Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
فخلف الطاولة التي تجمع دمشق وتل أبيب، برعاية أميركية واستضافة أردنية، يجري نقاش غير معلن حول سؤال أكبر:
أي سوريا ستخرج من المرحلة الانتقالية؟
هل ستكون سوريا دولة مستقرة، ذات سيادة، وجيش وطني قادر على حماية حدودها، وعلاقات إقليمية مستقلة؟ أم دولة مستقرة ولكن بقيود أمنية وعسكرية تحددها موازين القوى الإقليمية والدولية؟
هنا تحديداً تكمن العقدة الحقيقية.
- من اتفاق أمني إلى معركة على السيادة
وبحسب ما أوردته تقارير إعلامية متداولة، فإن البحث لم يصل إلى سلام شامل أو تطبيع كامل، بل يتركز بصورة أساسية على ترتيبات أمنية في الجنوب، ووقف الاعتداءات، وتنظيم الانتشار العسكري، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، إلى جانب بحث انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق.
ومن حيث المبدأ، لا يبدو أن دمشق ترفض تقديم ضمانات أمنية.
لكنها تضع في المقابل خطاً أحمر واضحاً:
الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يتحول إلى وصاية على الأمن السوري.
وهذا هو الفارق الجوهري.
أن تقدم سوريا ضمانات بعدم استخدام أراضيها لتهديد إسرائيل، فهذا يمكن أن يكون جزءاً من أي اتفاق أمني طبيعي.
أما أن تتحول هذه الضمانات إلى قيود على حجم الجيش السوري، أو نوعية تسليحه، أو علاقاته العسكرية مع الدول الأخرى، أو حقه في إعادة بناء قدراته الدفاعية، فهنا تنتقل المفاوضات من الأمن إلى السيادة.
ولذلك فإن التصريحات الرسمية السورية التي شددت في أكثر من مناسبة على حق دمشق في إعادة بناء جيشها وتحديد تحالفاتها لا تبدو مجرد تفصيل تفاوضي، بل تعبيراً عن جوهر الموقف السوري.
لماذا ترى إسرائيل أن اللحظة الحالية «تاريخية»؟
حين يقول وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن على إسرائيل اغتنام الفرصة التاريخية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
لماذا هي فرصة تاريخية؟
يمكن تفسير وصف اللحظة بأنها «تاريخية» بأن إسرائيل تتعامل مع سوريا وهي تمر بمرحلة انتقالية.
الجيش السوري لا يزال في مرحلة إعادة البناء، والدفاع الجوي يحتاج إلى إعادة تأسيس، والاقتصاد السوري يخرج من سنوات طويلة من الحرب والانهيار، ومؤسسات الدولة نفسها تعيد تشكيل بنيتها.
لكن هذه الصورة ليست بالضرورة صورة سوريا المستقبل.
فالدولة السورية الجديدة بدأت بالفعل في إعادة بناء مؤسساتها، وتبحث عن شراكات إقليمية ودولية، وخصوصاً مع تركيا، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى الانفتاح على الولايات المتحدة والدول العربية وأوروبا.
وهنا تصبح المسألة بالنسبة لإسرائيل مرتبطة بالزمن.
ما يمكن أن تفرضه إسرائيل على سوريا اليوم قد يصبح أكثر صعوبة بعد خمس أو عشر سنوات.
ولذلك فإن إسرائيل تريد ضمانات أمنية في مرحلة مبكرة، قبل أن تكتمل عملية إعادة بناء الدولة والجيش السوري.
- تركيا تدخل قلب المعادلة
إذا كان هناك ملف واحد يفسر جانباً مهماً من القلق الإسرائيلي، فهو تركيا.
لم تعد العلاقة السورية–التركية مجرد علاقة سياسية أو اقتصادية.
تركيا أصبحت لاعباً أساسياً في عملية إعادة بناء سوريا، وتشير تصريحات ومؤشرات رسمية إلى تنامي التعاون السوري–التركي، بما في ذلك مجالات ذات طابع أمني وعسكري.
وهنا تتغير الحسابات الإسرائيلية.
