شهدت بلدة بيت جن في ريف دمشق واحدة من أكثر العمليات الإسرائيلية المباشرة والدموية منذ سنوات، إذ نفذت قوات من الفرقة 210 عملية توغل برية محدودة داخل محيط البلدة، وذلك في فجر الثامن والعشرين من تشرين الثاني، تحت غطاء جوي كثيف، استهدفت خلالها منازل سكنية داخل منطقة مأهولة، ما أدى إلى استشهاد قرابة 13 مدنيا وإصابة العشرات، بينهم أطفال ونساء.
كما تعرضت مداخل البلدة المنكوبة لقصف إسرائيلي متواصل منع دخول فرق الإسعاف لساعات، ما ضاعف من حجم الكارثة.
وفي السياق الميداني للعملية الأمنية، ادعت إسرائيل أنها توغلت لاعتقال ثلاثة شبان من المنتمين لـ “الجماعة الإسلامية” في بيت جن، وتقدمت لتنفيذ المهمة قوة من لواء المظليين الاحتياطي، وبعد “نجاحهم في تنفيذ مهمتهم”، والانسحاب من البلدة، تفاجأت قوات اللواء بوابل من الرصاص عن قرب، مصدره الأهالي، أدى إلى إرباك الجنود وتشتتهم، وتعطل العربة المصفحة التي تقلهم، ما جعل الاشتباك يأخذ وقتا أطول، استمر لساعتين، خلالها استغاثت القوات الإسرائيلية بسلاح الجو والمدفعية لتحفيف الضغط عنهم، وإجبار الأهالي على التراجع.
إعادة لرسم قواعد الاشتباك
برغم الرواية غير المقنعة للحكومة الإسرائيلية للعملية على أنها “عملية أمنية خاصة” تستهدف عناصر من ما سمتهم “الجماعة الإسلامية”، فإن طبيعة الهجوم من حيث عمقه الجغرافي، والقوة المستخدمة، ونتائجه على المدنيين، تكشف بوضوح أنه يتجاوز الإطار الأمني الضيق ليشكل محاولة ممنهجة لإعادة رسم قواعد الاشتباك جنوب سورية، وفرض معادلة جديدة في محيط الجولان المحتل.
كما تبين القراءة الأولية للحادثة أن إسرائيل تسعى إلى إعادة هندسة قواعد الاشتباك جنوب سورية عبر استخدام مزيج من العمليات البرية والضربات الجوية، بهدف فرض واقع أمني متحرك يمنع أي بنية مسلحة حتى لو كانت محدودة من الاقتراب من محيط الجولان.
توقيت حساس للانتهاك
تأتي العملية في لحظة حساسة بالنسبة لدمشق، وذلك بعد عام من التحول السياسي واسقاط نظام الأسد البائد، وتزامنا مع تصاعد التوتر في الجبهة الشمالية مع ميليشيات حزب الله، ما يجعل الجنوب السوري في هذا التوقيت أكثر عرضة لتحوّلات ميدانية ترتبط بمسار الصراع الإقليمي وبتوازن القوى الموجودة، وهذا يجعل العدوان الإسرائيلي بيت جن اختبارا مركبا لقدرة الدولة السورية الجديدة على ضبط مناطق الحدود، وقياس استعدادها لصياغة منظومة ردع تمنع توغلات مشابهة في المستقبل.
فشل أمني إسرائيلي
لم تكن العملية الأمنية الإسرائيلية في بيت جن، بمنطقة جبل الشيخ، كما غيرها في الجنوب السوري، إذ إن الجيش الإسرائيلي، وللمرة الأولى منذ سقوط الأسد، دفع ثمنا ليس قليلا لدخوله في عمق الأراضي السورية، وهو ما لم تعتد عليه القوات المتوغلة خلال عملياتها الأمنية والاستطلاعية قرابة الـ 11 شهرا الماضية، إذ أسفرت العملية العسكرية في بيت جن عن إصابة ستة جنود إسرائيليين، بينهم ضباط، بجروح بالغة، وتدمير عربة “همر” تابعة لهم.
وبالتوازي، فقد شكلت حادثة بيت جن حرجا عسكريا إسرائيليا بعد الإصابات البالغة للجنود داخل الأراضي السورية، إضافة إلى أنها كشفت وجود بلدات مسلحة جاهزة للاشتباك في أي لحظة مع القوات المتوغلة، ما يثير القلق الإسرائيلي على القاعدة العسكرية في قمم جبل الشيخ، وإمكانية حدوث مثل هكذا أمر في درعا والقنيطرة، وإمكانية استغلال هذه الحادثة من أطراف خارجية، وتغذيتها بشكل أكبر للجم التقدم الإسرائيلي في الجنوب السوري، والضغط عليه.
رسائل إقليمية خلف العملية
ترسل العملية الإسرائيلية في بيت جبن، رسائل إقليمية موجهة إلى إيران وميليشيات حزب الله والميليشيات العراقية المرتبطة بطهران، في ظل تصاعد التوتر على الجبهة الشمالية لها، مفادها أن الجنوب السوري لن يكون منطقة آمنة لأي نشاط ينظر إليه باعتباره تهديدا مباشرا لأمن لإسرائيل.
كما تستغل تل أبيب وحكومة نتنياهو تحديدا، اللحظة الإقليمية الراهنة باعتبارها إطار زمني مناسب جدا لفرض وقائع ميدانية جديدة، في ظل انشغال القوى الدولية بأزمات أخرى، وضعف الضغط والحراك السياسي الفعلي على حكومة نتنياهو، وغياب ردع فعال يقيد تحركات إسرائيل العسكرية المتزايدة والمتكررة منذ سقوط النظام البائد في 8 ديسمبر الماضي.
ومن زاوية أخرى، تمثل العدوانات الإسرائيلي اختبارا مزدوجا للدولة السورية من حيث قدرتها على حماية المناطق الحدودية، ومن حيث جاهزيتها لتثبيت قواعد ردع تمنع تكرار هذا النمط من التوغلات، سيما في ظل الحديث والتسريبات عن إحداث قاعدة أمريكية في الجنوب السوري، وانتشار محتمل للشرطة العسكرية الروسية في هذه المناطق.
وتواجه إسرائيل احتمالين لاحتواء الحادث الذي جرى في بيت جن بمنطقة جبل الشيخ، الأول: إعادة تقييمها الأمني وشن عمليات عسكرية وتوغلات مكثفة في قرى جبل الشيخ، كإجراءات وقائية للمناطق القريبة من قاعدتها، وهو ليس بالحل الأمثل لها إذ يمكن أن يكون إجراء مؤقتا، أو احتمال ثان: يتعلق بالدفع قدما تجاه تنفيذ الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل، وتكون فيه دمشق وموسكو الضامن الرئيسي لأمان الجنوب، والقاعدة العسكرية في جبل الشيخ والتي لا تريد أن إسرائيل لن تتنازل عنها على الإطلاق في ظل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية.


