لم يعد السؤال السوري اليوم: من يملك سوريا؟
فهذا السؤال ينتمي إلى مرحلة سابقة، حين كانت سوريا ساحة مفتوحة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية، وحين كان النفوذ الخارجي يُقاس بعدد القواعد العسكرية وحجم القوات الموجودة على الأرض.
أما المشهد السوري الحالي، فيوحي بدخول البلاد مرحلة سياسية مختلفة عن السنوات السابقة.
مرحلة تحاول فيها دمشق أن تنتقل من موقع الدولة التي يتنافس الآخرون على نفوذهم داخلها، إلى دولة تحاول هي نفسها إدارة هذا التنافس، وتوظيفه لمصلحة سيادتها ووحدة أراضيها وإعادة إعمارها.
ومن هنا تبرز أهمية العلاقات السورية مع كل من واشنطن وموسكو في هذه المرحلة.
فالولايات المتحدة تنظر إلى سوريا من زاوية الأمن الإقليمي، ومحاربة التنظيمات الإرهابية، وإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط، وتقليص النفوذ الإيراني والروسي.
أما روسيا، فتنظر إلى سوريا باعتبارها جزءاً من منظومة أوسع تتصل بحضورها في شرق المتوسط، ومصالحها العسكرية والاقتصادية، وموقعها كقوة دولية قادرة على الاحتفاظ بأوراق نفوذ خارج محيطها المباشر.
وبين هاتين الرؤيتين تتحرك دمشق.
أولاً: اتصال بوتين بالشرع… لماذا الآن؟
في 26 أغسطس/آب 2026، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالاً هاتفياً بالرئيس السوري أحمد الشرع.
البيان الروسي تحدث عن تطوير العلاقات الثنائية، وتعميق الحوار السياسي، وتوسيع التعاون التجاري والاقتصادي والإنساني، كما أكد بوتين دعم موسكو لوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها.
لكن الأهم أن الاتصال جاء بعد أيام قليلة فقط من توقيع مذكرة التفاهم السورية–الروسية بشأن إعادة تنظيم الوجود الروسي في حميميم وطرطوس.
وهنا تكمن أهمية التوقيت.
ويشير توقيت الاتصال ومضمونه إلى أن موسكو تتعامل مع دمشق بوصفها سلطة جديدة ذات مقاربة مختلفة للعلاقات الخارجية.
وفي المقابل، لم تتعامل دمشق مع روسيا بمنطق القطيعة.
بل اختارت صيغة أكثر براغماتية:
لا استمرار للوجود الروسي القديم، ولا قطيعة مع روسيا.
وهذه ربما تكون إحدى أهم سمات الدبلوماسية السورية الجديدة.
ثانياً: حميميم وطرطوس… إعادة تنظيم الوجود الروسي بالتفاوض
ربما يكون ملف القواعد الروسية هو الاختبار الأوضح للتحول في العلاقة بين دمشق وموسكو.
فبعد سقوط النظام السابق، كان السؤال الكبير: ماذا ستفعل روسيا بقواعدها في سوريا؟
هل ستنسحب؟
هل ستحتفظ بها كما كانت؟
هل ستدخل في مواجهة مع السلطة الجديدة؟
وبعد فترة من المفاوضات، جاءت الإجابة مختلفة.
أعلنت دمشق في 9 أغسطس/آب التوصل إلى مذكرة تفاهم تعيد تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري.
وبموجب الترتيبات الجديدة، تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، بما فيها مطار حميميم وبعض المنشآت التجارية في طرطوس، بينما يعاد تعريف المنشآت العسكرية لتصبح مراكز تدريب وتأهيل مشتركة ضمن ترتيبات جديدة.
وهنا يمكن قراءة الاتفاق باعتباره تراجعاً روسياً عن نموذج القاعدة العسكرية المفتوحة، مقابل احتفاظ موسكو بجزء من الحضور الاستراتيجي.
أما دمشق، فقد حصلت على شيء بالغ الأهمية:
استعادة السيطرة السيادية على البنية المدنية للموقعين، مع عدم تحويل العلاقة مع موسكو إلى مواجهة صفرية.
ويعكس ذلك توجهاً سورياً وروسياً إلى إدارة الخلاف عبر تسوية عملية بدلاً من الصدام المباشر.
روسيا لا تريد خسارة آخر موطئ قدم استراتيجي لها في المتوسط، ودمشق لا تريد أن تصبح في مواجهة مباشرة مع قوة كبرى.
لذلك اختارت الدولتان صيغة وسط.
ثالثاً: ماذا تريد موسكو من سوريا؟
من الخطأ اختزال المصلحة الروسية في شخص بشار الأسد.
صحيح أن الأسد يعيش في روسيا، وأن موسكو وفرت له اللجوء بعد سقوط نظامه، لكن السياسة الروسية لا تُبنى عادة على الأشخاص وحدهم.
