تشهد سوريا اليوم لحظة سياسية فارقة في تاريخها الحديث، يمكن وصفها بأنها مرحلة الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة الدولة، ومن البحث عن وقف الحرب إلى البحث عن تثبيت الاستقرار وبناء المؤسسات وترميم الاقتصاد وتعزيز الثقة الوطنية والدولية.
لقد جاءت جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول سوريا، بالتوازي مع الحراك الدبلوماسي العربي المكثف الذي قاده وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني في العاصمة الأردنية عمّان، لتؤكد أن المقاربة الإقليمية والدولية تجاه سوريا تشهد تحولاً نوعياً لم يكن مطروحاً بهذا الوضوح خلال السنوات الماضية.
ففي الوقت الذي شاركت فيه سوريا بفاعلية في أعمال الاجتماع التشاوري العربي واجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، وعقدت سلسلة لقاءات مع وزراء خارجية الأردن والعراق ومصر والسعودية، إضافة إلى لقاءات مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي ودول أخرى، كانت جلسة مجلس الأمن تعكس صورة متقدمة من الاعتراف الدولي بالدور السوري الجديد وبالجهود المبذولة لإعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار.
لقد أظهرت مداخلات غالبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن وجود توافق دولي واسع على جملة من المبادئ الأساسية، أبرزها دعم وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، ورفض عودة الفوضى أو الانزلاق نحو أي شكل جديد من أشكال الصراع، إضافة إلى دعم جهود الحكومة السورية في بناء المؤسسات ومكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار.
واللافت في هذه الجلسة أن النقاش لم يعد يتركز كما في السنوات السابقة على إدارة الحرب وتداعياتها المباشرة، بل انتقل بصورة واضحة إلى الحديث عن الحوكمة، والتعافي الاقتصادي، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين، وتعزيز المؤسسات الوطنية، وهي مؤشرات تعكس تحولاً مهماً في النظرة الدولية إلى الواقع السوري.
كما أن المواقف الصادرة عن عدد من الدول، بما فيها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والصين والسعودية وباكستان والبحرين واليونان وغيرها، أظهرت إدراكاً متزايداً بأن استقرار سوريا لم يعد قضية سورية داخلية فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة استقرار الشرق الأوسط بأكمله.
وفي هذا السياق، فإن ما قامت به القيادة السورية خلال المرحلة الانتقالية من انتهاج سياسة تتسم بالحكمة والاتزان والبراغماتية السياسية، أسهم بشكل واضح في بناء مناخ جديد من الثقة مع المجتمعين العربي والدولي. فقد حرصت دمشق على تبني خطاب مسؤول، والانفتاح على محيطها العربي، وتعزيز التعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والعمل على معالجة الملفات السياسية والأمنية والإنسانية بروح واقعية بعيداً عن الشعارات والانفعالات.
غير أن هذه المرحلة ما زالت تواجه تحديات كبيرة تتطلب دعماً فعلياً وليس مجرد مواقف سياسية أو بيانات دبلوماسية.
فالتحدي الاقتصادي لا يزال يمثل الحلقة الأضعف في معادلة الاستقرار. ولا يمكن لأي عملية سياسية أن تحقق نجاحاً دائماً إذا لم تنعكس نتائجها على حياة المواطنين من خلال تحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحفيز الاستثمار، ورفع مستوى المعيشة.
ولهذا فإن المجتمع الدولي مدعو اليوم إلى الانتقال من مرحلة الترحيب والدعم السياسي إلى مرحلة المساهمة العملية في إعادة التعافي الاقتصادي السوري، من خلال تقديم الدعم المالي والفني والنقدي، وتشجيع المؤسسات المالية الدولية على الانخراط في مشاريع إعادة البناء والتنمية، والاستفادة من المناخ الجديد الذي بدأ يتشكل داخل سوريا.
كما أن رفع العقوبات عن سوريا يجب أن يشكل مدخلاً حقيقياً لإطلاق برامج دعم اقتصادي وتنموي واسعة النطاق، لأن رفع العقوبات وحده لا يكفي إذا لم يترافق مع تدفقات استثمارية ومساعدات تنموية ومشاريع إعادة إعمار تسهم في تسريع عملية التعافي.
وفي الوقت ذاته، فإن الحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها يتطلب وقف جميع العوامل التي تعرقل هذا المسار، وفي مقدمتها الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للأراضي السورية. فالمواقف التي صدرت عن عدد من الدول داخل مجلس الأمن بشأن ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية ووقف عملياتها العسكرية تعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن استمرار هذه الانتهاكات يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي ولجهود إعادة بناء الدولة السورية.
ومن الضروري أيضاً تجنب محاولات الزج بسوريا في التجاذبات والأزمات الإقليمية، ولا سيما الساحة اللبنانية، لأن المرحلة الراهنة تتطلب تركيز الجهود على تعزيز الاستقرار والتعاون بين الدول، واحترام سيادة كل دولة وخياراتها الوطنية، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة كافة.
لقد أكدت سوريا في مواقفها الرسمية دعمها لاستقرار لبنان ومؤسساته الشرعية، كما أكدت استمرار تعاونها مع المجتمع الدولي في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر، وهو ما يعكس توجهاً جديداً يقوم على الشراكة الإقليمية والدولية في مواجهة التحديات المشتركة.
إن الرسالة الأهم التي حملتها جلسة مجلس الأمن الأخيرة والاجتماعات العربية في عمّان هي أن سوريا دخلت بالفعل مرحلة جديدة من تاريخها السياسي. مرحلة لم تعد فيها الحرب هي القضية المركزية، بل أصبحت الدولة ومؤسساتها واقتصادها ومستقبل شعبها هي العنوان الرئيسي.
واليوم، وبعد أن أوفت سوريا بالتزامات كبيرة في مسارها الانتقالي، وأظهرت قدرة واضحة على إدارة هذه المرحلة بحكمة واتزان، فإن المجتمع الدولي مطالب بأن يترجم مواقفه الإيجابية إلى خطوات عملية على الأرض، لأن نجاح سوريا في تحقيق الاستقرار ليس مصلحة سورية فقط، بل مصلحة عربية وإقليمية ودولية مشتركة.
فاستقرار سوريا يعني استقرار المشرق العربي، وتعافيها الاقتصادي يفتح آفاقاً جديدة للتنمية والتعاون الإقليمي، ونجاح تجربتها الانتقالية سيشكل نموذجاً مهماً لقدرة الدول على تجاوز آثار الحروب والصراعات نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة شراكة حقيقية مع سوريا، قائمة على الدعم والتعاون وبناء الثقة، لأن ما تحتاجه دمشق اليوم ليس المزيد من الوعود، بل المزيد من الأفعال التي تترجم الإجماع الدولي والعربي الداعم لوحدة سوريا واستقرارها إلى واقع ملموس يشعر به المواطن السوري في حياته اليومية.
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.