تجاوزت الهطولات المطرية في المنطقة الساحلية هذا العام كافة المعدلات التاريخية المسجلة، مما أدى إلى تدفق مياه النهر الكبير الشمالي بريف اللاذقية خارج ضفافه ليغمر الأراضي المحيطة بمساره. ورغم ما تثيره الفيضانات عادة من مخاوف، إلا أن سكان القرى الممتدة من وطى الخان وصولاً إلى جبل النوبة وسلمى وحكرو استقبلوا هذا الحدث بارتياح واسع، نظراً للأهمية الاستراتيجية لهذه المياه في إنهاء حقبة من الجفاف أرهقت التربة والمزارعين على حد سواء.
لم يكن هذا الفيضان بالنسبة للأهالي مجرد ارتفاع في منسوب المياه، بل استجابة طبيعية لسنوات من الشح المائي، حيث ساهم في تعويض النقص الحاد في الينابيع المحلية المحدودة التي كانت تعجز عن تلبية احتياجات الري خلال فصل الصيف.
إن وصول المياه إلى هذه المساحات الواسعة يضمن استعادة التوازن الحيوي للتربة ويوفر مخزوناً جوفياً كافياً، مما يمهد الطريق لموسم زراعي وفير يعيد للمنطقة إنتاجيتها المعهودة بعد فترة طويلة من الاعتماد على مصادر مائية غير كافية.
ذاكرة الأرض
لطالما خاض المزارعون في قرى الريف الشمالي صراعاً مريراً مع محدودية الموارد المائية، حيث تظل الينابيع المتوفرة في تلك التضاريس الجبلية والمنحدرات غير كافية لإرواء المساحات الشاسعة أو تشبيع التربة في أعماقها بما يضمن بقاء الأشجار مثمرة. وجاء فيضان النهر الكبير الشمالي ليكون المنقذ الطبيعي، إذ توغلت المياه في مسام الأرض لتعيد إحياء الخزانات الجوفية وتغسل التربة من الأملاح المتراكمة.
غسلة للقلوب والتراب
في جولة استطلاعية لشبكة “سيريا مورس” الإخبارية رصدت خلالها آراء أهالي ريف اللاذقية حول تدفق السيول وتفجر الينابيع، لم تكن ملامح الخوف من “الفيضان” هي السائدة، بل غلبت عليها مشاعر الامتنان والاستبشار بموسم زراعي واعد.
بخبرة السنين وحكمتها، أشار الحاج أبو محمد أحد كبار مزارعي منطقة حكرو إلى أن هذا المشهد المائي الذي قد يراه البعض “فيضاناً مخيفاً”، يراه الفلاحون غسلةً للقلوب والتراب.
ولفت أبو محمد إلى أنهم واجهوا أياماً صعبة كانوا يقتصدون فيها بقطرات الينابيع التي لم تكن تروي ظمأ الشجر، مؤكداً أنهم اليوم على موعد مع صيف أخضر بامتياز، لاسيما وأن المياه غمرت وروت كل شبر من أراضيهم.
تحالف الأرض مع صاحبها
يرسم تدفق مياه النهر فوق أراضي جبل النوبة لوحة من الطمأنينة في نفوس المزارعين، الذين يرون في هذه الغزارة ضمانة لموسم وفير يعيد للأرض حيويتها، مؤكدين أن التربة التي ترتوي حتى التشبع لا تخذل صاحبها بل ترد العطاء أضعافاً عند الحصاد. ويترافق هذا الشعور مع تطلعات واسعة لأهالي منطقتي سلمى وحكرو نحو التوسع في زراعة الأشجار المثمرة والخضروات الصيفية، استناداً إلى قناعة راسخة بأن جودة ومذاق ثمار التربة الفيضية تتفوق بمراحل على تلك التي تعتمد على الري الصناعي، مما يجعل من هذا العام محطة حقيقية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من أصناف الفواكه التي كانت تتطلب سابقاً تكاليف ري باهظة ورعاية استثنائية.
وفي قرية وطى الخان وضع الصحفي حميشة حميشة النقاط على الحروف لمواجهة موجة التهويل الإعلامي التي صاحبت الفيضان، موضحاً أن المشهد الميداني يختلف جملة وتفصيلاً عما روجت له بعض المنصات الباحثة عن الأزمات. مؤكداً أن المحاصيل القائمة لا تزال في حالة ممتازة، كما ظل قطاع المواشي، الذي يمثل العصب الحيوي لمعيشة السكان، بعيداً عن دائرة الخسائر الحقيقية.
