لم تعد التحركات الدبلوماسية السورية في المرحلة الراهنة مجرد زيارات رسمية لاستعادة العلاقات أو تعزيز التعاون الثنائي. فهي تعكس توجهاً نحو إعادة تموضع سوريا في بيئة إقليمية تتصاعد فيها التحديات الأمنية والاقتصادية، وتتداخل فيها ملفات الطاقة والملاحة والصراعات الجيوسياسية. وبين تحركات الرئيس أحمد الشرع نحو السعودية والإمارات، والجولة التي قادها وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني وشملت تركيا وليبيا وقطر، يمكن قراءة ملامح سياسة خارجية تسعى إلى توسيع شبكة الشراكات، واستعادة الحضور العربي، وإعادة توظيف الموقع الجغرافي السوري ضمن معادلات الاستقرار والتعاون الإقليمي.

وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة، من تداعيات الحرب في اليمن، إلى المخاطر التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، وصولاً إلى التنافس الإقليمي على النفوذ والموارد وممرات التجارة والطاقة. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التحرك الدبلوماسي السوري عن التحولات التي تعيد تشكيل أولويات دول المنطقة، حيث بات الأمن الاقتصادي مرتبطاً بصورة مباشرة بالأمن العسكري، وأصبح استقرار طرق التجارة والطاقة جزءاً أساسياً من حسابات الدول في بناء علاقاتها وشراكاتها.

وتعكس الجولة السورية الأخيرة توجهاً نحو التعامل مع هذه البيئة المضطربة من خلال توسيع العلاقات على أكثر من مستوى، بحيث لا تنحصر السياسة الخارجية في نطاق جغرافي واحد أو شريك بعينه، وإنما تقوم على شبكة متوازنة من العلاقات العربية والإقليمية، تستند إلى المصالح المشتركة واحترام السيادة وتطوير التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.

ويبدو في هذا المسار نوع من التكامل بين التحرك الرئاسي الذي يقوده أحمد الشرع، والتحرك الوزاري الذي يتولاه أسعد الشيباني. فالمسار الرئاسي يتيح بناء التفاهمات الاستراتيجية مع القيادات العربية، وفتح المجال أمام شراكات اقتصادية وسياسية واسعة، فيما تتولى وزارة الخارجية توسيع قنوات التواصل، ومتابعة الملفات الثنائية، وتنسيق المواقف، وتحويل التفاهمات السياسية إلى مسارات عمل مؤسساتية. وتزداد أهمية هذا التكامل في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى ربط انفتاحها الخارجي بأولويات إعادة الإعمار، وتعزيز الاستقرار، وتطوير الاقتصاد، واستعادة قدرة الدولة على التأثير في محيطها.

وفي هذا الإطار، تمثل السعودية والإمارات وقطر ركائز أساسية في مسار إعادة بناء العلاقات السورية الخليجية، بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والسياسي الذي تتمتع به هذه الدول، وما يمكن أن توفره من فرص للتعاون في الاستثمار والطاقة والبنية التحتية والنقل والتجارة. فالزيارة الرئاسية إلى الرياض تفتح المجال أمام تطوير الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، فيما تتيح العلاقات مع أبوظبي فرصاً للتعاون في التجارة والخدمات اللوجستية وتطوير الموانئ والبنية التحتية. أما الدوحة، فتشكل محطة مهمة لتعزيز التنسيق السياسي والتشاور بشأن التطورات الإقليمية، إلى جانب توسيع مجالات التعاون الاقتصادي ودعم جهود التعافي السوري.

ولا تقتصر أهمية هذا الانفتاح على العلاقات الثنائية، بل تمتد إلى إمكانية بناء شبكة من المصالح المتكاملة بين سوريا ودول الخليج، بما قد يسهم في توفير تمويل وخبرات وأسواق يمكن أن تدعم جهود إعادة الإعمار. غير أن الانتقال من التقارب السياسي إلى الشراكة الاقتصادية الفعلية يتطلب بيئة استثمارية واضحة، وتشريعات مستقرة، وضمانات للعقود، ومشاريع محددة تستطيع جذب رؤوس الأموال وتحويل التفاهمات إلى نتائج ملموسة.

وفي المقابل، تمثل تركيا مساراً إقليمياً مختلفاً، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والجغرافية والاقتصادية. فالعلاقة مع أنقرة ترتبط بأمن الحدود، ومستقبل الترتيبات في شمال سوريا، وملفات الأمن الحدودي والجماعات المسلحة في الشمال السوري، وعودة اللاجئين، وإعادة تنشيط التجارة البرية. كما تتيح هذه العلاقة فرصاً لتطوير التعاون الصناعي واللوجستي، وربط الأسواق السورية بالأسواق التركية والأوروبية. إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بإدارة الملفات الحساسة ضمن تفاهمات تحفظ السيادة السورية، وتؤسس لعلاقة متوازنة لا تقتصر على التنسيق الأمني، بل تمتد إلى المصالح الاقتصادية والتنموية طويلة الأجل.

