زار المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا وتركيا، توماس باراك، قصر الشعب في دمشق اليوم الأربعاء 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني. ولا تبدو هذه الزيارة مجرد محطة دبلوماسية اعتيادية، بل تأتي في سياق تحولات أمنية وسياسية متسارعة، ولا سيما في الجنوب السوري. وقد أعلنت الرئاسة السورية أن المباحثات تناولت التطورات في سوريا والمنطقة، والتعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز الأمن والاستقرار.
تأتي الزيارة بعد تصريحات أدلى بها باراك في منتدى الأمن العالمي في الدوحة، أمس الثلاثاء، دعا فيها إلى وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، وأشار إلى استعداد الرئيس الشرع للتوصل إلى تفاهم مع إسرائيل قد يتضمن اتفاقاً لعدم الاعتداء. وهي تصريحات تفتح الباب أمام قراءة سياسية تتجاوز حدود التهدئة المؤقتة، وقد تعكس توجهاً أميركياً لمحاولة إعادة ضبط العلاقة الأمنية بين دمشق وتل أبيب ومنع تحول الجنوب السوري إلى ساحة صراع مفتوحة.
لكن السؤال الجوهري هنا هو: هل تسعى واشنطن إلى بناء تفاهم أمني يحفظ استقرار سوريا وسيادتها، أم إلى إدارة التوتر بطريقة تمنح إسرائيل مكاسب ميدانية وسياسية من دون إلزامها بتغيير سلوكها؟
للإجابة، لا بد من تفكيك المشهد إلى ثلاثة مستويات: الرسالة الأميركية، والحسابات الإسرائيلية، وموقع الحكومة السورية في معادلة الجنوب.
أولاً: الرسالة الأميركية.. دعم الدولة السورية أم إدارة الصراع؟
تحمل زيارة باراك إلى دمشق دلالة سياسية مهمة، تتمثل في استمرار التواصل المباشر بين واشنطن والسلطات السورية الحالية، في مرحلة تحاول فيها الحكومة تثبيت مؤسسات الدولة واستعادة قدرتها على ضبط الأمن وتوسيع انفتاحها الدبلوماسي والاقتصادي.
إن اجتماع المبعوث الأميركي بالرئيس الشرع ووزير الخارجية الشيباني، بالتزامن مع حديثه عن ضرورة وقف العمليات الإسرائيلية وإمكانية التوصل إلى تفاهم أمني، يشير إلى أن واشنطن لا تنظر إلى الاستقرار السوري باعتباره ملفاً منفصلاً عن الترتيبات الأمنية الإقليمية.
فاستقرار دمشق، وقدرة الحكومة على بسط سلطتها، ومنع ظهور مناطق خارجة عن السيطرة المركزية، كلها عوامل تؤثر في حسابات الولايات المتحدة المتعلقة بأمن المنطقة، وعلاقاتها مع تركيا وإسرائيل، ومستقبل التوازنات الإقليمية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الدعم السياسي للحكومة السورية وبين الاستعداد الأميركي لتقديم ضمانات أمنية ملزمة لها. فالتواصل الدبلوماسي، مهما بلغت أهميته، لا يعني بالضرورة أن واشنطن قررت استخدام نفوذها لفرض التزامات محددة على إسرائيل.
وهنا تكمن أهمية الزيارة: هل ستترجم التصريحات الأميركية إلى آليات رقابة ومتابعة وضمانات عملية، أم ستبقى ضمن حدود تشجيع الطرفين على التفاوض؟
إن الاختبار الحقيقي للسياسة الأميركية لا يتمثل في تأكيد دعم استقرار سوريا فحسب، بل في قدرتها على منع تقويض هذا الاستقرار عبر العمليات العسكرية والانتهاكات المتكررة، وفي ضمان ألا تتحول المفاوضات الأمنية إلى غطاء لتثبيت وقائع جديدة على الأرض.
ثانياً: الجنوب السوري.. الأمن الوطني في مواجهة محاولات تغيير المعادلة
يمثل الجنوب السوري إحدى أكثر الساحات حساسية في المرحلة الانتقالية، ليس بسبب موقعه الجغرافي المتاخم لإسرائيل والأردن فحسب، بل لأن أمنه يرتبط مباشرة بمفهوم السيادة الوطنية ووحدة القرار الأمني.
وفي ظل مؤشرات التوتر الأمني المتداولة، وما يرافقها من استنفار رسمي، تواجه الحكومة السورية اختباراً مزدوجاً: فرض القانون من جهة، ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، ينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات المتعلقة بوجود تنسيق بين مجموعات محلية وإسرائيل، أو وجود مخططات لإعادة تشكيل الواقع الأمني في الجنوب؛ إذ يتطلب إثبات هذه الادعاءات معلومات موثوقة ومستقلة، ولا يكفي وجود تقاطع في المصالح أو المواقف السياسية للجزم بوجود قيادة مشتركة أو تنسيق عملياتي.
لكن من الناحية الاستراتيجية، فإن تحويل المكونات المحلية إلى أدوات ضغط خارجية، أو إنشاء ترتيبات أمنية موازية لمؤسسات الدولة، من شأنه أن يحمل مخاطر مباشرة على وحدة سوريا واستقرارها.
فحين تصبح المناطق الحدودية خاضعة لتفاهمات منفصلة عن الحكومة المركزية، تتراجع قدرة الدولة على احتكار القرار الأمني، وتزداد احتمالات نشوء مناطق نفوذ متنافسة، الأمر الذي يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية متشابكة.
ومن هنا، فإن مسؤولية الحكومة السورية تتمثل في استعادة الاستقرار عبر المؤسسات الرسمية، وتطبيق القانون على الجميع، وحماية المدنيين، وفتح قنوات الحوار مع المكونات المحلية، مع رفض استخدام السلاح لفرض وقائع سياسية أو أمنية خارج إطار الدولة.
ولا ينبغي أن يتحول هذا المسار إلى صدام مع المجتمع المحلي أو إلى مقاربة تختزل الجنوب في ملف أمني صرف؛ فالاستقرار المستدام يحتاج إلى الثقة والتمثيل السياسي والخدمات والتنمية، بالتوازي مع تعزيز سلطة القانون.
ثالثاً: رفض المبادرات السياسية.. من المستفيد من استمرار التوتر؟
إذا كانت هناك وساطات أو مبادرات سياسية تهدف إلى معالجة الأزمة في الجنوب السوري، فإن تقييمها يجب أن ينطلق من مضمونها الفعلي، ومدى احترامها لسيادة الدولة، وقدرتها على معالجة المخاوف الأمنية لجميع الأطراف.
