الرئيسيةسورياملف ميليشيات "قسد" .. تحديات كبيرة قد تشي بعمل عسكري محتمل

ملف ميليشيات “قسد” .. تحديات كبيرة قد تشي بعمل عسكري محتمل

شهدت الأيام الأخيرة عودة ملف إدماج ميليشيات “قسد” إلى دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي، على خلفية تصريحات تركية بهذا الاتجاه وتفاعلات سياسية وأمنية متزامنة.

وقد ترافق ذلك مع نقاشات كبيرة حول طبيعة مسار الإدماج وإيقاعه الزمني، ولا سيما ما يتعلق بفرضية الاندماج الفردي السريع داخل المؤسسة العسكرية السورية.

غياب آليات تنفيذ اتفاق العاشر من مارس

تشير المعلومات إلى أن الاتفاق المعلن بين الحكومة السورية و ميليشيات “قسد” في العاشر من مارس 2025 أسس لمبدأ دمج المؤسسات المدنية والعسكرية ضمن بنية الدولة، دون أن يقدم آليات التنفيذ سوى عبر لجان مشتركة، وعليه، فإن توصيف هذا المسار لا يعكس بدقة مستوى التعقيد السياسي والأمني الذي يحيط به، ولا يأخذ في الاعتبار تداخل العوامل الداخلية والإقليمية المؤثرة فيه.

وبالرغم من جهود دمشق الكبيرة ومحاولاتها العديدة للوصول إلى مسار مقنع لقيادات ميليشيات “قسد” يفضي إلى اندماج سلس يحظى بمباركة وطنية وعربية ودولية، إلا أن تمترس هذه القيادات خلف أفكارها الشوفينية يعيق أي تقدم ملموس في هذا الاتجاه.

توجه دولي نحو إلغاء دور الكيانات الموازية

يأتي تجدد النقاش حول إدماج ميليشيات “قسد” في سياق تحولات إقليمية ودولية أوسع، ترتبط بمساعي إعادة تثبيت الاستقرار، وإعادة بناء السلطة المركزية، وإنهاء حالة الكيانات الموازية والتعدد العسكري خارج الأطر الرسمية للدولة السورية.

كما تزداد حساسية هذا الملف لكونه يتقاطع مع قضايا السيادة، وترتيبات الأمن المحلي، وإدارة الموارد الاقتصادية للدولة، والتي تحتلها هذه الميليشيات منذ عقد من الزمان، فضلا عن طبيعة الانخراط الدولي في مناطق شرق الفرات.

وضمن هذا الوضع، تؤكد دمشق تمسكها بمبدأ وحدة المؤسسة العسكرية ورفض وجود هياكل مسلحة مستقلة، مع إقرار ضمني بالحاجة إلى ترتيبات انتقالية تخفف مخاطر الفراغ الأمني أو الصدام الواسع.

في المقابل، تدعي ميليشيات “قسد” وجود اعتبارات تتعلق باستمرارية الإدارة المدنية والأمنية المحلية، وبمخاوف مرتبطة بمصير القيادات والعناصر وآليات المساءلة، إضافة إلى الحفاظ على مستوى من الصلاحيات الإدارية خلال المرحلة الانتقالية.

دور أمريكي – تركي محوري

تلعب تركيا دورا فاعلا في هذا الملف انطلاقا من اعتبارات أمنية مرتبطة بحدودها الجنوبية، وتدفع باتجاه صيغة إدماج تنهي أي قيادة عسكرية قسدية تهدد أمنها القومي وتدعم المشاريع الإنفصالية التي تؤرقها.

أما الولايات المتحدة، فتركز في خطابها الرسمي على وحدة سوريا واستقرارها، وأكدت في أكثر من مرة عبر السفير توم براك على تباطىء واضح وملموس من قبل ميليشيات” قسد” في تنفيذ اتفاق العاشر من مارس، منوهة بإن سوريا لن تكون سوى موحدة وبلا فدرالية ، وان جميع الطرق تؤدي إلى دمشق وأن الحكومة يجب أن تكون واحدة وكذلك الجيش والقوات المسلحة.

ولكن واشنطن لم تقدم تصور تفصيلي حاسم لنموذج الإدماج، في ظل تراجع مستوى انخراطها المباشر، إلا أنها تدعم بذات الوقت مسار تفاوضي يفضي إلى بسط سلطة الدولة وتقليل احتمالات التصعيد العسكري، مع قبول صيغ مرحلية طالما أنها تقود إلى نتيجة نهائية واضحة.