فإسرائيل لا تنظر فقط إلى الجيش السوري الذي سيعاد بناؤه، وإنما تنظر أيضاً إلى:
من سيدربه؟
من سيساعده؟
من سيزوده بالخبرة؟
وما طبيعة العقيدة العسكرية التي ستتشكل لديه؟
وإذا صحت التقارير المتداولة عن سعي إسرائيل إلى الحد من أي وجود عسكري تركي مؤثر داخل سوريا، فإن هذا لا يتعلق بسوريا وحدها.
إنه يعكس تحولاً أكبر في البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط.
تركيا نفسها لم تعد تنظر إلى سوريا باعتبارها مجرد دولة مجاورة، بل باعتبارها جزءاً من مجال أمني واقتصادي واستراتيجي واسع.
وفي المقابل، أصبحت إسرائيل تنظر إلى صعود تركيا باعتباره تحدياً استراتيجياً متزايداً.
وهكذا تتحول سوريا إلى ساحة تقاطع بين مشروعين إقليميين:
تركيا الصاعدة، وإسرائيل التي تحاول إعادة تعريف حدود نفوذها.
- إسرائيل أمام معادلة صعبة
المفارقة أن إسرائيل تواجه اليوم مشكلة استراتيجية لا تملك حلاً سهلاً لها.
إذا ضربت سوريا باستمرار، فإنها تدفع دمشق إلى البحث أكثر عن الحماية والشراكات العسكرية.
وإذا استهدفت الوجود التركي، فهي تخاطر بالدخول في مواجهة مع دولة عضو في حلف الناتو وذات قدرات عسكرية كبيرة.
وإذا قبلت بوجود تركي قوي داخل سوريا، فهي تسمح بظهور قوة إقليمية عسكرية على حدود مجالها الحيوي.
أما إذا وقعت اتفاقاً أمنياً مع دمشق، فقد تحصل على ضمانات مهمة في الجنوب، لكنها لن تكون قادرة بالضرورة على التحكم بما يجري في الشمال أو في علاقة سوريا بتركيا.
وهنا تصبح المعادلة الإسرائيلية شديدة التعقيد:
كيف تحصل إسرائيل على سوريا مستقرة وآمنة بالنسبة إليها، من دون أن تتحول هذه الدولة نفسها بعد سنوات إلى قوة إقليمية يصعب احتواؤها؟
- السويداء: الملف الداخلي الذي أصبح جزءاً من التفاوض الإقليمي
لا يمكن قراءة المفاوضات السورية–الإسرائيلية بعيداً عن ملف السويداء.
فالجنوب السوري هو الحلقة الأكثر حساسية في المعادلة.
استمرار الوضع الأمني والسياسي غير المحسوم في السويداء قد يتيح لإسرائيل توظيف الملف تحت عنوان حماية الدروز وضمان أمن الجنوب.
لكن معالجة الملف عسكرياً فقط قد تنتج نتيجة عكسية، وتمنح إسرائيل مبرراً جديداً للتدخل.
لذلك فإن المصلحة السورية تقتضي الوصول إلى تسوية سورية داخلية تحفظ وحدة الدولة، وتعيد المؤسسات الرسمية، وتمنح أبناء المحافظة دوراً سياسياً وإدارياً مناسباً، وتمنع في الوقت ذاته تحول المحافظة إلى كيان أمني منفصل.
إذا نجحت دمشق في ذلك، فإنها تسحب من إسرائيل واحدة من أهم الذرائع التي تستخدمها لتبرير تدخلها في الجنوب.
ولهذا فإن حل السويداء ليس مجرد قضية داخلية.
إنه جزء من المعركة على السيادة السورية.
- أبو الظهور: عندما تتقاطع الرسائل العسكرية والسياسية
جاء استهداف مطار أبو الظهور في لحظة شديدة الحساسية، بالتزامن مع اتصالات سورية–إسرائيلية ومساعٍ أميركية لخفض التوتر.
ومن هنا اكتسبت الضربة أهمية تتجاوز الموقع العسكري نفسه.
فالرسالة الإسرائيلية يمكن قراءتها باعتبارها تحذيراً من تشكل واقع عسكري جديد في سوريا لا يناسب الحسابات الإسرائيلية، خصوصاً مع تنامي التعاون السوري–التركي.
لكن المفارقة أن الضربة نفسها دفعت نحو مزيد من الاتصالات السياسية.