أما رفض أي مبادرة، بصرف النظر عن أسباب الرفض، فيستدعي طرح سؤال سياسي أساسي: هل يمتلك الرافضون تصوراً بديلاً قابلاً للتطبيق، أم أن استمرار الأزمة يوفر لهم أوراق ضغط لا تتوافر في ظروف الاستقرار؟
لا يمكن الجزم بأن جميع القوى الرافضة تتحرك وفق هدف واحد، لكن من الممكن القول إن استمرار التوتر قد يخدم أطرافاً ترى في ضعف السلطة المركزية فرصة لتوسيع نفوذها، أو تسعى إلى انتزاع ترتيبات خاصة تتجاوز الإطار الوطني.
كما أن استمرار الفوضى يمنح إسرائيل، من منظور حسابات القوة، مساحة إضافية لتبرير تدخلاتها تحت عنوان حماية أمنها أو حماية مجموعات محلية.
وهنا تظهر المفارقة: قد تؤدي محاولة بعض القوى الاستقواء بالخارج إلى إضعاف قدرتها على التفاوض مستقبلاً، لأنها تربط مصيرها بحسابات إقليمية لا تملك التحكم بها.
ولذلك، فإن الحل الأكثر استدامة لا يكمن في تبادل الاتهامات أو التصعيد المتبادل، بل في صياغة تسوية سورية داخلية تعيد دمج الخلافات المحلية ضمن مؤسسات الدولة، وتمنع تحويلها إلى مدخل لتدويل الأزمة من جديد.
رابعاً: التفاهم الأمني مع إسرائيل.. ضرورة دفاعية أم بوابة للتطبيع؟
تشكل تصريحات باراك بشأن استعداد الرئيس الشرع للتوصل إلى تفاهم أمني مع إسرائيل نقطة محورية في فهم التحرك الأميركي.
فالتفاهم الأمني لا يعني، بالضرورة، التطبيع السياسي، كما أن اتفاق عدم الاعتداء لا يساوي إقامة علاقات دبلوماسية كاملة أو تبادل المصالح الاقتصادية.
هناك فرق جوهري بين اتفاق يهدف إلى وقف الاعتداءات، وضبط الحدود، ومنع الاحتكاك العسكري، وبين مسار سياسي أوسع يتناول طبيعة العلاقات بين الدولتين ومستقبلها.
ومن هذا المنطلق، تستطيع دمشق أن تتعامل مع المسار الأمني بوصفه أداة لحماية المصالح الوطنية، شرط ألا يتحول إلى مدخل لفرض تنازلات استراتيجية لا تقابلها التزامات إسرائيلية واضحة.
فالتفاهم الأمني الذي تحتاج إليه سوريا هو الذي يقيّد استخدام القوة ضدها، لا الذي يقيّد قدرتها على حماية سيادتها.
وتتمثل الأولويات السورية، في أي تفاوض جاد، في مجموعة من المبادئ:
- 1. وقف الاعتداءات والغارات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
- 2. انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق، والعودة إلى خطوط فض الاشتباك لعام 1974، وفق ما تطالب به دمشق.
- 3. احترام وحدة الأراضي السورية وعدم فرض ترتيبات دائمة تنتقص من السيادة الوطنية.
- 4. إنشاء آلية واضحة للتحقق من الالتزامات، ومعالجة الخروقات، ومنع التصعيد غير المقصود.
- 5. ضمان ألا تتحول الترتيبات الأمنية إلى وسيلة لفرض مناطق منزوعة السلاح بصورة أحادية، أو لتكريس واقع جغرافي جديد.
- 6. فصل الالتزامات الأمنية المباشرة عن أي قرار سياسي مستقبلي يتعلق بالتطبيع أو العلاقات الدبلوماسية.
وقد سبق للرئيس الشرع أن ربط أي تفاهم أمني بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق، والعودة إلى خطوط عام 1974، مع تأكيد أن الجولان أرض سورية.
إن هذه الشروط ليست تفاصيل تفاوضية ثانوية، بل تمثل جوهر الاختبار الذي ستواجهه الدبلوماسية السورية: هل يمكن تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى واقع أقل خطورة على سوريا، من دون منح إسرائيل حقاً دائماً في التدخل داخل أراضيها؟
وبالنسبة إلى دمشق، فإن نجاح التفاهم لا يقاس بمجرد توقيعه أو الإعلان عنه، بل بمقدار ما يحققه من أمن فعلي، وما يفرضه من قيود متبادلة، ومدى احترامه لحقوق الدولة السورية.
خامساً: نتنياهو والانتخابات.. هل تتحول الجبهة السورية إلى ورقة داخلية إسرائيلية؟
لا يمكن تحليل السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا بمعزل عن شخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وطبيعة الائتلاف الحاكم، وحسابات الأمن والانتخابات الداخلية.
فالحكومات الإسرائيلية، ولا سيما في ظل الأزمات الأمنية، قد تجد في إظهار الحزم العسكري وسيلة لتعزيز صورتها أمام جمهورها، وإثبات قدرتها على منع ظهور تهديدات جديدة على الحدود.
لكن من الضروري التمييز بين هذا الاحتمال التحليلي وبين الجزم بأن أي تصعيد مستقبلي سيكون مدفوعاً حصراً بالحسابات الانتخابية.
إن السؤال الأهم ليس ما إذا كان نتنياهو سيصعّد قبل الانتخابات أو بعدها، بل ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية مستعدة للانتقال من سياسة الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية داخل سوريا إلى سياسة تقوم على تفاهمات متبادلة وقابلة للتحقق.
وهنا تظهر ثلاثة سيناريوهات محتملة:
السيناريو الأول: التهدئة والتفاهم الأمني.
تقبل إسرائيل بوقف التصعيد والانخراط في ترتيبات أمنية بوساطة أميركية، تتضمن آليات لمراقبة الحدود ومعالجة الخروقات. ويتيح هذا المسار للحكومة السورية التركيز على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين الوضع الاقتصادي والأمني.
ويظل هذا السيناريو الأكثر فائدة لاستقرار المنطقة، لكنه يتطلب استعداداً إسرائيلياً لتقديم التزامات عملية، لا الاكتفاء بالحصول على تعهدات سورية.
السيناريو الثاني: التفاوض تحت الضغط.
تستمر إسرائيل في ممارسة ضغوط عسكرية وسياسية لانتزاع شروط إضافية من دمشق، بينما تحاول الولايات المتحدة إبقاء الطرفين داخل مسار تفاوضي يمنع الحرب الشاملة.
