لم تكن مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد مشاركة بروتوكولية في مناسبة دولية، بل جاءت في لحظة مفصلية تحاول فيها سوريا الانتقال من مرحلة تثبيت حضورها الدولي إلى مرحلة أكثر تعقيداً عنوانها: كيف تحافظ الدولة على هذا الحضور وتحوّله إلى قوة سياسية واقتصادية وأمنية داخلية؟

وبحسب بيانات رسمية سورية، وصل الرئيس الشرع إلى نيويورك على رأس وفد رسمي، وعقد سلسلة لقاءات شملت مسؤولين أمريكيين ودوليين، بينهم المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك، كما شارك في اجتماعات مع عدد من القادة والمسؤولين الدوليين. وفي خطابه أمام الجمعية العامة ركز على إعادة بناء مؤسسات الدولة، والتعافي الاقتصادي، ورفع العقوبات، وتوسيع العلاقات الدولية، واستعادة دور سوريا في التجارة والطاقة والممرات الإقليمية.

وبذلك يمكن النظر إلى زيارة نيويورك باعتبارها انتقالاً من سوريا التي كانت موضوعاً للأزمة الدولية إلى سوريا التي تحاول أن تكون طرفاً في صياغة مستقبلها.

لكن المفارقة أن هذا الانفتاح الخارجي يتزامن مع تحديات أمنية واقتصادية متسارعة في الداخل.

فبعد أيام قليلة من عودة الرئيس من نيويورك، استُهدف خط غاز بين الشولا ودير الزور بعملية وصفتها السلطات السورية بالتخريب، ثم وقع انفجار آخر في خط الغاز المغذي لمحطة تشرين الحرارية، ما أدى إلى خروج ثلاث محطات توليد عن الخدمة. وجاءت هذه الحوادث في توقيت يفتح باب التساؤل حول أثرها المحتمل على مسار الانفتاح الخارجي، من دون الجزم بوجود رابط مباشر مثبت حتى الآن. وفي الوقت نفسه تعرضت حافلة تقل عاملين عائدين من عملهم لهجوم مسلح قرب جسر مصياف في ريف حمص، أدى إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة، فيما لم تُعرف الجهة المنفذة حتى الآن.

وهنا تبدأ القراءة السياسية الأهم.

من اختبار الحضور الدولي إلى اختبار الدولة في الداخل

إن الدولة التي تستعيد حضورها في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتفتح قنوات مع واشنطن وأوروبا والدول العربية، وتعمل على جذب الاستثمار وإعادة الإعمار، تحتاج في المقابل إلى بيئة داخلية مستقرة تستطيع من خلالها تحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة.

فالمستثمر لا ينظر فقط إلى الاتفاقيات الدولية، وإنما يسأل عن أمن الطرق، وأمن المنشآت، واستقرار الكهرباء والطاقة، وقدرة الدولة على حماية العمال والشركات والمرافق الحيوية.

ولهذا فإن استهداف خطوط الغاز لا يمثل مشكلة فنية فحسب.

فهذا النوع من الاستهداف ينعكس مباشرة على إنتاج الكهرباء، ثم على الخدمات الأساسية والنشاط الاقتصادي وثقة المستثمرين.

فالغاز يعني كهرباء، والكهرباء تعني صناعة ومياه ومستشفيات واتصالات واستثماراً، والاستثمار يعني فرص عمل ودخلاً وعودة للسكان والمهجرين.

ومن هنا، فإن حماية البنية التحتية ليست ملفاً أمنياً منفصلاً عن السياسة الخارجية، بل هي جزء من القوة الشاملة للدولة.

حافلة العاملين: دلالات أمنية واجتماعية للهجوم

الأمر نفسه ينطبق على استهداف حافلة العاملين.

فالاعتداء على موظفين وعمال عائدين إلى منازلهم يختلف في دلالته عن مواجهة عسكرية بين مجموعات مسلحة؛ لأنه يبعث برسالة نفسية إلى المجتمع مفادها أن الطريق العام، ومكان العمل، والمنشأة المدنية، وحتى العامل الذي يذهب إلى وظيفته، يمكن أن يتحول إلى هدف.

ولا تزال هوية المنفذين ودوافعهم غير محسومة رسمياً، ولذلك لا يصح تحميل العملية مسبقاً إلى تنظيم أو ميليشيا بعينها.

لكن من منظور أمني وسياسي، فإن تكرار استهداف البنية التحتية والعاملين يفرض على الدولة التعامل مع احتمال وجود خلايا تخريبية أو فواعل مسلحة خارجة عن السيطرة تحاول استثمار هشاشة المرحلة الانتقالية.

وهنا تصبح معركة الدولة ليست فقط ضد الإرهاب، وإنما ضد اقتصاد الفوضى: شبكات السلاح، والجريمة المنظمة، والخلايا التخريبية، والفواعل التي تستطيع تعطيل طريق أو خط غاز أو حافلة بتكلفة محدودة، بينما تترك أثراً سياسياً واقتصادياً كبيراً.

الجنوب السوري: عقدة أمنية لا يجوز اختزالها

في الجنوب، تتداخل الاعتبارات المحلية مع الحسابات الإقليمية بصورة أكثر تعقيداً.

وتقول إسرائيل إن تحركاتها في الجنوب تستند إلى اعتبارات أمنية، كما تربط بعضها بمسألة حماية الدروز، بينما ترى دمشق أن استمرار العمليات والتوغلات الإسرائيلية يمثل مساساً بالسيادة السورية. وقد أشارت تقارير أممية إلى استمرار التوتر في الجنوب السوري، فيما أفادت تقارير إعلامية وحقوقية بوقوع توغلات وتحركات إسرائيلية متكررة خلال أيلول.

وفي الوقت ذاته، لا ينبغي تحويل كل اضطراب محلي إلى مؤامرة خارجية، ولا تجاهل تأثير التدخلات الإقليمية في البيئة السورية.

المعادلة الأكثر واقعية هي أن سوريا تواجه تراكباً بين فواعل محلية ومصالح إقليمية وتنافس دولي، وهذه البيئة تجعل أي خطأ في إدارة الملف الأمني قابلاً للتحول إلى أزمة سياسية أكبر.

ولهذا فإن المطلوب من دمشق ليس التصعيد الدائم ولا تقديم تنازلات مجانية، وإنما بناء قدرة ردع سياسية وأمنية هادئة تقوم على القانون والمؤسسات والاتصال الدبلوماسي وتثبيت الحقائق على الأرض.

خطر عودة الفوضى في ظل التحولات الإقليمية

تزداد أهمية هذا الأمر مع التحول في المشهد الإقليمي.

فالولايات المتحدة أعلنت في 30 أيلول اكتمال سحب قواتها من العراق ضمن انتقال المهمة المتعلقة بمكافحة تنظيم داعش، في وقت تشهد فيه المنطقة أصلاً توترات حادة مرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

ولا يعني ذلك أن الفراغ الأمني سيؤدي تلقائياً إلى عودة تنظيم داعش أو إلى موجة جديدة من العنف داخل سوريا، لكن التحولات في العراق والمنطقة تفرض على دمشق إعادة تقييم البيئة الأمنية حول حدودها الشرقية.

وهنا تكمن أهمية سوريا الجغرافية.

فاستقرار شرق سوريا ليس سورياً فقط؛ إنه مرتبط بأمن العراق، وأمن تركيا، وحركة التجارة، ومكافحة الإرهاب، والطاقة والممرات البرية.

ومن ثم فإن سوريا الجديدة أمام فرصة لإعادة تعريف موقعها: دولة أمن واستقرار واتصال، لا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

واحتمال عودة الحرب مع إيران؟

الحديث عن إيران يحتاج أيضاً إلى قدر من الواقعية.

فالمنطقة دخلت بالفعل مرحلة شديدة التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وترافق ذلك مع اضطراب في حركة الطاقة والتجارة الإقليمية. وقد انعكس إغلاق مضيق هرمز على حركة الطاقة ودفع العراق إلى استخدام الموانئ والطرق السورية في بعض عمليات استيراد الوقود.

وهنا تظهر أمام دمشق معادلة دقيقة:

كيف تبقى خارج الحرب، من دون أن تبقى خارج الجغرافيا التي تنتج آثارها؟

هذه هي إحدى أهم قواعد السياسة السورية المقبلة.

فسوريا لا تستطيع التحكم في قرارات واشنطن أو طهران أو تل أبيب، لكنها تستطيع التحكم بدرجة كبيرة في كيفية حماية أراضيها من أن تصبح مسرحاً لهذه الصراعات.

وهذا يتطلب سياسة واضحة:

لا استخدام للأراضي السورية منصة لهجمات على الآخرين، وفي الوقت نفسه لا السماح بتحويل الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات أو فرض الترتيبات الأمنية من الخارج.

القوة السورية لا تعني الدخول في كل المعارك

ربما يكون أهم درس أمام دمشق اليوم هو أن القوة السياسية لا تعني خوض جميع المعارك.

الدولة القوية هي التي تعرف متى تفاوض، ومتى تصمت، ومتى تعترض، ومتى تستخدم القانون الدولي، ومتى تبني شراكة، ومتى ترفض، ومتى تؤجل قراراً حتى تتغير موازين الظروف.

وفي المرحلة الحالية، تبدو المناورة السورية ممكنة عبر خمسة مسارات متوازية:

أولاً: توسيع شبكة العلاقات.

عدم وضع سوريا في محور واحد، بل الحفاظ على علاقات عملية مع الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا والدول العربية وروسيا، مع تطوير العلاقات الآسيوية والدولية.

ثانياً: تحويل الانفتاح الدولي إلى مصالح اقتصادية.

فالعلاقات السياسية يجب أن تنتج استثماراً وطاقة وبنية تحتية وفرص عمل، لا مجرد بيانات ومؤتمرات.

ثالثاً: تحصين الداخل.

حماية الطرق والمنشآت وخطوط الطاقة، وتطوير الاستخبارات ومكافحة الخلايا المسلحة، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت مؤسسات الدولة.

رابعاً: إدارة الملف الإسرائيلي بعقل الدولة.

لا التنازل عن السيادة، ولا الانجرار إلى حرب مفتوحة لا تخدم عملية بناء الدولة. المطلوب تثبيت الحقوق السورية دبلوماسياً وقانونياً وأمنياً، والاستفادة من الوساطات الدولية عندما تخدم المصلحة السورية.

خامساً: بناء علاقة متوازنة مع الجوار.

تركيا والعراق والأردن ولبنان ليسوا مجرد دول محيطة، بل يمثلون عمق سوريا الاقتصادي والأمني والتجاري.

السيناريوهات الثلاثة أمام سوريا

السيناريو الأول: تثبيت مسار التعافي

وهو أن تنجح الدولة في حماية الداخل، وتطوير المؤسسات، وتحويل الانفتاح الدولي إلى استثمارات، والاستمرار في الحوار مع مختلف القوى، مع ضبط السلاح خارج الدولة.

في هذه الحالة تصبح سوريا تدريجياً طرفاً لا يمكن تجاوز مصالحه في ملفات المنطقة.

السيناريو الثاني: استنزاف أمني طويل

ويتمثل في استمرار الهجمات على الطاقة والطرق والمنشآت، مع بقاء خلايا مسلحة وفواعل محلية خارجة عن سيطرة الدولة، بما يؤدي إلى ارتفاع كلفة الأمن وإبطاء التعافي الاقتصادي.

هذا السيناريو لا يحتاج إلى حرب شاملة حتى يكون خطيراً؛ يكفي أن تصبح الدولة منشغلة بإطفاء الحرائق اليومية بدلاً من بناء المؤسسات.

السيناريو الثالث: ارتداد إقليمي

وهو الأخطر، ويتمثل في توسع المواجهات الإقليمية أو اندلاع جولة جديدة من الحرب بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، بما يضع سوريا أمام ضغوط أمنية واقتصادية كبيرة، ويجعل أراضيها ومجالها الجوي وحدودها عرضة لتداعيات الصراع.

وفي هذه الحالة تصبح الأولوية السورية هي تحييد الأراضي السورية قدر الإمكان، ومنع نقل الصراع إلى الداخل، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المؤثرة.

الحكمة السورية: تحويل الجغرافيا من عبء إلى قوة

من موقع الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، أرى أن التحدي الحقيقي أمام سوريا ليس فقط في مواجهة التهديدات، وإنما في إدارة التناقضات من دون خسارة الهدف الأساسي: بناء الدولة.

فدمشق اليوم لا تحتاج إلى الدخول في سباق محاور، ولا إلى تقديم نفسها كطرف في حرب إقليمية، ولا إلى مواجهة جميع خصومها في الوقت نفسه.

ما تحتاجه هو شيء أكثر تعقيداً وأشد قوة:

سياسة توازن.

توازن بين السيادة والانفتاح، وبين الأمن والحوار، وبين العلاقة مع الغرب والعلاقة مع الشرق، وبين متطلبات الأمن الإسرائيلي وحقوق الدولة السورية، وبين مكافحة الإرهاب وعدم السماح باستخدام مكافحة الإرهاب ذريعة لتجاوز السيادة السورية، وبين الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على القرار الاقتصادي الوطني.

والأهم أن تستفيد دمشق من اللحظة الدولية الحالية بدلاً من أن تصبح أسيرة لها.

فمشاركة الرئيس الشرع في الجمعية العامة، واللقاءات الأمريكية والدولية التي رافقتها، أظهرت أن هناك مساحة دولية للتعامل مع سوريا الجديدة، وأن واشنطن وغيرها تنظر إلى دمشق باعتبارها طرفاً مهماً في معادلات الاستقرار الإقليمي. وقد أكدت لقاءات نيويورك دعم عدد من المشرعين الأمريكيين لوحدة سوريا وسيادتها وجهود التعافي وإعادة الإعمار، وفق الرواية الرسمية السورية.

لكن الاعتراف الدولي بالحضور السوري لا يكفي.

المطلوب الآن هو ترجمة هذا الحضور إلى دولة قادرة على حماية مواطنيها، وتأمين طرقها، وحماية طاقتها، وضبط حدودها، واستعادة اقتصادها، وجذب الاستثمار، وإدارة التنوع الداخلي، والتفاوض مع الخارج من موقع المصالح الوطنية.

الخلاصة: لا بد من الانتقال من تثبيت الحضور إلى صناعة القوة

لقد قطعت سوريا خطوة مهمة عندما عادت إلى منصة الأمم المتحدة بصوت سياسي يؤكد السيادة وإعادة البناء والانفتاح الدولي. لكن المرحلة التالية أصعب.