أما زيارة بنغازي، فتضيف بعداً عربياً مهماً إلى التحرك السوري، يتمثل في السعي إلى توسيع العلاقات مع ليبيا، بالتوازي مع بحث تفعيل التمثيل السوري في طرابلس. وتحمل هذه الخطوة أبعاداً تتصل بالملفات القنصلية والأمنية، ومتابعة أوضاع المواطنين السوريين، وإمكانات التعاون التجاري والاقتصادي. كما تعكس توجهاً نحو توسيع دائرة التواصل العربي وعدم حصر الانفتاح السوري في الدول المجاورة أو العواصم الخليجية الكبرى. ومع ذلك، فإن تحويل هذه الاتصالات إلى شراكة مستدامة يحتاج إلى تفاهمات واضحة ومؤسسات فاعلة ومصالح اقتصادية قابلة للتنفيذ.

وتتضح الأهمية الاستراتيجية لهذه التحركات أكثر عند قراءتها ضمن البيئة الإقليمية الأوسع، ولا سيما المخاطر التي تواجه أمن الطاقة والملاحة الدولية. فمضيق هرمز يمثل شرياناً رئيسياً لصادرات النفط والغاز من الخليج، بينما يشكل مضيق باب المندب بوابة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتؤثر حركة الملاحة فيه مباشرة في التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. ولذلك، فإن اضطراب الملاحة في أحد المضيقين، أو تزامن المخاطر فيهما، يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وزيادة الضغوط على أسواق الطاقة، وتعقيد سلاسل الإمداد العالمية.

وفي اليمن، تبرز المخاطر الأمنية المرتبطة باستمرار الصراع وإمكان امتداد تداعياته إلى البحر الأحمر ودول الخليج، بما يجعل الأمن البحري جزءاً من معادلة الاستقرار العربي. وتفرض هذه التطورات على دول المنطقة البحث عن آليات للتنسيق السياسي والأمني، والحد من التصعيد، وحماية الملاحة الدولية، من دون الانجرار إلى مواجهات أوسع تزيد من كلفة الصراعات وتطيل أمدها.

وبالنسبة إلى سوريا، فإن هذه الأزمات تفرض ضرورة الموازنة بين التضامن العربي وحماية المصالح الوطنية، وبين دعم الاستقرار الإقليمي وتجنب الانخراط في صراعات قد تستنزف موارد الدولة في مرحلة لا تزال فيها بحاجة إلى توطيد مؤسساتها وإعادة بناء اقتصادها. ويمكن لدمشق أن تسهم في تعزيز الاستقرار من خلال الدبلوماسية والتشاور السياسي والتعاون الاقتصادي ودعم المبادرات التي تحمي الملاحة وتحد من التصعيد، مع مراعاة حدود قدراتها والتزاماتها وأولوياتها الوطنية.

ومن هنا، لا ينبغي المبالغة في تقدير الدور السوري المباشر في أمن مضيق هرمز أو باب المندب، فالجغرافيا السورية لا تمنح دمشق سلطة مباشرة على هذين الممرين. لكن موقعها عند تقاطع المشرق العربي وشرق المتوسط، وعلاقاتها مع تركيا والعراق والأردن ودول الخليج، يتيح لها فرصاً للمساهمة في بناء شبكة أوسع من التعاون الإقليمي، وتطوير مسارات النقل والتجارة والطاقة التي تربط الخليج بتركيا والبحر المتوسط.

وهنا تبرز القيمة الجيوسياسية لسوريا، ليس بوصفها دولة تقع في منطقة استراتيجية فحسب، بل باعتبارها دولة يمكنها، إذا استكملت بناء مؤسساتها وطورت بنيتها التحتية، أن تؤدي دوراً في الربط بين الأسواق الإقليمية، وتسهيل حركة البضائع، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتعزيز التعاون في الطاقة والنقل والصناعة. غير أن هذا الدور لا يتحقق بمجرد الموقع الجغرافي، وإنما يحتاج إلى استقرار أمني، وطرق ومعابر وموانئ مؤهلة، وتشريعات استثمارية واضحة، وعلاقات متوازنة مع دول الجوار.

وتفرض هذه المعطيات على الدبلوماسية السورية الانتقال من منطق استعادة العلاقات إلى منطق صناعة المصالح. فنجاح الجولة لا يقاس بعدد اللقاءات والزيارات، بل بقدرة المؤسسات السورية على ترجمة نتائجها إلى اتفاقات اقتصادية، ومشاريع استثمارية، وتعاون أمني منضبط، وآليات متابعة واضحة. كما يتطلب ذلك تنسيقاً مستمراً بين الرئاسة ووزارة الخارجية والوزارات المعنية بالاقتصاد والطاقة والنقل والصناعة، بحيث تتحول السياسة الخارجية إلى أداة فاعلة في دعم التعافي الوطني وتعزيز قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة.

إن التحركات السورية باتجاه الرياض وأبوظبي والدوحة وأنقرة وبنغازي تكشف عن محاولة لإعادة بناء شبكة علاقات متعددة المستويات، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات تجعل التعاون ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار دبلوماسي. لكن هذه الفرصة تظل مرتبطة بقدرة سوريا على إدارة التباينات الإقليمية، وتجنب الاصطفافات التي قد تقيد استقلال قرارها، وتحديد أولويات واضحة تجعل الشراكات الخارجية في خدمة الاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار.

في المحصلة، تقف الدبلوماسية السورية أمام اختبار يتجاوز استعادة الحضور السياسي إلى بناء دور إقليمي يستند إلى المصالح المشتركة والقدرة المؤسسية. فالتكامل بين التحرك الرئاسي والتحرك الوزاري يمكن أن يوفر قاعدة لتطوير العلاقات، لكن أثر هذا التكامل سيظهر في النتائج التي يحققها على أرض الواقع، وفي مدى مساهمته في تحسين البيئة الأمنية والاقتصادية للدولة السورية.