وهنا تظهر إحدى مفارقات المرحلة:
القوة العسكرية الإسرائيلية التي تهدف إلى منع تشكل واقع جديد قد تدفع في الوقت نفسه دمشق إلى تسريع بناء علاقاتها وشراكاتها الدفاعية.
ولهذا فإن الضربات وحدها لا تستطيع حل المشكلة.
يمكنها تأخير بناء القدرات السورية، لكنها لا تستطيع بالضرورة إلغاء الرغبة السورية في إعادة بناء الدولة والجيش.
واشنطن بين دمشق وتل أبيب وأنقرة
الدور الأميركي في هذه المرحلة بالغ الأهمية.
واشنطن تريد وقف التصعيد، لكنها تريد في الوقت نفسه الحفاظ على أمن إسرائيل ومنع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة مباشرة بين تركيا وإسرائيل.
وهذا يفسر أهمية الوساطة الأميركية في إعادة فتح قنوات الاتصال.
لكن الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة أيضاً.
فإذا ضغطت على دمشق أكثر من اللازم، فإنها قد تدفعها نحو تعميق الشراكة مع تركيا.
وإذا ضغطت على إسرائيل أكثر من اللازم، فإنها تصطدم بحسابات أمنية وسياسية إسرائيلية عميقة.
أما إذا حاولت إدارة التوازن بين الجميع، فقد تجد نفسها أمام عملية تفاوض طويلة تحتاج إلى أكثر من اتفاق أمني مؤقت.
ولذلك فإن أفضل دور يمكن أن تلعبه واشنطن هو أن تكون ضامناً للتوازن، لا أداة لفرض الوصاية على القرار السوري.
- الأردن: اللاعب الهادئ
في مقابل هذا الصراع الكبير، يحتفظ الأردن بدور مهم وهادئ.
فأمن الجنوب السوري يرتبط مباشرة بالأمن الأردني، والحدود الطويلة بين البلدين تجعل عمّان معنية بأي فوضى أو تهريب أو انتشار جماعات مسلحة.
ولهذا يمكن للأردن أن يؤدي دور الجسر بين دمشق وواشنطن وتل أبيب، وأن يكون جزءاً من آلية مراقبة وفض اشتباك تضمن الاستقرار جنوباً.
لكن مصلحة الأردن، مثل مصلحة سوريا، تكمن في وجود دولة سورية مستقرة وقادرة على ضبط حدودها.
هل تستطيع سوريا الجمع بين الجيش القوي والسلام؟
هذه هي المسألة الأكثر حساسية.
هناك تصور إسرائيلي يقوم على أن السلام يحتاج إلى سوريا عسكرية ضعيفة.
بينما يبدو التصور السوري مختلفاً:
نريد السلام، لكننا نريد في الوقت نفسه جيشاً وطنياً قادراً على حماية الدولة.
ولا يوجد تناقض حتمي بين الأمرين.
الدول المستقرة لا تحتاج إلى إلغاء جيوشها كي تكون دولاً مسالمة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الترتيبات الأمنية إلى محاولة لمنع سوريا من بناء قدرات دفاعية طبيعية داخل أراضيها.
وهنا يجب أن يكون الموقف السوري واضحاً:
سوريا يمكن أن تقدم ضمانات أمنية، لكنها لا يمكن أن تقدم تنازلاً عن حقها في الدفاع عن نفسها.
ثلاثة مسارات أمام العلاقة
يمكن تلخيص مستقبل العلاقة السورية–الإسرائيلية في ثلاثة مسارات رئيسية.
المسار الأول: اتفاق أمني تدريجي
وهو السيناريو الأكثر واقعية.
وقف الاعتداءات، إعادة تفعيل اتفاق 1974، انسحاب إسرائيلي تدريجي، ترتيبات أمنية في الجنوب، آلية أميركية–أردنية للرقابة، وضمانات متبادلة.
بعد ذلك يمكن الانتقال إلى ملفات سياسية أوسع.
المسار الثاني: هدنة طويلة بلا اتفاق نهائي
تستمر اللقاءات والاتصالات، لكن تبقى الملفات الكبرى عالقة.
تتوقف بعض العمليات، وتستمر عمليات أخرى، وتبقى الحدود في حالة توتر مضبوط.