موسكو تبحث عن الدولة والموقع والنفوذ والمصالح.
والأهم بالنسبة إليها هو الاحتفاظ بقناة اتصال مستقرة مع دمشق.
روسيا تريد:
- – الحفاظ على موطئ قدم في شرق المتوسط.
- – استمرار التعاون العسكري والأمني.
- – حماية مصالحها الاقتصادية.
- – الحفاظ على حضورها في الشرق الأوسط وأفريقيا.
- – منع تحول سوريا بالكامل إلى منطقة نفوذ غربية.
- – الاحتفاظ بدور سياسي في الملفات الإقليمية.
ولهذا فإن الورقة السورية بالنسبة لموسكو ليست مجرد ورقة مرتبطة بالأسد.
الأسد يمكن أن يكون ملفاً تفاوضياً، لكن سوريا نفسها هي الأصل الاستراتيجي.
وهذا يفسر لماذا سارعت موسكو إلى بناء علاقة جديدة مع القيادة السورية بعد سقوط النظام السابق.
رابعاً: وماذا تريد واشنطن؟
في المقابل، تنظر واشنطن إلى سوريا من منظور مختلف.
فالولايات المتحدة لا تريد فقط سوريا مستقرة، وإنما تريد سوريا لا تتحول إلى منصة لإعادة بناء النفوذ الإيراني أو الروسي، ولا تصبح بيئة حاضنة للتنظيمات الإرهابية.
ولهذا ارتبط الانفتاح الأمريكي على دمشق بجملة من الملفات:
الأمن ومكافحة الإرهاب، مستقبل شمال شرق سوريا، العلاقات الإقليمية، النفوذ الإيراني، إعادة بناء المؤسسات، والانفتاح الاقتصادي.
لكن التطور الأهم جاء في 24 أغسطس/آب 2026.
وبحسب ما أُعلن في 24 أغسطس/آب 2026، اتخذت الولايات المتحدة خطوات قالت إنها تشمل إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، كما ألغت وزارة الخزانة تصنيف هيئة تحرير الشام كـ«منظمة إرهابية عالمية محددة»، في ما عُد تحولاً كبيراً في العلاقة بين واشنطن ودمشق.
وهذه ليست خطوة رمزية.
إنها تعني إزالة واحدة من أكبر العقبات أمام إعادة دمج سوريا في النظام المالي والاقتصادي الدولي.
وبالتالي فإن واشنطن لا تقدم لدمشق مجرد اعتراف سياسي.
إنها تقدم لها بوابة اقتصادية دولية.
خامساً: لماذا لا تريد واشنطن أن تترك سوريا لروسيا؟
هنا تبدأ اللعبة الكبرى.
سوريا تقع في موقع جغرافي يجعلها مهمة للولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإسرائيل ودول الخليج.
ومن يملك نفوذاً مؤثراً في دمشق يمتلك ورقة مهمة في شرق المتوسط، وفي المشرق العربي، وفي طرق التجارة والطاقة والأمن الإقليمي.
ولهذا فإن واشنطن لا تنظر إلى الوجود الروسي في سوريا باعتباره مسألة سورية–روسية فقط.
كما أن موسكو لا تنظر إلى الانفتاح الأمريكي على دمشق باعتباره مجرد مساعدة اقتصادية.
كل طرف يقرأ تحركات الطرف الآخر باعتبارها جزءاً من إعادة تشكيل المنطقة.
لكن هنا تظهر نقطة شديدة الأهمية:
دمشق ليست مضطرة إلى اختيار أحدهما بالضرورة.
سادساً: دمشق تلعب لعبة مختلفة
إذا كانت واشنطن تريد سوريا مستقرة ومنفتحة عليها، وموسكو تريد سوريا لا تغلق الباب أمامها، فإن دمشق تستطيع تحويل هذا التنافس إلى ورقة تفاوض.
وهذا ما يمكن تسميته:
دبلوماسية التوازن بين الكبار.
دمشق تقول لواشنطن عملياً:
لن تكون روسيا بديلاً عنكم.
وتقول لموسكو:
لن تكون الولايات المتحدة بديلاً عنكم.
لكنها في الوقت نفسه تقول للطرفين:
سوريا ليست ساحة نفوذ مجانية.
وهنا يكمن الفرق بين السياسة الخارجية القديمة والسياسة الخارجية الجديدة.
في السابق كان القرار السوري مرتبطاً بدرجة كبيرة بمصالح الحليف الأقوى.
أما اليوم، فالمطلوب بناء علاقات متعددة الاتجاهات، بحيث لا تستطيع قوة واحدة احتكار القرار السوري.
سابعاً: قسد… الحلقة التي تربط واشنطن وأنقرة ودمشق
لا يمكن فهم العلاقة السورية–الأمريكية من دون ملف قوات سوريا الديمقراطية «قسد».