ففي إقليم تتشابك فيه الحروب مع الممرات البحرية، وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، لن يكون التحدي أمام سوريا مجرد العودة إلى محيطها، بل تحويل هذه العودة إلى شراكات مستدامة، واستثمار موقعها الجيوسياسي، والمساهمة في بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً، من دون التفريط بسيادتها أو تحميلها أدواراً

تتجاوز قدراتها وأولوياتها الوطنية.

لم تعد عودة سوريا إلى محيطها العربي والدولي مجرد عنوان سياسي أو مجموعة من الزيارات واللقاءات الدبلوماسية، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى مسار متكامل لإعادة بناء موقع الدولة السورية داخل المؤسسات والمنظمات الدولية والإقليمية.

وخلال الأيام الأخيرة، برزت مؤشرات عدة، من بينها انضمام سوريا إلى منظمة التعاون الرقمي، وفوزها برئاسة اللجنة العربية الدائمة للأرصاد الجوية، وتوسّع التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب الحراك الدبلوماسي المتزايد وعودة السفراء والبعثات الدولية إلى دمشق، بما يمكن قراءته ضمن مسار أوسع لإعادة تفعيل حضورها الإقليمي والدولي.

ولا تبدو هذه الملفات منفصلة تماماً، بل يمكن النظر إليها بوصفها أجزاء من مسار أوسع لإعادة تفعيل دور سوريا ومؤسساتها في المحافل الإقليمية والدولية.

أولاً: العضوية في منظمة التعاون الرقمي.. فرصة للاندماج في مسار التحول الرقمي

انضمام سوريا إلى منظمة التعاون الرقمي، بوصفها العضو الثامن عشر، يحمل دلالة تتجاوز قطاع الاتصالات وتقانة المعلومات.

فالاقتصاد العالمي يتجه بسرعة نحو اقتصاد رقمي قائم على البيانات والذكاء الاصطناعي والخدمات الإلكترونية والأمن السيبراني والتجارة الرقمية، وبالتالي فإن وجود سوريا داخل منصة دولية متخصصة بهذا المجال يعني فتح أبواب جديدة أمامها في نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات، وتطوير الخدمات الحكومية، وتأهيل الكفاءات الشابة، وجذب الاستثمارات الرقمية.

وأشارت الأمينة العامة للمنظمة ديمة اليحيى إلى ما وصفته بالإمكانات الرقمية والمواهب السورية، في ما يعكس توجهاً نحو توسيع التعاون في هذا المجال.

سوريا لا تبدأ من الصفر في هذا المجال.

تملك سوريا شريحة من الكفاءات البشرية في مجالات البرمجيات والهندسة والاتصالات، وهو ما يمكن البناء عليه إذا توفرت بيئة مؤسسية واستثمارية مناسبة.

ومن هنا يمكن أن تتحول العضوية الجديدة إلى فرصة لاستقطاب الكفاءات السورية وربطها بالاقتصاد العالمي، بدلاً من استمرار هجرة الكفاءات.

والتحدي الحقيقي الآن ليس في توقيع ميثاق العضوية، بل في تحويلها إلى مشاريع: حكومة رقمية، خدمات إلكترونية، بنية تحتية للاتصالات، مدفوعات رقمية، أمن سيبراني، تعليم رقمي، ذكاء اصطناعي، وحاضنات للشركات الناشئة.

ثانياً: رئاسة اللجنة العربية للأرصاد الجوية.. سوريا تستعيد دورها العلمي العربي

في المسار نفسه، جاء فوز سوريا برئاسة اللجنة العربية الدائمة للأرصاد الجوية، بحصول مدير المركز الوطني للأرصاد الجوية الدكتور عبد الكريم المحمد على 13 صوتاً.

وقد يبدو الأمر فنياً، لكنه يحمل أيضاً أبعاداً مؤسسية وسياسية تتصل بموقع سوريا داخل الأطر العربية المتخصصة.

أن تنتخب الدول العربية سوريا لرئاسة لجنة متخصصة يعني أن سوريا لا تعود إلى الجامعة العربية فقط باعتبارها دولة حاضرة في الاجتماعات، وإنما تبدأ باستعادة أدوارها داخل المؤسسات واللجان العربية المتخصصة.

والأرصاد الجوية لم تعد مجرد توقعات للطقس.

إنها اليوم جزء من الأمن الغذائي والمائي، وإدارة الكوارث، والزراعة، والطاقة المتجددة، والتخطيط العمراني، وحماية البنية التحتية، ومواجهة آثار التغير المناخي.

وبالتالي فإن رئاسة سوريا لهذه اللجنة يمكن أن تكون منصة لتطوير التعاون العربي في ملفات تمس مستقبل الاقتصاد السوري مباشرة، خصوصاً الزراعة والمياه وإدارة الجفاف والفيضانات والتغير المناخي والطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وهنا يصبح العلم جزءاً من السياسة الخارجية السورية.

ثالثاً: الملف النووي.. من الملفات العالقة إلى إمكانات الاستخدام العلمي السلمي

ولعل الملف الأكثر حساسية في عملية إعادة بناء العلاقة بين سوريا والمجتمع الدولي هو الملف النووي.

