنيسة
بدأت الفعالية بإضاءة شجرة السلام وسط الساحة العامة بحضور واسع من الأهالي من مختلف الأعمار والطوائف.
أقيمت عروض موسيقية وكشفية ترافقها تراتيل ميلادية وأغان وطنية حولت الساحة إلى مساحة لقاء بين الناس.
وفي الوقت نفسه أضيئت شجرة الميلاد في كنيسة مار ميخائيل لتتلاقى أضواء الساحتين في مشهد واحد حمل رمزية التعايش والتكامل بين أبناء المدينة.
وقال أحد المنظمين لـ”سيريا مورس” إن الهدف من الاحتفال هو تأكيد رسالة المدينة في الحفاظ على وحدتها وتنوعها مشيرا إلى أن المشاركة الواسعة من الأهالي تعكس رغبة الناس في تجاوز آثار الحرب واستعادة الفرح العام.
رسائل رسمية وروحية
في كلمته خلال الفعالية أكد محافظ اللاذقية محمد عثمان أن سوريا ستبقى بلدا واحدا لكل أبنائها وأن التمسك بالوحدة الوطنية هو الطريق الأقصر لتعزيز الاستقرار.
وأضاف أن احتفالات الأعياد تعبر عن إرادة الحياة لدى السوريين رغم الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.
من جهته قال راعي أبرشية الروم الأرثوذكس المطران أثناسيوس فهد إن اللاذقية مثال للتعايش مشيرا إلى أن أبناء المدينة قادرون على إعادة بناء مستقبلهم كما يزينون اليوم شجرة الميلاد بالنور. وأكد أن الشراكة بين السوريين ليست شعارا بل أسلوب حياة يقوم على المحبة والتعاون.
صوت الناس الفرح المشترك
في الساحة امتزجت مشاعر الناس بين الفرح والحنين.
تقول أم ناصر 65 عاما وهي تراقب الأطفال حول الشجرة: “المحبة هي التي تبقي المدن حية واليوم نرى اللاذقية تجمع أبناءها في مكان واحد مهما اختلفت طقوسهم”.
أما سمر السيد 25 عاما فتؤكد أن المشاركة في إضاءة الشجرة أصبحت عادة سنوية وتضيف: “نحتفل كلنا معا المسلم والمسيحي. هذه الليلة تمثلنا جميعا لأنها رمز للسلام في مدينتنا”.
ويوافقها الرأي أحمد الحسين 30 عاما من حي الشيخ ضاهر الذي يرى في المشهد رسالة أمان واضحة: “هذا ما تربينا عليه أن نكون معا. الشجرة بالنسبة لنا رمز للأمان والطمأنينة”.
اللاذقية مدينة تعيد بناء صورتها
يعتبر العديد من المشاركين أن هذا الحدث يعيد للمدينة وجهها الحقيقي بعد أعوام من القلق. فالحضور الشعبي الكبير والاهتمام الرسمي يعكسان رغبة جماعية في ترميم الحياة العامة وإحياء الذاكرة الإيجابية للمدينة الساحلية.
ويقول الشاعر فارس اليازجي الذي حضر الفعالية إن “اللاذقية تكتب اليوم فصلا جديدا من تاريخها الاجتماعي فالمحبة هنا ليست شعارا بل واقعا يعيشه الناس يوميا”.
إرث المدينة وتنوعها
اللاذقية التي طالما كانت رمزا للتنوع والتعايش تستعيد من خلال هذا الحدث حضورها الثقافي والاجتماعي. فإضاءة الشجرتين لم تكن مجرد انطلاق موسم الأعياد بل إشارة إلى عودة الحياة الطبيعية وتأكيد على استمرار قيم التسامح والتعاون التي ميزت المدينة عبر تاريخها.
اختتم الاحتفال بتوزيع هدايا رمزية على الأطفال وسط أجواء من الفرح والموسيقا التي ملأت الشوارع حتى وقت متأخر من الليل.
وقال أحد المنظمين إن هذه الفعالية ستكون تقليدا سنويا لترسيخ فكرة “السلام من اللاذقية إلى كل سوريا”.
وفي نهاية الليلة بدت المدينة مضاءة بأكثر من زينة الأعياد فالنور الذي انطلق من الساحات والكنائس خرج هذه المرة من الناس أنفسهم تأكيدا على أن اللاذقية ما زالت قادرة على جمع أبنائها على كلمة واحدة الوطن أولا.