فالولايات المتحدة بنت خلال السنوات الماضية شراكة عسكرية وسياسية واسعة مع القوى الكردية في شمال شرق سوريا، خصوصاً في إطار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.
لكن دمشق تريد إنهاء حالة الازدواج الأمني والعسكري داخل البلاد.
ومن وجهة النظر السورية، فإن استمرار وجود تشكيلات عسكرية خارج مؤسسات الدولة يتعارض مع مشروع توحيد البلاد.
وهنا تلتقي مصالح متعددة:
دمشق تريد استعادة سيادتها.
تركيا تريد إنهاء التهديد المرتبط بحزب العمال الكردستاني.
واشنطن تريد ضمان عدم عودة تنظيم الدولة، وحماية مصالحها وشركائها المحليين.
ومن هنا أصبحت عملية دمج القوى الموجودة في شمال شرق سوريا داخل مؤسسات الدولة السورية واحدة من أهم مفاتيح إعادة صياغة العلاقة بين دمشق وواشنطن وأنقرة.
ولهذا فإن ملف «قسد» ليس ملفاً سورياً داخلياً فقط.
إنه عقدة جيوسياسية دولية.
ثامناً: روسيا وأمريكا… هل نحن أمام حرب نفوذ على سوريا؟
نعم، ولكن ليس بالضرورة أمام حرب مباشرة.
الأقرب هو صراع نفوذ ناعم ومتدرج:
واشنطن تستخدم الاقتصاد والعقوبات والانفتاح السياسي والأمني.
موسكو تستخدم العلاقات العسكرية والتاريخية والقاعدة البحرية والعلاقات الدبلوماسية.
تركيا تستخدم الجغرافيا والأمن والاقتصاد.
الخليج يستخدم الاستثمار والتمويل وإعادة الإعمار.
وإسرائيل تستخدم القوة العسكرية والضغط الأمني.
أما دمشق، فتحاول أن تجمع هذه الأوراق كلها في طاولة واحدة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
من يستطيع أن يمنح سوريا أكثر مما يستطيع أن يأخذ منها؟
تاسعاً: هل تبيع موسكو الأسد؟
من أكثر النقاط إثارة للجدل الحديث عن أن موسكو يمكن أن تستخدم بشار الأسد كورقة تفاوض.
سياسياً، لا يمكن الجزم بأن هذا هو هدف الاتصال أو أن موسكو «عرضت الأسد للبيع».
لا توجد في البيانات الرسمية المتاحة إشارة إلى ذلك.
لكن يمكن القول إن أهمية الأسد بالنسبة إلى العلاقة السورية–الروسية تراجعت مقارنة بأهمية الدولة السورية ومصالح روسيا الاستراتيجية.
وهذا أمر مختلف تماماً.
روسيا قد تتمسك بالأسد لأسباب قانونية أو سياسية أو إنسانية، لكنها في الوقت نفسه أثبتت عملياً أنها مستعدة للتعامل مع القيادة السورية الجديدة، بل والتفاوض معها حول قواعدها ومصالحها.
وهذا يعني أن المصلحة الروسية أصبحت مرتبطة بدمشق الجديدة أكثر من ارتباطها بشخص الأسد.
عاشراً: ماذا تريد دمشق من موسكو وواشنطن؟
دمشق لا تحتاج إلى «حليف واحد».
هي تحتاج إلى:
من واشنطن:
الاعتراف السياسي، رفع القيود، الاستثمار، إعادة دمج سوريا اقتصادياً، الدعم الدولي، والتعاون الأمني.
ومن موسكو:
الاستقرار، التعاون العسكري والأمني، العلاقات الدولية، الخبرة، الاستثمار، وعدم تحويل روسيا إلى خصم.
ومن تركيا:
الاستقرار الحدودي، دعم وحدة الأراضي السورية، والتعاون الاقتصادي والأمني.
ومن الخليج:
الاستثمار وإعادة الإعمار والاندماج العربي.
وهكذا تتحول السياسة الخارجية السورية من سياسة المحاور إلى سياسة تعدد الشراكات.
◆
الخلاصة: سوريا لا تختار بين الدب والنسر
ربما يكون الخطأ الأكبر هو النظر إلى سوريا باعتبارها مطالبة بالاختيار بين روسيا والولايات المتحدة.
المعادلة الجديدة أكثر تعقيداً.
واشنطن تريد ألا تعود سوريا إلى المحور الروسي–الإيراني.
موسكو تريد ألا تخسر سوريا بالكامل لصالح المحور الغربي.
أنقرة تريد سوريا موحدة خالية من تهديد حزب العمال الكردستاني.
تل أبيب تريد ضمانات أمنية وحدوداً جديدة للنفوذ السوري.
والخليج يريد سوريا مستقرة قابلة للاستثمار وإعادة البناء.
أما دمشق، فلديها مصلحة مختلفة:
أن تستفيد من الجميع، دون أن تصبح رهينة لأحد.