يمكن أن يشكل التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتعامل بشفافية مع الملفات العالقة، خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة وتوسيع التعاون الدولي.

والأهم أن سوريا تستطيع أن تنظر إلى هذا الملف من زاوية مختلفة تماماً.

فالطاقة النووية ليست مرادفاً للسلاح.

هناك فرق جوهري بين امتلاك برنامج نووي عسكري وبين امتلاك برنامج نووي سلمي خاضع للرقابة الدولية.

وإذا نجحت سوريا في إغلاق الملفات العالقة المرتبطة بإرث النظام السابق، والتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والالتزام بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، فإن ذلك يمكن أن يفتح مستقبلاً الباب أمام بناء قدرات سورية سلمية في الاستخدامات النووية.

وهنا يمكن أن تتحول الطاقة النووية إلى أداة للتنمية.

ماذا يمكن أن تستفيد سوريا؟

في الطب:

في الزراعة:

في الصناعة:

وفي الطاقة:

وبذلك يمكن لسوريا أن تنتقل من ملف نووي مثقل بإرث الماضي إلى مشروع علمي يخدم المستقبل.

وهذه نقطة شديدة الأهمية:

إغلاق ملفات الماضي لا يعني التخلي عن العلم والتكنولوجيا، بل يمكن أن يكون الطريق لامتلاكها بصورة شرعية وآمنة وسلمية.

رابعاً: الأمم المتحدة.. سوريا لا تعود إلى المقعد فقط

كل هذه التطورات تأتي بالتزامن مع محطة سياسية أكبر: الجمعية العامة للأمم المتحدة.

فمشاركة سوريا في أعمال الجمعية العامة للسنة الثانية على التوالي تكتسب أهمية خاصة في مرحلة إعادة تعريف موقع الدولة السورية دولياً.

المشاركة السابقة لم تكن مجرد حضور بروتوكولي؛ فقد فتحت الباب أمام اتصالات ولقاءات سياسية واسعة، وأسهمت في إعادة تقديم سوريا بوصفها دولة تسعى إلى استعادة علاقاتها الدولية ومؤسساتها.

أما المشاركة الحالية، فتأتي في بيئة مختلفة.

فالعالم بات ينظر إلى سوريا ليس فقط من زاوية الأزمة السابقة، وإنما من زاوية إعادة الاستقرار، وإعادة الإعمار، والاستثمار، ومكافحة الإرهاب، والطاقة، والاقتصاد، والتحول الرقمي، والحوكمة، والتعاون العلمي.

وهذا التحول مهم جداً.

لأن الدولة التي تريد استعادة مكانتها الدولية لا يكفي أن تطلب رفع العقوبات أو الاعتراف السياسي بها؛ بل عليها أن تقدم نفسها كشريك قادر على المساهمة في حل المشكلات الإقليمية والدولية.

خامساً: عودة السفراء.. المؤشر الأوضح على تبدل البيئة الدولية

وفي الخلفية، هناك تطور دبلوماسي لا يقل أهمية: توسع التمثيل الدبلوماسي في دمشق واستقبال سفراء جدد من دول عربية وأوروبية وأميركية لاتينية، إلى جانب تنشيط العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ودول المنطقة.

وهذا يعني أن دمشق تتحول تدريجياً من مدينة كانت محاطة بالعزلة السياسية إلى مركز دبلوماسي يستعيد دوره في المنطقة.

وجود سفراء جدد ليس مجرد إجراء بروتوكولي.

السفير يعني:

اتصالاً سياسياً دائماً، ومصالح اقتصادية، وتعاوناً أمنياً، وفرصاً استثمارية، وقنوات تفاوض، وتبادلاً ثقافياً وعلمياً.

وكلما اتسعت شبكة العلاقات، ازدادت قدرة سوريا على المناورة وبناء الشراكات وتحقيق مصالحها الوطنية.

سادساً: الصورة الكبرى.. هذه ليست عودة سياسية فقط

إذا جمعنا هذه التطورات معاً، فإننا أمام مسار متكامل:

الدبلوماسية → المؤسسات الدولية → الاقتصاد → التكنولوجيا → العلم → الطاقة → الزراعة → الصحة → الاستثمار.

انضمام سوريا إلى منظمة التعاون الرقمي يعيدها إلى الاقتصاد الرقمي.

ورئاسة اللجنة العربية للأرصاد الجوية تعيدها إلى العمل العلمي العربي.

والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يفتح الباب أمام طي ملفات الماضي وبناء علاقة قائمة على الشفافية، مع إمكانية تطوير الاستخدامات السلمية للتقنيات النووية.

والمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة تعيد سوريا إلى قلب الدبلوماسية متعددة الأطراف.

وعودة السفراء تعني عودة قنوات التواصل الدولي.

وهكذا يصبح مفهوم “عودة سوريا إلى العالم” أكثر من مجرد شعار.

المطلوب الآن: تحويل الانفتاح إلى استراتيجية دولة

لكن الانفتاح الدولي وحده لا يكفي.

الفرصة التاريخية أمام سوريا اليوم هي تحويل هذا الانفتاح إلى استراتيجية وطنية متكاملة.

فعضوية منظمة التعاون الرقمي يجب أن تنتج قطاعاً رقمياً قادراً على المنافسة.