فبينما كانت دمشق في نيويورك تتحدث عن سوريا العائدة إلى المجتمع الدولي، كانت في الداخل تواجه تفجير خطوط الغاز واستهداف العاملين وتحديات أمنية متصاعدة. وهذه المفارقة تختصر طبيعة المرحلة كلها:

سوريا تستعيد موقعها خارجياً، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بحماية هذا الموقع داخلياً.

ومن هنا فإن السياسة السورية الأكثر حكمة ليست سياسة رد الفعل، وإنما سياسة الاستباق.

لا تنتظر دمشق حتى تتحول الخلايا إلى تنظيمات كبيرة، بل تضرب شبكاتها مبكراً.

ولا تنتظر حتى تتحول أزمة الطاقة إلى أزمة اجتماعية، بل تحصّن خطوطها ومصادرها وتنوّع شراكاتها.

ولا تنتظر حتى يتحول الجنوب إلى ساحة صراع إقليمي، بل تدير الملف سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً في وقت واحد.

ولا تنتظر حتى تفرض القوى الكبرى خياراتها، بل تستخدم تعدد العلاقات الدولية لبناء هامش مناورة مستقل.

وفي المحصلة، فإن القوة السورية في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بحجم السلاح، وإنما بقدرة الدولة على إدارة التوازنات، حماية المجتمع، بناء الاقتصاد، ضبط الأمن، وتوسيع خياراتها الخارجية دون الارتهان لأي طرف.

فالدولة التي تمتلك خيارات متعددة تكون أكثر قدرة على المناورة، والدولة التي تحمي استقرارها الداخلي تكون أكثر قدرة على التفاوض، والدولة التي تحول موقعها الجغرافي إلى ممر للتجارة والطاقة والتعاون بدلاً من أن يكون ساحة للصراع، تستطيع أن تنتقل من كونها متلقياً لتداعيات أزمات المنطقة إلى أن تصبح أحد صانعي توازناتها.

وهنا تحديداً تكمن المعركة السورية المقبلة: ليس فقط في منع عودة الحرب، وإنما في بناء دولة قادرة على منع الآخرين من تحويل سوريا إلى ساحة حرب جديدة.

لأن استقرار سوريا ليس مصلحة سورية فحسب؛ بل هو جزء من أمن تركيا والعراق والأردن ولبنان، ومن أمن المتوسط، ومن أمن الطاقة والتجارة والهجرة ومكافحة الإرهاب. ولذلك فإن حماية الدولة السورية الجديدة ليست مجرد شأن داخلي، بل استثمار مباشر في أمن المنطقة واستقرارها.

أربع ميداليات ذهبية، وفضية، وبرونزيتان في سبع مشاركات… مسيرة واعدة لطفل بدأ التدريب في سن الخامسة، ويواصل الصعود إلى منصات التتويج.

حقق الطفل السوري جلال جديداوي إنجازًا رياضيًا جديدًا بإحرازه المركز الأول والميدالية الذهبية في منافسات الكاتا، ضمن المرحلة الثانية من بطولة SPORTOTO TÜRKİYE YILDIZLAR KARATE LİGİ 2026، التي أُقيمت في هاتاي بتركيا يوم 12 أيلول 2026.

ويضيف هذا التتويج محطة مضيئة إلى مسيرة جلال، الذي بدأ التدريب على الكاراتيه في سن الخامسة، وراح يبني تجربته خطوةً بعد أخرى، حتى أصبح الصعود إلى منصة التتويج سمة مشتركة في مشاركاته السبع الممتدة بين تموز 2025 وأيلول 2026.

ولإنجازه طعم خاص لدى السوريين؛ فطفل من أبناء سوريا يشق طريقه الرياضي في تركيا، ويحوّل شغفه إلى نتائج تستحق الفخر والاحتفاء. في هذه الحكاية، تتسع الأحلام الصغيرة مع كل تدريب، وتكتسب ملامح أوضح مع كل ميدالية.

من سن الخامسة… بداية حلم يكبر

بدأت علاقة جلال بالكاراتيه مبكرًا، حين دخل عالم التدريب في الخامسة من عمره. ومن تلك البداية، أخذت مسيرته تتشكل عبر الالتزام والتدرّب والمشاركة في المنافسات، وصولًا إلى سلسلة من النتائج المميزة في مدن تركية مختلفة.

ويواصل مدربه İbrahim KAYIHAN العمل معه ومرافقته في مسيرته الرياضية. ويستحق هذا الدور التقدير، فتنمية موهبة طفل تحتاج إلى متابعة وصبر وتوجيه يساعده على تطوير قدراته، وبناء ثقته بنفسه، والاستعداد لكل منافسة جديدة.

ومع تتابع المشاركات، بات لدى جلال سجل من الإنجازات يعكس بداية واعدة، ويمنحه دافعًا لمواصلة التدريب والتقدم.

سبع مشاركات… وسبع مرات على منصة التتويج

بدأت سلسلة النتائج المذكورة في تموز 2025 بتيكرداغ، حيث أحرز جلال المركز الثاني والميدالية الفضية. ثم حقق المركز الأول في ديار بكر خلال تشرين الثاني 2025، وأتبعه بذهبية أخرى في هاتاي خلال كانون الأول من العام نفسه.

ومع بداية عام 2026، نال المركز الثالث والميدالية البرونزية في سكاريا خلال كانون الثاني، ثم أضاف برونزية ثانية في أنطاليا خلال آذار.

وفي حزيران 2026 بأضنة، عاد جلال إلى المركز الأول وحصد الميدالية الذهبية، قبل أن يواصل تألقه بذهبية هاتاي في أيلول 2026.

وبذلك، بلغت حصيلته في هذه المشاركات السبع أربع ميداليات ذهبية، وميدالية فضية، وميداليتين برونزيتين؛ حصيلة تمنح مسيرته المبكرة بريقًا خاصًا، وتبرز استمرارية حضوره على منصات التتويج.

موهبة سورية تستحق الضوء

تستحق قصة جلال جديداوي أن تُروى، لأنها تفتح نافذة على مواهب الأطفال السوريين وطموحاتهم، وعلى ما يمكن أن يحققوه حين يجدون مساحة للتدريب والتطور والمنافسة.

وفي تألقه بتركيا، يقدم جلال صورة تبعث على الأمل: طفل يحمل شغفه إلى بساط الكاراتيه، ويعود من المنافسات بإنجازات تتراكم وتمنح حلمه قوة أكبر. والاحتفاء به هو أيضًا تشجيع لكل طفل سوري يملك موهبة وينتظر فرصة لتنميتها.

ذهب هاتاي محطة جديدة في حكاية جلال، والطريق أمامه ما يزال مفتوحًا. وبين بداية في سن الخامسة وسبع مرات على منصة التتويج، يكبر حلم طفل سوري يستحق أن نتابعه، ونشجعه، ونفرح بإنجازاته.

سقط النظام في سوريا، لكن سقوط الأنظمة لا يعني بالضرورة سقوط كل ما تركته خلفها.

تغيّرت مؤسسات ووجوه وخطابات، وفُتحت أبواب كان السوريون يعتقدون أن الاقتراب منها مستحيل. وما كان يُقال همسًا أصبح يُقال علناً، وما بدا يوماً حلماً بعيداً أصبح واقعاً جديداً نحاول اليوم أن نتعلّم كيف نعيش فيه.

لكن هناك أشياء لا تسقط بقرار سياسي، ولا تتغيّر بمجرد تغيّر السلطة: العقلية

وهنا ربما يبدأ الامتحان الأصعب للسوريين.

لسنوات طويلة، لم تقتصر مشكلة كثير من السوريين على السلطة السياسية وحدها، بل شملت أيضاً أنماطاً راسخة في إدارة الفرص والعلاقات، مثل الواسطة والمحسوبيات وتقريب المعارف وإقصاء المختلف.

انتقدنا كل ذلك طويلاً

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم هو: هل تخلّصنا منه فعلاً؟

أم أننا غيّرنا أسماء الأشخاص، بينما بقيت بعض القواعد القديمة تعمل بالطريقة نفسها؟

هذا السؤال لا يتعلق بالحكومة وحدها، ولا يمكن تحميل الدولة الجديدة مسؤولية كل سلوك يحدث باسمها أو حولها. وجزء من المسؤولية يرتبط أيضاً ببعض الممارسات التي ظهرت داخل المنظمات والمؤسسات والإعلام والفضاءات العامة السورية، سواء في الداخل أو الخارج.

فمن السهل جداً أن نرفض الإقصاء عندما نكون نحن المُقصَين.

الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح المفتاح في أيدينا.

هل نفتح الباب لمن يستحق، أم لمن نعرف؟

هل نبحث عن صاحب الخبرة، أم عن صاحب العلاقة؟

هل نتقبّل وجود شخص ناجح خارج دائرتنا، أم نحاول إبقاء المساحة محصورة بمن يشبهوننا ويعرفوننا ويتبادلون معنا المصالح؟

هذه ليست أسئلة صغيرة.

لأن الدول لا تُبنى فقط في القصور والوزارات، بل تُبنى أيضًا في الثقافة التي تحيط بهذه المؤسسات.

والسوريون في الخارج أمام اختبار واضح في هذا المجال.

خلال أكثر من عقد، ظهرت عشرات المنظمات والمبادرات والمؤسسات والشخصيات السورية. بعضها قدّم عملًا حقيقياً ومهماً ، وبعضها اكتسب نفوذاً وعلاقات واسعة، وبعضها أصبح حلقة وصل بين السوريين ومراكز سياسية وإعلامية في دول مختلفة.

وهذا بحد ذاته أمر طبيعي.

لكن المشكلة قد تبدأ عندما تتحول بعض حلقات الوصل إلى قنوات شبه حصرية، بما يمنح أفراداً أو جهات قدرة غير معلنة على التأثير فيمن يصل ومن يبقى خارج المشهد.

لا ينبغي لأي جهة، مهما كان تاريخها أو حجم علاقاتها، أن تشعر بأنها تمتلك حق تحديد من يمثّل السوريين أو من يستحق الوصول إلى مؤسسات الدولة.

ولا يفترض أن ترتبط فرص الصحفي أو الأكاديمي أو الطبيب أو صاحب الاختصاص بمعارف شخصية، بل بمعايير واضحة تتصل بخبرته وكفاءته.

سوريا الجديدة تحتاج إلى علاقات، نعم.

لكنها تحتاج أكثر إلى مؤسسات.

والفرق بين الاثنين كبير.

في العلاقات، تصل لأن أحداً يعرفك.

أما في المؤسسات، فتصل لأن هناك معياراً ينطبق عليك.

في العلاقات، قد يُفتح الباب اليوم ويُغلق غداً بتغير الأشخاص.

أما المؤسسة، فتبني باباً يعرف الجميع كيف يصلون إليه.

وهذا تحديداً ما يحتاجه السوريون اليوم، خصوصاً في علاقتهم بدولتهم من الخارج: قنوات واضحة، معايير معلنة، ومساحات لا تعتمد على معرفة شخص هنا أو اتصال شخص هناك.

ليس المطلوب أن يحضر الجميع كل شيء، فهذا مستحيل.

لكن وجود آلية واضحة يحمي الجميع: يحمي من تم اختياره من الاتهامات، ويحمي من لم يُختَر من الشعور بأن الأبواب أُغلقت في وجهه لأسباب شخصية.

والأهم أنه يحمي الدولة نفسها من أن تصبح صورتها مرهونة بتصرفات أشخاص يتحدثون باسمها أو يدّعون القرب منها.

بعد كل ما عاشه السوريون، سيكون مؤلماً أن نكتشف يوماً أننا نجحنا في تغيير المشهد السياسي، لكننا حملنا معنا إلى المشهد الجديد الأدوات القديمة نفسها.

أن تتغير أسماء الواصلين، لكن يبقى الوصول امتيازاً .

أن تتغير الدوائر، لكنها تبقى مغلقة.

أن نرفض احتكار الآخرين للمساحات، ثم نحتكرها عندما تصبح بأيدينا.

الثورات والتغييرات السياسية تستطيع أن تفتح الباب أمام مستقبل جديد، لكنها لا تستطيع أن تضمن وحدها أننا سندخل منه بعقلية جديدة.

هذه مسؤوليتنا نحن.

ربما تغيّرت سوريا فعلاً أسرع من السوريين.

ولا عيب في الاعتراف بذلك.

العيب أن نملك فرصة نادرة لبناء شيء مختلف، ثم نعيد إنتاج ما اشتكينا منه طويلاً ، فقط لأن الأسماء هذه المرة أصبحت أسماءنا.

فسوريا الجديدة لا تحتاج فقط إلى وجوه جديدة.

تحتاج إلى قواعد جديدة أيضاً.

وإلا، قد نكتشف بعد سنوات أننا غيّرنا الكثير…

إلا الطريقة التي نعامل بها بعضنا بعضاً.

أعلن رئيس الجمهورية السورية الرئيس شكري القوتلي عن بدء أسبوع التسلح في كافة أنحاء سوريا ، وترك لكل مدينة حرية تحديد الزمان والفترة الزمنية .

بدأ أسبوع التسلح في الرقة بداية عام 1956م ، وشكلت لجنة عليا لهذا اﻷمر ..اتخذت من جامع الحميدي مقرا لها ، لاستلام التبرعات العينية والمادية .

ابتدأ أسبوع التسلح بمهرجان خطابي أمام سرايا الحكومة . كان عريف الحفل الأستاذ ( عبد الرحمن الكياص ) يرحمه الله . وتوالى على المنصة عدد من الخطباء من رجال الدين الإسلامي والمسيحي ،وعدد من ممثلي الأحزاب السياسية والفعاليات الاجتماعية ، وكانت خاتمة الحفل كلمة للطالبة ( هند محمود الحمود ) حيث القت كلمة وأبيات شعر كتبها لها ابن عمها الأستاذ ( إسماعيل الحمود ) يرحمه الله . وختمت كلمتها بأن مدت يدها إلى أذنيها وانتزعت حلقاتها وتبرعت بها إلى اللجنة . هنا ارتفعت زغاريد النساء وهتافات الرجال .

