سوريا

من الشارع السوري إلى العالم : احتجاجات الجنوب واختبار السيادة والدبلوماسية في سوريا الجديدة

تحميل المقال PDF
من الشارع السوري إلى العالم : احتجاجات الجنوب واختبار السيادة والدبلوماسية في سوريا الجديدة
شبكة سيريا مورس الإخبارية

Morse AI

ملخص واستماع ذكي للمقال

الصوت مولّد بالذكاء الاصطناعي وليس صوتاً بشرياً.
لم تكن الوقفات الاحتجاجية التي شهدتها مدن سورية عدة في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تضامناً مع أهالي القنيطرة ودرعا ورفضاً للتوغلات الإسرائيلية المتكررة، مجرد تعبير عن الغضب الشعبي إزاء الاعتداءات والانتهاكات، بل حملت رسائل سياسية تتجاوز حدود الجنوب السوري، لتصل إلى دمشق وواشنطن والعواصم المعنية بمستقبل الاستقرار في المنطقة.

وجاءت هذه التحركات بعد تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا، وفي أعقاب تقارير إعلامية سورية تحدثت عن مقتل مدني من ذوي الإعاقة خلال توغل إسرائيلي في قرية جملا بريف درعا. وشهدت الاحتجاجات تجمعات في القنيطرة ودرعا ودمشق وحمص ومناطق سورية أخرى، رفع المشاركون خلالها شعارات تؤكد وحدة الأراضي السورية، وتطالب بوقف التوغلات والإفراج عن المعتقلين الذين احتُجزوا خلال التوغلات، إذا ثبتت هذه الحالات واحترام السيادة الوطنية.

تكمن أهمية هذه الاحتجاجات في أنها تضع المجتمع السوري أمام معادلة واضحة: كيف يمكن الحفاظ على فرصة السلام والاستقرار من دون القبول بتحويل الانتهاكات المتكررة إلى واقع أمني دائم على الأرض السورية؟

أولاً: رسالة الشارع.. السلام لا يعني التنازل عن السيادة

تحمل الاحتجاجات رسالة داخلية وخارجية في آن واحد. فعلى المستوى الداخلي، تعكس تضامناً بين السوريين مع سكان الجنوب، وتؤكد أن ما يحدث في القنيطرة ودرعا ليس قضية محلية تخص المناطق الحدودية وحدها، بل قضية وطنية ترتبط بوحدة الأراضي السورية وحق المواطنين في الأمن والاستقرار.

أما على المستوى الخارجي، فإن خروج المواطنين إلى الشوارع يعبّر عن رفض استمرار العمليات العسكرية والتوغلات والاعتقالات التي تؤثر في حياة السكان وممتلكاتهم، ويطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه حماية المدنيين واحترام القانون الدولي.

ولا ينبغي قراءة هذه الاحتجاجات باعتبارها رفضاً لمبدأ التفاوض أو تسوية النزاعات بالوسائل الدبلوماسية. بل يمكن فهمها بوصفها مطالبة بتحديد الشروط التي تجعل التفاوض مقبولاً ومستداماً: احترام السيادة، ووقف الانتهاكات، وضمان أمن السكان، وعدم فرض وقائع ميدانية من طرف واحد.

وهنا تبرز معادلة أساسية أمام الدولة السورية في المرحلة الحالية: إن السعي إلى السلام لا يفقد معناه عندما يتمسك السوريون بحقوقهم، بل يفقد جدواه عندما يتحول غياب التصعيد إلى مبرر لاستمرار الانتهاكات من دون معالجة سياسية.

ثانياً: واشنطن أمام اختبار المصداقية السياسية

اكتسبت الاحتجاجات أهمية إضافية بسبب توقيتها، إذ جاءت، بحسب ما أُعلن رسمياً، بعد لقاء الرئيس أحمد الشرع بالمبعوث الأمريكي توماس باراك في دمشق يوم 21 تشرين الأول/أكتوبر، وفي أعقاب تصريحات لباراك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة دعا فيها إلى وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا، وأشار إلى إمكانية التوصل إلى تفاهم أمني بين دمشق وتل أبيب.

وفي أعقاب اجتماعه بالرئيس السوري، وصف باراك سوريا بأنها تؤدي دوراً محورياً في تحقيق سلام مستدام، مؤكداً أهمية التنسيق لتعزيز الاستقرار الإقليمي.

لكن استمرار التوغلات، بالتزامن مع هذه التحركات الدبلوماسية، يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة المساعي الأمريكية على ترجمة خطاب الاستقرار إلى نتائج ملموسة على الأرض.