ورئاسة اللجنة العربية للأرصاد يجب أن تتحول إلى مشروع علمي عربي تستفيد منه سوريا.

والتعاون النووي يجب أن يقوم على أعلى درجات الشفافية، مع بناء برنامج سلمي يخدم الطب والزراعة والصناعة والطاقة.

والحضور في الأمم المتحدة يجب أن يتحول إلى شراكات سياسية واقتصادية وتنموية.

والانفتاح الدبلوماسي يجب أن يتحول إلى استثمارات ومشاريع واتفاقيات ونقل للتكنولوجيا.

وهنا تحديداً تظهر مسؤولية الحكومة السورية.

فالعالم قد يفتح الأبواب، لكن سوريا هي التي يجب أن تدخل منها.

الخلاصة: سوريا تستعيد حقها في أن تكون دولة فاعلة

ما يجري اليوم يمكن قراءته باعتباره مرحلة جديدة في تاريخ سوريا الحديث.

فبعد سنوات من العزلة والصراع وتراجع المؤسسات، بدأت سوريا تستعيد تدريجياً حضورها في المنظمات العربية والدولية، وتعيد بناء علاقاتها الدبلوماسية، وتفتح ملفات العلم والتكنولوجيا والطاقة، وتبحث عن موقع لها في الاقتصاد العالمي الجديد.

والأهم أن هذه العودة يجب ألا تكون عودة إلى الماضي، بل عودة إلى المستقبل.

سوريا الجديدة لا تحتاج فقط إلى أن تستعيد مقعدها في المنظمات الدولية، بل تحتاج إلى أن تستعيد قدرتها على إنتاج المعرفة، والتكنولوجيا، والطاقة، والغذاء، والخدمات، والاستثمار.

ومن هنا يمكن فهم أهمية هذه التطورات المتزامنة.

فـ منظمة التعاون الرقمي، والجامعة العربية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والأمم المتحدة، والسفارات الأجنبية، كلها مسارات مختلفة تقود إلى هدف واحد: إعادة بناء سوريا كدولة منفتحة، ذات سيادة، مؤسساتية، علمية، وقادرة على التعاون مع العالم.

وإذا نجحت دمشق في إدارة هذا التحول بذكاء، فإن أكبر إنجاز لن يكون فقط إنهاء عزلة سوريا، بل تحويل الانفتاح الدولي إلى قوة تنموية حقيقية تعيد بناء الدولة والاقتصاد والإنسان السوري.

سوريا لا تعود إلى العالم كي تكون متلقية للمساعدات فقط.

سوريا تعود كي تكون شريكاً.

ويمكن قراءة هذا اللقاء بوصفه مؤشراً إلى أن الدبلوماسية السورية الساعية إلى إعادة بناء علاقات سوريا الخارجية تحاول أيضاً فتح مساحة لإعادة بناء الثقة في الداخل.

خلال عقود، ارتبط الخطاب الرسمي في سوريا، في كثير من الأحيان، بلغة أحادية الاتجاه؛ حيث كانت الدولة تتحدث أكثر مما تُفسح المجال للنقاش العام. أما اللقاءات الحوارية المباشرة مع الباحثين والإعلاميين والمثقفين، فتقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على السؤال والمناقشة والمصارحة.

وهذا التحول مهم في المرحلة الانتقالية؛ لأن بناء الدولة لا يحتاج إلى القرارات والمؤسسات فقط، وإنما يحتاج أيضاً إلى الثقة بين الدولة والمجتمع.

وكلما وصلت المعلومات من المسؤول المباشر، تراجعت مساحة الإشاعة والتأويل والتحليل المبني على التخمين، وأصبح النقاش العام أكثر ارتباطاً بالوقائع.

الشفافية ليست إعلاماً فقط.. بل حوكمة

تكمن أهمية هذه اللقاءات في أنها لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نشاطاً إعلامياً لوزارة الخارجية فقط، وإنما باعتبارها جزءاً من مفهوم أوسع للحوكمة.

فالشفافية تعني أن يعرف المواطن ماذا تفعل مؤسسات الدولة، ولماذا تتخذ قراراتها، وما الذي تحقق، وما الذي تعثر، وما هي التحديات التي تواجهها.

وفي مرحلة انتقالية مليئة بالملفات الحساسة، تبدو المصارحة عنصراً ضرورياً لتعزيز الثقة العامة، لا مجرد خيار ثانوي.

لكن الشفافية الحقيقية لا تعني كشف كل المعلومات، خصوصاً في الملفات الأمنية والدبلوماسية الحساسة، وإنما تعني تقديم ما يمكن إعلانه بوضوح، والاعتراف بالتحديات، وشرح الخيارات، وعدم ترك المجتمع أسيراً للمعلومات غير الرسمية.

تحتاج المرحلة الانتقالية في سوريا إلى توسيع العلاقة بين الدولة والمجتمع من منطق التأييد أو الرفض إلى منطق المشاركة في النقاش العام وصنع السياسات.

فالمرحلة الانتقالية لا يمكن أن تنجح اعتماداً على الحكومة وحدها، مهما امتلكت من أدوات وصلاحيات، وإنما تحتاج إلى مشاركة الباحثين والمفكرين والأكاديميين والإعلاميين والنخب السياسية والاجتماعية.

