Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
لسنوات طويلة، كان مفهوم المعارضة في سوريا واضحاً إلى حدّ كبير: في الجهة المقابلة كان هناك نظام استبدادي، وفي مواجهته معارضة تطالب بالتغيير والحرية وإنهاء حكمٍ أغلق السياسة وحاصر الاختلاف.
لكن ماذا يحدث عندما يسقط النظام الذي تشكّلت المعارضة أساساً في مواجهته؟
هل تنتهي المعارضة؟ بالتأكيد لا.
لكن ربما يصبح عليها أن تسأل نفسها سؤالاً أصعب: مَن نعارض اليوم، ولماذا؟
في النظم السياسية السليمة، لا تُفهم المعارضة بوصفها خصماً للدولة، ولا تُختزل مهمتها في انتظار فشل السلطة. هي ضرورة سياسية؛ تراقب السلطة، تكشف أخطاءها، وتعترض على قراراتها حين تستحق الاعتراض.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المعارضة من موقف تجاه قرار إلى موقف تجاه أشخاص؛ وحين يصبح السؤال قبل تقييم أي خطوة: مَن فعلها؟بدلاً من: هل كانت صحيحة أم خاطئة؟
عندها يصبح الإنجاز موضع تشكيك لأنه صدر عن سلطة لا نحبها، والخطوة الإيجابية مادةً للتهكم، وأحياناً يُقدَّم تعثر الدولة في الخطاب العام كأنه برهان على صحة موقف سياسي سابق، بدلاً من التعامل معه بوصفه مشكلة تمسّ الجميع.
وهنا يجب أن نسأل بوضوح:
هل نعارض لأن القرار خاطئ… أم لأننا قررنا مسبقاً أن كل ما يصدر عن هذه السلطة يجب أن يكون خاطئاً؟
الفرق كبير.
أن تنتقد الحكومة لأنها أخطأت، هذه معارضة.
أن تطالب بالشفافية والمحاسبة والحقوق، هذه أيضاً معارضة، بل ضرورة.
أما حين يصبح الاعتراف بأي إنجاز تنازلاً سياسياً، ويتحول نجاح الدولة إلى مصدر انزعاج فقط بسبب الخلاف مع من يحكمها، فإن المعارضة تقترب من منطق الخصومة أكثر من اقترابها من الرقابة السياسية.
ربما يكون هذا أحد أصعب الاختبارات في المجال السياسي السوري اليوم: ترسيخ الفصل بين الدولة والسلطة، وبين النقد والعداء، وبين الاختلاف والرغبة في الإفشال.
لأن سوريا الجديدة لن تُبنى بالتصفيق، لكنها أيضاً لن تُبنى بالشماتة.
لا نحتاج شعباً يصفق لكل قرار، ولا معارضة تبحث عن خطأ في كل خطوة.
نحتاج مواطناً يستطيع أن يقول للسلطة: أحسنتِ هنا، وأخطأتِ هنا.
فالمعارضة التي لا تستطيع الاعتراف بالصواب، لا تختلف كثيراً عن الموالاة التي لا تستطيع الاعتراف بالخطأ.
وبين هذين الطرفين تحديداً، تبدأ السياسة.
وحين يصبح الوطن هو المعيار، لا اسم الحاكم ولا اسم خصمه، يمكن عندها تجاوز ثنائية الموالاة والمعارضة نحو فهم أكثر نضجاً لفكرة الدولة.
تم
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.