وهذا يعني إدارة الصراع بدلاً من حله.
المسار الثالث: عودة التصعيد
إذا فشلت المفاوضات حول الوجود التركي، وتسليح الجيش السوري، والانسحاب الإسرائيلي، وملف السويداء، فقد تعود الضربات الإسرائيلية.
وهنا تكمن أخطر معادلة:
إسرائيل تضرب لمنع بناء القوة السورية، وسوريا تبني قوتها لأنها تتعرض للضرب.
وبذلك تتحول المنطقة إلى دائرة تصعيد يصعب الخروج منها.
أما السيناريو الأخطر… فهو أن تصبح سوريا ساحة نفوذ
الخطر الأكبر على دمشق ليس فقط الحرب.
بل أن تتحول سوريا إلى دولة تتعدد فيها مراكز النفوذ.
إسرائيل تفرض خطوطاً حمراء جنوباً.
تركيا تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً شمالاً.
واشنطن تدير التوازن.
الأردن يحاول حماية حدوده.
وقوى محلية تحتفظ بأوراقها.
وفي هذه الحالة تصبح سوريا موحدة على الخريطة، لكنها موزعة في القرار الأمني.
وهذا السيناريو يجب أن يكون الخط الأحمر الحقيقي للدولة السورية.
الخلاصة: لا حرب ولا وصاية
المرحلة القادمة تحتاج إلى معادلة سورية مختلفة عن كل ما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية.
لا يمكن لسوريا أن تدخل حرباً جديدة في الوقت الذي تعيد فيه بناء دولتها.
لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تقبل بأن يتحول وقف الحرب إلى تسليم قرارها الأمني للآخرين.
المعادلة الأكثر واقعية هي:
ضمانات أمنية متبادلة، لا وصاية أمنية.
تفاوض، لا استسلام.
قوة دولة، لا قوة فصائل.
علاقات متوازنة، لا ارتهان لمحور واحد.
وإذا استطاعت دمشق أن تجمع بين هذه العناصر، فإنها قد تنجح في تحويل المرحلة الحالية من مرحلة ضعف إلى مرحلة إعادة تموضع استراتيجي.
فالمفاوضات مع إسرائيل ليست اختباراً لقدرة الدبلوماسية السورية فقط.
إنها اختبار لقدرة الدولة السورية الجديدة على أن تقول لجميع الأطراف، بمن فيهم حلفاؤها وخصومها:
نحن نريد السلام، لكننا نريد أيضاً السيادة.
نريد الأمن، لكن أمننا ليس أقل أهمية من أمن الآخرين.
نريد علاقات مع تركيا، لكننا لا نريد أن تكون سوريا ساحة صراع تركي–إسرائيلي.
ونريد جيشاً قوياً، لا ليخوض الحروب العبثية، بل لأن الدولة التي لا تستطيع حماية حدودها لا تستطيع أن تكون مستقلة القرار.
وربما هنا تحديداً تكمن المفارقة التاريخية.
إسرائيل تريد أن تحصل اليوم على أكبر قدر ممكن من الضمانات قبل أن تستعيد سوريا قوتها.
وسوريا تريد أن تحصل اليوم على أكبر قدر ممكن من السيادة قبل أن تكتمل عملية إعادة بناء قوتها.
وبين هذين الموقفين ستبقى طاولة عمّان مفتوحة.
لكن المعركة الحقيقية لن تحسمها الطاولة وحدها.
ستحسمها قدرة سوريا على إعادة بناء الدولة.
فإذا نجحت دمشق في بناء دولة قوية، مستقرة، ذات جيش وطني، واقتصاد قابل للحياة، وعلاقات متوازنة مع تركيا والعرب وواشنطن، فإن شكل أي اتفاق مع إسرائيل سيتغير جذرياً.
أما إذا بقيت الدولة ضعيفة ومجزأة، فستظل الاتفاقات الأمنية مجرد محاولة لتنظيم نفوذ الآخرين داخل سوريا.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:
هل ستوقع سوريا اتفاقاً مع إسرائيل؟
بل:
أي سوريا ستجلس إلى طاولة التفاوض؟
وهنا، تحديداً، يتحدد مستقبل الشرق الأوسط الجديد.

تم
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.