أخبار

زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى دمشق: بين الاعتراف السياسي وحدود الدور الأممي

زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى دمشق: بين الاعتراف السياسي وحدود الدور الأممي
شبكة سيريا مورس الإخبارية

Morse AI

ملخص واستماع ذكي للمقال

الصوت مولّد بالذكاء الاصطناعي وليس صوتاً بشرياً.
 
مثّلت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى دمشق في يوليو/تموز 2026 حدثاً سياسياً ودبلوماسياً بارزاً، بوصفها الأولى لأمين عام للأمم المتحدة منذ عام 2009، والأولى بعد دخول سوريا مرحلة انتقالية جديدة. وحملت الزيارة أبعاداً سياسية وقانونية وإنسانية، كما أعادت طرح سؤال حدود الدور الأممي في التأثير على الملف السوري.

فعلى المستوى السياسي، فُهمت الزيارة على نطاق واسع بوصفها مؤشراً إلى انخراط أممي مباشر مع مؤسسات الدولة السورية في مرحلتها الانتقالية، ورسالة دعم لمسار إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار المؤسسي. كما أكدت أهمية الحوار الوطني، وترسيخ سيادة القانون، وإشراك مختلف مكونات المجتمع في رسم مستقبل البلاد، بما يعزز فرص الانتقال السياسي السلمي ويمنح العملية السياسية زخماً دولياً جديداً.

البعد الدبلوماسي
أما دبلوماسياً، فقد أعادت الزيارة سوريا إلى صدارة الاهتمام الأممي، وأسهمت في فتح قنوات تواصل أوسع مع المجتمع الدولي والدول المانحة، مؤكدة أن استقرار سوريا لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبح عنصراً مؤثراً في أمن واستقرار المنطقة بأكملها. كما فُسرت الزيارة على أنها قد تفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن تخفيف العزلة الدولية عن سوريا وإعادة دمجها تدريجياً في محيطها الإقليمي والدولي.

وفي الجانب القانوني، شددت تصريحات الأمين العام، بحسب ما ورد في البيانات المعلنة عن الزيارة، على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وضرورة الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. كذلك أولت الزيارة اهتماماً بملفات العدالة الانتقالية، وكشف مصير المفقودين، وإنصاف الضحايا، باعتبار أن تحقيق العدالة يمثل أحد الشروط الأساسية لبناء سلام مستدام واستقرار طويل الأمد.

الدور الأممي وحدوده الاقتصادية

اقتصادياً، حملت الزيارة دعماً سياسياً لفكرة تخفيف العقوبات الاقتصادية وتهيئة البيئة المناسبة للتعافي، إلا أنها لم تتضمن أي التزامات مالية مباشرة أو برامج تمويل واسعة لإعادة الإعمار. وهنا يبرز التمييز بين الدور السياسي للأمم المتحدة وبين دور المؤسسات المالية والدول المانحة، إذ إن المنظمة الدولية ليست جهة استثمارية، ولا تمتلك الموارد اللازمة لإعادة إعمار دولة بحجم سوريا، وإنما يتركز دورها في تنسيق جهود المانحين، وحشد الدعم الإنساني والتنموي، وتعزيز برامج التعافي المبكر عبر وكالاتها المتخصصة.

وعلى الصعيد الأمني، أدان الأمين العام الاعتداءات والانتهاكات التي تمس السيادة السورية، ودعا إلى احترام القانون الدولي وخفض التصعيد، إلا أن هذه المواقف بقيت في إطار الرسائل السياسية، دون أن تنعكس إلى إجراءات عملية توقف التوترات على الأرض. فقد استمرت العمليات العسكرية والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري خلال أيام الزيارة نفسها، وهو ما أبرز محدودية قدرة الأمم المتحدة على فرض قراراتها أو ردع الانتهاكات في ظل غياب توافق دولي داخل مجلس الأمن.

أما البعد الإنساني، فكان من أبرز محاور الزيارة، إذ ركزت التصريحات والأنشطة المعلنة خلالها على أوضاع المدنيين، ودعت إلى زيادة التمويل الإنساني وتحسين الظروف المعيشية، مع التأكيد على ضرورة توفير بيئة آمنة وكريمة لعودة اللاجئين والنازحين، وربط التعافي الاقتصادي بتحسين حياة الإنسان السوري قبل أي اعتبارات أخرى.