فإذا كانت التصريحات الأمريكية الأخيرة تعكس اعتبار استقرار سوريا مصلحة إقليمية، فإن استمرار العمليات العسكرية داخل أراضيها قد يضعف البيئة اللازمة لتحقيق هذا الهدف، ويزيد الضغوط على الحكومة السورية، ويهدد بتوسيع الفجوة بين التوقعات الشعبية والنتائج الدبلوماسية.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين تصريحات المبعوث الأمريكي وبين وجود سياسة أمريكية ملزمة تضمن وقف العمليات الإسرائيلية؛ فالدعوة إلى التهدئة لا تعني بالضرورة أن واشنطن اتخذت قراراً باستخدام أدوات الضغط المتاحة لديها لتحقيقها.

كما أن الموقف الأمريكي من الجولان السوري المحتل يظل عاملاً مهماً في فهم حدود الدور الأمريكي، إذ لم تتراجع واشنطن عن سياستها المعلنة منذ عام 2019 بشأن الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية التي تدعيها على الجولان.

من هنا، يمكن القول إن الرسالة التي تعكسها هذه الاحتجاجات تجاه الولايات المتحدة لا تقتصر على المطالبة بتصريحات إضافية، بل تمتد إلى الدعوة لتحويل الحديث عن الاستقرار إلى خطوات عملية تمنع التصعيد، وتحمي المدنيين، وتدعم احترام السيادة السورية.

ثالثاً: الحكومة السورية بين التفويض الشعبي ومتطلبات التفاوض

تضع هذه الاحتجاجات الحكومة السورية أمام مسؤولية سياسية ودبلوماسية مزدوجة.

فمن جهة، يتعين عليها الاستجابة لمطالب المواطنين، وتأكيد أن حماية السكان ووحدة الأراضي السورية ليستا موضوعين ثانويين في حسابات السياسة الخارجية.

ومن جهة أخرى، تحتاج دمشق إلى إدارة الملف عبر قنوات التفاوض والاتصالات الدولية، بما يتيح لها تقليل المخاطر الأمنية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة في مرحلة لا تزال فيها الدولة تعمل على تثبيت مؤسساتها وتعافي اقتصادها.

ولا يتناقض المساران بالضرورة. فالتحرك الدبلوماسي يمكن أن يستمد جزءاً من قوته من وضوح المطالب الوطنية، فيما تستطيع الاحتجاجات السلمية أن تضع هذه المطالب في صدارة الاهتمام العام والدولي.

ومن بين الخطوات التي قد تسهم، من منظور تحليلي، في تعزيز هذا المسار: توثيق الانتهاكات والتحقق منها، وتفعيل القنوات الدبلوماسية مع واشنطن والأمم المتحدة، والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، ووقف التوغلات، والتمسك بترتيبات أمنية تحترم السيادة السورية وتوفر ضمانات قابلة للتحقق.

كما أن التواصل مع المجتمعات المحلية في الجنوب والاستماع إلى احتياجاتها ومخاوفها ينبغي أن يشكلا جزءاً أساسياً من أي مقاربة حكومية، لأن السكان الذين يعيشون تحت ضغط العمليات العسكرية هم الأكثر تأثراً بنتائج الاتفاقات الأمنية أو إخفاقها.

إن نجاح الحكومة لا يُقاس بمجرد قدرتها على احتواء الغضب الشعبي، بل بقدرتها على تحويل المطالب الوطنية إلى مسار سياسي يحمي المواطنين ويمنع تكريس الأمر الواقع.

رابعاً: هل تعزز الاحتجاجات الموقف التفاوضي السوري؟

يمكن للاحتجاجات أن تمنح الموقف السوري بعداً إضافياً، إذا جرى التعامل معها بوصفها تعبيراً سلمياً عن مطالب وطنية واضحة، لا باعتبارها بديلاً عن الدبلوماسية أو تفويضاً بالتصعيد العسكري.

فهي تُظهر أن ملف الجنوب لا يقتصر على التفاهمات بين الحكومات، بل يرتبط أيضاً بأمن السكان وحقوقهم وموقف المجتمع السوري من أي ترتيبات مستقبلية.

وفي المفاوضات الأمنية، لا تقتصر الاستدامة على الاتفاق على خطوط انتشار القوات أو آليات المراقبة، بل تشمل أيضاً قدرة الترتيبات على الحد من المخاطر التي يتعرض لها المدنيون، ومنع الاعتقالات والتوغلات المتكررة، وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية إلى المناطق الحدودية.

لكن تحويل الاحتجاجات إلى قوة تفاوضية يتطلب ضبط الخطاب السياسي، وتجنب الدعوات التي قد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب، والتمييز بين المطالب الشعبية المشروعة وبين الحسابات التي قد تحاول توظيف الغضب لتحقيق أهداف أخرى.