ولهذا فإن اتصال بوتين بالشرع، ومذكرة حميميم وطرطوس، والانفتاح الأمريكي المتسارع، وإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كلها ليست أحداثاً منفصلة.
إنها أجزاء من لوحة واحدة:
إعادة إدخال سوريا إلى لعبة التوازنات الدولية، ولكن هذه المرة ليس باعتبارها ساحة للصراع فقط، وإنما باعتبارها لاعباً يحاول امتلاك أوراقه.
وهنا تحديداً تظهر قيمة الدبلوماسية السورية الجديدة.
فدمشق لا تريد أن تقول لواشنطن: «نحن معكم».
ولا تريد أن تقول لموسكو: «نحن معكم».
بل تريد أن تقول للطرفين:
”
«نحن مع سوريا أولاً… ومن يريد أن يكون شريكاً فيها، فليأتِ إلى دمشق من بوابة المصالح المتبادلة والسيادة السورية.»
وهذه، في جوهرها، ليست سياسة انحياز.
إنها سياسة موازنة.
وقد تكون هذه هي المرة الأولى منذ عقود التي تمتلك فيها دمشق فرصة حقيقية لتحويل التنافس الدولي على سوريا من عبء على الدولة إلى ورقة في يد الدولة.
تتجاوز المفاوضات السورية–الإسرائيلية الجارية في عمّان ملف التهدئة في الجنوب السوري، لتلامس سؤالاً أوسع يتعلق بشكل الدولة السورية وحدود سيادتها في المرحلة الانتقالية.
فخلف الطاولة التي تجمع دمشق وتل أبيب، برعاية أميركية واستضافة أردنية، يجري نقاش غير معلن حول سؤال أكبر:
أي سوريا ستخرج من المرحلة الانتقالية؟
هل ستكون سوريا دولة مستقرة، ذات سيادة، وجيش وطني قادر على حماية حدودها، وعلاقات إقليمية مستقلة؟ أم دولة مستقرة ولكن بقيود أمنية وعسكرية تحددها موازين القوى الإقليمية والدولية؟
هنا تحديداً تكمن العقدة الحقيقية.
- من اتفاق أمني إلى معركة على السيادة
وبحسب ما أوردته تقارير إعلامية متداولة، فإن البحث لم يصل إلى سلام شامل أو تطبيع كامل، بل يتركز بصورة أساسية على ترتيبات أمنية في الجنوب، ووقف الاعتداءات، وتنظيم الانتشار العسكري، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، إلى جانب بحث انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق.
ومن حيث المبدأ، لا يبدو أن دمشق ترفض تقديم ضمانات أمنية.
لكنها تضع في المقابل خطاً أحمر واضحاً:
الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يتحول إلى وصاية على الأمن السوري.
وهذا هو الفارق الجوهري.
أن تقدم سوريا ضمانات بعدم استخدام أراضيها لتهديد إسرائيل، فهذا يمكن أن يكون جزءاً من أي اتفاق أمني طبيعي.
أما أن تتحول هذه الضمانات إلى قيود على حجم الجيش السوري، أو نوعية تسليحه، أو علاقاته العسكرية مع الدول الأخرى، أو حقه في إعادة بناء قدراته الدفاعية، فهنا تنتقل المفاوضات من الأمن إلى السيادة.
ولذلك فإن التصريحات الرسمية السورية التي شددت في أكثر من مناسبة على حق دمشق في إعادة بناء جيشها وتحديد تحالفاتها لا تبدو مجرد تفصيل تفاوضي، بل تعبيراً عن جوهر الموقف السوري.
لماذا ترى إسرائيل أن اللحظة الحالية «تاريخية»؟
حين يقول وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن على إسرائيل اغتنام الفرصة التاريخية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
لماذا هي فرصة تاريخية؟
يمكن تفسير وصف اللحظة بأنها «تاريخية» بأن إسرائيل تتعامل مع سوريا وهي تمر بمرحلة انتقالية.
الجيش السوري لا يزال في مرحلة إعادة البناء، والدفاع الجوي يحتاج إلى إعادة تأسيس، والاقتصاد السوري يخرج من سنوات طويلة من الحرب والانهيار، ومؤسسات الدولة نفسها تعيد تشكيل بنيتها.
لكن هذه الصورة ليست بالضرورة صورة سوريا المستقبل.
فالدولة السورية الجديدة بدأت بالفعل في إعادة بناء مؤسساتها، وتبحث عن شراكات إقليمية ودولية، وخصوصاً مع تركيا، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى الانفتاح على الولايات المتحدة والدول العربية وأوروبا.
وهنا تصبح المسألة بالنسبة لإسرائيل مرتبطة بالزمن.
ما يمكن أن تفرضه إسرائيل على سوريا اليوم قد يصبح أكثر صعوبة بعد خمس أو عشر سنوات.