وهؤلاء لا ينبغي أن يقتصر دورهم على تأييد الحكومة أو معارضتها بصورة تلقائية، بل يفترض أن يسهموا في النقد المسؤول، وتقديم البدائل، وقراءة المخاطر، واقتراح السياسات.

ومن هنا فإن فتح قنوات التواصل بين مؤسسات الدولة والنخب الوطنية يمكن أن يساعد على تحسين جودة القرار، ويمنح الحكومة صورة أكثر دقة عن المجتمع.

الإعلام في المرحلة الانتقالية أمام مسؤولية مضاعفة.

فهو مطالب بنقل المعلومة، والتحقق منها، ومساءلة المسؤول، وفي الوقت نفسه منع تحويل الإعلام إلى منصة للشائعات أو التحريض أو الاستقطاب.

وكلما زادت شفافية المؤسسات الحكومية، ازدادت قدرة الإعلام، في العادة، على أداء دوره المهني بصورة أفضل.

كما أن توفير المعلومات من مصادرها الرسمية يساعد الصحفي والباحث على الانتقال من مطاردة التسريبات إلى تحليل السياسات والنتائج.

وهنا يمكن أن تنشأ علاقة جديدة بين الدولة والإعلام تقوم على المعلومة مقابل المسؤولية: الدولة توفر المعلومات الممكنة، والإعلام يتعامل معها بمهنية واستقلالية.

تظهر المرحلة الحالية أن السياسة الخارجية لم تعد ملفاً منفصلاً عن حياة السوريين اليومية.

فالعلاقات الدولية تؤثر في العقوبات والاستثمار وإعادة الإعمار والطاقة والتجارة وعودة اللاجئين والمساعدات، كما تؤثر في الأمن الوطني وموقع سوريا الإقليمي.

وبالتالي فإن نجاح الدبلوماسية السورية في إعادة فتح قنوات التواصل مع العالم يجب أن يتحول إلى مكاسب ملموسة في الداخل.

وهنا تصبح الدبلوماسية أداة من أدوات التعافي الوطني، وليست مجرد علاقات وبروتوكولات.

مراكز الدراسات.. الجسر بين الدولة والمجتمع

الإشارة إلى أهمية مراكز الدراسات تحمل دلالة بالغة الأهمية.

فسوريا بحاجة إلى منظومة تفكير وطنية تنتج المعرفة وتقدم البدائل لصانع القرار، خصوصاً في ملفات الاقتصاد والسياسة الخارجية والأمن وإعادة الإعمار والعلاقات الإقليمية.

والمطلوب ليس تحويل مراكز الدراسات إلى مؤسسات حكومية، بل بناء علاقة مؤسساتية معها تحفظ استقلاليتها وتستفيد من خبرتها.

فالدولة الحديثة لا تعتمد فقط على القرار السياسي، وإنما على المعلومة والتحليل والبحث والتقييم.

بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، أصبحت الثقة واحدة من أكثر الموارد ندرة في المجتمع السوري.

ولا يمكن إصدار قرار ببناء الثقة؛ فهي تُبنى بالتراكم.

لقاء، ثم معلومة واضحة، ثم اعتراف بخطأ، ثم استجابة لملاحظة، ثم حوار آخر… هكذا تتشكل الثقة تدريجياً.

ولهذا فإن قيمة هذه اللقاءات لا تكمن فقط في مضمون ما قيل خلالها، وإنما في استمرارها وتحولها إلى ممارسة مؤسساتية.

إذا كانت وزارة الخارجية قد اختارت فتح باب الحوار مع الباحثين والإعلاميين والمثقفين، فإن الخطوة الأهم هي أن تصبح هذه الثقافة جزءاً من العمل الحكومي عموماً.

يمكن أن نرى لقاءات دورية بين الوزارات والنخب المتخصصة، ومنصات للحوار حول السياسات العامة، ومراكز بحثية تقدم أوراقاً لصانع القرار، ومؤتمرات تشاورية تناقش مشاريع القوانين والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.

وهكذا تنتقل الحوكمة من مفهوم إداري إلى ثقافة سياسية جديدة تقوم على المشاركة والمساءلة والمصارحة.

المرحلة الانتقالية ليست مجرد مرحلة لتشكيل المؤسسات، وإنما فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

والدولة القوية ليست التي تخشى الأسئلة، بل التي تمتلك القدرة على الإجابة عنها؛ وليست التي تمنع النقد، بل التي تستطيع تحويل النقد إلى معرفة وسياسات أفضل.

ومن هنا يمكن النظر إلى اللقاء الحواري لوزير الخارجية مع الباحثين والإعلاميين والمثقفين باعتباره نموذجاً صغيراً لمسار أكبر تحتاجه سوريا: الانتقال من إدارة الدولة للمجتمع إلى الشراكة معه.

فإذا كانت الدبلوماسية السورية تعمل على إعادة سوريا إلى العالم، فإن التحدي الموازي هو إعادة بناء الثقة بين السوريين ودولتهم.

وهنا تلتقي الدبلوماسية بالحوكمة، والإعلام بالشفافية، والبحث العلمي بصناعة القرار، والمثقف بالمجتمع، والحكومة بالمواطن.

سوريا الجديدة لن تُبنى بالقرارات وحدها، ولا بالخطابات وحدها؛ بل بالعمل المشترك، والمصارحة، والشفافية، وتبادل الثقة، وتحويل النخب الفكرية والإعلامية والبحثية من متلقٍ للسياسات إلى شريك في صياغتها وتقييمها.