وافتتح التبرع الشيخ (مجحم بن مهيد ) يرحمه الله بمبلغ 100000 ليرة سورية ،

كما تم المزاد على صورة رسمها اﻷستاذ ( إسماعيل الحمود البليبل ) للعقيد عدنان المالكي ، وبلغ المبلغ 96000 ليرة سورية ،دفعها الشيخ عبيد بن غببن

وقد تم نقل اللوحة إلى دار المعلمين بحلب ، ببنائها الواقع بالجميلية ، بناء على اقتراح الشاعر سليمان العيسى وقد ذيلت بالبيت التالي:

قم تكلم دمك المهدور في سود الليالي

وهج يهدي خطا الثوار فجر في اشتعال

كما عرض سيف الشهيد المقدم ( جواد آنزور ) الذي كان يحمله في حرب فلسطين عندما استشهد في تل العزيزيات ، وجمع مبلغ كبير من مزاد السيف . .

وقامت اللجنة النسائية برئاسة المربية الفاضلة ( أديبة الحكيم ) يرحمها الله بالمرور على المنازل لجمع تبرعات النساء من القطع الذهبية وذلك لمدة أسبوع ..

وتبرع شواخ الاحمد العيس الجدوع بعقار بحارة البدو وسجلت الارض باسم وزارة الدفاع

كما تبرع الشيخ فيضي الفواز شسخ عشيرة البياطرة بمبلغ خمسة وستون الف ليرة

وتبرع الحاج صالح المصارع بمبلغ خمسة وتلاثون الف وعشرة رشاشات سموبال .

وتبرع الشيخ .النوري ابن مهيد بمبلغ 99000 ليرة سورية و99 بارودة

بالنسبه لصورة ( عدنان المالكي ) نعم الرقم صحيح 96000الف ليرة سوري

وفي نهاية اسبوع التسلح بالرقة تجاوز المبلغ المليون ليرة سورية .وهكذا كانت الربة سباقة للتضحية بالغالي والنفيس في سبيل رفعة الوطن وكرامته

حمصي فرحان الحمادة

لم يذهب الرئيس السوري أحمد الشرع إلى نيويورك هذا العام لتكرار خطاب سابق، بل لتقديم تصور مختلف عن موقع سوريا ودورها المحتمل في المرحلة المقبلة. وفي مشاركته الثانية في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، توزعت الرسائل السورية بين خطاب الجمعية العامة، ولقاء الجالية السورية في الولايات المتحدة وكندا، والحوار الذي أجراه الشرع مع المجلس الأطلسي في نيويورك.

ثلاثة منابر، وثلاثة جماهير، لكن رسالة واحدة في جوهرها: سوريا تريد الانتقال من مرحلة كسر العزلة إلى مرحلة تثبيت الحضور، ومن البحث عن مكان في النظام الدولي إلى محاولة صناعة دور داخله.

ويمكن النظر إلى ذلك بوصفه الفارق الأبرز بين خطاب نيويورك 2025 وخطاب نيويورك 2026. ففي العام الماضي كان خطاب الشرع مرتبطاً بصورة سوريا الخارجة من مرحلة طويلة من الحرب والصراع، والساعية إلى فتح أبوابها أمام العالم. أما اليوم، وبعد التحولات التي شهدتها العلاقات الدولية مع دمشق ورفع جزء أساسي من القيود والعقوبات، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف تعود سوريا إلى العالم؟ بل أصبح: ماذا ستفعل سوريا بهذا الانفتاح؟

حتى التحضير الرسمي للزيارة عكس هذا التحول؛ فقد أكدت الرئاسة السورية أن الشرع سيشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويلتقي قادة ومسؤولين وأبناء الجالية، فيما أشارت قراءات سورية للزيارة إلى أنها تأتي في سياق مختلف عن زيارة 2025، مع انتقال الأولوية من كسر العزلة إلى استثمار الانفتاح في التعافي واستعادة الدور الإقليمي.

في خطابه أمام الجمعية العامة، حاول الشرع تثبيت صورة جديدة لسوريا: دولة بدأت مرحلة التعافي، وتعمل على إعادة توحيد مؤسساتها وجيشها، وحصر السلاح، وإطلاق مسار العدالة الانتقالية، وإعادة بناء اقتصادها وعلاقاتها الخارجية.

هذه الرسالة تتجاوز بعدها الداخلي؛ لأن الحديث عن بناء الجيش والمؤسسات وحصر السلاح هو في الوقت نفسه رسالة إلى الخارج بأن دمشق تريد استعادة مركزية القرار السيادي.

فالدولة التي تريد أن تتعامل مع محيطها الدولي والإقليمي بوصفها شريكاً لا يمكن أن تبقى أسيرة تعدد مراكز القوة داخلها.

ولهذا فإن عبارة “سوريا الموحدة” التي تكررت في خطاب الشرع لا ينبغي قراءتها فقط من زاوية الخريطة الجغرافية. الوحدة في المرحلة المقبلة تعني أيضاً وحدة القرار السياسي والعسكري، ووحدة المؤسسات، ووحدة الإطار القانوني الذي يحكم العلاقة بين الدولة والمواطن.

وهنا تبدأ المهمة الأصعب.

فإعادة بناء الدولة بعد سنوات الحرب لا تعني إعادة تشغيل المؤسسات القديمة، بل بناء عقد جديد بين الدولة والمجتمع، تكون فيه سلطة القانون فوق الأفراد والقوى، ويشعر المواطن أن الدولة تمثل المجال العام لا طرفاً سياسياً بعينه.

ولهذا فإن ما يقوله الشرع في الخارج سيبقى مرتبطاً بما تستطيع الدولة إنجازه في الداخل.

نيويورك ليست منصة خطاب فقط

تكمن أهمية زيارة الشرع في أن نيويورك تحولت إلى مساحة دبلوماسية متعددة المستويات.

فمنبر الجمعية العامة يوفر الشرعية الرمزية والسياسية للدول، بينما يوفر المجلس الأطلسي منصة مختلفة تماماً: منصة مراكز التفكير والنخب السياسية والأمنية والاقتصادية المؤثرة في صناعة القرار الأميركي.

وهنا لم يكتفِ الشرع بتقديم صورة عامة عن سوريا، بل دخل في تفاصيل أكثر حساسية: شكل الدولة، الدستور، الجيش، الوجود العسكري الأجنبي، العلاقة مع تركيا وروسيا، الاقتصاد، خطوط الطاقة والموانئ، والمفاوضات مع إسرائيل.

وهذا الانتقال من الخطاب العام إلى النقاش التفصيلي يحمل دلالة مهمة: دمشق لم تعد تريد فقط أن يُسمع صوتها، بل تريد شرح رؤيتها.

وقد ركز الحوار الذي أداره المسؤول الأميركي السابق بريت ماكغورك على مستقبل الدولة السورية، وبناء المؤسسات، والوجود العسكري الأجنبي، والعلاقة مع إسرائيل، والاقتصاد والدور الإقليمي.

السيادة: الخط الأحمر في الدبلوماسية السورية الجديدة

كان ملف السيادة حاضراً في معظم رسائل الشرع، لكنه ظهر بأوضح صورة في الحديث عن الجولان والعلاقة مع إسرائيل.

أمام الجمعية العامة أكد الشرع أن الجولان سيبقى أرضاً سورية، ورفض الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة به، كما أكد التزام دمشق باتفاق فصل القوات لعام 1974 وطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي سيطرت عليها بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. كما عرض أرقاماً عن الغارات والتوغلات والاعتقالات الإسرائيلية التي تقول دمشق إنها شهدتها منذ ذلك التاريخ.

لكن اللافت أن هذه الرسالة لم تأتِ في إطار الدعوة إلى مواجهة عسكرية.

على العكس، أكد الشرع أن دمشق اختارت المسار الدبلوماسي والحوار، واستعانت بدول صديقة لإسرائيل في محاولة لمعالجة الملف.

وهنا تظهر إحدى أهم ملامح الدبلوماسية السورية الحالية:

التفاوض مع الخصم لا يعني بالضرورة التنازل له.

فالشرع يتحدث عن الأمن باعتباره مجالاً للتفاوض، لكنه يضع السيادة والحقوق السورية في إطار مختلف.

وفي المجلس الأطلسي، قال الشرع إن مفاوضات مع إسرائيل كانت قد اقتربت، بحسب وصفه، من «نحو 90%» من التفاهم في مراحل عدة، قبل أن تتراجع إسرائيل أو تطرح شروطاً جديدة، مؤكداً أن حماية أمن السوريين وحقوقهم يجب أن تسبق الحديث عن سلام دائم.

وهذا يعني أن دمشق تحاول بناء معادلة جديدة: ترتيبات أمنية تمنع التصعيد، من دون تحويل الأمن إلى بوابة للتنازل عن الحقوق والسيادة.

مزحة الجولان وحدود الخطاب السياسي

من أكثر تصريحات الشرع تداولاً في نيويورك حديثه عن الجولان خلال حواره مع المجلس الأطلسي، عندما استذكر ممازحته للرئيس الأميركي دونالد ترامب، قائلاً له إنه لا يملك الجولان حتى يمنحه لإسرائيل، واقترح عليه ساخراً أن يمنحها نيوجيرسي بدلاً منه.

لكن خلف الطرافة توجد رسالة سياسية مباشرة: الأرض ليست ملكاً شخصياً للرئيس حتى يتنازل عنها، بل هي جزء من السيادة الوطنية ولا يملك أي مسؤول التفريط بها.

وهذا ما أوضحه الشرع نفسه عندما فصل بين المزحة والموقف السياسي، مؤكداً أن الجولان يعود إلى شعبه، وأنه ليس من حق أي رئيس التنازل عنه.

الدلالة هنا تتجاوز ملف الجولان نفسه؛ فالشرع حاول مخاطبة الجمهور الأميركي بلغة يمكن أن تصل إليه، من دون أن يفقد جوهر الرسالة السياسية السورية.

وهذه ربما إحدى السمات التي بدأت تظهر في الخطاب الدبلوماسي السوري: المرونة في الأسلوب مع الثبات في المضمون.

خروج القوات الأجنبية: استعادة القرار قبل استعادة النفوذ

من الملفات اللافتة في حوار المجلس الأطلسي حديث الشرع عن الوجود العسكري الأجنبي.

وتُظهر تصريحات الشرع اتجاهاً نحو إعادة تنظيم هذا الوجود ضمن أطر قانونية وسيادية، مع حديثه عن تقليص الوجود العسكري الروسي وتحويل بعض القواعد المتبقية إلى مراكز تدريب، وعن تنظيم الوجود العسكري التركي ضمن ترتيبات واضحة. كما تحدث عن التوجه نحو إخلاء سوريا من القواعد العسكرية الأجنبية بالتوازي مع بناء مؤسسات الدولة.

هذه المسألة تحمل بعداً استراتيجياً بالغ الأهمية.

فاستعادة السيادة لا تعني فقط انسحاب قوة أجنبية من موقع عسكري، وإنما تعني أن الدولة السورية هي التي تحدد طبيعة علاقاتها العسكرية والأمنية مع الخارج.

وهذا يقود إلى مفهوم مختلف للسياسة الخارجية: سوريا لا تريد الانتقال من محور إلى محور، بل تريد توسيع هامش القرار بين القوى المختلفة.

علاقات مع تركيا، وانفتاح عربي، وحوار مع الولايات المتحدة، وإعادة تنظيم العلاقة مع روسيا، وعلاقات مع أوروبا والعراق وغيرها؛ ليست بالضرورة سياسة اصطفاف، بل محاولة لبناء شبكة مصالح متعددة.

ويبقى التحدي الحقيقي هو قدرة دمشق على الحفاظ على هذا التوازن من دون أن يتحول تعدد الشراكات إلى تعدد مراكز النفوذ.

الاقتصاد يدخل قلب السياسة الخارجية

من اللافت أن الحديث عن الاقتصاد لم يكن هامشياً في تصريحات الشرع.

فالحديث عن الاستثمار وإعادة الإعمار وخطوط الطاقة والنقل والموانئ والربط الإقليمي يعكس تصوراً لسوريا لا تريد أن تكون مجرد دولة خارجة من حرب، وإنما دولة تعيد توظيف موقعها الجغرافي.

وهنا تبرز أهمية الجغرافيا السورية.

سوريا تقع في نقطة اتصال بين تركيا والعراق والأردن ولبنان والبحر المتوسط، وتملك موانئ يمكن أن تكون جزءاً من منظومة نقل إقليمية، كما يمكن لأراضيها أن تستعيد دوراً في خطوط الطاقة والتجارة والنقل.

إذا نجحت دمشق في تحويل هذا الموقع إلى بنية تحتية فعلية، فقد تتحول الجغرافيا السورية من عامل صراع خلال العقود الماضية إلى عنصر من عناصر القوة الاقتصادية.

ولهذا فإن رفع العقوبات والانفتاح الدولي لا يمثلان الهدف النهائي، بل يمثلان شرطاً أولياً لاقتصاد جديد.

فالاستثمار يحتاج إلى أمن، والأمن يحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى قانون، والقانون يحتاج إلى ثقة.

الجالية السورية: الدبلوماسية من الداخل إلى الخارج

اختيار لقاء الجالية السورية في الولايات المتحدة في مستهل الزيارة يحمل بدوره دلالة سياسية.

فالشرع لم يخاطب في نيويورك الدول فقط، وإنما خاطب السوريين الذين يعيشون خارج البلاد.

وكانت الرسالة الأساسية هي أن السوريين في الاغتراب يمكن أن يكونوا جزءاً من عملية إعادة الإعمار والتعافي، وأن خبراتهم وشبكاتهم وعلاقاتهم يمكن أن تتحول إلى رصيد للدولة الجديدة.

وهذا يفتح أمام سوريا مفهوماً جديداً للدبلوماسية الشعبية والاقتصادية.

فالجالية ليست فقط جمهوراً سورياً في الخارج، وإنما يمكن أن تصبح جسراً بين سوريا والأسواق والمؤسسات والخبرات الدولية.

وفي بلد يحتاج إلى رأس المال والخبرات وإعادة بناء مؤسسات وقطاعات كاملة، فإن ملايين السوريين في الخارج يمكن أن يكون لهم دور اقتصادي وعلمي ومهني يتجاوز التحويلات المالية التقليدية.

حمشو: المحاسبة في مواجهة ضرورات الاقتصاد

ولعل أكثر الأسئلة الداخلية حساسية التي واجهها الشرع في لقاء الجالية كان السؤال المتعلق بالتسوية مع رجل الأعمال محمد حمشو.