ولذلك فإن إسرائيل تريد ضمانات أمنية في مرحلة مبكرة، قبل أن تكتمل عملية إعادة بناء الدولة والجيش السوري.
إذا كان هناك ملف واحد يفسر جانباً مهماً من القلق الإسرائيلي، فهو تركيا.
لم تعد العلاقة السورية–التركية مجرد علاقة سياسية أو اقتصادية.
تركيا أصبحت لاعباً أساسياً في عملية إعادة بناء سوريا، وتشير تصريحات ومؤشرات رسمية إلى تنامي التعاون السوري–التركي، بما في ذلك مجالات ذات طابع أمني وعسكري.
وهنا تتغير الحسابات الإسرائيلية.
فإسرائيل لا تنظر فقط إلى الجيش السوري الذي سيعاد بناؤه، وإنما تنظر أيضاً إلى:
من سيدربه؟
من سيساعده؟
من سيزوده بالخبرة؟
وما طبيعة العقيدة العسكرية التي ستتشكل لديه؟
وإذا صحت التقارير المتداولة عن سعي إسرائيل إلى الحد من أي وجود عسكري تركي مؤثر داخل سوريا، فإن هذا لا يتعلق بسوريا وحدها.
إنه يعكس تحولاً أكبر في البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط.
تركيا نفسها لم تعد تنظر إلى سوريا باعتبارها مجرد دولة مجاورة، بل باعتبارها جزءاً من مجال أمني واقتصادي واستراتيجي واسع.
وفي المقابل، أصبحت إسرائيل تنظر إلى صعود تركيا باعتباره تحدياً استراتيجياً متزايداً.
وهكذا تتحول سوريا إلى ساحة تقاطع بين مشروعين إقليميين:
تركيا الصاعدة، وإسرائيل التي تحاول إعادة تعريف حدود نفوذها.
المفارقة أن إسرائيل تواجه اليوم مشكلة استراتيجية لا تملك حلاً سهلاً لها.
إذا ضربت سوريا باستمرار، فإنها تدفع دمشق إلى البحث أكثر عن الحماية والشراكات العسكرية.
وإذا استهدفت الوجود التركي، فهي تخاطر بالدخول في مواجهة مع دولة عضو في حلف الناتو وذات قدرات عسكرية كبيرة.
وإذا قبلت بوجود تركي قوي داخل سوريا، فهي تسمح بظهور قوة إقليمية عسكرية على حدود مجالها الحيوي.
أما إذا وقعت اتفاقاً أمنياً مع دمشق، فقد تحصل على ضمانات مهمة في الجنوب، لكنها لن تكون قادرة بالضرورة على التحكم بما يجري في الشمال أو في علاقة سوريا بتركيا.
وهنا تصبح المعادلة الإسرائيلية شديدة التعقيد:
كيف تحصل إسرائيل على سوريا مستقرة وآمنة بالنسبة إليها، من دون أن تتحول هذه الدولة نفسها بعد سنوات إلى قوة إقليمية يصعب احتواؤها؟
- السويداء: الملف الداخلي الذي أصبح جزءاً من التفاوض الإقليمي
لا يمكن قراءة المفاوضات السورية–الإسرائيلية بعيداً عن ملف السويداء.
فالجنوب السوري هو الحلقة الأكثر حساسية في المعادلة.
استمرار الوضع الأمني والسياسي غير المحسوم في السويداء قد يتيح لإسرائيل توظيف الملف تحت عنوان حماية الدروز وضمان أمن الجنوب.
لكن معالجة الملف عسكرياً فقط قد تنتج نتيجة عكسية، وتمنح إسرائيل مبرراً جديداً للتدخل.
لذلك فإن المصلحة السورية تقتضي الوصول إلى تسوية سورية داخلية تحفظ وحدة الدولة، وتعيد المؤسسات الرسمية، وتمنح أبناء المحافظة دوراً سياسياً وإدارياً مناسباً، وتمنع في الوقت ذاته تحول المحافظة إلى كيان أمني منفصل.
إذا نجحت دمشق في ذلك، فإنها تسحب من إسرائيل واحدة من أهم الذرائع التي تستخدمها لتبرير تدخلها في الجنوب.
ولهذا فإن حل السويداء ليس مجرد قضية داخلية.
إنه جزء من المعركة على السيادة السورية.
- أبو الظهور: عندما تتقاطع الرسائل العسكرية والسياسية
جاء استهداف مطار أبو الظهور في لحظة شديدة الحساسية، بالتزامن مع اتصالات سورية–إسرائيلية ومساعٍ أميركية لخفض التوتر.
ومن هنا اكتسبت الضربة أهمية تتجاوز الموقع العسكري نفسه.
فالرسالة الإسرائيلية يمكن قراءتها باعتبارها تحذيراً من تشكل واقع عسكري جديد في سوريا لا يناسب الحسابات الإسرائيلية، خصوصاً مع تنامي التعاون السوري–التركي.