وفي هذا السيناريو، تصبح قدرة الحكومة السورية على التمسك بمبادئها، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة غير متكافئة، عاملاً حاسماً في تحديد نتيجة المفاوضات.
وقد يؤدي استمرار الضغوط إلى إطالة أمد المفاوضات، أو إلى تفاهم محدود لا يعالج جذور المشكلة.
السيناريو الثالث: إفشال الوساطة والعودة إلى التصعيد.
قد تتعثر الجهود الأميركية إذا رأت القيادة الإسرائيلية أن استمرار العمليات العسكرية يمنحها مكاسب أكبر من الاتفاق، أو إذا ظهرت خلافات داخلية أو إقليمية تعطل التفاهم.
وفي هذه الحالة، قد يعود الجنوب السوري إلى دائرة التوتر، بما يرفع مخاطر المواجهة ويستنزف الموارد التي تحتاج إليها الدولة في مرحلة إعادة البناء.
ومع ذلك، فإن امتلاك إسرائيل القدرة على التصعيد لا يعني أنها ستختار الحرب حتماً؛ فالكلفة العسكرية والسياسية، وموقف واشنطن، وحسابات تركيا والدول العربية، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في قرارها.
سادساً: ما الذي تريده واشنطن من سوريا الجديدة؟
تتجاوز المصالح الأميركية في سوريا ملف الحدود مع إسرائيل. فواشنطن معنية أيضاً باستقرار مؤسسات الدولة، ومنع عودة التنظيمات المتطرفة، وتخفيف احتمالات الصدام بين حلفائها وشركائها الإقليميين، والحفاظ على مسار الانفتاح السياسي والاقتصادي الذي بدأ خلال المرحلة الانتقالية.
وتشير التحركات الأميركية السابقة إلى اهتمام بمنع الاحتكاك بين سوريا وإسرائيل وتركيا، وإقامة آليات لتفادي التصعيد العسكري بين هذه الأطراف.
لكن السياسة الأميركية ليست بالضرورة متطابقة مع الأولويات السورية في كل الملفات. فقد تدعم واشنطن استقرار الحكومة الجديدة، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تفاهمات أمنية تخدم مصالحها ومصالح حلفائها.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع الدعم الأميركي بوصفه ضمانة تلقائية لحقوق سوريا، ولا مع الوساطة الأميركية باعتبارها بديلاً عن بناء القوة المؤسسية والدبلوماسية السورية.
المطلوب من دمشق هو توظيف الانفتاح الأميركي لتوسيع هامش الحركة السياسية، وانتزاع التزامات واضحة، وربط أي تقدم في المسار الأمني بنتائج قابلة للقياس على الأرض.
أما واشنطن، فإن أرادت بالفعل حماية الاستقرار السوري، فعليها الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها، وفي مقدمتها الاعتداءات الإسرائيلية، وغياب آليات ملزمة لضبط التصعيد، واحتمالات استغلال التوترات المحلية لتفكيك سلطة الدولة.
سابعاً: إعادة البناء السوري.. لماذا تحتاج دمشق إلى تجنب الحرب؟
تخوض سوريا مرحلة شديدة الحساسية، تتطلب إعادة بناء مؤسساتها، وإعادة تنشيط اقتصادها، واستعادة ثقة المستثمرين، وتطوير علاقاتها الدولية، وتوفير بيئة تسمح بعودة النازحين واللاجئين، وتحسين الخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، لا يمثل تجنب الحرب تنازلاً سياسياً، بل خياراً استراتيجياً لحماية الموارد الوطنية ومنع استنزاف قدرات الدولة في مواجهة عسكرية قد تعرقل عملية التعافي لسنوات.
إن الحكومة السورية مطالبة بالموازنة بين ثلاثة أهداف مترابطة:
حماية السيادة: رفض الاعتداءات والتدخلات التي تنتقص من سلطة الدولة على أراضيها.
تثبيت الاستقرار: منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة أو السماح بظهور سلطات أمنية موازية.
توفير شروط التنمية: توجيه الموارد والجهود نحو إعادة الإعمار والاستثمار وتحسين حياة المواطنين.
ولا تعني هذه المعادلة أن تتخلى دمشق عن حقوقها أو أن تقبل بالأمر الواقع، بل أن تستخدم الأدوات الدبلوماسية والأمنية والقانونية لتحقيق أهدافها بأقل كلفة ممكنة.
فالدولة القوية ليست التي تدخل كل مواجهة تُفرض عليها، ولا التي تتنازل تحت الضغط، وإنما التي تعرف متى تتفاوض، وكيف تحمي مصالحها، وكيف تمنع خصومها من تحويل نقاط ضعفها المؤقتة إلى قيود دائمة على مستقبلها.
ثامناً: ما المطلوب من الحكومة السورية بعد زيارة باراك؟
إن الأهمية الحقيقية للزيارة ستتحدد بما ستنتجه من خطوات عملية خلال المرحلة المقبلة. ويمكن تحديد مجموعة من الأولويات التي ينبغي أن تحكم التحرك السوري:
أولاً: تثبيت مرجعية الدولة في الجنوب.
من خلال تعزيز المؤسسات الرسمية، وتطبيق القانون، ومعالجة المخاوف المحلية عبر الحوار، ومنع نشوء ترتيبات أمنية موازية أو استخدام السلاح لفرض وقائع سياسية.
ثانياً: المطالبة بضمانات أميركية واضحة.
ينبغي ألا تقتصر الوساطة على نقل الرسائل بين دمشق وتل أبيب، بل أن تتضمن آليات لمتابعة الالتزامات، وتوثيق الخروقات، والتدخل الدبلوماسي السريع عند وقوعها.
ثالثاً: التمسك بالفصل بين الأمن والتطبيع.
يمكن التفاوض على ترتيبات تمنع الاعتداءات وتحمي الحدود من دون افتراض أن ذلك يستلزم تطبيعاً فورياً أو تنازلات سياسية مسبقة.
رابعاً: منع تحويل الجنوب إلى ورقة تفاوضية منفصلة عن الدولة.
يجب أن تكون أي ترتيبات تخص الجنوب السوري منسجمة مع وحدة الأراضي السورية، وأن تحافظ على حقوق السكان، وألا تتحول إلى بوابة لتكريس مناطق نفوذ خارجية.
خامساً: تنويع العلاقات الدولية.
إن تعزيز العلاقات مع الدول العربية وتركيا وأوروبا، وتوسيع التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، يمنح دمشق خيارات إضافية ويحد من اعتمادها على وسيط واحد في الملفات الاستراتيجية.