قال الشرع إن الدولة صادرت نحو 80% من أمواله وأصوله، وإن الجزء المتبقي لم تتوفر، بحسب قوله، أدلة كافية على اكتسابه بصورة غير مشروعة، مشيراً إلى أهمية استمرار المنشآت والشركات المرتبطة به والتي توفر، بحسب روايته، فرص عمل لنحو 40 ألف شخص. كما شدد على أن التسوية المالية لا تمنع الملاحقة القضائية في القضايا الجنائية.

بغض النظر عن الجدل السياسي والقانوني الذي يحيط بهذا النوع من التسويات، فإن القضية تكشف معضلة أكبر أمام المرحلة الانتقالية:

كيف تجمع الدولة بين المحاسبة واسترداد الأموال من جهة، والحفاظ على دورة الاقتصاد وفرص العمل من جهة أخرى؟

وهذه معادلة لن تظهر في ملف واحد، بل ستتكرر في ملفات عديدة مرتبطة برجال أعمال ومؤسسات واقتصاد الحرب.

الماضي حاضر، لكن المستقبل هو الاختبار

في المجلس الأطلسي، واجه الشرع أيضاً أسئلة حول ماضيه ومساره السابق، وكذلك حول الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وكانت إجاباته أقرب إلى وضع الماضي في سياقه التاريخي، والتأكيد على أن الأولوية الحالية هي بناء الدولة وترتيب البيت الداخلي وترسيخ الاستقرار، من دون تقديم موقف حاسم بشأن الترشح للانتخابات المقبلة.

وهنا تظهر إحدى الرسائل الأكثر أهمية في المرحلة الانتقالية:

هل تستطيع سوريا أن تنتقل من شرعية الأشخاص والرموز إلى شرعية المؤسسات؟

هذا السؤال لن تحسمه التصريحات، وإنما ستحدده طبيعة الدستور المقبل، والقوانين، والمؤسسات المنتخبة، وآليات المساءلة، وشكل العلاقة بين السلطات.

فإذا كانت سوريا الجديدة تريد أن تقدم نفسها للخارج كدولة مؤسسات، فإن الاختبار الحقيقي لهذه الصورة سيكون في الداخل.

ماذا تقول نيويورك عن السياسة الخارجية السورية؟

عند جمع المشهد كله، يمكن القول إن الشرع قدم من نيويورك أربعة عناوين رئيسية للسياسة الخارجية السورية:

أولاً: السيادة.

سوريا تريد علاقات مفتوحة، لكنها لا تريد أن يكون الانفتاح على حساب قرارها الوطني.

ثانياً: التوازن.

دمشق تريد علاقات متعددة مع القوى الإقليمية والدولية، بدلاً من الارتهان لمحور واحد.

ثالثاً: الاقتصاد.

إعادة الإعمار والاستثمار والطاقة والنقل والتجارة ليست ملفات داخلية فقط، بل أصبحت جزءاً من الدبلوماسية السورية.

رابعاً: الدور الإقليمي.

سوريا تريد أن تنتقل من كونها ساحة تتنافس عليها القوى إلى دولة تشارك في صياغة ترتيبات المنطقة.

وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون الأهم.

فحين يتحدث الرئيس السوري عن أمن المنطقة، وعن الربط الاقتصادي، وعن الموانئ والطاقة والعلاقات مع دول الجوار، فهو لا يتحدث فقط عن مستقبل سوريا، بل عن وظيفة سوريا في الإقليم.

من “سوريا الساحة” إلى “سوريا الشريك”

في السنوات الماضية كان اسم سوريا حاضراً في معظم الأزمات الإقليمية، لكن غالباً باعتبارها ساحة للصراع أو ملفاً أمنياً أو إنسانياً.

أما الرسالة التي حملها الشرع من نيويورك فهي محاولة لإعادة تعريف سوريا بوصفها دولة وشريكاً وصاحبة مصلحة.

لكن الانتقال من الساحة إلى الشريك لا يتحقق بالخطاب وحده.

إنه يحتاج إلى دولة قوية في الداخل، ومؤسسات قادرة، واقتصاد قابل للنمو، وجيش موحد، وسياسة قانونية في إدارة التنوع، وعلاقات خارجية متوازنة.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في زيارة نيويورك: كلما تحدث الشرع عن السياسة الخارجية، عاد الحديث بصورة أو بأخرى إلى الداخل السوري.

فلا يمكن لسوريا أن تستعيد دورها الإقليمي من دون أن تستعيد قدرتها على إدارة نفسها.

الخلاصة: عام الخروج كان بالأمس، وعام الدور يبدأ اليوم

لم تكن أهمية زيارة أحمد الشرع إلى نيويورك في عدد اللقاءات التي عقدها، ولا في عدد التصريحات التي أطلقها، وإنما في الصورة التي حاولت هذه اللقاءات مجتمعة رسمها لسوريا.

في الأمم المتحدة: سوريا دولة تتعافى وتستعيد سيادتها.

في المجلس الأطلسي: سوريا دولة تريد بناء مؤسساتها وتنظيم علاقاتها العسكرية والسياسية والاقتصادية مع الخارج.

وفي لقاء الجالية: سوريا تريد أبناءها في الخارج شركاء في إعادة البناء.

وبين هذه المنابر الثلاثة تتشكل ملامح دبلوماسية سورية جديدة، عنوانها الأساسي: الانفتاح من دون ارتهان، التفاوض من دون تنازل عن السيادة، والشراكة من دون فقدان القرار الوطني.

لقد انتقلت دمشق، على مستوى الخطاب، من سؤال الاعتراف إلى سؤال الدور.

لكن امتلاك الدور يحتاج إلى أكثر من منصة الأمم المتحدة.

يحتاج إلى دولة قادرة على تحويل الانفتاح السياسي إلى استثمار، وتحويل الموقع الجغرافي إلى ممرات تجارة وطاقة، وتحويل العلاقات الإقليمية إلى شراكات، وتحويل وحدة الأراضي إلى وحدة قرار، وتحويل احتكار السلاح إلى مؤسسة عسكرية وطنية، وتحويل الخطاب عن القانون إلى ممارسة مؤسسية.

ولهذا فإن نيويورك 2026 قد لا تكون مجرد محطة في السياسة الخارجية السورية، بل لحظة انتقال في تعريف سوريا لنفسها أمام العالم.

في 2025 كانت دمشق تقول: نحن عدنا إلى العالم.

أما في 2026، فتقول: نحن نريد أن نكون جزءاً من صناعة مستقبل المنطقة.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

فالعالم قد يمنح سوريا فرصة جديدة، لكن تحويل الفرصة إلى دولة قوية، وتحويل الدولة إلى شريك، وتحويل الشريك إلى قوة إقليمية فاعلة، يبقى مشروعاً سورياً طويل المدى.

من إسقاط الماضي تبدأ المرحلة السياسية، لكن من بناء الدولة تبدأ صناعة المستقبل.

هاجم الكثيرون من أصدقائي المثقفين النائب أحمد إسماعيل على الطرح الذي قدّمه في إحدى جلسات مجلس الشعب بما يتعلق بتعنيف الطلاب في المدارس، معتبرًا أن غياب العقاب الجسدي سيؤدي إلى إفساد المسيرة التربوية للطلاب، وأن ضبط العملية التدريسية سيصبح شبه مستحيل.

وبالرغم من شدة استهجاني لهذا الطرح، إلا أنني وبعد أن قلّبت الموضوع في مخيلتي قليلًا، توصلت إلى رأي مختلف تمامًا. أعتقد أن الهجوم عليه ليس له أي مبرر، بل إنني أريد أن أشكر السيد إسماعيل على مداخلته، لأنه طرح مسألة يعتقد كثيرون منا أنها أصبحت من غياهب الماضي، لكنها في الواقع ما زالت تعيش وتحيا وتنتعش بين السكان، وخاصة في حاضنتها الأساسية، وهي في أغلب الظن الأرياف والمناطق النائية. وهذا الطرح هو أحد أهم أوجه حرية التعبير داخل البرلمان، حيث نستطيع أن نكتشف من خلاله بواطن الخلل في العملية التربوية وفي المجتمع، وفي أي قضية تُطرح للنقاش.

والحقيقة أن ما طرحه السيد إسماعيل له جذور عميقة ومتأصلة في المجتمعات الذكورية، وخاصة الشرقية منها، وهو ما يتعلق بالعنف الجسدي الموجّه خصوصًا نحو الأطفال والنساء. ويجب أن يُناقَش هذا الأمر علنًا في البرلمان وفي مراكز الدراسات الاجتماعية والتربوية، وأن يُسلَّط الضوء على هذه القضايا الهامة جدًا المتعلقة بحقوق حماية الطفل وحقوق المرأة بشكل عام، كي لا تتحول من قضايا مغيّبة إلى حقوق ضائعة، خاصة أننا نعيش فترة تحضيرية لإعداد اللجان المسؤولة عن صياغة الدستور قبل التصويت على نسخته الأولى.

هنا أود أن أسلّط الضوء على ما جاء في أغلب الدراسات الحديثة حول موضوع العقاب الجسدي لدى الأطفال في المدارس. فهناك دراسات تحليل تلوي (meta-analyses) كبيرة، أبرزها دراسة إليزابيث غيرشوف (Gershoff) التي راجعت عشرات الدراسات، ووجدت ارتباطًا بين العقاب الجسدي وزيادة العدوانية والقلق والاكتئاب وضعف الأداء الأكاديمي على المدى الطويل. كما أن منظمة الصحة العالمية واليونيسف تدعمان هذا الاتجاه، وتربطان العقاب البدني بتراجع الصحة النفسية للطفل وزيادة سلوكه العدواني لاحقًا. وهناك الكثير من أبحاث علم الأعصاب التي أشارت إلى أن التعرض المتكرر للعقاب الجسدي قد يرتبط بتغيرات في مناطق دماغية متعلقة بالتنظيم العاطفي.

لذلك، علينا أن نقارب هذا الموضوع بشكل عقلاني ومنطقي، فنُظهر الفرق بين التأثير قصير المدى أو المرئي، وهو السيطرة على الطالب/الطالبة وإيقاف السلوك السلبي الذي قد يبدو مفيدًا لبرهة قصيرة، وبين الأثر طويل المدى الذي غالبًا ما يكون سلبيًا، ويظهر في تراجع الثقة بين الطالب والمعلم، وزيادة احتمال التغيب عن المدرسة، وحتى في عدائية فائقة تجاه المحيط.

أما بالنسبة للجانب الديني، فإن الرسول الكريم لم يؤذِ يومًا أحدًا من المقربين إليه أو من محيطه المباشر، ولا حتى من الخدم والغلمان الذين عملوا عنده. لذلك أعتقد أنه من الأجدى أن نتبع الطرق العلمية المدروسة والمثبتة كي لا نقع في المحظور.

لم تعد العلاقات السورية–الأمريكية تُقرأ اليوم من زاوية الماضي وحده، ولا من خلال إرث العقوبات والعزلة السياسية التي طبعت العلاقة لعقود، بل أصبحت أمام مسار جديد يتشكل تدريجياً على أساس الحوار السياسي، والمصالح المشتركة، والانفتاح الاقتصادي، والتعاون في الملفات الإقليمية والدولية.

والأهم أن هذا التحول لم يعد مجرد رسائل سياسية أو لقاءات دبلوماسية، بل بدأ يأخذ شكلاً اقتصادياً ومؤسسياً واضحاً، مع وصول أول بعثة تجارية لغرفة التجارة الأمريكية إلى دمشق، بمشاركة أكثر من 60 شركة أمريكية، إلى جانب مسؤولين من وزارة الخارجية ووزارة التجارة الأمريكية.

وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة ليس بسبب حجم الوفد فقط، وإنما بسبب طبيعة القطاعات التي يمثلها، والتي تشمل الطاقة، والإنشاءات والمعدات الثقيلة، والرعاية الصحية، والخدمات المالية، والتكنولوجيا والاتصالات، والنقل واللوجستيات، والزراعة وغيرها.

وبذلك تنتقل العلاقة من مرحلة اختبار النوايا السياسية إلى مرحلة اختبار فرص الشراكة الاقتصادية الفعلية.

من رفع العقوبات إلى فتح الأسواق

يمكن فهم التحول الحالي في العلاقات السورية–الأمريكية ضمن مسار سياسي وقانوني بدأ بإزالة عدد من القيود التي أعاقت التعامل الاقتصادي مع سوريا، ثم تطور باتجاه فتح المجال أمام الاستثمار والتجارة.

وكان اللقاء الذي أُعلن عنه بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض محطة لافتة في مسار إعادة رسم العلاقة، قبل أن تتوالى الخطوات الأمريكية المتعلقة بالعقوبات والانفتاح على الحكومة السورية الجديدة.

ومع الخطوات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بالعقوبات وبمستوى الانفتاح الرسمي على الحكومة السورية الجديدة، دخلت العلاقة مرحلة مختلفة؛ إذ لم يعد السؤال الأساسي هو كيفية فرض القيود على الاقتصاد السوري، وإنما كيفية بناء إطار يسمح بعودة سوريا إلى النظام الاقتصادي والمالي الدولي.

وهنا تكتسب الزيارة التجارية الأمريكية دلالتها الحقيقية.

فالشركات، في العادة، لا تزور بلداً فقط للتعبير عن موقف سياسي، بل لتقييم السوق، وفهم البيئة القانونية، ودراسة المشاريع، والتعرف إلى الشركاء المحتملين، وقياس المخاطر والعوائد.

ولهذا فإن انتقال الوفد الأمريكي من اللقاءات العامة إلى اجتماعات متخصصة مع المصرف المركزي ووزارات الاقتصاد والصحة والاتصالات والطاقة وهيئة الاستثمار، يمثل خطوة عملية في اختبار إمكانية بناء شراكة اقتصادية طويلة الأمد.

ماكغي: المشاركة الاقتصادية عنوان المرحلة الجديدة

ربما تختصر تصريحات نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي جاكوب ماكغي خلال زيارته إلى دمشق جوهر المرحلة الجديدة، عندما تحدث عن وجود الوفد من أجل المشاركة مع السوريين في الفرص الاستثمارية ودعم مسار التعافي وإعادة الإعمار.

وتعكس هذه اللغة تحولاً واضحاً مقارنة بخطاب العقوبات والضغط الذي طبع العلاقة في مراحل سابقة.