لكن المفارقة أن الضربة نفسها دفعت نحو مزيد من الاتصالات السياسية.
وهنا تظهر إحدى مفارقات المرحلة:
القوة العسكرية الإسرائيلية التي تهدف إلى منع تشكل واقع جديد قد تدفع في الوقت نفسه دمشق إلى تسريع بناء علاقاتها وشراكاتها الدفاعية.
ولهذا فإن الضربات وحدها لا تستطيع حل المشكلة.
يمكنها تأخير بناء القدرات السورية، لكنها لا تستطيع بالضرورة إلغاء الرغبة السورية في إعادة بناء الدولة والجيش.
◆
واشنطن بين دمشق وتل أبيب وأنقرة
الدور الأميركي في هذه المرحلة بالغ الأهمية.
واشنطن تريد وقف التصعيد، لكنها تريد في الوقت نفسه الحفاظ على أمن إسرائيل ومنع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة مباشرة بين تركيا وإسرائيل.
وهذا يفسر أهمية الوساطة الأميركية في إعادة فتح قنوات الاتصال.
لكن الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة أيضاً.
فإذا ضغطت على دمشق أكثر من اللازم، فإنها قد تدفعها نحو تعميق الشراكة مع تركيا.
وإذا ضغطت على إسرائيل أكثر من اللازم، فإنها تصطدم بحسابات أمنية وسياسية إسرائيلية عميقة.
أما إذا حاولت إدارة التوازن بين الجميع، فقد تجد نفسها أمام عملية تفاوض طويلة تحتاج إلى أكثر من اتفاق أمني مؤقت.
ولذلك فإن أفضل دور يمكن أن تلعبه واشنطن هو أن تكون ضامناً للتوازن، لا أداة لفرض الوصاية على القرار السوري.
في مقابل هذا الصراع الكبير، يحتفظ الأردن بدور مهم وهادئ.
فأمن الجنوب السوري يرتبط مباشرة بالأمن الأردني، والحدود الطويلة بين البلدين تجعل عمّان معنية بأي فوضى أو تهريب أو انتشار جماعات مسلحة.
ولهذا يمكن للأردن أن يؤدي دور الجسر بين دمشق وواشنطن وتل أبيب، وأن يكون جزءاً من آلية مراقبة وفض اشتباك تضمن الاستقرار جنوباً.
لكن مصلحة الأردن، مثل مصلحة سوريا، تكمن في وجود دولة سورية مستقرة وقادرة على ضبط حدودها.
هل تستطيع سوريا الجمع بين الجيش القوي والسلام؟
هذه هي المسألة الأكثر حساسية.
هناك تصور إسرائيلي يقوم على أن السلام يحتاج إلى سوريا عسكرية ضعيفة.
بينما يبدو التصور السوري مختلفاً:
نريد السلام، لكننا نريد في الوقت نفسه جيشاً وطنياً قادراً على حماية الدولة.
ولا يوجد تناقض حتمي بين الأمرين.
الدول المستقرة لا تحتاج إلى إلغاء جيوشها كي تكون دولاً مسالمة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الترتيبات الأمنية إلى محاولة لمنع سوريا من بناء قدرات دفاعية طبيعية داخل أراضيها.
وهنا يجب أن يكون الموقف السوري واضحاً:
سوريا يمكن أن تقدم ضمانات أمنية، لكنها لا يمكن أن تقدم تنازلاً عن حقها في الدفاع عن نفسها.
◆
ثلاثة مسارات أمام العلاقة
يمكن تلخيص مستقبل العلاقة السورية–الإسرائيلية في ثلاثة مسارات رئيسية.
المسار الأول: اتفاق أمني تدريجي
وهو السيناريو الأكثر واقعية.
وقف الاعتداءات، إعادة تفعيل اتفاق 1974، انسحاب إسرائيلي تدريجي، ترتيبات أمنية في الجنوب، آلية أميركية–أردنية للرقابة، وضمانات متبادلة.
بعد ذلك يمكن الانتقال إلى ملفات سياسية أوسع.
المسار الثاني: هدنة طويلة بلا اتفاق نهائي
تستمر اللقاءات والاتصالات، لكن تبقى الملفات الكبرى عالقة.
تتوقف بعض العمليات، وتستمر عمليات أخرى، وتبقى الحدود في حالة توتر مضبوط.
وهذا يعني إدارة الصراع بدلاً من حله.
المسار الثالث: عودة التصعيد
إذا فشلت المفاوضات حول الوجود التركي، وتسليح الجيش السوري، والانسحاب الإسرائيلي، وملف السويداء، فقد تعود الضربات الإسرائيلية.
وهنا تكمن أخطر معادلة:
إسرائيل تضرب لمنع بناء القوة السورية، وسوريا تبني قوتها لأنها تتعرض للضرب.
◆
وبذلك تتحول المنطقة إلى دائرة تصعيد يصعب الخروج منها.