سادساً: إدارة الرأي العام بشفافية.
فكلما اتضحت المبادئ التي تستند إليها المفاوضات، تراجعت مساحة الشائعات والتأويلات، وأصبح من الأسهل بناء توافق وطني حول القرارات المتعلقة بالأمن والسيادة.
خاتمة: لا للحرب، ولا للوصاية، ولا لفرض الأمر الواقع
تكشف زيارة توماس باراك إلى دمشق عن لحظة سياسية مهمة في مسار العلاقات السورية الأميركية، وفي الجهود الرامية إلى احتواء التوتر بين سوريا وإسرائيل.
فالرسالة التي يمكن استخلاصها من تصريحات المبعوث الأميركي بشأن وقف العمليات الإسرائيلية وإمكان التوصل إلى تفاهم أمني هي أن المسار الدبلوماسي لا يزال مطروحاً، وأن هناك مصلحة في منع تحول الأراضي السورية إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة. لكن ذلك لا يكفي وحده لإثبات أن واشنطن اتخذت قراراً نهائياً بفرض قيود ملزمة على إسرائيل، أو أنها ستقدم ضمانات أمنية كاملة للحكومة السورية.
أما بالنسبة إلى دمشق، فإن الفرصة تكمن في تحويل هذه اللحظة إلى مسار تفاوضي يحقق نتائج ملموسة: وقف الاعتداءات، والانسحاب من المناطق التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط النظام السابق، واحترام السيادة السورية، وإعادة تثبيت المرجعية الوطنية في الجنوب.
وفي المقابل، فإن أي محاولة لاستغلال الانفتاح الدبلوماسي لفرض تنازلات أحادية، أو تحويل الخلافات المحلية إلى أدوات ضغط خارجية، ستبقي المنطقة عرضة للتصعيد وتضعف فرص الاستقرار.
إن سوريا الجديدة تحتاج إلى تفاهم أمني يحميها، لا إلى تسوية تُقيدها؛ وإلى شراكات دولية تدعم بناء الدولة، لا إلى وصاية تعيد إنتاج التبعية؛ وإلى استقرار يسمح بإعادة الإعمار، لا إلى حرب تستنزف ما تبقى من مقدراتها.
وفي المحصلة، لن يُقاس نجاح زيارة باراك ببيانات الترحيب أو التصريحات المتفائلة، بل بقدرة الدبلوماسية الأميركية على ترجمة مواقفها إلى التزامات، وقدرة الحكومة السورية على تحويل الانفتاح الدولي إلى مكاسب سيادية وأمنية واقتصادية.
فهل تنجح واشنطن في إقناع نتنياهو بأن استقرار سوريا مصلحة إقليمية تتجاوز الحسابات السياسية الآنية؟ أم يستمر منطق الضغط العسكري، بما يهدد بتقويض الوساطة وإعادة الجنوب إلى دائرة التصعيد؟
الإجابة ستكشفها الوقائع الميدانية، لا التصريحات وحدها. والأكيد أن الاستقرار السوري لن يُبنى على حساب السيادة، كما أن السيادة لا تحتاج إلى حرب مفتوحة كي تثبت حضورها؛ بل إلى دولة قوية، ودبلوماسية فاعلة، ومؤسسات قادرة على حماية الأرض والإنسان.
لم تعد أزمة السويداء شأنًا محليًا أو خلافًا عابرًا بين دمشق وبعض الفصائل المحلية المسلحة التي تنضوي تحت ما يسمى «الحرس الوطني» بزعامة الشيخ حكمت الهجري، بل أصبحت عقدة إقليمية تتقاطع فيها مصالح سوريا والأردن والولايات المتحدة وإسرائيل، وأصبح التعنت المدموغ بصبغة انفصالية يشكل تهديدًا للأمن القومي، ليس في سوريا فحسب، بل في المنطقة برمتها، كما أصبحت السويداء حجر عثرة في وجه المشروع الأمريكي القائم على تحقيق الاستقرار الإقليمي وتهيئة المناخ الملائم لتحويل سوريا إلى ممر حيوي لصادرات النفط والغاز من العراق ودول الخليج إلى أوروبا والعالم عبر موانئ المتوسط السورية في طرطوس واللاذقية، كطريق بديل عن مضيق هرمز وما يحيط به من صراعات ومخاطر جيوسياسية.
لقد حاولت حكومة الرئيس الشرع، منذ سقوط النظام في دمشق، مد الجسور مع أهلنا في السويداء، وعينت الدكتور مصطفى البكور محافظًا للمدينة، الذي لم يوفر جهدًا في محاولة إيجاد صيغة تصالحية تضمن مطالب أهل المحافظة وتفتح آفاق الانتقال السلمي، بما يسمح للدولة باستعادة مسؤوليتها عن السلاح الثقيل والمفاصل الأمنية الحساسة في السويداء، مع الحفاظ على دور أبنائها في إدارة شؤون محافظتهم وحماية أمنها. ورغم توقيع اتفاقيات تشبه إلى حد كبير الصيغ التي جرى التوصل إليها مع الجنرال مظلوم عبدي بشأن دمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة والجيش المركزي تحت مظلة وزارة الدفاع، فإنها لم تحقق النتائج نفسها في السويداء. ثم جاءت الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة لتزيد المشهد تعقيدًا، بعدما سقط عدد كبير من الضحايا من أهل المدينة وقوات الأمن وأبناء العشائر العربية على حد سواء، وتحملت الحكومة مسؤولية التحقيق في تلك الأحداث المأساوية، وشكلت لجانًا مختصة للبحث في أسبابها وتوثيق الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون في مدينة السويداء وقراها ومحاسبة المسؤولين عنها. ومنذ ذلك الحين أخذت المدينة تنغلق على نفسها أكثر فأكثر، بينما استقوت بعض زعاماتها بالدعم الإسرائيلي، ووصل التصعيد إلى حد قيام الطائرات الإسرائيلية بقصف وزارة الدفاع في دمشق في تحد مباشر للحكومة السورية، في تطور كاد أن يفتح الباب أمام مواجهة أوسع بين البلدين.