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
الرئيس الشرع في اتصال مع أهالي اللاذقية..الوحدة الوطنية هي رأس مال سوريا الحقيقي
أجرى الرئيس الشرع اتصالا هاتفيا مع أهالي محافظة اللاذقية، خلال اجتماع محافظ اللاذقية محمد عثمان مع وجهاء ولجان الأحياء، مؤكدا أن الوحدة الوطنية تمثل "رأس المال الحقيقي" لسوريا، وأن أي ضعف يصيب مكونا من مكونات المجتمع…
أجرى الرئيس الشرع اتصالا هاتفيا مع أهالي محافظة اللاذقية، خلال اجتماع محافظ اللاذقية محمد عثمان مع وجهاء ولجان الأحياء، مؤكدا أن الوحدة الوطنية تمثل “رأس المال الحقيقي” لسوريا، وأن أي ضعف يصيب مكونا من مكونات المجتمع السوري ينعكس سلبا على الجميع.
مفهوم الدولة المركزية
تطرق الرئيس الشرع إلى النقاشات المتعلقة بمسائل الفيدرالية والانفصال، موضحا أن هذه الطروحات غالبا ما تصدر عن قراءات محدودة أو ضعف في الإلمام السياسي، مبينا أن حتى الدول الفيدرالية نفسها تمتلك مؤسسات سيادية مركزية لا يمكن تجزئتها، مثل الدفاع والأمن والخارجية والاقتصاد.
وأكد أن الجغرافيا السورية مترابطة ومتكاملة، وأن أي محاولة لفصل جزء من البلاد عن الآخر تفتقر إلى الواقعية، موضحا أن الساحل السوري لا يمكن أن يكون كيانا مستقلا عن بقية المناطق، نظرا لاعتماده المتبادل مع المنطقة الشرقية في الموارد. وأشار إلى أن فقدان سوريا لمنفذها البحري يعني خسارة أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية والاقتصادية.
وأضاف أن التكامل القائم بين مختلف المناطق السورية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي يؤكد أن الدعوات إلى التقسيم أو الانفصال لا تستند إلى رؤية سياسية ناضجة، مشيرا إلى أن ما يطرح من أفكار حول الفيدرالية لا يختلف في جوهره عن مبادئ الإدارة المحلية المنصوص عليها في القانون رقم 107، والذي يمكن تطويره وتعديله بما يتناسب مع المتغيرات الراهنة.
وفي السياق نفسه، أشار الرئيس الشرع إلى أن سوريا حققت خلال العام الماضي تقدما ملحوظا رغم التحديات المستمرة منذ عقود، وما رافقها من عقوبات وضغوط اقتصادية وأنظمة إدارية قديمة بحاجة إلى تحديث.
الشراكة المجتمعية ودور لجان الأحياء
من جانبه، أكد محافظ اللاذقية محمد عثمان على الدور المحوري للجان الأحياء في نقل هموم المواطنين ومتابعة شؤونهم، معتبرا إياها شريكا أساسيا لمؤسسات الدولة في تعزيز التواصل مع المجتمع المحلي، ودعا إلى تكثيف الزيارات المتبادلة بين الأحياء لترسيخ التلاحم الاجتماعي.
بدوره، شدد مختار حي الصليبة على أهمية استمرار التعاون بين الجهات الرسمية والأهلية، لافتا إلى أن تعزيز الشراكة يسهم في إطلاق مبادرات مجتمعية أكثر فاعلية لتحسين الخدمات وتلبية احتياجات الأهالي.
كما أشار رئيس لجنة حي الطابيات إلى أن دعم المبادرات المحلية لا يقتصر على الجانب الخدمي فحسب، بل يمثل خطوة أساسية في دفع عملية التنمية في المحافظة، مشددا على ضرورة استدامة هذا التعاون لتحقيق نتائج ملموسة تنعكس إيجابا على حياة المواطنين.
إن تعزيز التماسك الداخلي والارتقاء بالإدارة المحلية يظلان السبيل الأمتن لترسيخ الوحدة الوطنية وحماية سوريا من تحديات الانقسام، مع جعل المجتمع شريكا فعليا في البناء والتنمية

سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.
شبكة سوريا مورس الإخبارية
دليل أعضاء SMNN
ملفات أعضاء وكتّاب ومساهمين يظهرون في الدليل العام بحسب إعدادات الخصوصية.مستشار / عضو مهني
مستوى مخصص للأعضاء المهنيين أو المستشارين الذين يحتاجون إلى وصول أوسع للمواد الداخلية.






صحفي / مراسل
مستوى مخصص للمراسلين والصحفيين ضمن شبكة SMNN، مع قابلية توسيع أدوات العمليات لاحقاً.





مساهم / كاتب
مستوى مخصص للكتّاب والمساهمين الذين لديهم ملف عام ومقالات مرتبطة بحسابهم.





عضو قارئ
مستوى مناسب للقراء الراغبين في متابعة المحتوى المخصص والتحديثات الداخلية.




سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.