وهذه ربما تكون إحدى أهم معارك المرحلة الانتقالية: أن تنجح الدولة في كسب ثقة السوريين بالقدر نفسه الذي تسعى فيه إلى استعادة ثقة العالم بسوريا.

الدبلوماسية السورية في الملف النووي: بين إرث الماضي وخيارات بناء الثقة

تدخل الدبلوماسية السورية في المرحلة الانتقالية مساراً مختلفاً يقوم على الانفتاح، وإدارة الملفات الحساسة عبر المؤسسات الدولية، وتحويل القضايا التي كانت تمثل عبئاً على سوريا إلى مساحات للتعاون وبناء الثقة.

ويبرز في هذا السياق التعاون مع منظومة الأمم المتحدة، ولا سيما منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، باعتباره اختباراً مهماً لقدرة الدولة السورية في المرحلة الانتقالية على إدارة إرث الملفات الحساسة بمنطق مؤسسي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سيادتها وحقوقها الوطنية.

تحمل سوريا إرثاً معقداً من الملفات المرتبطة بالأسلحة الكيميائية والأنشطة النووية الموروثة عن المرحلة السابقة.

والتعامل مع هذا الإرث لا يمكن أن يتم عبر الإنكار أو التصعيد، كما لا يعني القبول بأي مساس بالسيادة الوطنية؛ بل يتطلب مقاربة أكثر توازناً تقوم على التعاون، والتحقق، والشفافية، والالتزام بالقانون الدولي.

وهنا تظهر أهمية انتقال الملف من المسارات السياسية المتوترة إلى القنوات الفنية والمؤسساتية التابعة للمنظمات الدولية المختصة.

ويمكن لهذا التعاون أن يتيح لسوريا تقديم مقاربة مؤسسية للملفات الحساسة بوصفها قضايا وطنية تُدار عبر الأطر القانونية والفنية، بدلاً من بقائها محصورة في التجاذب السياسي.

السيادة والانفتاح.. معادلة وليست تناقضاً

أحد أهم التحديات أمام الدبلوماسية السورية هو تحقيق التوازن بين الحفاظ على السيادة والانفتاح على المجتمع الدولي.

فالسيادة في مفهوم الدولة الحديثة لا تعني رفض الرقابة أو التعاون الدولي، كما أن الانفتاح لا يعني التخلي عن القرار الوطني.

المعادلة الأكثر واقعية هي أن تتعاون سوريا من موقع الدولة صاحبة القرار، وأن تسمح بالتحقق الدولي ضمن الأطر القانونية، مع الحفاظ على حقوقها السيادية.

وهذا النوع من الدبلوماسية قد يعزز موقف دمشق إذا ترافق مع تعاون قابل للتحقق، لأنه قد يدفع النقاش تدريجياً من مستوى الاتهامات السياسية إلى مستوى الإجراءات الفنية والأدلة.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.. إغلاق أحد ملفات الماضي

يشكل التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أحد الملفات الأكثر حساسية في علاقة سوريا بالمجتمع الدولي.

ومن شأن التعاون الكامل، وتسهيل أعمال التحقق، وتقديم المعلومات المطلوبة، ومعالجة الملفات العالقة، أن يساعد على الانتقال من مرحلة الصراع حول المسؤوليات والاتهامات إلى مرحلة أكثر مؤسساتية تقوم على الالتزامات والآليات الدولية.

وكل تقدم في هذا المسار قد ينعكس على مقاربة الأطراف الدولية للملف السوري، خصوصاً إذا أظهرت السلطات الانتقالية استعداداً لمعالجة الإرث السابق ضمن الأطر القانونية الدولية.

لكن الأهم هو أن تتم هذه العملية بطريقة تحافظ على حق سوريا في عرض موقفها وقراءتها للملفات، وألا تتحول آليات التعاون الدولي إلى مسار أحادي الجانب.

الطاقة الذرية.. من ملف أمني إلى فرصة تنموية

أما التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية فيحمل أبعاداً تتجاوز الملف النووي ذاته.

فسوريا تستطيع، في حال استكمال المتطلبات القانونية والفنية، الاستفادة من برامج الوكالة في الطب النووي، وعلاج السرطان، والزراعة، وإدارة المياه، والبحث العلمي، والتطبيقات الصناعية، وتطوير القدرات البشرية.

وهنا يمكن أن تنتقل الطاقة النووية من كونها جزءاً من إرث أمني حساس إلى أن تصبح جزءاً من مشروع التنمية السورية.

والحديث عن الاستخدامات السلمية يقتصر هنا على التطبيقات المدنية في الطب والزراعة والبحث العلمي والطاقة، ضمن الأطر القانونية ومنظومة الضمانات الدولية.

وبالتالي فإن الانفتاح على الوكالة قد يمنح سوريا فرصة للانتقال من إدارة ملف نووي موروث إلى بناء قدرة نووية مدنية مسؤولة.

الدبلوماسية السورية.. من الدفاع إلى المبادرة

التعاون مع المنظمات الدولية يعكس تحولاً أوسع في السياسة الخارجية السورية.

فبدلاً من انتظار الأزمات ثم التعامل معها تحت الضغط، تستطيع دمشق أن تتحول إلى طرف يبادر إلى فتح الملفات والتفاوض حولها وإدارتها قبل أن تتحول إلى أزمات دولية.