ومنذ ذلك الحين أيضًا دخلت السويداء في حالة حصار وعزلة وتدهور اقتصادي وخدمي شديد، وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن إغلاق الطرق وتعطيل وصول المواد الأساسية، ورغم محاولات دمشق إرسال شاحنات الغذاء والدواء والمحروقات، بقي وصولها إلى السكان محدودًا ومتقطعًا. وزاد المشهد توترًا مع أزمة الطلاب والامتحانات، بعدما تعذر على أعداد من الطلاب الوصول إلى مراكز امتحاناتهم، وتعطلت ترتيبات دخول موظفي وزارة التربية والتعليم القادمين من دمشق للإشراف على امتحانات الشهادة الثانوية وبعض المراحل الجامعية، الأمر الذي تسبب بحالة من الغضب والتململ الشعبي، لأن أبناء المحافظة وطلابها كانوا في النهاية من يدفع ثمن الصراع السياسي والأمني، ولا يجوز أن يتحول مستقبل جيل كامل إلى ورقة تفاوض أو أداة لتحقيق مكاسب سياسية.
وفي ظل هذا المشهد الأمني والسياسي المعقد، ومع التقدم في ملف دمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة، تظهر خارطة الطريق السورية–الأردنية–الأمريكية، بقيادة أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الأمريكية في الملف السوري توم باراك، وإلى جانبه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، كمحاولة لرسم مخرج سلمي يسمح بإعادة اندماج السويداء تدريجيًا في مؤسسات الدولة السورية من دون الذهاب إلى مواجهة عسكرية جديدة. وتبدأ هذه المقاربة، التي تقوم على ما يمكن وصفه بـ«دبلوماسية منتصف الليل الهادئة»، بخفض التصعيد وفتح الطرق وإعادة الخدمات والمساعدات وعودة النازحين والكشف عن مصير المفقودين والمخطوفين، إلى جانب التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، ثم تنتقل إلى المرحلة الأكثر حساسية، وهي تشكيل شرطة محلية من أبناء السويداء، وتفعيل إدارة محلية أكثر فاعلية، وإنشاء مجلس يمثل مكونات المحافظة، ووضع ترتيبات أمنية وإدارية انتقالية، على أن يبقى الهدف النهائي إعادة اندماج السويداء في مؤسسات الدولة السورية. وهنا تكمن أهمية هذه المقاربة؛ فهي لا تقترح إعادة عقارب الساعة إلى الوراء والعودة إلى مركزية تتحكم بكل تفاصيل حياة المحافظة، لكنها في الوقت نفسه لا تمنح غطاءً سياسيًا لمشروع تقسيم سوريا.
غير أن العقبة الكبرى تبدأ عندما يتحول الخلاف من المطالبة بضمانات وحقوق وصلاحيات محلية مشروعة إلى التشكيك في العلاقة مع الدولة السورية نفسها، فالخطاب الذي تبناه الشيخ حكمت الهجري والقوى القريبة منه وصل في بعض مراحله إلى الحديث عن تقرير المصير، بالتوازي مع تقارب واضح مع إسرائيل وظهور شعارات ورموز أثارت جدلًا واسعًا داخل سوريا وخارجها. وهنا يظهر قصور سياسي خطير، إذ لا يكفي أن يبدو مشروع الانفصال ممكنًا عسكريًا في لحظة معينة حتى يصبح ممكنًا سياسيًا واقتصاديًا ودوليًا. فلا واشنطن ولا عمّان ولا القوى الدولية الأساسية قدمت غطاءً واضحًا لإقامة دولة مستقلة في السويداء، ثم هناك السؤال الأكثر بساطة وواقعية: كيف ستعيش مثل هذه الدولة؟ فالسويداء محافظة داخلية محدودة الموارد، وأي دولة تحتاج إلى حدود ومعابر وطاقة وأسواق وموارد ومؤسسات واعتراف دولي وقدرة على حماية نفسها، ولذلك فإن رفع شعار الاستقلال أسهل بكثير من بناء دولة قابلة للحياة.
الأردن، من جانبه، يريد حدودًا مستقرة ووقف التهريب والفوضى ومنع موجة لجوء جديدة أو ظهور كيان هش على حدوده، بينما تبحث واشنطن عن استقرار مستدام للجنوب السوري ومنع اندلاع حرب سورية–إسرائيلية جديدة، بالتوازي مع إعادة ترتيب المشهد السوري سياسيًا واقتصاديًا. ولهذا فإن الدور الأمريكي لا يتوقف عند السويداء، بل يمتد إلى محاولة الوصول إلى ترتيبات أمنية أوسع بين سوريا وإسرائيل حول الجنوب السوري. أما إسرائيل فتقول إنها تريد حماية الدروز، ولا شك أن العلاقة بين دروز سوريا ودروز إسرائيل عامل حقيقي في حساباتها، لكن اختصار المشروع الإسرائيلي كله بعبارة «حماية الدروز» سيكون قراءة ناقصة، فإسرائيل تريد قبل كل شيء جنوبًا سوريًا لا توجد فيه قوة عسكرية تعتبرها تهديدًا لحدودها في الجولان ومستوطنات الشمال، ولهذا يبقى السؤال الأخطر: هل تريد إسرائيل حماية السويداء داخل سوريا، أم تريد جنوبًا سوريًا ضعيفًا ومجزأً يتحول عمليًا إلى منطقة عازلة؟ لا توجد حتى الآن قاعدة كافية للجزم بأن إسرائيل تتبنى رسميًا إقامة «دولة درزية»، لكن من الصعب أيضًا فصل تحركاتها في السويداء عن رؤيتها الأمنية الأوسع للجنوب السوري.
وأمام السويداء اليوم ثلاثة طرق؛ الأول هو العودة إلى مركزية كاملة تحت سلطة دمشق، وهذه قد تعيد إنتاج الأسباب التي أدت إلى الأزمة، وقد يصبح فرضها بالقوة مقدمة لمواجهة جديدة. والثاني هو الانفصال وإقامة كيان مستقل، وهي فكرة تواجه عقبات سياسية وجغرافية واقتصادية ودولية تجعل نجاحها بالغ الصعوبة. أما الطريق الثالث، وهو برأيي الأكثر واقعية وعقلانية، فيقوم على قاعدة واضحة: السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، مقابل لامركزية إدارية موسعة وضمانات دستورية حقيقية، نسير من خلالها نحو اندماج تدريجي للقوى المسلحة وتسليم السلاح الثقيل والمفاصل الأمنية الحساسة للدولة، مقابل مشاركة أهل المحافظة وانتساب شبابها إلى الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة، ومنحهم دورًا أساسيًا في إدارة مدينتهم وحمايتها بعيدًا عن المطامع والتدخلات الإسرائيلية في الجنوب السوري. وهنا يمكن أن يكون للعقيد سليمان عبد الباقي، بصفته أحد أبناء السويداء والفاعل في الملف الأمني للمحافظة، دور مهم في بناء هذه المعادلة، خصوصًا في إعادة تشكيل جهاز أمني محلي يعتمد بصورة أساسية على أبناء المحافظة، ولكنه يعمل في الوقت نفسه تحت مظلة الدولة السورية وضمن مؤسساتها الرسمية. فوجود شخصية محلية تعرف التركيبة الاجتماعية والعشائرية والسياسية للسويداء يمكن أن يساعد في بناء جسور الثقة بين دمشق وأهالي المحافظة، وفي استيعاب الشباب المحليين ضمن قوى الأمن والشرطة بدل تركهم في تشكيلات مسلحة متفرقة خارج مؤسسات الدولة. ومن هنا يمكن أن يتحول دور سليمان عبد الباقي من مجرد دور أمني إلى جزء من عملية مصالحة وإعادة اندماج أوسع، شرط أن يكون ذلك ضمن توافق محلي يحفظ كرامة جميع أبناء السويداء ولا يسمح بتحويل الأمن إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.