فالمعادلة الجديدة لم تعد تقوم على تقديم سوريا باعتبارها مشكلة أمنية أو سياسية فقط، وإنما باعتبارها دولة تملك فرصاً اقتصادية يمكن الاستثمار فيها، وسوقاً تحتاج إلى التكنولوجيا والخبرة ورأس المال، وموقعاً جغرافياً يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في حركة التجارة الإقليمية.

وهذا التحول في النظرة الأمريكية يمثل بحد ذاته أحد أهم مؤشرات المرحلة الجديدة.

من الدبلوماسية إلى الشراكة المؤسسية

اللافت في زيارة الوفد الأمريكي أن التعاون لم يقتصر على وزارة واحدة أو ملف واحد.

فقد شهدت دمشق اجتماعات اقتصادية ومصرفية مع المصرف المركزي، ولقاءات مع وزارة الاقتصاد والصناعة، ووزارة المالية، ووزارة الطاقة، ووزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، ووزارة الصحة، وهيئة الاستثمار، إضافة إلى وزارة الخارجية والمغتربين.

وهذا يعني أن الحوار الاقتصادي بدأ يأخذ طابعاً مؤسسياً شاملاً.

ففي القطاع المصرفي، ناقش الجانبان تطوير العلاقات الاقتصادية والمصرفية، وتهيئة بيئة نقدية ومصرفية أكثر قدرة على دعم الاستثمار والتجارة والاندماج في المنظومة المالية الدولية.

وفي قطاع الاتصالات، بحث وزير الاتصالات وتقانة المعلومات مع الوفد الأمريكي فرص الاستثمار في قطاع الاتصالات، وهو قطاع يمثل إحدى ركائز التحول الرقمي وإعادة بناء البنية التحتية الحديثة.

وفي القطاع الصحي، جرى بحث واقع المستشفيات والنقاط الطبية، بما يفتح الباب أمام التعاون في التجهيزات الطبية والخدمات الصحية والتكنولوجيا الطبية وإعادة تأهيل البنية الصحية.

أما في مجال الاستثمار، فقد ناقشت هيئة الاستثمار مع الوفد الأمريكي الحوافز والتسهيلات التي يوفرها قانون الاستثمار رقم 114 لعام 2025، إضافة إلى المشاريع ذات الأولوية والاستراتيجية والحوافز الممنوحة للمشاريع الزراعية.

وهذا التنوع يكشف أن الحديث لم يعد عن مشروع منفرد، بل عن إمكانية بناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية المشتركة.

الاقتصاد السوري يريد تغيير المعادلة

من أهم التصريحات التي صدرت خلال اللقاءات الاقتصادية ما طرحه وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار حول توجه الحكومة للانتقال من «اقتصاد التراخيص والموافقات» إلى اقتصاد يقوم على الإمكانات والمنافسة والقطاع الخاص.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التحول في الرؤية الاقتصادية السورية.

فالحكومة لا تريد أن تكون الدولة هي المستثمر الرئيسي في كل القطاعات، وإنما تريد أن تركز على تنظيم السوق، ودعم المنافسة، وبناء المؤسسات، وتهيئة البيئة التي يستطيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي العمل فيها.

والأكثر أهمية أن الرؤية المطروحة أمام الشركات الأمريكية لا تتعامل مع سوريا باعتبارها مجرد سوق لبيع المنتجات.

فالهدف، كما أوضح وزير الاقتصاد، هو جذب الشركات للانتقال من بيع منتجاتها في السوق السورية إلى الإنتاج والتوريد والتوزيع من سوريا وخدمة الأسواق الإقليمية انطلاقاً منها.

وهذه الفكرة يمكن أن تكون واحدة من أهم ركائز العلاقة الاقتصادية الجديدة.

فإذا تحولت سوريا من سوق استهلاكية إلى قاعدة إنتاج وتصدير، فإن الاستثمار الأجنبي لن يكون مجرد تدفق لرأس المال، بل سيصبح جزءاً من عملية بناء اقتصاد جديد يوفر فرص العمل، وينقل التكنولوجيا، ويطور الإنتاج، ويدعم الصادرات.

سوريا من «سوق لإعادة الإعمار» إلى «منصة إقليمية»

وهنا تبرز أهمية الموقع الجغرافي السوري.

سوريا تقع عند نقطة اتصال بين الخليج والعراق وتركيا وشرق المتوسط، وقريبة من الأسواق العربية والأوروبية.

وبالتالي فإن قيمة سوريا الاقتصادية لا تكمن فقط في حجم السوق المحلية، وإنما في قدرتها المحتملة على أن تكون منصة للإنتاج والتجارة والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير.

وهذا ينسجم مع الرؤية التي طرحتها الحكومة السورية أمام الوفد الأمريكي: تحويل سوريا من مجرد «سوق لإعادة الإعمار» إلى «منصة إنتاجية واقتصادية» قادرة على الارتباط بالأسواق الإقليمية.

إذا نجحت هذه الرؤية، فإن الشركة التي تستثمر في سوريا لن تكون بالضرورة تستثمر من أجل السوق السورية وحدها، وإنما تستطيع استخدام سوريا كنقطة انطلاق إلى أسواق أوسع.

وهنا يصبح الموقع الجيوسياسي السوري قيمة اقتصادية فعلية، وليس مجرد ميزة جغرافية نظرية.

الزراعة.. من قطاع تقليدي إلى فرصة استثمارية

أحد الملفات اللافتة في النقاشات الاقتصادية السورية–الأمريكية كان القطاع الزراعي.

فوزير المالية محمد يسر برنية أكد أن الاستثمار في القطاع الزراعي سيكون معفى ضريبياً بشكل كامل، مشيراً إلى اتساع فرص الصناعات الغذائية المرتبطة بالزراعة وتوفر اليد العاملة.

وهذه السياسة يمكن أن تفتح المجال أمام نموذج جديد يقوم على ربط الزراعة بالصناعة.

فبدلاً من تصدير المنتجات الزراعية بصورتها الأولية، يمكن تطوير صناعات غذائية وتعليب وتخزين وتبريد وسلاسل توريد حديثة، بما يزيد القيمة المضافة ويخلق فرص عمل ويعزز القدرة التصديرية.

كما أن استعداد الدولة لتقديم الدعم للمزارعين، وتقديم الضمان السيادي في المشاريع التي يكون فيها شريك حكومي، يمكن أن يساعد في تخفيض جزء من المخاطر التي ينظر إليها المستثمر الأجنبي عند تقييم السوق السورية.

بناء الثقة.. من المخاطر إلى الضمانات

لكن جذب الاستثمار لا يعتمد على الإعفاءات وحدها.

المستثمر الدولي يبحث عن بيئة قانونية واضحة، ونظام مصرفي قادر على التعامل مع المدفوعات الدولية، وضمانات قانونية، وشفافية، وحوكمة، وآليات لحماية رأس المال.

ومن هنا تأتي أهمية ما طرحه وزير المالية بشأن السعي إلى تفعيل مؤسسة ضمان المخاطر متعددة الأطراف في سوريا، إلى جانب مؤسسات مماثلة، بهدف تخفيف مخاوف المستثمرين من مخاطر الاستثمار.

كما أن العمل على إصدار دليل إرشادي متعدد اللغات يوضح المنظومة الضريبية والالتزامات الضريبية يمثل خطوة مهمة في تبسيط البيئة الاستثمارية.

والأهم هو بدء النقاش حول اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي، وهي خطوة يمكن أن تكون ضرورية لتسهيل حركة رؤوس الأموال والاستثمارات الدولية.

هذه التفاصيل قد تبدو إجرائية، لكنها في الواقع تشكل أساساً حقيقياً لأي شراكة اقتصادية طويلة الأمد.

الثقة السياسية تدعم الثقة الاقتصادية

لا يمكن فصل الانفتاح الاقتصادي عن التحولات السياسية والدبلوماسية التي شهدتها سوريا.

فالتعاون مع المؤسسات الدولية في الملفات الحساسة، ومن بينها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ساهم في تغيير صورة سوريا لدى المجتمع الدولي.

وفي الملف النووي تحديداً، أشاد وزير الطاقة الأمريكي كريستوفر رايت بالتعاون السوري والشفافية والإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة لمعالجة قضايا عدم الامتثال السابقة.

وتحمل هذه التصريحات أهمية تتجاوز الملف التقني، لأنها تعكس أن التعاون والشفافية أصبحا جزءاً من أدوات بناء الثقة بين سوريا والمؤسسات الدولية والدول الغربية.

وهذه الثقة السياسية والقانونية هي التي تسمح لاحقاً بانتقال العلاقة إلى الثقة الاقتصادية.

مكافحة الإرهاب.. مصلحة مشتركة

يظل الأمن أحد الملفات الأساسية في العلاقة السورية–الأمريكية.

فالولايات المتحدة تحتاج إلى شريك سوري قادر على ضبط الأراضي السورية ومنع عودة تنظيم داعش والجماعات المتطرفة، وتأمين السجون والمخيمات، ومنع استخدام الأراضي السورية لتهديد الأمن الإقليمي والدولي.

وفي المقابل، تحتاج سوريا إلى دعم دولي يساعدها على استعادة وحدة مؤسسات الدولة والسيطرة على أراضيها وإنهاء الملفات الأمنية العالقة.

ومن هنا يمكن أن تتحول مكافحة الإرهاب من شرط سياسي أمريكي إلى مساحة تعاون مشتركة.

كما أن ملف دمج القوى والمؤسسات العسكرية والأمنية خارج إطار الدولة ضمن مؤسسات الدولة السورية يمكن أن يشكل جزءاً من مسار أوسع لاستعادة وحدة القرار والسيادة السورية.

وهنا تتقاطع المصالح: واشنطن تريد سوريا مستقرة لا تشكل بيئة حاضنة للإرهاب، ودمشق تريد دولة موحدة تملك قرارها الأمني والعسكري على كامل أراضيها.

العلاقة الاقتصادية لا تعني التبعية السياسية

ومع كل هذا الانفتاح، فإن نجاح العلاقة السورية–الأمريكية يتطلب الحفاظ على قاعدة أساسية: الشراكة لا تعني التبعية.

سوريا تستطيع أن تنفتح على الولايات المتحدة دون أن تغلق أبوابها أمام تركيا أو الدول العربية أو أوروبا أو روسيا أو الصين أو الهند أو غيرها.

بل إن تنويع الشركاء قد يكون أحد عناصر القوة في السياسة الاقتصادية السورية.

فالاستثمار الأمريكي يمكن أن يتكامل مع الاستثمارات العربية، والخبرات الأوروبية، والشراكات الآسيوية، والموقع التركي، والأسواق الخليجية، بما يجعل الاقتصاد السوري أكثر انفتاحاً وتوازناً.

والدبلوماسية الاقتصادية الناجحة لا تقوم على اختيار محور واحد، وإنما على تعظيم المصالح الوطنية من خلال بناء أكبر شبكة ممكنة من الشراكات.

دمشق وواشنطن.. مصالح متبادلة

من المنظور الأمريكي، تمثل سوريا الجديدة فرصة لبناء دولة مستقرة وموحدة، تتعاون في مكافحة الإرهاب، وتفتح اقتصادها أمام الاستثمار، وتعمل مع المؤسسات الدولية، وتستعيد اندماجها في المجتمع الدولي.

ومن المنظور السوري، تمثل الولايات المتحدة شريكاً يمكن أن يساهم في إزالة العقبات الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير قطاعات الطاقة والصحة والاتصالات والتمويل والبنية التحتية، إضافة إلى المساعدة في معالجة بعض الملفات السياسية والأمنية الإقليمية.

وبذلك تنتقل العلاقة تدريجياً من معادلة «الضغط مقابل التنازلات» إلى معادلة «المصالح مقابل المصالح».

وهذه ربما تكون أكثر صيغ العلاقات الدولية استدامة.

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

لكن زيارة أكثر من 60 شركة أمريكية إلى دمشق لا تعني أن الاستثمارات أصبحت أمراً محسوماً.

فالوفد يمثل بداية اختبار حقيقي.

والاختبار الآن يقع على عاتق الحكومة السورية في قدرتها على تحويل الوعود إلى بيئة استثمارية قابلة للتنفيذ.

وهذا يتطلب تطوير التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وتطوير القطاع المصرفي، وتوفير آليات واضحة للتحويلات والمدفوعات، وحماية المستثمرين، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وربط الاستثمارات الأجنبية بخطة وطنية واضحة لإعادة الإعمار والتنمية.

كما يتطلب من القطاع الخاص السوري أن يكون شريكاً حقيقياً، لا مجرد وسيط بين المستثمر الأجنبي والسوق المحلية.

فالهدف النهائي ليس أن تأتي الشركات الأمريكية إلى سوريا وتبيع منتجاتها، وإنما أن تستثمر وتنتج وتوظف وتنقل التكنولوجيا وتبني سلاسل توريد وتربط الاقتصاد السوري بالأسواق الخارجية.

الاقتصاد قد يصبح لغة جديدة للعلاقة

اللافت في المرحلة الحالية أن الخطاب الأمريكي والسوري يلتقيان بصورة متزايدة حول مفردات جديدة: الاستثمار، الإنتاج، التكنولوجيا، البنية التحتية، الطاقة، الصحة، المصارف، الزراعة، الحوكمة، وإعادة الإعمار.

وهذه المفردات تختلف تماماً عن قاموس العقوبات والعزلة.

ولعل أهم ما في الزيارة الأمريكية إلى دمشق أنها تُظهر أن العلاقة لم تعد تُبنى فقط من خلال السياسيين والدبلوماسيين، وإنما بدأت تدخل إليها الشركات والمصارف والمؤسسات الاستثمارية والوزارات والقطاعات الإنتاجية.

فالسياسة فتحت الباب، لكن الاقتصاد هو الذي يستطيع أن يجعل الباب مفتوحاً بصورة مستدامة.

دمشق أمام فرصة تاريخية

المرحلة الحالية تمنح سوريا فرصة لإعادة تعريف موقعها في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

فبدلاً من أن تكون دولة تبحث فقط عن رفع العقوبات، تستطيع أن تصبح دولة تبحث عن الاستثمار.

وبدلاً من أن يكون النقاش حول كيفية تمويل إعادة الإعمار، يمكن أن ينتقل إلى كيفية بناء اقتصاد منتج قادر على تمويل تنميته بنفسه.

وبدلاً من أن تكون سوريا سوقاً لمنتجات الآخرين، يمكن أن تتحول إلى قاعدة إنتاج وتوريد وتوزيع للأسواق المحيطة.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للشراكة السورية–الأمريكية.