كما تطرقت الزيارة إلى دور المجتمع المدني، وفق ما عكسته اللقاءات والتصريحات المعلنة، بما في ذلك قضايا العدالة الانتقالية وحقوق المفقودين وحماية الملكيات وتعزيز مشاركة المرأة والشباب، بما يعكس إدراك الأمم المتحدة أن بناء السلام لا يقتصر على الحكومات، بل يتطلب شراكة مجتمعية واسعة.

ورغم هذه الإيجابيات، فإن الزيارة لم تخلُ من ملاحظات تستحق التوقف عندها. أولها يتعلق بتوقيت الزيارة، إذ جاءت بعد نحو عام وثمانية أشهر من بدء المرحلة الانتقالية، وهو تأخير أثار تساؤلات حول أسباب غياب الحضور الأممي الرفيع خلال الفترة الأكثر حساسية، حين كانت البلاد بأمسّ الحاجة إلى دعم سياسي ودبلوماسي مبكر يسهم في تعزيز الثقة وحشد المجتمع الدولي.

أما الملاحظة الثانية فتتعلق بإلغاء زيارة محافظة القنيطرة ومقر قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (الأندوف)، بعد إعلان توجه الأمين العام إلى اجتماع طارئ في قبرص. وقد تزامن ذلك مع استمرار التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، وهو ما عزز انطباعاً بأن الزيارة الأممية لم تُحدث أثراً مباشراً في خفض التوترات الميدانية، وأن قدرة الأمم المتحدة على ردع الانتهاكات أو فرض احترام القانون الدولي ما تزال محدودة في ظل القيود التي تفرضها موازين القوى الدولية على عمل المنظمة.

ومن الملاحظات أيضاً أن بعض التصريحات المتعلقة بالاستثمار قد توحي بأن الأمم المتحدة تمتلك أدوات استثمارية مباشرة، بينما يقتصر دورها الحقيقي على تعبئة الدعم الدولي، وتنسيق المساعدات، وحشد التمويل عبر وكالاتها وبرامجها والشراكة مع الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية. ومن ثم فإن مستقبل التعافي الاقتصادي السوري يبقى مرتبطاً بإرادة المجتمع الدولي، وبمدى استعداد الدول والمؤسسات المالية لتوفير الموارد اللازمة لإعادة الإعمار.

وفي المحصلة، يمكن القول إن زيارة غوتيريش كانت ناجحة من الناحية السياسية والاستراتيجية أكثر من كونها ناجحة تنفيذياً. فقد أعادت تأكيد حضور الأمم المتحدة في الملف السوري، ومنحت المرحلة الانتقالية زخماً دولياً، ورسخت مبادئ دعم السيادة والعدالة والتعافي، إلا أنها لم تحقق اختراقات عملية في الملفات الأكثر تعقيداً، مثل رفع العقوبات، أو توفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار، أو وقف الانتهاكات الأمنية على الأرض. وأظهرت الزيارة أن الأمم المتحدة ما تزال قادرة على لعب دور مهم في توفير الشرعية الدولية، وتنسيق الجهود الإنسانية، ودعم الحوار والإصلاح المؤسسي، لكنها في الوقت ذاته تبقى مقيدة بإرادة الدول الأعضاء، ولا سيما القوى الكبرى ومجلس الأمن، وهو ما يحد من قدرتها على فرض حلول تنفيذية أو اتخاذ إجراءات حاسمة في القضايا الأمنية والسياسية. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذه الزيارة لن تقاس بما تحقق خلالها فقط، بل بما ستتبعه من خطوات عملية، سواء من قبل الأمم المتحدة أو من المجتمع الدولي، لتحويل الدعم السياسي إلى مشاريع تنموية، وبرامج تعافٍ، وضمانات أمنية، بما يلبي تطلعات السوريين نحو دولة مستقرة، ذات سيادة، وقادرة على تحقيق التنمية والعدالة والسلام.