هذه الصيغة تسمح لدمشق بالحفاظ على وحدة البلاد، ولأهل السويداء بإدارة شؤونهم وضمان أمنهم وخصوصيتهم، وللأردن بالحصول على حدود مستقرة، ولواشنطن بتجنب حرب جديدة، ويمكن أن توفر في الوقت ذاته ترتيبات أمنية تمنع تحول الجنوب السوري إلى ساحة صراع دائم مع إسرائيل. فالقضية في النهاية أكبر من السويداء، والسؤال الحقيقي الذي ستواجهه سوريا الجديدة هو: هل يمكن بناء دولة موحدة من دون العودة إلى المركزية الخانقة؟ وربما تكون السويداء أول اختبار حقيقي لهذه المعادلة، فالوحدة الوطنية لا تعني أن تتحكم العاصمة بكل تفصيل، واللامركزية لا تعني التقسيم، والخصوصية الاجتماعية لا تحتاج إلى دولة مستقلة كي تُحمى. تستطيع سوريا أن تكون دولة واحدة، بجيش واحد وسيادة واحدة وحدود واحدة، وفي الوقت نفسه تمنح محافظاتها صلاحيات حقيقية لإدارة شؤونها، ويبقى نجاح أي تسوية مرهونًا بمعادلة بسيطة وصعبة في آن واحد: أن يشعر ابن السويداء بأن كرامته وأمنه وخصوصيته مصانة داخل وطنه، وأن تدرك دمشق أن وحدة الأرض لا تكفي وحدها، فالوحدة الحقيقية تبدأ عندما يريد السوريون أنفسهم البقاء معًا. وبين المركزية والانفصال مساحة واسعة اسمها اللامركزية… وقد تكون هي الطريق الأقصر لإنقاذ السويداء والحفاظ على وحدة سوريا.
تتجاوز المفاوضات السورية–الإسرائيلية الجارية في عمّان ملف التهدئة في الجنوب السوري، لتلامس سؤالاً أوسع يتعلق بشكل الدولة السورية وحدود سيادتها في المرحلة الانتقالية.
فخلف الطاولة التي تجمع دمشق وتل أبيب، برعاية أميركية واستضافة أردنية، يجري نقاش غير معلن حول سؤال أكبر:
أي سوريا ستخرج من المرحلة الانتقالية؟
هل ستكون سوريا دولة مستقرة، ذات سيادة، وجيش وطني قادر على حماية حدودها، وعلاقات إقليمية مستقلة؟ أم دولة مستقرة ولكن بقيود أمنية وعسكرية تحددها موازين القوى الإقليمية والدولية؟
هنا تحديداً تكمن العقدة الحقيقية.
- من اتفاق أمني إلى معركة على السيادة
وبحسب ما أوردته تقارير إعلامية متداولة، فإن البحث لم يصل إلى سلام شامل أو تطبيع كامل، بل يتركز بصورة أساسية على ترتيبات أمنية في الجنوب، ووقف الاعتداءات، وتنظيم الانتشار العسكري، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، إلى جانب بحث انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق.
ومن حيث المبدأ، لا يبدو أن دمشق ترفض تقديم ضمانات أمنية.
لكنها تضع في المقابل خطاً أحمر واضحاً:
الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يتحول إلى وصاية على الأمن السوري.
وهذا هو الفارق الجوهري.
أن تقدم سوريا ضمانات بعدم استخدام أراضيها لتهديد إسرائيل، فهذا يمكن أن يكون جزءاً من أي اتفاق أمني طبيعي.
أما أن تتحول هذه الضمانات إلى قيود على حجم الجيش السوري، أو نوعية تسليحه، أو علاقاته العسكرية مع الدول الأخرى، أو حقه في إعادة بناء قدراته الدفاعية، فهنا تنتقل المفاوضات من الأمن إلى السيادة.
ولذلك فإن التصريحات الرسمية السورية التي شددت في أكثر من مناسبة على حق دمشق في إعادة بناء جيشها وتحديد تحالفاتها لا تبدو مجرد تفصيل تفاوضي، بل تعبيراً عن جوهر الموقف السوري.
لماذا ترى إسرائيل أن اللحظة الحالية «تاريخية»؟
حين يقول وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن على إسرائيل اغتنام الفرصة التاريخية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
لماذا هي فرصة تاريخية؟
يمكن تفسير وصف اللحظة بأنها «تاريخية» بأن إسرائيل تتعامل مع سوريا وهي تمر بمرحلة انتقالية.
الجيش السوري لا يزال في مرحلة إعادة البناء، والدفاع الجوي يحتاج إلى إعادة تأسيس، والاقتصاد السوري يخرج من سنوات طويلة من الحرب والانهيار، ومؤسسات الدولة نفسها تعيد تشكيل بنيتها.
لكن هذه الصورة ليست بالضرورة صورة سوريا المستقبل.
فالدولة السورية الجديدة بدأت بالفعل في إعادة بناء مؤسساتها، وتبحث عن شراكات إقليمية ودولية، وخصوصاً مع تركيا، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى الانفتاح على الولايات المتحدة والدول العربية وأوروبا.
وهنا تصبح المسألة بالنسبة لإسرائيل مرتبطة بالزمن.
ما يمكن أن تفرضه إسرائيل على سوريا اليوم قد يصبح أكثر صعوبة بعد خمس أو عشر سنوات.
ولذلك فإن إسرائيل تريد ضمانات أمنية في مرحلة مبكرة، قبل أن تكتمل عملية إعادة بناء الدولة والجيش السوري.
إذا كان هناك ملف واحد يفسر جانباً مهماً من القلق الإسرائيلي، فهو تركيا.