وأشار حميشة إلى أنه على الرغم من وقوع بعض الحوادث العرضية التي تمثلت في جرف المياه لسيارات كانت مركونة في منخفضات قريبة من المجرى، مبيناً أن تكاتف المجتمع المحلي وشهامة الشباب جنباً إلى جنب بالإضافة إلى التدخل الاحترافي والسريع لرجال الدفاع المدني، ساهم في استعادة الممتلكات بأقل الأضرار. والمفارقة الجميلة تكمن في موقف أصحاب تلك السيارات أنفسهم، الذين قابلوا الموقف برضا تام، إدراكاً منهم بأن هذه الحوادث ليست إلا ضريبة بسيطة مقابل الخير الوفير التي ستطرحها الأرض في شتى أرجاء القرية.
الذهب الطيني المتجدد
وفي السياق نفسه أشار المهندس الزراعي الدكتور باسل العلي إلى رؤيته التحليلية المعمقة حول الجدوى الاقتصادية والبيئية لهذا الفيضان، موضحاً أن هذا الموسم يحمل بشائر خير، لاسيما لمحصول الزيتون الذي يعتبر الهوية البصرية والاقتصادية لريف اللاذقية. مبيناً أن ما قام به النهر هو عملية “تخصيب طبيعية” واسعة النطاق، حيث نقلت التيارات المائية وترسبت في الأراضي المستوية كميات هائلة من المواد الطينية والرملية الدقيقة الغنية بالعناصر الكيميائية والمواد العضوية المتفسخة.
لافتاً إلى أن هذه الترسبات، التي يطلق عليها علمياً “التربة الفيضية” وتعرف في الموروث الشعبي للمنطقة باسم “اللحقيات” تشكل طبقة سميكة من الطين الداكن الذي يعمل كإسفنجة مغذية للجذور.
وبين الدكتور العلي أن هذه العملية تتم عبر آليات طبيعية معقدة تساهم في تجديد خصوبة الأراضي المنهكة، مضيفاً أن مع انحسار المياه تتبقى هذه الطبقة لتشكل مهداً مثالياً للبذور، مما يقلل بشكل كبير من حاجة المزارعين للأسمدة الكيماوية التي باتت أسعارها تشكل عبئاً ثقيلاً على كاهل المنتج.
استراتيجيات الاستثمار الزراعي للمرحلة القادمة
وأكد الدكتور العلي أن المرحلة التي تلي انحسار مياه الفيضان هي المرحلة الأهم، حيث تتحول الأراضي إلى مناجم من الخصوبة الجاهزة للاستثمار. مشيراً إلى ضرورة التحرك السريع لاستغلال هذه الرطوبة العالية والمغذيات المتوفرة. خاصة وأن التربة التي سقاها النهر الكبير الشمالي باتت اليوم مؤهلة لزراعة محاصيل متنوعة، وعلى رأسها القمح والشعير التي ستنمو بقوة ومقاومة عالية للأمراض.
تكامل الوعي الشعبي والعمل المؤسساتي
يعكس فيضان النهر الكبير الشمالي صورة ناصعة لعمق الارتباط بين الإنسان وأرضه في ريف اللاذقية، حيث تحولت غزارة المياه من تحدٍ لوجستي إلى بشارة خير استقبلها الأهالي بوعي جمعي لافت.
هذا المشهد لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل تجسيد لحالة من التكاتف المجتمعي الذي يدرك قيمة الموارد المائية في صياغة مستقبل زراعي واعد، محولاً “فورة” النهر إلى طاقة إيجابية تسري في عروق القرى والبلدات.
إن تدفق الخير في مناطق وطى الخان وجبل النوبة يؤكد أن الأرض السورية لا تزال تختزن في باطنها الكثير من العطاء لأبنائها الصامدين، وأن هذه الوفرة المائية هي بمثابة شريان حياة جديد يغذي التربة ويعد بمواسم استثنائية.
إذ تتجاوز أهمية هذا الفيضان حدود اللحظة الراهنة، لتضعنا أمام مسؤولية استثمار هذه النعمة في تعزيز الأمن الغذائي المحلي وتطوير الواقع الزراعي في المنطقة. فالمياه التي غمرت المساحات الخضراء اليوم هي ذاتها التي ستتحول غداً إلى محاصيل وفيرة وخيرات تعم أرجاء الريف، مما يساهم في دفع عجلة الاقتصاد المنزلي وتحسين جودة الحياة للأسر الفلاحية. بالإضافة إلى أن استدامة هذا الخير يتطلب استمرار روح التعاون والمبادرة التي أظهرها المجتمع المحلي، لتبقى المواسم الماطرة ركيزة أساسية في بناء مستقبل مزدهر، يترجم صمود الأرض إلى رخاء ملموس يطرق باب كل بيت، معلناً بداية عهد جديد من الخصوبة والنماء لا يعرف الكلل.