فإذا استطاعت دمشق بناء مؤسسات قوية، وبيئة قانونية ومصرفية واضحة، وسياسة استثمارية شفافة، واستفادت من موقعها الجغرافي، فإن الشركات الأمريكية لن تكون مجرد مستثمرين في مرحلة إعادة الإعمار، وإنما يمكن أن تصبح جزءاً من عملية إعادة بناء الاقتصاد السوري نفسه.

أما واشنطن، فإن نجاح هذه الشراكة سيمنحها شريكاً مستقراً في منطقة شديدة الحساسية، ويفتح أمام شركاتها سوقاً جديدة وفرصاً في قطاعات متعددة.

وبذلك يصبح التقارب السوري–الأمريكي قائماً على مصالح متبادلة لا على المجاملات السياسية.

لقد بدأت سوريا تنتقل من مرحلة العزلة إلى مرحلة الانفتاح، ومن طلب رفع القيود إلى البحث عن الاستثمارات، ومن انتظار الدعم إلى محاولة بناء شراكات، ومن النظر إلى موقعها الجغرافي كحدود جغرافية إلى توظيفه كميزة اقتصادية.

والرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الوفد الأمريكي ليست فقط أن الشركات الأمريكية وصلت إلى دمشق، بل أن دمشق بدأت تُطرح أمامها كجزء من معادلة اقتصادية إقليمية جديدة.

فإذا نجحت سوريا في تحويل هذا الانفتاح إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل وتكنولوجيا وتصدير، فإن العلاقات السورية–الأمريكية لن تكون مجرد صفحة جديدة في العلاقات الدبلوماسية، بل قد تتحول إلى أحد روافع إعادة تموضع سوريا اقتصادياً وإقليمياً ودولياً.

فالسياسة تفتح الأبواب، لكن الشراكة الاقتصادية هي التي تستطيع أن تجعل الانفتاح واقعاً مستداماً.

لم تعد أزمة السويداء شأنًا محليًا أو خلافًا عابرًا بين دمشق وبعض الفصائل المحلية المسلحة التي تنضوي تحت ما يسمى «الحرس الوطني» بزعامة الشيخ حكمت الهجري، بل أصبحت عقدة إقليمية تتقاطع فيها مصالح سوريا والأردن والولايات المتحدة وإسرائيل، وأصبح التعنت المدموغ بصبغة انفصالية يشكل تهديدًا للأمن القومي، ليس في سوريا فحسب، بل في المنطقة برمتها، كما أصبحت السويداء حجر عثرة في وجه المشروع الأمريكي القائم على تحقيق الاستقرار الإقليمي وتهيئة المناخ الملائم لتحويل سوريا إلى ممر حيوي لصادرات النفط والغاز من العراق ودول الخليج إلى أوروبا والعالم عبر موانئ المتوسط السورية في طرطوس واللاذقية، كطريق بديل عن مضيق هرمز وما يحيط به من صراعات ومخاطر جيوسياسية.

لقد حاولت حكومة الرئيس الشرع، منذ سقوط النظام في دمشق، مد الجسور مع أهلنا في السويداء، وعينت الدكتور مصطفى البكور محافظًا للمدينة، الذي لم يوفر جهدًا في محاولة إيجاد صيغة تصالحية تضمن مطالب أهل المحافظة وتفتح آفاق الانتقال السلمي، بما يسمح للدولة باستعادة مسؤوليتها عن السلاح الثقيل والمفاصل الأمنية الحساسة في السويداء، مع الحفاظ على دور أبنائها في إدارة شؤون محافظتهم وحماية أمنها. ورغم توقيع اتفاقيات تشبه إلى حد كبير الصيغ التي جرى التوصل إليها مع الجنرال مظلوم عبدي بشأن دمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة والجيش المركزي تحت مظلة وزارة الدفاع، فإنها لم تحقق النتائج نفسها في السويداء. ثم جاءت الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة لتزيد المشهد تعقيدًا، بعدما سقط عدد كبير من الضحايا من أهل المدينة وقوات الأمن وأبناء العشائر العربية على حد سواء، وتحملت الحكومة مسؤولية التحقيق في تلك الأحداث المأساوية، وشكلت لجانًا مختصة للبحث في أسبابها وتوثيق الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون في مدينة السويداء وقراها ومحاسبة المسؤولين عنها. ومنذ ذلك الحين أخذت المدينة تنغلق على نفسها أكثر فأكثر، بينما استقوت بعض زعاماتها بالدعم الإسرائيلي، ووصل التصعيد إلى حد قيام الطائرات الإسرائيلية بقصف وزارة الدفاع في دمشق في تحد مباشر للحكومة السورية، في تطور كاد أن يفتح الباب أمام مواجهة أوسع بين البلدين.

ومنذ ذلك الحين أيضًا دخلت السويداء في حالة حصار وعزلة وتدهور اقتصادي وخدمي شديد، وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن إغلاق الطرق وتعطيل وصول المواد الأساسية، ورغم محاولات دمشق إرسال شاحنات الغذاء والدواء والمحروقات، بقي وصولها إلى السكان محدودًا ومتقطعًا. وزاد المشهد توترًا مع أزمة الطلاب والامتحانات، بعدما تعذر على أعداد من الطلاب الوصول إلى مراكز امتحاناتهم، وتعطلت ترتيبات دخول موظفي وزارة التربية والتعليم القادمين من دمشق للإشراف على امتحانات الشهادة الثانوية وبعض المراحل الجامعية، الأمر الذي تسبب بحالة من الغضب والتململ الشعبي، لأن أبناء المحافظة وطلابها كانوا في النهاية من يدفع ثمن الصراع السياسي والأمني، ولا يجوز أن يتحول مستقبل جيل كامل إلى ورقة تفاوض أو أداة لتحقيق مكاسب سياسية.

وفي ظل هذا المشهد الأمني والسياسي المعقد، ومع التقدم في ملف دمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة، تظهر خارطة الطريق السورية–الأردنية–الأمريكية، بقيادة أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الأمريكية في الملف السوري توم باراك، وإلى جانبه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، كمحاولة لرسم مخرج سلمي يسمح بإعادة اندماج السويداء تدريجيًا في مؤسسات الدولة السورية من دون الذهاب إلى مواجهة عسكرية جديدة. وتبدأ هذه المقاربة، التي تقوم على ما يمكن وصفه بـ«دبلوماسية منتصف الليل الهادئة»، بخفض التصعيد وفتح الطرق وإعادة الخدمات والمساعدات وعودة النازحين والكشف عن مصير المفقودين والمخطوفين، إلى جانب التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، ثم تنتقل إلى المرحلة الأكثر حساسية، وهي تشكيل شرطة محلية من أبناء السويداء، وتفعيل إدارة محلية أكثر فاعلية، وإنشاء مجلس يمثل مكونات المحافظة، ووضع ترتيبات أمنية وإدارية انتقالية، على أن يبقى الهدف النهائي إعادة اندماج السويداء في مؤسسات الدولة السورية. وهنا تكمن أهمية هذه المقاربة؛ فهي لا تقترح إعادة عقارب الساعة إلى الوراء والعودة إلى مركزية تتحكم بكل تفاصيل حياة المحافظة، لكنها في الوقت نفسه لا تمنح غطاءً سياسيًا لمشروع تقسيم سوريا.

غير أن العقبة الكبرى تبدأ عندما يتحول الخلاف من المطالبة بضمانات وحقوق وصلاحيات محلية مشروعة إلى التشكيك في العلاقة مع الدولة السورية نفسها، فالخطاب الذي تبناه الشيخ حكمت الهجري والقوى القريبة منه وصل في بعض مراحله إلى الحديث عن تقرير المصير، بالتوازي مع تقارب واضح مع إسرائيل وظهور شعارات ورموز أثارت جدلًا واسعًا داخل سوريا وخارجها. وهنا يظهر قصور سياسي خطير، إذ لا يكفي أن يبدو مشروع الانفصال ممكنًا عسكريًا في لحظة معينة حتى يصبح ممكنًا سياسيًا واقتصاديًا ودوليًا. فلا واشنطن ولا عمّان ولا القوى الدولية الأساسية قدمت غطاءً واضحًا لإقامة دولة مستقلة في السويداء، ثم هناك السؤال الأكثر بساطة وواقعية: كيف ستعيش مثل هذه الدولة؟ فالسويداء محافظة داخلية محدودة الموارد، وأي دولة تحتاج إلى حدود ومعابر وطاقة وأسواق وموارد ومؤسسات واعتراف دولي وقدرة على حماية نفسها، ولذلك فإن رفع شعار الاستقلال أسهل بكثير من بناء دولة قابلة للحياة.

الأردن، من جانبه، يريد حدودًا مستقرة ووقف التهريب والفوضى ومنع موجة لجوء جديدة أو ظهور كيان هش على حدوده، بينما تبحث واشنطن عن استقرار مستدام للجنوب السوري ومنع اندلاع حرب سورية–إسرائيلية جديدة، بالتوازي مع إعادة ترتيب المشهد السوري سياسيًا واقتصاديًا. ولهذا فإن الدور الأمريكي لا يتوقف عند السويداء، بل يمتد إلى محاولة الوصول إلى ترتيبات أمنية أوسع بين سوريا وإسرائيل حول الجنوب السوري. أما إسرائيل فتقول إنها تريد حماية الدروز، ولا شك أن العلاقة بين دروز سوريا ودروز إسرائيل عامل حقيقي في حساباتها، لكن اختصار المشروع الإسرائيلي كله بعبارة «حماية الدروز» سيكون قراءة ناقصة، فإسرائيل تريد قبل كل شيء جنوبًا سوريًا لا توجد فيه قوة عسكرية تعتبرها تهديدًا لحدودها في الجولان ومستوطنات الشمال، ولهذا يبقى السؤال الأخطر: هل تريد إسرائيل حماية السويداء داخل سوريا، أم تريد جنوبًا سوريًا ضعيفًا ومجزأً يتحول عمليًا إلى منطقة عازلة؟ لا توجد حتى الآن قاعدة كافية للجزم بأن إسرائيل تتبنى رسميًا إقامة «دولة درزية»، لكن من الصعب أيضًا فصل تحركاتها في السويداء عن رؤيتها الأمنية الأوسع للجنوب السوري.

وأمام السويداء اليوم ثلاثة طرق؛ الأول هو العودة إلى مركزية كاملة تحت سلطة دمشق، وهذه قد تعيد إنتاج الأسباب التي أدت إلى الأزمة، وقد يصبح فرضها بالقوة مقدمة لمواجهة جديدة. والثاني هو الانفصال وإقامة كيان مستقل، وهي فكرة تواجه عقبات سياسية وجغرافية واقتصادية ودولية تجعل نجاحها بالغ الصعوبة. أما الطريق الثالث، وهو برأيي الأكثر واقعية وعقلانية، فيقوم على قاعدة واضحة: السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، مقابل لامركزية إدارية موسعة وضمانات دستورية حقيقية، نسير من خلالها نحو اندماج تدريجي للقوى المسلحة وتسليم السلاح الثقيل والمفاصل الأمنية الحساسة للدولة، مقابل مشاركة أهل المحافظة وانتساب شبابها إلى الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة، ومنحهم دورًا أساسيًا في إدارة مدينتهم وحمايتها بعيدًا عن المطامع والتدخلات الإسرائيلية في الجنوب السوري. وهنا يمكن أن يكون للعقيد سليمان عبد الباقي، بصفته أحد أبناء السويداء والفاعل في الملف الأمني للمحافظة، دور مهم في بناء هذه المعادلة، خصوصًا في إعادة تشكيل جهاز أمني محلي يعتمد بصورة أساسية على أبناء المحافظة، ولكنه يعمل في الوقت نفسه تحت مظلة الدولة السورية وضمن مؤسساتها الرسمية. فوجود شخصية محلية تعرف التركيبة الاجتماعية والعشائرية والسياسية للسويداء يمكن أن يساعد في بناء جسور الثقة بين دمشق وأهالي المحافظة، وفي استيعاب الشباب المحليين ضمن قوى الأمن والشرطة بدل تركهم في تشكيلات مسلحة متفرقة خارج مؤسسات الدولة. ومن هنا يمكن أن يتحول دور سليمان عبد الباقي من مجرد دور أمني إلى جزء من عملية مصالحة وإعادة اندماج أوسع، شرط أن يكون ذلك ضمن توافق محلي يحفظ كرامة جميع أبناء السويداء ولا يسمح بتحويل الأمن إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.

هذه الصيغة تسمح لدمشق بالحفاظ على وحدة البلاد، ولأهل السويداء بإدارة شؤونهم وضمان أمنهم وخصوصيتهم، وللأردن بالحصول على حدود مستقرة، ولواشنطن بتجنب حرب جديدة، ويمكن أن توفر في الوقت ذاته ترتيبات أمنية تمنع تحول الجنوب السوري إلى ساحة صراع دائم مع إسرائيل. فالقضية في النهاية أكبر من السويداء، والسؤال الحقيقي الذي ستواجهه سوريا الجديدة هو: هل يمكن بناء دولة موحدة من دون العودة إلى المركزية الخانقة؟ وربما تكون السويداء أول اختبار حقيقي لهذه المعادلة، فالوحدة الوطنية لا تعني أن تتحكم العاصمة بكل تفصيل، واللامركزية لا تعني التقسيم، والخصوصية الاجتماعية لا تحتاج إلى دولة مستقلة كي تُحمى. تستطيع سوريا أن تكون دولة واحدة، بجيش واحد وسيادة واحدة وحدود واحدة، وفي الوقت نفسه تمنح محافظاتها صلاحيات حقيقية لإدارة شؤونها، ويبقى نجاح أي تسوية مرهونًا بمعادلة بسيطة وصعبة في آن واحد: أن يشعر ابن السويداء بأن كرامته وأمنه وخصوصيته مصانة داخل وطنه، وأن تدرك دمشق أن وحدة الأرض لا تكفي وحدها، فالوحدة الحقيقية تبدأ عندما يريد السوريون أنفسهم البقاء معًا. وبين المركزية والانفصال مساحة واسعة اسمها اللامركزية… وقد تكون هي الطريق الأقصر لإنقاذ السويداء والحفاظ على وحدة سوريا.