لم تعد العلاقة السورية–التركية مجرد علاقة سياسية أو اقتصادية.
تركيا أصبحت لاعباً أساسياً في عملية إعادة بناء سوريا، وتشير تصريحات ومؤشرات رسمية إلى تنامي التعاون السوري–التركي، بما في ذلك مجالات ذات طابع أمني وعسكري.
وهنا تتغير الحسابات الإسرائيلية.
فإسرائيل لا تنظر فقط إلى الجيش السوري الذي سيعاد بناؤه، وإنما تنظر أيضاً إلى:
من سيدربه؟
من سيساعده؟
من سيزوده بالخبرة؟
وما طبيعة العقيدة العسكرية التي ستتشكل لديه؟
وإذا صحت التقارير المتداولة عن سعي إسرائيل إلى الحد من أي وجود عسكري تركي مؤثر داخل سوريا، فإن هذا لا يتعلق بسوريا وحدها.
إنه يعكس تحولاً أكبر في البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط.
تركيا نفسها لم تعد تنظر إلى سوريا باعتبارها مجرد دولة مجاورة، بل باعتبارها جزءاً من مجال أمني واقتصادي واستراتيجي واسع.
وفي المقابل، أصبحت إسرائيل تنظر إلى صعود تركيا باعتباره تحدياً استراتيجياً متزايداً.
وهكذا تتحول سوريا إلى ساحة تقاطع بين مشروعين إقليميين:
تركيا الصاعدة، وإسرائيل التي تحاول إعادة تعريف حدود نفوذها.
المفارقة أن إسرائيل تواجه اليوم مشكلة استراتيجية لا تملك حلاً سهلاً لها.
إذا ضربت سوريا باستمرار، فإنها تدفع دمشق إلى البحث أكثر عن الحماية والشراكات العسكرية.
وإذا استهدفت الوجود التركي، فهي تخاطر بالدخول في مواجهة مع دولة عضو في حلف الناتو وذات قدرات عسكرية كبيرة.
وإذا قبلت بوجود تركي قوي داخل سوريا، فهي تسمح بظهور قوة إقليمية عسكرية على حدود مجالها الحيوي.
أما إذا وقعت اتفاقاً أمنياً مع دمشق، فقد تحصل على ضمانات مهمة في الجنوب، لكنها لن تكون قادرة بالضرورة على التحكم بما يجري في الشمال أو في علاقة سوريا بتركيا.
وهنا تصبح المعادلة الإسرائيلية شديدة التعقيد:
كيف تحصل إسرائيل على سوريا مستقرة وآمنة بالنسبة إليها، من دون أن تتحول هذه الدولة نفسها بعد سنوات إلى قوة إقليمية يصعب احتواؤها؟
- السويداء: الملف الداخلي الذي أصبح جزءاً من التفاوض الإقليمي
لا يمكن قراءة المفاوضات السورية–الإسرائيلية بعيداً عن ملف السويداء.
فالجنوب السوري هو الحلقة الأكثر حساسية في المعادلة.
استمرار الوضع الأمني والسياسي غير المحسوم في السويداء قد يتيح لإسرائيل توظيف الملف تحت عنوان حماية الدروز وضمان أمن الجنوب.
لكن معالجة الملف عسكرياً فقط قد تنتج نتيجة عكسية، وتمنح إسرائيل مبرراً جديداً للتدخل.
لذلك فإن المصلحة السورية تقتضي الوصول إلى تسوية سورية داخلية تحفظ وحدة الدولة، وتعيد المؤسسات الرسمية، وتمنح أبناء المحافظة دوراً سياسياً وإدارياً مناسباً، وتمنع في الوقت ذاته تحول المحافظة إلى كيان أمني منفصل.
إذا نجحت دمشق في ذلك، فإنها تسحب من إسرائيل واحدة من أهم الذرائع التي تستخدمها لتبرير تدخلها في الجنوب.
ولهذا فإن حل السويداء ليس مجرد قضية داخلية.
إنه جزء من المعركة على السيادة السورية.
- أبو الظهور: عندما تتقاطع الرسائل العسكرية والسياسية
جاء استهداف مطار أبو الظهور في لحظة شديدة الحساسية، بالتزامن مع اتصالات سورية–إسرائيلية ومساعٍ أميركية لخفض التوتر.
ومن هنا اكتسبت الضربة أهمية تتجاوز الموقع العسكري نفسه.
فالرسالة الإسرائيلية يمكن قراءتها باعتبارها تحذيراً من تشكل واقع عسكري جديد في سوريا لا يناسب الحسابات الإسرائيلية، خصوصاً مع تنامي التعاون السوري–التركي.
لكن المفارقة أن الضربة نفسها دفعت نحو مزيد من الاتصالات السياسية.
وهنا تظهر إحدى مفارقات المرحلة:
القوة العسكرية الإسرائيلية التي تهدف إلى منع تشكل واقع جديد قد تدفع في الوقت نفسه دمشق إلى تسريع بناء علاقاتها وشراكاتها الدفاعية.
ولهذا فإن الضربات وحدها لا تستطيع حل المشكلة.
يمكنها تأخير بناء القدرات السورية، لكنها لا تستطيع بالضرورة إلغاء الرغبة السورية في إعادة بناء الدولة والجيش.
◆
واشنطن بين دمشق وتل أبيب وأنقرة
الدور الأميركي في هذه المرحلة بالغ الأهمية.
واشنطن تريد وقف التصعيد، لكنها تريد في الوقت نفسه الحفاظ على أمن إسرائيل ومنع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة مباشرة بين تركيا وإسرائيل.
وهذا يفسر أهمية الوساطة الأميركية في إعادة فتح قنوات الاتصال.
لكن الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة أيضاً.
فإذا ضغطت على دمشق أكثر من اللازم، فإنها قد تدفعها نحو تعميق الشراكة مع تركيا.
وإذا ضغطت على إسرائيل أكثر من اللازم، فإنها تصطدم بحسابات أمنية وسياسية إسرائيلية عميقة.
أما إذا حاولت إدارة التوازن بين الجميع، فقد تجد نفسها أمام عملية تفاوض طويلة تحتاج إلى أكثر من اتفاق أمني مؤقت.
ولذلك فإن أفضل دور يمكن أن تلعبه واشنطن هو أن تكون ضامناً للتوازن، لا أداة لفرض الوصاية على القرار السوري.
في مقابل هذا الصراع الكبير، يحتفظ الأردن بدور مهم وهادئ.