فرص متاحة

تتوافر مجموعة من العوامل التي قد تسهم في تهيئة بيئة مواتية لمسار الإدماج، من أبرزها وجود اتفاق إطار سياسي يشكل مرجعية أولية، وإدراك الأطراف المعنية للكلفة العالية للجمود أو التصعيد، إضافة إلى حاجة ميليشيات “قسد” إلى تسوية تضمن استمرارية الإدارة المدنية، ورغبة الحكومة السورية باستعادة السيطرة المؤسسية دون الانجرار إلى صراع مفتوح.

كما أن تفضيل أطراف إقليمية ودولية الحفاظ على الاستقرار، ولو بصيغ انتقالية، يفتح المجال أمام حلول مرحلية تقلل المخاطر وتسمح ببناء الثقة تدريجيا، خاصة إذا ما اقترنت بحوافز اقتصادية وخدمية تعزز القبول المحلي.

تحديات كبيرة ضمن الملف

على الرغم من توافر عناصر تدفع باتجاه مسار إدماج تدريجي، يواجه هذا الملف مجموعة معقدة من المعوقات البنيوية والسياسية، حيث تقيد الانقسامات الداخلية ضمن بنية ميليشيات “قسد” قدرة القيادة على اتخاذ قرارات نهائية وملزمة، حيث تتعايش تيارات متباينة في مقاربتها للعلاقة مع دمشق، ما يرفع احتمالات التباطؤ أو الالتزام الجزئي.

كما أن وجود التيار القنديلي المتحكم بالقوة العسكرية والأمنية والذي يمثل الذراع العسكري لحزب ال “بي كي كي” الإرهابي عائق هام تحقيق خطوات نوعية في مسار الدمج، خصوصا أنه مرتبط بشكل كبير بالقيادة الإيرانية التي خسرت نفوذها كاملا في سوريا بعد الإطاحة بنظام الأسد البائد من قبل السلطات الجديدة.

وبالتوازي فإن الفكر الموجود لدى هذه القيادات والتي تحمل مشروعا عابرا للدولة والحدود، يمثل صعوبة كبيرة في تحديده أو التعامل معه في ظل تمترسه بالسلاح وتفرعاته الكبيرة داخل القيادات الأمنية والعسكرية.

إضافة إلى ذلك، يشكل التباين الإقليمي حول نموذج الإدماج عامل ضغط إضافي، ولا سيما بين الرؤية التركية التي تميل إلى إنهاء أي بنية عسكرية قسدية موحدة، وغياب رؤية أمريكية، وضبابية قسدية للوصول لصيغ انتقالية مرنة.

ومن المرجح أن يتطور ملف إدماج ميليشيات “قسد” ضمن الأيام القريبة وذلك مع نهاية المهلة الزمنية المحددة حتى نهاية العام الحالي.

ومع صعوبة إمكانية القيام بخطوات حثيثية بهذا الملف قبل انتهاء المدة الزمنية لاتفاق العاشر من مارس، فإن التحركات العسكرية التركية السورية تشي بالقيام بعمل عسكري يلوح بالآفق مع غياب التصور عن حجمه ومدته.

عبد الله الحمد
عبد الله الحمدhttps://syriamorse.com/author/abdullah-al-hamad/
صحفي ومحلل سياسي – دمشق، سوريا صحفي محترف بخبرة تتجاوز 15 عاماً في العمل الإعلامي وتغطية الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. حاصل على إجازة في الإعلام من جامعة دمشق وعضو في اتحاد الصحفيين في سوريا. عمل في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وقناة الإخبارية السورية، حيث شغل مناصب تحريرية وإنتاجية منها رئيس تحرير نشرات الأخبار ورئيس قسم المراسلين، وقام بإعداد وتحرير الأخبار والتقارير التلفزيونية وإدارة فرق العمل الصحفي. شارك في تغطية أحداث محلية وإقليمية كمراسل ومحرر، وتميز بقدرته على جمع المعلومات من المصادر الميدانية، والتحقق من دقتها، وصياغتها بشكل موضوعي يلبي المعايير المهنية. تعاون مع وسائل إعلام عربية ودولية كـ BBC، سكاي نيوز، العربية، الشرق للأخبار، والحدث، ويواصل نشاطه الصحفي لتقديم محتوى إخباري وتحليلي موثوق .
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

مقالات أخرى للكاتب