السويداء أمام اختبار التسوية هل تبدأ واشنطن مساراً شبيهاً بملف «قسد» لإعادة الجنوب إلى الدولة السورية؟ لم تعد التصريحات الأميركية الأخيرة حول السويداء مجرد مواقف دبلوماسية مرتبطة بتجدد التصعيد، بل يمكن قراءتها باعتبارها مؤشراً على تطور في طريقة تعامل واشنطن مع الأزمة في الجنوب السوري. فالمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم براك لم يكتفِ بالتعبير عن الأسى إزاء تجدد العنف، أو بالدعوة إلى ضبط النفس، وإنما ذهب إلى توصيف أكثر عمقاً عندما تحدث عن غياب مؤسسات الحكم، وملء العصابات للفراغ، وضرورة العودة إلى الحوار والمساءلة.

هذه المفردات تحمل دلالات سياسية تتجاوز الاستجابة الدبلوماسية التقليدية. إنها تنقل النقاش من سؤال: «من انتصر ومن خسر؟» إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن بناء صيغة مستقرة تعيد تنظيم العلاقة بين المجتمع المحلي والدولة؟

وهنا تحديداً تبرز المقارنة مع مسار «قسد»، ليس باعتبار أن السويداء ستصبح نسخة من شمال شرق سوريا، فهذا تبسيط غير دقيق، وإنما لأن القراءة الأميركية المعلنة في الملفين توحي بوجود مقاربة مشتركة تقوم على حماية حقوق المجتمعات المحلية، مع رفض استمرار الفراغ الأمني ووجود سلطات مسلحة موازية للدولة. — من إدارة الأزمة إلى البحث عن حل خلال الفترة الماضية، كان التعامل مع الجنوب السوري يقوم بدرجة كبيرة على احتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى مواجهة أوسع. أما التصريحات الأخيرة فتشير إلى رغبة في الانتقال خطوة أبعد: البحث عن مسار سياسي يمكن أن يعالج جذور الأزمة.

عندما يقول براك إن غياب مؤسسات الحكم يؤدي إلى ملء الفراغ من قبل العصابات، فهو عملياً يضع الحوكمة في مركز المشكلة. ويمكن فهم التصريحات الأميركية على أنها تتعامل مع القضية بوصفها أزمة حوكمة وأمن، لا مجرد خلاف بين دمشق ومكونات اجتماعية في السويداء. بل هي مشكلة ترتبط بغياب مؤسسات قادرة على فرض القانون وتوفير الأمن وإدارة الحياة العامة.

وهذا تحول مهم. لأن معالجة مشكلة الحوكمة تعني في النهاية البحث عن صيغة تعيد المؤسسات إلى العمل، وتضمن حقوق السكان، وتنظم ملف الأمن والسلاح، وتمنع تحول القوى المحلية إلى سلطات دائمة خارج إطار الدولة. — السويداء ليست «قسد»… ولكن هناك تشابه في فلسفة الحل من المهم عدم الوقوع في المبالغة.

السويداء ليست شمال شرق سوريا، والبيئة الاجتماعية والسياسية مختلفة، وكذلك الجغرافيا والتوازنات الإقليمية والدولية. لكن هناك نقطة تشابه تستحق التوقف عندها. في ملف «قسد»، أصبح جوهر النقاش خلال المرحلة الأخيرة يدور حول كيفية الوصول إلى صيغة تضمن حقوق السكان المحليين، وتحافظ على الخصوصية الثقافية والإدارية، وفي الوقت نفسه تنهي ازدواجية المؤسسات الأمنية والعسكرية وتعيد المنطقة إلى إطار الدولة السورية.

وفي السويداء يمكن أن تتبلور معادلة مشابهة: حقوق وخصوصية محلية + إدارة محلية فاعلة + ضمانات أمنية + مساءلة وعدالة + مؤسسات دولة + احتكار الدولة للسلاح. أي أن المؤشرات الحالية لا توحي بأن واشنطن تدفع نحو إعادة إنتاج الدولة المركزية القديمة، كما لا توحي في المقابل بقبول دائم لمناطق نفوذ مسلحة مستقلة.

وهنا تكمن أهمية الرسالة الأميركية. — الرسالة إلى السويداء: حقوقكم لا تعني الانفصال أحد أهم أبعاد التصريحات الأميركية هو الفصل بين أمرين كثيراً ما يجري الخلط بينهما: حماية المجتمع المحلي، ورفض الانفصال أو الدولة داخل الدولة. براك تحدث بإيجابية عن الدروز وتاريخهم ومكانتهم، لكنه في الوقت نفسه ربط الأزمة بغياب مؤسسات الحكم. وهذه معادلة سياسية دقيقة: يمكن ضمان حقوق الدروز، وتعزيز مشاركتهم السياسية، وحماية خصوصيتهم الاجتماعية والثقافية، وتوسيع صلاحيات الإدارة المحلية، دون أن يعني ذلك بالضرورة قيام كيان منفصل عن سوريا.

وهذا قد يكون أحد المفاتيح الأساسية للحل. فالسويداء تحتاج إلى ضمانات حقيقية، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى دولة قادرة على حماية هذه الضمانات. — وماذا عن إسرائيل؟ هنا تصبح المسألة أكثر حساسية.

خلال الفترة الماضية، ارتبط الجنوب السوري بصورة متزايدة بالاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، خصوصاً في ظل العمليات العسكرية الإسرائيلية والتوترات على الحدود. لكن استمرار الفوضى في الجنوب لا يعني بالضرورة أنه يخدم المصالح الأميركية على المدى الطويل. فالولايات المتحدة تريد منع تحول سوريا إلى ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي، وتريد منع أي طرف من استخدام الأراضي السورية لتهديد إسرائيل أو زعزعة الأمن الإقليمي.

وفي المقابل، فإن استمرار مناطق الأمر الواقع والفصائل المسلحة والتوتر المجتمعي يهدد بإبقاء الجنوب في دائرة عدم الاستقرار. لذلك قد تتقاطع المصالح الأميركية والإسرائيلية في ضرورة منع التهديدات الأمنية، لكنهما قد تختلفان حول الوسائل وحول شكل الترتيبات السياسية النهائية.

ومن هنا فإن الرهان على أن استمرار الأزمة سيؤدي تلقائياً إلى قيام كيان سياسي محمي خارج الدولة السورية هو رهان شديد المخاطر. — واشنطن لا تريد حرباً جديدة المؤشر الأهم في الموقف الأميركي هو أن واشنطن تبدو حريصة على إبقاء الحل في الإطار السياسي. براك أعاد التأكيد على الحوار وخارطة الطريق الثلاثية المرتبطة بسوريا والأردن والولايات المتحدة. وهذا يعني أن واشنطن لا تقدم الحل العسكري باعتباره الطريق إلى الاستقرار.

بل تقول عملياً: الحوار هو الطريق، والمؤسسات هي الضمانة، والمساءلة شرط، والاستقرار هو الهدف. وهذا يضع دمشق والقوى المحلية معاً أمام مسؤولية سياسية. — لماذا الأردن مهم؟ لا يمكن فصل ملف السويداء عن الأردن.

الجغرافيا والحدود والتداخل الاجتماعي والاقتصادي والأمني تجعل الأردن طرفاً لا يمكن تجاهله في أي تسوية جنوبية. ولهذا فإن وجود خريطة طريق ثلاثية يمنح عمان دوراً يمكن أن يتطور من مجرد طرف وسيط إلى شريك في تثبيت التسوية. وقد يكون الأردن قادراً على لعب دور مهم في ملفات: – ضبط الحدود. – مكافحة التهريب. – دعم الاستقرار. – تسهيل الحركة التجارية. – دعم المشاريع الاقتصادية. – بناء الثقة بين دمشق والفعاليات المحلية.

وبالتالي فإن الحل في السويداء قد لا يكون سورياً داخلياً فقط، بل قد يحتاج إلى مظلة إقليمية داعمة، دون أن تتحول هذه المظلة إلى وصاية خارجية على المحافظة. — الدرس الأهم من ملف «قسد» إذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من مسار «قسد»، فهو أن المناطق التي نشأت فيها ترتيبات أمنية وسياسية خاصة لا يمكن أن تبقى إلى الأبد خارج منظومة الدولة. لكن إعادة دمجها لا يمكن أن تتم بمجرد إصدار الأوامر. بل تحتاج إلى تفاوض وضمانات وترتيبات أمنية وسياسية وإدارية.

وهذا الدرس ينطبق، بدرجات مختلفة، على السويداء. فإذا أرادت دمشق إعادة المؤسسات، فعليها أن تقدم نموذجاً مختلفاً عن الماضي: دولة لا تعني الإقصاء، ومؤسسات لا تعني القمع، ووحدة وطنية لا تعني إلغاء الخصوصيات المحلية. وبالمقابل، إذا أرادت القوى المحلية ضمان مستقبل السويداء، فعليها أن تدرك أن بناء سلطة أمنية مستقلة ليس حلاً دائماً.

الحل هو تحويل الخصوصية المحلية من مصدر صراع مع الدولة إلى جزء من بنية الدولة الجديدة. — تصريحات براك تحمل رسالة إلى دمشق أيضاً من الخطأ قراءة التصريحات باعتبارها رسالة إلى القوى المحلية فقط. هناك رسالة واضحة إلى الحكومة السورية أيضاً. واشنطن تقول لدمشق بصورة غير مباشرة: عودة الدولة لا تكفي، بل يجب أن تكون دولة مسؤولة.

أي أن استعادة المؤسسات يجب أن تترافق مع: – حماية المدنيين. – احترام القانون. – محاسبة المتورطين بالانتهاكات. – منع الانتقام. – إشراك المجتمع المحلي. – معالجة الملفات الإنسانية. – تقديم الخدمات. – توفير الأمن. ولهذا يكتسب حديث براك عن بدء الحكومة السورية بمواجهة الجرائم الجسيمة ومحاسبة المسؤولين عنها دلالة سياسية في سياق ربط المساءلة بمسار التسوية. فالمساءلة هنا ليست ملفاً منفصلاً عن التسوية.

بل يمكن أن تكون جزءاً من شروط إعادة بناء الثقة. — الامتحانات كشفت جوهر المشكلة ربما لا توجد صورة أكثر تعبيراً عن الأزمة من قضية الطلاب الذين واجهوا صعوبات في الوصول إلى مراكز الامتحانات. فالطالب لا يريد أن يكون جزءاً من صراع سياسي. ولا يريد أن يكون ورقة تفاوض.

هو يريد فقط أن يذهب إلى المدرسة ويقدم امتحانه. وعندما يصل المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها الطريق إلى قاعة الامتحان مرتبطاً بمن يسيطر على الحاجز أو الطريق، فهذا يعني أن المشكلة لم تعد سياسية فقط. إنها مشكلة سلطة ومرجعية ومؤسسات.

ولهذا فإن معالجة الملفات المدنية والخدمية والتعليمية يمكن أن تكون مدخلاً ذكياً لإعادة بناء الثقة. — ما السيناريو الأكثر واقعية؟ يبدو أن السيناريو الأكثر واقعية ليس الحسم العسكري ولا الانفصال. بل تسوية تدريجية.

تبدأ بالملفات الأقل حساسية: التعليم، الصحة، الطرق، الخدمات، الإدارة المحلية، القضاء المدني، والاقتصاد. ثم تنتقل تدريجياً إلى الملفات الأكثر تعقيداً: السلاح، الأمن، المرجعية العسكرية، وإعادة تنظيم المؤسسات. وفي كل مرحلة تحتاج الأطراف إلى ضمانات واضحة.

وهنا يمكن للولايات المتحدة والأردن أن يلعبا دوراً في دعم التفاهمات، وليس في إدارة السويداء نيابة عن أبنائها. — ما الذي يمكن أن تكسبه السويداء من التسوية؟ السويداء لا تحتاج فقط إلى عودة المؤسسات. إنها تحتاج إلى مشروع تنموي حقيقي.

المحافظة تحتاج إلى دعم الزراعة، معالجة أزمة المياه، تطوير الطاقة، تحسين الطرق، دعم الصناعات المحلية، خلق فرص عمل للشباب، وتنشيط التجارة مع الأردن وبقية المحافظات السورية. وبالتالي فإن إعادة دمج السويداء في الدولة يجب ألا تكون أمنية فقط. بل يجب أن تكون: سياسية + أمنية + اقتصادية + اجتماعية + تنموية.

وهذا ما يجعل التسوية أكثر استدامة. — وماذا لو فشل المسار؟ الفشل له كلفة على الجميع. إذا استمرت حالة الأمر الواقع، فقد تتوسع التدخلات الخارجية.

وإذا اتجهت دمشق إلى الحسم العسكري، فقد تتفاقم الأزمة الإنسانية والسياسية. وإذا استمرت القوى المحلية في رفض أي صيغة للدولة، فقد تخسر جزءاً من التعاطف الدولي الذي يقوم أساساً على حماية المدنيين وحقوق السكان، وليس على إقامة كيانات مسلحة منفصلة. أما إسرائيل، فإن استمرار التوتر على حدودها سيبقي الجنوب ساحة أمنية مفتوحة.

لذلك يمكن القول إن أطرافاً عدة لديها مصلحة في التسوية، حتى لو اختلفت حول شكلها. — من «من يسيطر؟» إلى «كيف نحكم؟» وهنا ربما يكون التحول الحقيقي الذي تحمله التصريحات الأميركية. المعادلة القديمة كانت: من يسيطر على الأرض؟ أما المعادلة الجديدة فقد تصبح: كيف تُحكم الأرض؟

وهذا فرق كبير. لأن السيطرة يمكن أن تكون مؤقتة. أما الحوكمة فهي التي تصنع الاستقرار.

وإذا استطاعت دمشق أن تقدم نموذجاً جديداً للحكم المحلي، يضمن الحقوق ويعزز المشاركة ويحافظ على وحدة الدولة، وإذا قبلت القوى المحلية بالتخلي التدريجي عن منطق السلطة المسلحة مقابل ضمانات سياسية وأمنية حقيقية، فإن الجنوب قد ينتقل من مرحلة الأزمة إلى مرحلة التسوية. — الخلاصة: الجنوب أمام لحظة سياسية جديدة تصريحات توم براك لا تعني أن الحل في السويداء قد حُسم، ولا تعني أن واشنطن اتخذت قراراً نهائياً بشأن شكل المحافظة. لكنها تشير إلى تحول مهم في لغة المقاربة الأميركية. واشنطن لا تريد استمرار الفراغ.