فأمن الجنوب السوري يرتبط مباشرة بالأمن الأردني، والحدود الطويلة بين البلدين تجعل عمّان معنية بأي فوضى أو تهريب أو انتشار جماعات مسلحة.
ولهذا يمكن للأردن أن يؤدي دور الجسر بين دمشق وواشنطن وتل أبيب، وأن يكون جزءاً من آلية مراقبة وفض اشتباك تضمن الاستقرار جنوباً.
لكن مصلحة الأردن، مثل مصلحة سوريا، تكمن في وجود دولة سورية مستقرة وقادرة على ضبط حدودها.
هل تستطيع سوريا الجمع بين الجيش القوي والسلام؟
هذه هي المسألة الأكثر حساسية.
هناك تصور إسرائيلي يقوم على أن السلام يحتاج إلى سوريا عسكرية ضعيفة.
بينما يبدو التصور السوري مختلفاً:
نريد السلام، لكننا نريد في الوقت نفسه جيشاً وطنياً قادراً على حماية الدولة.
ولا يوجد تناقض حتمي بين الأمرين.
الدول المستقرة لا تحتاج إلى إلغاء جيوشها كي تكون دولاً مسالمة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الترتيبات الأمنية إلى محاولة لمنع سوريا من بناء قدرات دفاعية طبيعية داخل أراضيها.
وهنا يجب أن يكون الموقف السوري واضحاً:
سوريا يمكن أن تقدم ضمانات أمنية، لكنها لا يمكن أن تقدم تنازلاً عن حقها في الدفاع عن نفسها.
◆
ثلاثة مسارات أمام العلاقة
يمكن تلخيص مستقبل العلاقة السورية–الإسرائيلية في ثلاثة مسارات رئيسية.
المسار الأول: اتفاق أمني تدريجي
وهو السيناريو الأكثر واقعية.
وقف الاعتداءات، إعادة تفعيل اتفاق 1974، انسحاب إسرائيلي تدريجي، ترتيبات أمنية في الجنوب، آلية أميركية–أردنية للرقابة، وضمانات متبادلة.
بعد ذلك يمكن الانتقال إلى ملفات سياسية أوسع.
المسار الثاني: هدنة طويلة بلا اتفاق نهائي
تستمر اللقاءات والاتصالات، لكن تبقى الملفات الكبرى عالقة.
تتوقف بعض العمليات، وتستمر عمليات أخرى، وتبقى الحدود في حالة توتر مضبوط.
وهذا يعني إدارة الصراع بدلاً من حله.
المسار الثالث: عودة التصعيد
إذا فشلت المفاوضات حول الوجود التركي، وتسليح الجيش السوري، والانسحاب الإسرائيلي، وملف السويداء، فقد تعود الضربات الإسرائيلية.
وهنا تكمن أخطر معادلة:
إسرائيل تضرب لمنع بناء القوة السورية، وسوريا تبني قوتها لأنها تتعرض للضرب.
◆
وبذلك تتحول المنطقة إلى دائرة تصعيد يصعب الخروج منها.
أما السيناريو الأخطر… فهو أن تصبح سوريا ساحة نفوذ
الخطر الأكبر على دمشق ليس فقط الحرب.
بل أن تتحول سوريا إلى دولة تتعدد فيها مراكز النفوذ.
إسرائيل تفرض خطوطاً حمراء جنوباً.
تركيا تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً شمالاً.
واشنطن تدير التوازن.
الأردن يحاول حماية حدوده.
وقوى محلية تحتفظ بأوراقها.
وفي هذه الحالة تصبح سوريا موحدة على الخريطة، لكنها موزعة في القرار الأمني.
وهذا السيناريو يجب أن يكون الخط الأحمر الحقيقي للدولة السورية.
◆
الخلاصة: لا حرب ولا وصاية
المرحلة القادمة تحتاج إلى معادلة سورية مختلفة عن كل ما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية.
لا يمكن لسوريا أن تدخل حرباً جديدة في الوقت الذي تعيد فيه بناء دولتها.
لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تقبل بأن يتحول وقف الحرب إلى تسليم قرارها الأمني للآخرين.
المعادلة الأكثر واقعية هي:
ضمانات أمنية متبادلة، لا وصاية أمنية.
تفاوض، لا استسلام.
قوة دولة، لا قوة فصائل.
علاقات متوازنة، لا ارتهان لمحور واحد.
وإذا استطاعت دمشق أن تجمع بين هذه العناصر، فإنها قد تنجح في تحويل المرحلة الحالية من مرحلة ضعف إلى مرحلة إعادة تموضع استراتيجي.
فالمفاوضات مع إسرائيل ليست اختباراً لقدرة الدبلوماسية السورية فقط.
إنها اختبار لقدرة الدولة السورية الجديدة على أن تقول لجميع الأطراف، بمن فيهم حلفاؤها وخصومها:
نحن نريد السلام، لكننا نريد أيضاً السيادة.
نريد الأمن، لكن أمننا ليس أقل أهمية من أمن الآخرين.
نريد علاقات مع تركيا، لكننا لا نريد أن تكون سوريا ساحة صراع تركي–إسرائيلي.
ونريد جيشاً قوياً، لا ليخوض الحروب العبثية، بل لأن الدولة التي لا تستطيع حماية حدودها لا تستطيع أن تكون مستقلة القرار.
وربما هنا تحديداً تكمن المفارقة التاريخية.
إسرائيل تريد أن تحصل اليوم على أكبر قدر ممكن من الضمانات قبل أن تستعيد سوريا قوتها.
وسوريا تريد أن تحصل اليوم على أكبر قدر ممكن من السيادة قبل أن تكتمل عملية إعادة بناء قوتها.
وبين هذين الموقفين ستبقى طاولة عمّان مفتوحة.
لكن المعركة الحقيقية لن تحسمها الطاولة وحدها.
ستحسمها قدرة سوريا على إعادة بناء الدولة.
فإذا نجحت دمشق في بناء دولة قوية، مستقرة، ذات جيش وطني، واقتصاد قابل للحياة، وعلاقات متوازنة مع تركيا والعرب وواشنطن، فإن شكل أي اتفاق مع إسرائيل سيتغير جذرياً.
أما إذا بقيت الدولة ضعيفة ومجزأة، فستظل الاتفاقات الأمنية مجرد محاولة لتنظيم نفوذ الآخرين داخل سوريا.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:
هل ستوقع سوريا اتفاقاً مع إسرائيل؟
بل:
أي سوريا ستجلس إلى طاولة التفاوض؟
وهنا، تحديداً، يتحدد مستقبل الشرق الأوسط الجديد.