وهذه النقلة مهمة جداً في بناء صورة سوريا الجديدة.

فالدولة التي تبادر إلى التعاون، وتقدم المعلومات، وتطلب التحقق الفني، وتشارك في المؤسسات الدولية، تكون في موقع أقوى للدفاع عن مصالحها عندما تظهر خلافات سياسية.

بناء الثقة الدولية

الثقة الدولية لا تُبنى بتصريح سياسي واحد، وإنما بسلسلة طويلة من الإجراءات.

تعاون ناجح مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتعاون مؤسسي مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، واحترام الاتفاقيات الدولية، وتسهيل الوصول الفني، والشفافية في الملفات الحساسة، كلها عناصر تراكمية تبني صورة جديدة للدولة السورية.

وهذه الثقة يمكن أن تكون ذات قيمة سياسية واقتصادية كبيرة.

فكلما ارتفع مستوى الثقة بسوريا، زادت فرص الانفتاح الاقتصادي والاستثماري، وتوسعت مساحة التعاون الدولي في إعادة الإعمار، وأصبح موقف دمشق أقوى في المفاوضات المتعلقة بالعقوبات والعلاقات الدولية.

البعد السياسي.. قوة الدبلوماسية في المؤسسات

تمنح هذه الملفات سوريا فرصة لإعادة تعريف مفهوم القوة في سياستها الخارجية.

فالقوة لم تعد فقط في القدرة العسكرية أو في الخطاب السياسي، وإنما أيضاً في القدرة على استخدام المؤسسات الدولية لحماية المصالح الوطنية.

وعندما تدخل سوريا في حوار مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فهي لا تتنازل عن قرارها الوطني بالضرورة؛ بل يمكنها استخدام هذه المؤسسات لإثبات موقفها وتوثيق المعلومات وحماية مصالحها.

وهنا تتحول القانونية الدولية من قيد إلى أداة من أدوات القوة الدبلوماسية.

البعد الإقليمي والدولي

إن نجاح سوريا في إدارة هذه الملفات يمكن أن ينعكس على علاقتها بدول الجوار والقوى الكبرى.

فالدول الإقليمية والدولية تنظر إلى قدرة الدولة السورية على ضبط الملفات الأمنية والاستراتيجية باعتبارها جزءاً من الاستقرار الإقليمي.

وكلما نجحت دمشق في تقديم نفسها كشريك مسؤول، تراجعت المخاوف المرتبطة بسوريا، واتسعت مساحة التعاون معها في ملفات الطاقة والأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار.

وهذا مهم خصوصاً في مرحلة تسعى فيها سوريا إلى إعادة بناء علاقاتها مع العالم واستعادة موقعها الطبيعي في المنظومة الدولية.

سوريا الجديدة.. دبلوماسية الثقة

المعنى الأعمق لهذا المسار هو أن سوريا الجديدة تستطيع تحويل ملفات كانت مرتبطة بالماضي والصراع إلى أدوات لبناء المستقبل.

التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية يمكن أن يساعد في معالجة الإرث الكيميائي.

والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يمكن أن يفتح الباب أمام الاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية.

والتعامل الشفاف مع المؤسسات الدولية يمكن أن يعزز الثقة.

والثقة يمكن أن تتحول إلى انفتاح سياسي واقتصادي.

والانفتاح يمكن أن يدعم إعادة الإعمار والتنمية.

وبذلك تصبح الدبلوماسية جزءاً من مشروع التعافي الوطني، وليست مجرد إدارة للعلاقات الخارجية.

الخلاصة: السيادة عبر التعاون

تحتاج سوريا الجديدة إلى دبلوماسية تعرف متى تفاوض، ومتى تتعاون، ومتى تتمسك بحقوقها، وكيف تجمع بين السيادة والانفتاح.

فالتعاون مع الأمم المتحدة ومنظماتها المختصة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تنازلاً عن السيادة، بل يمكن أن يكون، إذا أُدير ضمن القانون والمصلحة الوطنية، وسيلة لتعزيزها.

إن سوريا التي تفتح ملفاتها الحساسة أمام المؤسسات الدولية من موقع الثقة، وتطالب في الوقت نفسه بحقوقها القانونية والسيادية، تستطيع أن تنتقل من صورة الدولة التي تحاصرها الملفات إلى دولة تدير ملفاتها.

وهنا تكمن إحدى أهم ملامح الدبلوماسية السورية المعاصرة: الانفتاح دون تبعية، والتعاون دون تنازل، والشفافية دون التفريط بالأمن الوطني، والاستفادة من المؤسسات الدولية دون التخلي عن القرار السيادي.

وفي النهاية، فإن نجاح هذا المسار لن يقاس فقط بإغلاق ملفات الماضي، وإنما بقدرة سوريا على تحويل التعاون الدولي إلى فرص حقيقية في الطب والطاقة والبحث العلمي والتنمية وإعادة الإعمار، وبناء مكانة سياسية أقوى لسوريا داخل المجتمع الدولي.

فـالدولة الواثقة لا تخشى التعاون، والسيادة القوية لا تحتاج إلى العزلة؛ بل تستطيع أن تنفتح على العالم من موقع الندية، وتحول القانون الدولي والمؤسسات الدولية إلى أدوات لحماية مصالحها وبناء مستقبلها.