ولا تريد حرباً جديدة. ولا تريد تهجيراً جديداً. ولا تريد أن تتحول السويداء إلى ساحة صراع إقليمي.

وفي الوقت نفسه، لا يبدو أنها تريد عودة الدولة بطريقة تتجاهل حقوق المجتمع المحلي. وهنا تبرز معادلة التسوية: حقوق الدروز مقابل الالتزام بالدولة، الإدارة المحلية مقابل وحدة سوريا، المساءلة مقابل المصالحة، الأمن المحلي مقابل احتكار الدولة للسلاح، والتنمية مقابل الاستقرار. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم التشابه مع مسار «قسد».

ليس لأن السويداء ستصبح «قسد» جديدة، وإنما لأن واشنطن تبدو وكأنها تدفع باتجاه معالجة مشكلة أكبر: إنهاء مناطق الفراغ والأمر الواقع، وإعادة بناء الدولة السورية على أساس جديد يوازن بين وحدة الدولة وحقوق المجتمعات المحلية. ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة اختبار حقيقية. اختبار لدمشق: هل تستطيع أن تستعيد الدولة بالحوار والثقة لا بالقوة فقط؟

واختبار للقوى المحلية: هل تستطيع حماية حقوقها من داخل الدولة لا خارجها؟ واختبار لواشنطن: هل ستنجح في تحويل نفوذها السياسي إلى تسوية قابلة للحياة؟ واختبار لإسرائيل: هل ستقبل بجنوب سوري مستقر تديره مؤسسات الدولة ضمن ترتيبات أمنية واضحة؟

أما السويداء نفسها، فاختبارها الأكبر هو أن تختار بين البقاء أسيرة للأمر الواقع، أو تحويل أزمتها إلى فرصة لبناء نموذج جديد للعلاقة بين الدولة والمجتمع.

وفي النهاية، قد يكون عنوان المرحلة المقبلة ليس: «عودة دمشق إلى السويداء» بل: «عودة السويداء إلى الدولة… ضمن عقد سوري جديد». وهذا، إذا تحقق، قد يكون أحد أهم مفاتيح استقرار الجنوب السوري وسوريا كلها.

لم تعد عودة سوريا إلى محيطها العربي والدولي مجرد عنوان سياسي أو مجموعة من الزيارات واللقاءات الدبلوماسية، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى مسار متكامل لإعادة بناء موقع الدولة السورية داخل المؤسسات والمنظمات الدولية والإقليمية.

وخلال الأيام الأخيرة، برزت مؤشرات عدة، من بينها انضمام سوريا إلى منظمة التعاون الرقمي، وفوزها برئاسة اللجنة العربية الدائمة للأرصاد الجوية، وتوسّع التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب الحراك الدبلوماسي المتزايد وعودة السفراء والبعثات الدولية إلى دمشق، بما يمكن قراءته ضمن مسار أوسع لإعادة تفعيل حضورها الإقليمي والدولي.

ولا تبدو هذه الملفات منفصلة تماماً، بل يمكن النظر إليها بوصفها أجزاء من مسار أوسع لإعادة تفعيل دور سوريا ومؤسساتها في المحافل الإقليمية والدولية.

أولاً: العضوية في منظمة التعاون الرقمي.. فرصة للاندماج في مسار التحول الرقمي

انضمام سوريا إلى منظمة التعاون الرقمي، بوصفها العضو الثامن عشر، يحمل دلالة تتجاوز قطاع الاتصالات وتقانة المعلومات.

فالاقتصاد العالمي يتجه بسرعة نحو اقتصاد رقمي قائم على البيانات والذكاء الاصطناعي والخدمات الإلكترونية والأمن السيبراني والتجارة الرقمية، وبالتالي فإن وجود سوريا داخل منصة دولية متخصصة بهذا المجال يعني فتح أبواب جديدة أمامها في نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات، وتطوير الخدمات الحكومية، وتأهيل الكفاءات الشابة، وجذب الاستثمارات الرقمية.

وأشارت الأمينة العامة للمنظمة ديمة اليحيى إلى ما وصفته بالإمكانات الرقمية والمواهب السورية، في ما يعكس توجهاً نحو توسيع التعاون في هذا المجال.

سوريا لا تبدأ من الصفر في هذا المجال.

تملك سوريا شريحة من الكفاءات البشرية في مجالات البرمجيات والهندسة والاتصالات، وهو ما يمكن البناء عليه إذا توفرت بيئة مؤسسية واستثمارية مناسبة.

ومن هنا يمكن أن تتحول العضوية الجديدة إلى فرصة لاستقطاب الكفاءات السورية وربطها بالاقتصاد العالمي، بدلاً من استمرار هجرة الكفاءات.

والتحدي الحقيقي الآن ليس في توقيع ميثاق العضوية، بل في تحويلها إلى مشاريع: حكومة رقمية، خدمات إلكترونية، بنية تحتية للاتصالات، مدفوعات رقمية، أمن سيبراني، تعليم رقمي، ذكاء اصطناعي، وحاضنات للشركات الناشئة.

ثانياً: رئاسة اللجنة العربية للأرصاد الجوية.. سوريا تستعيد دورها العلمي العربي

في المسار نفسه، جاء فوز سوريا برئاسة اللجنة العربية الدائمة للأرصاد الجوية، بحصول مدير المركز الوطني للأرصاد الجوية الدكتور عبد الكريم المحمد على 13 صوتاً.

وقد يبدو الأمر فنياً، لكنه يحمل أيضاً أبعاداً مؤسسية وسياسية تتصل بموقع سوريا داخل الأطر العربية المتخصصة.

أن تنتخب الدول العربية سوريا لرئاسة لجنة متخصصة يعني أن سوريا لا تعود إلى الجامعة العربية فقط باعتبارها دولة حاضرة في الاجتماعات، وإنما تبدأ باستعادة أدوارها داخل المؤسسات واللجان العربية المتخصصة.

والأرصاد الجوية لم تعد مجرد توقعات للطقس.

إنها اليوم جزء من الأمن الغذائي والمائي، وإدارة الكوارث، والزراعة، والطاقة المتجددة، والتخطيط العمراني، وحماية البنية التحتية، ومواجهة آثار التغير المناخي.

وبالتالي فإن رئاسة سوريا لهذه اللجنة يمكن أن تكون منصة لتطوير التعاون العربي في ملفات تمس مستقبل الاقتصاد السوري مباشرة، خصوصاً الزراعة والمياه وإدارة الجفاف والفيضانات والتغير المناخي والطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وهنا يصبح العلم جزءاً من السياسة الخارجية السورية.

ثالثاً: الملف النووي.. من الملفات العالقة إلى إمكانات الاستخدام العلمي السلمي

ولعل الملف الأكثر حساسية في عملية إعادة بناء العلاقة بين سوريا والمجتمع الدولي هو الملف النووي.

يمكن أن يشكل التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتعامل بشفافية مع الملفات العالقة، خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة وتوسيع التعاون الدولي.

والأهم أن سوريا تستطيع أن تنظر إلى هذا الملف من زاوية مختلفة تماماً.

فالطاقة النووية ليست مرادفاً للسلاح.

هناك فرق جوهري بين امتلاك برنامج نووي عسكري وبين امتلاك برنامج نووي سلمي خاضع للرقابة الدولية.

وإذا نجحت سوريا في إغلاق الملفات العالقة المرتبطة بإرث النظام السابق، والتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والالتزام بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، فإن ذلك يمكن أن يفتح مستقبلاً الباب أمام بناء قدرات سورية سلمية في الاستخدامات النووية.

وهنا يمكن أن تتحول الطاقة النووية إلى أداة للتنمية.

ماذا يمكن أن تستفيد سوريا؟

في الطب:

في الزراعة:

في الصناعة:

وفي الطاقة:

وبذلك يمكن لسوريا أن تنتقل من ملف نووي مثقل بإرث الماضي إلى مشروع علمي يخدم المستقبل.

وهذه نقطة شديدة الأهمية:

إغلاق ملفات الماضي لا يعني التخلي عن العلم والتكنولوجيا، بل يمكن أن يكون الطريق لامتلاكها بصورة شرعية وآمنة وسلمية.

رابعاً: الأمم المتحدة.. سوريا لا تعود إلى المقعد فقط

كل هذه التطورات تأتي بالتزامن مع محطة سياسية أكبر: الجمعية العامة للأمم المتحدة.

فمشاركة سوريا في أعمال الجمعية العامة للسنة الثانية على التوالي تكتسب أهمية خاصة في مرحلة إعادة تعريف موقع الدولة السورية دولياً.

المشاركة السابقة لم تكن مجرد حضور بروتوكولي؛ فقد فتحت الباب أمام اتصالات ولقاءات سياسية واسعة، وأسهمت في إعادة تقديم سوريا بوصفها دولة تسعى إلى استعادة علاقاتها الدولية ومؤسساتها.

أما المشاركة الحالية، فتأتي في بيئة مختلفة.

فالعالم بات ينظر إلى سوريا ليس فقط من زاوية الأزمة السابقة، وإنما من زاوية إعادة الاستقرار، وإعادة الإعمار، والاستثمار، ومكافحة الإرهاب، والطاقة، والاقتصاد، والتحول الرقمي، والحوكمة، والتعاون العلمي.

وهذا التحول مهم جداً.

لأن الدولة التي تريد استعادة مكانتها الدولية لا يكفي أن تطلب رفع العقوبات أو الاعتراف السياسي بها؛ بل عليها أن تقدم نفسها كشريك قادر على المساهمة في حل المشكلات الإقليمية والدولية.

خامساً: عودة السفراء.. المؤشر الأوضح على تبدل البيئة الدولية

وفي الخلفية، هناك تطور دبلوماسي لا يقل أهمية: توسع التمثيل الدبلوماسي في دمشق واستقبال سفراء جدد من دول عربية وأوروبية وأميركية لاتينية، إلى جانب تنشيط العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ودول المنطقة.

وهذا يعني أن دمشق تتحول تدريجياً من مدينة كانت محاطة بالعزلة السياسية إلى مركز دبلوماسي يستعيد دوره في المنطقة.

وجود سفراء جدد ليس مجرد إجراء بروتوكولي.

السفير يعني:

اتصالاً سياسياً دائماً، ومصالح اقتصادية، وتعاوناً أمنياً، وفرصاً استثمارية، وقنوات تفاوض، وتبادلاً ثقافياً وعلمياً.

وكلما اتسعت شبكة العلاقات، ازدادت قدرة سوريا على المناورة وبناء الشراكات وتحقيق مصالحها الوطنية.

سادساً: الصورة الكبرى.. هذه ليست عودة سياسية فقط

إذا جمعنا هذه التطورات معاً، فإننا أمام مسار متكامل:

الدبلوماسية → المؤسسات الدولية → الاقتصاد → التكنولوجيا → العلم → الطاقة → الزراعة → الصحة → الاستثمار.

انضمام سوريا إلى منظمة التعاون الرقمي يعيدها إلى الاقتصاد الرقمي.

ورئاسة اللجنة العربية للأرصاد الجوية تعيدها إلى العمل العلمي العربي.

والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يفتح الباب أمام طي ملفات الماضي وبناء علاقة قائمة على الشفافية، مع إمكانية تطوير الاستخدامات السلمية للتقنيات النووية.

والمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة تعيد سوريا إلى قلب الدبلوماسية متعددة الأطراف.

وعودة السفراء تعني عودة قنوات التواصل الدولي.

وهكذا يصبح مفهوم “عودة سوريا إلى العالم” أكثر من مجرد شعار.

المطلوب الآن: تحويل الانفتاح إلى استراتيجية دولة

لكن الانفتاح الدولي وحده لا يكفي.

الفرصة التاريخية أمام سوريا اليوم هي تحويل هذا الانفتاح إلى استراتيجية وطنية متكاملة.

فعضوية منظمة التعاون الرقمي يجب أن تنتج قطاعاً رقمياً قادراً على المنافسة.

ورئاسة اللجنة العربية للأرصاد يجب أن تتحول إلى مشروع علمي عربي تستفيد منه سوريا.

والتعاون النووي يجب أن يقوم على أعلى درجات الشفافية، مع بناء برنامج سلمي يخدم الطب والزراعة والصناعة والطاقة.

والحضور في الأمم المتحدة يجب أن يتحول إلى شراكات سياسية واقتصادية وتنموية.

والانفتاح الدبلوماسي يجب أن يتحول إلى استثمارات ومشاريع واتفاقيات ونقل للتكنولوجيا.

وهنا تحديداً تظهر مسؤولية الحكومة السورية.

فالعالم قد يفتح الأبواب، لكن سوريا هي التي يجب أن تدخل منها.

الخلاصة: سوريا تستعيد حقها في أن تكون دولة فاعلة

ما يجري اليوم يمكن قراءته باعتباره مرحلة جديدة في تاريخ سوريا الحديث.

فبعد سنوات من العزلة والصراع وتراجع المؤسسات، بدأت سوريا تستعيد تدريجياً حضورها في المنظمات العربية والدولية، وتعيد بناء علاقاتها الدبلوماسية، وتفتح ملفات العلم والتكنولوجيا والطاقة، وتبحث عن موقع لها في الاقتصاد العالمي الجديد.

والأهم أن هذه العودة يجب ألا تكون عودة إلى الماضي، بل عودة إلى المستقبل.

سوريا الجديدة لا تحتاج فقط إلى أن تستعيد مقعدها في المنظمات الدولية، بل تحتاج إلى أن تستعيد قدرتها على إنتاج المعرفة، والتكنولوجيا، والطاقة، والغذاء، والخدمات، والاستثمار.

ومن هنا يمكن فهم أهمية هذه التطورات المتزامنة.

فـ منظمة التعاون الرقمي، والجامعة العربية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والأمم المتحدة، والسفارات الأجنبية، كلها مسارات مختلفة تقود إلى هدف واحد: إعادة بناء سوريا كدولة منفتحة، ذات سيادة، مؤسساتية، علمية، وقادرة على التعاون مع العالم.

وإذا نجحت دمشق في إدارة هذا التحول بذكاء، فإن أكبر إنجاز لن يكون فقط إنهاء عزلة سوريا، بل تحويل الانفتاح الدولي إلى قوة تنموية حقيقية تعيد بناء الدولة والاقتصاد والإنسان السوري.

سوريا لا تعود إلى العالم كي تكون متلقية للمساعدات فقط.

سوريا تعود كي تكون شريكاً.