أما السيناريو الأخطر… فهو أن تصبح سوريا ساحة نفوذ
الخطر الأكبر على دمشق ليس فقط الحرب.
بل أن تتحول سوريا إلى دولة تتعدد فيها مراكز النفوذ.
إسرائيل تفرض خطوطاً حمراء جنوباً.
تركيا تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً شمالاً.
واشنطن تدير التوازن.
الأردن يحاول حماية حدوده.
وقوى محلية تحتفظ بأوراقها.
وفي هذه الحالة تصبح سوريا موحدة على الخريطة، لكنها موزعة في القرار الأمني.
وهذا السيناريو يجب أن يكون الخط الأحمر الحقيقي للدولة السورية.
◆
الخلاصة: لا حرب ولا وصاية
المرحلة القادمة تحتاج إلى معادلة سورية مختلفة عن كل ما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية.
لا يمكن لسوريا أن تدخل حرباً جديدة في الوقت الذي تعيد فيه بناء دولتها.
لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تقبل بأن يتحول وقف الحرب إلى تسليم قرارها الأمني للآخرين.
المعادلة الأكثر واقعية هي:
ضمانات أمنية متبادلة، لا وصاية أمنية.
تفاوض، لا استسلام.
قوة دولة، لا قوة فصائل.
علاقات متوازنة، لا ارتهان لمحور واحد.
وإذا استطاعت دمشق أن تجمع بين هذه العناصر، فإنها قد تنجح في تحويل المرحلة الحالية من مرحلة ضعف إلى مرحلة إعادة تموضع استراتيجي.
فالمفاوضات مع إسرائيل ليست اختباراً لقدرة الدبلوماسية السورية فقط.
إنها اختبار لقدرة الدولة السورية الجديدة على أن تقول لجميع الأطراف، بمن فيهم حلفاؤها وخصومها:
نحن نريد السلام، لكننا نريد أيضاً السيادة.
نريد الأمن، لكن أمننا ليس أقل أهمية من أمن الآخرين.
نريد علاقات مع تركيا، لكننا لا نريد أن تكون سوريا ساحة صراع تركي–إسرائيلي.
ونريد جيشاً قوياً، لا ليخوض الحروب العبثية، بل لأن الدولة التي لا تستطيع حماية حدودها لا تستطيع أن تكون مستقلة القرار.
وربما هنا تحديداً تكمن المفارقة التاريخية.
إسرائيل تريد أن تحصل اليوم على أكبر قدر ممكن من الضمانات قبل أن تستعيد سوريا قوتها.
وسوريا تريد أن تحصل اليوم على أكبر قدر ممكن من السيادة قبل أن تكتمل عملية إعادة بناء قوتها.
وبين هذين الموقفين ستبقى طاولة عمّان مفتوحة.
لكن المعركة الحقيقية لن تحسمها الطاولة وحدها.
ستحسمها قدرة سوريا على إعادة بناء الدولة.
فإذا نجحت دمشق في بناء دولة قوية، مستقرة، ذات جيش وطني، واقتصاد قابل للحياة، وعلاقات متوازنة مع تركيا والعرب وواشنطن، فإن شكل أي اتفاق مع إسرائيل سيتغير جذرياً.
أما إذا بقيت الدولة ضعيفة ومجزأة، فستظل الاتفاقات الأمنية مجرد محاولة لتنظيم نفوذ الآخرين داخل سوريا.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:
هل ستوقع سوريا اتفاقاً مع إسرائيل؟
بل:
أي سوريا ستجلس إلى طاولة التفاوض؟
وهنا، تحديداً، يتحدد مستقبل الشرق الأوسط الجديد.
واشنطن، العاصمة — شهد مقر غرفة التجارة الأمريكية في واشنطن، العاصمة، فعالية اقتصادية بارزة ركزت على فرص الاستثمار في سوريا، ومسارات انخراط القطاع الخاص الأمريكي في مرحلة تتزايد فيها النقاشات حول مستقبل التعافي الاقتصادي وإعادة البناء.
جمعت الفعالية ممثلين عن الحكومة الأمريكية، ومسؤولين معنيين بشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية، وأعضاء من الكونغرس، إلى جانب ممثلين عن الحكومة السورية، من بينهم معاون وزير الطاقة، والسيد محمد قناطري، القائم بأعمال سفارة الجمهورية العربية السورية في واشنطن.
وجاءت الفعالية ضمن إطار إطلاق “أدلة المستثمرين لسوريا: مسارات انخراط القطاع الخاص الأمريكي”، التي نظمتها غرفة التجارة الأمريكية ضمن مبادرة الأعمال الأمريكية السورية، بهدف استعراض الفرص المتاحة أمام المستثمرين، ومناقشة آفاق التعاون الاقتصادي، واستكشاف القطاعات الواعدة في السوق السورية.