ومن المهم كذلك ألا تفترض دمشق أن حجم الاحتجاجات سيؤدي تلقائياً إلى تغيير السياسة الأمريكية أو الإسرائيلية. فالتأثير الدبلوماسي يعتمد على عوامل أخرى، تشمل المصالح الاستراتيجية، وموازين القوى، وأدوات الضغط، ومدى توافر تفاهمات قابلة للتنفيذ.

خامساً: السيناريوهات المستقبلية.. من الاحتواء إلى التصعيد

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية في المرحلة المقبلة:

السيناريو الأول: تقدم المسار الدبلوماسي.

قد تدفع الضغوط الشعبية والتحركات الدولية باتجاه تفاهمات أمنية أكثر وضوحاً، تتضمن الحد من التوغلات، ومعالجة ملف المعتقلين، وتوفير آليات للمتابعة والتحقق. ويتطلب هذا المسار وجود التزامات عملية، لا الاكتفاء بإعلانات سياسية عامة.

السيناريو الثاني: استمرار التفاوض بالتوازي مع الوقائع الميدانية.

قد تستمر الاتصالات السياسية من دون أن تتوقف العمليات الإسرائيلية بصورة كاملة، ما يضع الحكومة السورية تحت ضغط متزايد ويؤدي إلى تكرار الاحتجاجات. وفي هذه الحالة، يصبح التحدي هو منع تآكل الثقة بالمسار الدبلوماسي، مع مواصلة المطالبة بإجراءات ملموسة.

السيناريو الثالث: اتساع فجوة الثقة وتصاعد التوتر.

إذا استمرت التوغلات وسقط مزيد من الضحايا، فقد تتسع الاحتجاجات وتزداد الضغوط على دمشق لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً. وقد يؤدي غياب التقدم السياسي إلى تعقيد التفاهمات الأمنية وزيادة احتمالات الاحتكاك الميداني.

ولا يمكن الجزم بأي من هذه المسارات مسبقاً. لكن العامل المشترك بينها هو أن استمرار العمليات العسكرية من دون معالجة سياسية يرفع كلفة الاستقرار على السكان والحكومة والأطراف الإقليمية المعنية.

خاتمة: رسالة سورية إلى العالم.. نريد السلام، لكننا نريد سيادتنا أيضاً

تحمل احتجاجات الجنوب السوري رسالة تتجاوز حدود القنيطرة ودرعا، وتصل إلى واشنطن والأمم المتحدة والعواصم المعنية بمستقبل سوريا: إن المجتمع السوري يريد الاستقرار، لكنه لا يريد أن يُبنى هذا الاستقرار على تجاهل مخاوف السكان أو تطبيع الانتهاكات المتكررة.

وتمنح هذه الاحتجاجات الحكومة السورية فرصة لتأكيد أن المسار الدبلوماسي الذي تسعى إليه لا ينفصل عن المطالب الوطنية، وأن الانفتاح على الولايات المتحدة والانخراط في التفاوض بشأن الترتيبات الأمنية لا يعنيان التخلي عن السيادة أو القبول بفرض وقائع دائمة على الأرض.

وفي المقابل، تواجه واشنطن اختباراً يتعلق بمدى قدرتها على مواءمة خطابها الداعي إلى الاستقرار مع خطوات سياسية تسهم في الحد من التصعيد، خصوصاً في ظل تأكيد مبعوثها أن سوريا تؤدي دوراً محورياً في تحقيق سلام إقليمي مستدام.

إن المطلوب اليوم ليس تحويل الاحتجاجات إلى مواجهة جديدة، ولا التعامل معها باعتبارها حدثاً عابراً، بل الاستفادة منها في توضيح المطالب السورية، وتعزيز التفاوض، وتوسيع الضغط الدبلوماسي من أجل حماية المدنيين واحترام السيادة.

فالرسالة التي تعكسها هذه الاحتجاجات ليست رفض السلام، بل الاعتراض على أن يتحول السلام إلى غطاء لاستمرار الخطر. وهم لا يطالبون باستبدال مسار التفاوض بمسار الصدام، وإنما يريدون تفاوضاً يحقق الأمن، ويحمي الأرض، ويصون كرامة المواطنين.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي أمام سوريا الجديدة: أن تنجح في الجمع بين الإرادة الشعبية والحكمة الدبلوماسية، وبين التمسك بالحقوق الوطنية وتجنب الحرب، وأن تجعل من الاستقرار نتيجة لاتفاقات تحترم السيادة، لا مجرد غياب مؤقت للمواجهة.