مع اتساع الحرب ضد إيران وامتداد التوتر إلى أكثر من ساحة في المنطقة وصولا إلى الخليج، برزت حقيقة لافتة تمثلت في بقاء سوريا خارج دائرة الانخراط المباشر. ولم يكن ذلك مجرد تفصيل عابر في مشهد إقليمي مشتعل، بل بدا أقرب إلى نتيجة مسار سياسي واستراتيجي تشكل بهدوء خلال الأشهر الماضية، وأنتج واقعا جديدا مفاده أن سوريا لم تعد مطروحة، في الحسابات الأمريكية، كساحة إضافية للحرب.
فالمراجعة الدقيقة لما سبق اندلاع المواجهة تكشف أن واشنطن كانت تدفع في اتجاه مختلف تماما. فقد شهدت الساحة السورية انسحابا أمريكيا متسارعا من عدد من المواقع داخل البلاد، وترافق ذلك مع حديث متصاعد عن تبادل البعثات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات، إلى جانب تحرك سياسي واقتصادي أكثر تركيزا، تصدره ملف الطاقة وموقع سوريا المحتمل في التوازنات الإقليمية الجديدة. وضمن هذا السياق، لم تعد سوريا تقرأ فقط بوصفها ملفا أمنيا أو عسكريا، بل كدولة يجري إعدادها لتكون جزءا من معادلة أوسع ترتبط بالاستقرار، والربط الإقليمي، وإعادة ترتيب النفوذ.
وقد تجلى هذا التحول بوضوح في اجتماع الطاقة الذي عقد في واشنطن، حين تحدث توم باراك عن سوريا ليس فقط كدولة تتعافى من سنوات الحرب، بل كمسار استراتيجي يمكن أن يشكل طريقا للطاقة نحو البحر المتوسط. وهذا الطرح لا يضع سوريا في إطار التنمية فقط، بل في إطار إعادة رسم خرائط النفوذ والربط الإقليمي وممرات الطاقة في الشرق الأوسط. وعندما يصدر هذا التصور من داخل اجتماع بهذا المستوى، فإن ذلك يعني أن الاستقرار السوري لم يعد شأنا محليا فحسب، بل تحول إلى عنصر داخل رؤية أمريكية أوسع تربط بين الأمن والطاقة وبين إعادة بناء سوريا وإعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية المحيطة بها.
وقال المحامي والمستشار السياسي اسماعيل باقر، من واشنطن:
“حين تتحدث واشنطن عن سوريا بوصفها طريقا للطاقة نحو البحر المتوسط، فهي لا تقدم توصيفا جغرافيا فحسب، بل تكشف عن وظيفة استراتيجية جديدة يجري إعداد سوريا لتؤديها في المرحلة المقبلة.”
من هنا، يصبح مفهوما لماذا كان إبقاء سوريا بعيدة عن الحرب هدفا قائما بذاته. فالمطلوب لم يكن جر دمشق إلى المواجهة، بل حماية المسار الذي بدأ يتشكل داخلها. كان المطلوب تثبيت سوريا الجديدة، سوريا الاستقرار والانفتاح والشراكات وإعادة التموضع الإقليمي، لا بوصفها ساحة استنزاف جديدة قابلة للاشتعال في أي لحظة.
غير أن التهديد الإيراني الأخير باستهداف مواقع في دمشق، بينها فندق الفورسيزونز وفندق الشيرتون ومجمع القصر الجمهوري، أضفى بعدا أكثر وضوحا على هذه القراءة. فالتهديد لا يعكس فقط تصعيدا عسكريا أو رسالة ردع ظرفية، بل يكشف أيضا أن طهران لم تعد تنظر إلى سوريا بوصفها دولة محايدة على هامش الصراع، وإنما بوصفها جزءا من معادلة استراتيجية بدأت تمس مصالحها المباشرة. وعندما تنتقل لغة التهديد إلى قلب العاصمة السورية، فإن ذلك يعني أن ما يتشكل في سوريا بات يقرأ إيرانيا باعتباره مسارا كاملا، لا مجرد موقف سياسي آني.
وفي العمق، يصعب فصل هذا القلق الإيراني عن ملف الطاقة. فإيران تدرك تماما أنها تتقاسم مع قطر واحدا من أهم الاحتياطات الغازية المشتركة في العالم، كما تدرك في الوقت نفسه أن الدوحة تمتلك قدرة أكبر على التصدير والانفتاح على الأسواق الدولية، في حين تبقى طهران مقيدة بالعقوبات وبالمحددات التقنية والبنيوية. وفي حال استمرت سوريا في التوجه نحو الاستقرار والانفتاح على الخليج وبناء شراكات جديدة مع الغرب، فإنها قد تتحول مستقبلا إلى حلقة محورية ضمن معادلة طاقة جديدة تمنح الغاز القطري وزنا أكبر، وتفتح المجال أمام مسارات أوسع نحو المتوسط وأوروبا.
وهنا تحديدا يتضح أحد أعمق أبعاد القلق الإيراني. فأي دور سوري في ترجيح الكفة الاستراتيجية للغاز القطري لا يعني فقط مكسبا اقتصاديا جديدا لدمشق، بل يعني أيضا تقليص قدرة إيران على تحويل موقعها الطاقوي إلى نفوذ سياسي وإقليمي طويل الأمد. ومع تراجع قدرة روسيا بدورها على احتكار التأثير الطاقوي في السوق الأوروبية، تزداد أهمية سوريا المستقرة بوصفها جزءا من تحول جيوسياسي أوسع، لا مجرد دولة تحاول الخروج من آثار الحرب.
وقال المستشار باقر:
“التهديد الإيراني لدمشق لا ينبغي قراءته فقط بوصفه رسالة عسكرية، بل بوصفه أيضا تعبيرا عن قلق أعمق من موقع سوري جديد قد يعيد توزيع النفوذ في المنطقة، خصوصا إذا ارتبط الاستقرار السوري بممرات الطاقة والشراكات الخليجية والغربية.”
وعلى هذا الأساس، لا يبدو التهديد الإيراني لدمشق منفصلا عن حقيقة أن سوريا تتقدم نحو موقع مختلف في الإقليم. موقع لا يخدم فقط مصلحة السوريين في الاستقرار والازدهار، بل يخدم أيضا مصلحة أمريكية واضحة ترى أن سوريا المستقرة والمنفتحة والمرتبطة بمشاريع الطاقة والشراكات الإقليمية أكثر جدوى بكثير من سوريا الغارقة في الفوضى أو التابعة لمحاور الصراع.
وفي ضوء ذلك كله، تبدو صورة المرحلة أكثر تماسكا: تحييد سوريا عن الحرب لم يكن موقفا مؤقتا أو قرارا ظرفيا، بل جزءا من تصور أوسع لما بعد الحرب. تصور يقوم على أن سوريا يجب أن تدخل مرحلة جديدة من السلام والازدهار والصعود الاستراتيجي، وأن تتحول من ساحة نزاع مفتوحة إلى نقطة ارتكاز في المنطقة.
بهذا المعنى، لم تكن سوريا خارج المشهد، بل كانت محمية من الانزلاق إليه، لأن المطلوب لها لم يكن الغرق في الحرب، بل أن تصبح طريقا للاستقرار، وطريقا للطاقة، وطريقا لمرحلة جديدة في الشرق الأوسط.