حضور سوري ورسالة اقتصادية واضحة
ومن دمشق إلى واشنطن، شارك رئيس هيئة الاستثمار السورية، المهندس طلال الهلالي، عبر تقنية الاتصال المرئي، حيث استعرض أمام المستثمرين الأمريكيين فرص النمو، والحوافز، والعوائد الاستثمارية المتوقعة في سوريا.
وخلال الجلسة، سلط الهلالي الضوء على الإصلاحات التشريعية التي شهدها مناخ الاستثمار في سوريا، وفي مقدمتها قانون الاستثمار الجديد، المرسوم رقم 114، وما يتيحه من حوافز وإعفاءات وضمانات، بما يعزز من تنافسية المشاريع ويرفع من جدواها الاقتصادية.
وأكد الهلالي أن سوريا تمتلك مقومات استثمارية مميزة، وفرصًا واعدة في مختلف القطاعات الاقتصادية وعلى امتداد المحافظات السورية، داعيًا الشركات الأمريكية والدولية إلى استكشاف السوق السورية والاستفادة من الفرص المتاحة. كما أشار إلى أن الاستثمار المبكر في السوق السورية قد يتيح للمستثمرين فرص نمو وعوائد استثنائية خلال السنوات المقبلة.
نبرة أمريكية لافتة رغم استمرار تصنيف SST
وكان من اللافت خلال الفعالية أن لغة النقاش اتسمت بالجدية والانفتاح على بحث الفرص الاقتصادية في سوريا، رغم استمرار تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب من قبل وزارة الخارجية الأمريكية حتى الآن.
ومع أن هذا التصنيف لا يزال يشكل أحد أبرز الملفات العالقة أمام الانخراط الاقتصادي الأوسع، فإن انعقاد هذا النوع من النقاشات في واشنطن، وبمشاركة جهات أمريكية رسمية واقتصادية، يمثل مؤشرًا مهمًا على وجود مساحة متنامية للتفكير العملي في مستقبل العلاقات الاقتصادية مع سوريا.
كما يعكس طرح فرص الاستثمار بصورة مباشرة أمام القطاع الخاص الأمريكي اهتمامًا متزايدًا بمرحلة ما بعد القيود، وبالآليات الممكنة لدعم الاستقرار الاقتصادي وإعادة البناء عندما تتوفر الظروف القانونية والسياسية المناسبة.
دعوة للمستثمرين لاستكشاف الفرص السورية
وفي مداخلته، قدم السيد محمد قناطري، القائم بأعمال سفارة الجمهورية العربية السورية في واشنطن، كلمة لافتة دعا فيها المستثمرين إلى النظر بجدية إلى الإمكانات الكبيرة الموجودة في سوريا، مؤكدًا أن البلاد تمتلك فرصًا واسعة وغير مستثمرة في قطاعات متعددة.
وشددت الرسائل السورية خلال الفعالية على أن سوريا تمر بمرحلة تتطلب شراكات اقتصادية نوعية، وانخراطًا دوليًا مسؤولًا، واستثمارات قادرة على المساهمة في التنمية وخلق فرص العمل وتحريك عجلة التعافي الاقتصادي.

خطوة إضافية في مسار بناء الثقة
لم تكن الفعالية مجرد مؤتمر اقتصادي، بل بدت كخطوة إضافية في مسار طويل يحتاج إلى عمل هادئ، وتواصل مستمر، وبناء ثقة بين مختلف الأطراف.
فمستقبل سوريا الاقتصادي أصبح حاضرًا بشكل متزايد في النقاشات الجادة داخل واشنطن، ليس فقط من زاوية إعادة الإعمار، بل أيضًا من زاوية الفرص، والاستقرار، والانخراط المسؤول للقطاع الخاص.
وفي ظل استمرار الملفات السياسية والقانونية العالقة، بما في ذلك تصنيف الدولة الراعية للإرهاب، تبدو مثل هذه اللقاءات مهمة في تهيئة الظروف المناسبة لخطوات إيجابية قادمة، وفتح آفاق أوسع أمام الاستثمار والتنمية التي يحتاجها الشعب السوري.
تعكس فعالية غرفة التجارة الأمريكية بشأن أدلة المستثمرين لسوريا تحولًا مهمًا في طبيعة النقاش الاقتصادي حول سوريا داخل واشنطن. فرغم بقاء القيود والتحديات، فإن حضور مسؤولين أمريكيين وسوريين، ومشاركة القطاع الخاص، وطرح فرص الاستثمار بصورة مباشرة، جميعها مؤشرات على أن الملف الاقتصادي السوري بدأ يأخذ مساحة أكثر جدية في دوائر القرار والأعمال.
ويبقى الأمل أن تساهم هذه اللقاءات في دعم مسار عملي ومتدرج نحو معالجة العقبات القائمة، وتعزيز فرص الاستثمار، وفتح صفحة اقتصادية جديدة تخدم الاستقرار وإعادة البناء والتنمية في سوريا.