لم تكن مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد مشاركة بروتوكولية في مناسبة دولية، بل جاءت في لحظة مفصلية تحاول فيها سوريا الانتقال من مرحلة تثبيت حضورها الدولي إلى مرحلة أكثر تعقيداً عنوانها: كيف تحافظ الدولة على هذا الحضور وتحوّله إلى قوة سياسية واقتصادية وأمنية داخلية؟
وبحسب بيانات رسمية سورية، وصل الرئيس الشرع إلى نيويورك على رأس وفد رسمي، وعقد سلسلة لقاءات شملت مسؤولين أمريكيين ودوليين، بينهم المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك، كما شارك في اجتماعات مع عدد من القادة والمسؤولين الدوليين. وفي خطابه أمام الجمعية العامة ركز على إعادة بناء مؤسسات الدولة، والتعافي الاقتصادي، ورفع العقوبات، وتوسيع العلاقات الدولية، واستعادة دور سوريا في التجارة والطاقة والممرات الإقليمية.
◆
وبذلك يمكن النظر إلى زيارة نيويورك باعتبارها انتقالاً من سوريا التي كانت موضوعاً للأزمة الدولية إلى سوريا التي تحاول أن تكون طرفاً في صياغة مستقبلها.
لكن المفارقة أن هذا الانفتاح الخارجي يتزامن مع تحديات أمنية واقتصادية متسارعة في الداخل.
فبعد أيام قليلة من عودة الرئيس من نيويورك، استُهدف خط غاز بين الشولا ودير الزور بعملية وصفتها السلطات السورية بالتخريب، ثم وقع انفجار آخر في خط الغاز المغذي لمحطة تشرين الحرارية، ما أدى إلى خروج ثلاث محطات توليد عن الخدمة. وجاءت هذه الحوادث في توقيت يفتح باب التساؤل حول أثرها المحتمل على مسار الانفتاح الخارجي، من دون الجزم بوجود رابط مباشر مثبت حتى الآن. وفي الوقت نفسه تعرضت حافلة تقل عاملين عائدين من عملهم لهجوم مسلح قرب جسر مصياف في ريف حمص، أدى إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة، فيما لم تُعرف الجهة المنفذة حتى الآن.
وهنا تبدأ القراءة السياسية الأهم.
◆
من اختبار الحضور الدولي إلى اختبار الدولة في الداخل
إن الدولة التي تستعيد حضورها في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتفتح قنوات مع واشنطن وأوروبا والدول العربية، وتعمل على جذب الاستثمار وإعادة الإعمار، تحتاج في المقابل إلى بيئة داخلية مستقرة تستطيع من خلالها تحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة.
فالمستثمر لا ينظر فقط إلى الاتفاقيات الدولية، وإنما يسأل عن أمن الطرق، وأمن المنشآت، واستقرار الكهرباء والطاقة، وقدرة الدولة على حماية العمال والشركات والمرافق الحيوية.
ولهذا فإن استهداف خطوط الغاز لا يمثل مشكلة فنية فحسب.
فهذا النوع من الاستهداف ينعكس مباشرة على إنتاج الكهرباء، ثم على الخدمات الأساسية والنشاط الاقتصادي وثقة المستثمرين.
فالغاز يعني كهرباء، والكهرباء تعني صناعة ومياه ومستشفيات واتصالات واستثماراً، والاستثمار يعني فرص عمل ودخلاً وعودة للسكان والمهجرين.
ومن هنا، فإن حماية البنية التحتية ليست ملفاً أمنياً منفصلاً عن السياسة الخارجية، بل هي جزء من القوة الشاملة للدولة.
◆
حافلة العاملين: دلالات أمنية واجتماعية للهجوم
الأمر نفسه ينطبق على استهداف حافلة العاملين.
فالاعتداء على موظفين وعمال عائدين إلى منازلهم يختلف في دلالته عن مواجهة عسكرية بين مجموعات مسلحة؛ لأنه يبعث برسالة نفسية إلى المجتمع مفادها أن الطريق العام، ومكان العمل، والمنشأة المدنية، وحتى العامل الذي يذهب إلى وظيفته، يمكن أن يتحول إلى هدف.
ولا تزال هوية المنفذين ودوافعهم غير محسومة رسمياً، ولذلك لا يصح تحميل العملية مسبقاً إلى تنظيم أو ميليشيا بعينها.
لكن من منظور أمني وسياسي، فإن تكرار استهداف البنية التحتية والعاملين يفرض على الدولة التعامل مع احتمال وجود خلايا تخريبية أو فواعل مسلحة خارجة عن السيطرة تحاول استثمار هشاشة المرحلة الانتقالية.
وهنا تصبح معركة الدولة ليست فقط ضد الإرهاب، وإنما ضد اقتصاد الفوضى: شبكات السلاح، والجريمة المنظمة، والخلايا التخريبية، والفواعل التي تستطيع تعطيل طريق أو خط غاز أو حافلة بتكلفة محدودة، بينما تترك أثراً سياسياً واقتصادياً كبيراً.
◆
الجنوب السوري: عقدة أمنية لا يجوز اختزالها
في الجنوب، تتداخل الاعتبارات المحلية مع الحسابات الإقليمية بصورة أكثر تعقيداً.
وتقول إسرائيل إن تحركاتها في الجنوب تستند إلى اعتبارات أمنية، كما تربط بعضها بمسألة حماية الدروز، بينما ترى دمشق أن استمرار العمليات والتوغلات الإسرائيلية يمثل مساساً بالسيادة السورية. وقد أشارت تقارير أممية إلى استمرار التوتر في الجنوب السوري، فيما أفادت تقارير إعلامية وحقوقية بوقوع توغلات وتحركات إسرائيلية متكررة خلال أيلول.
وفي الوقت ذاته، لا ينبغي تحويل كل اضطراب محلي إلى مؤامرة خارجية، ولا تجاهل تأثير التدخلات الإقليمية في البيئة السورية.
المعادلة الأكثر واقعية هي أن سوريا تواجه تراكباً بين فواعل محلية ومصالح إقليمية وتنافس دولي، وهذه البيئة تجعل أي خطأ في إدارة الملف الأمني قابلاً للتحول إلى أزمة سياسية أكبر.
ولهذا فإن المطلوب من دمشق ليس التصعيد الدائم ولا تقديم تنازلات مجانية، وإنما بناء قدرة ردع سياسية وأمنية هادئة تقوم على القانون والمؤسسات والاتصال الدبلوماسي وتثبيت الحقائق على الأرض.
◆
خطر عودة الفوضى في ظل التحولات الإقليمية
تزداد أهمية هذا الأمر مع التحول في المشهد الإقليمي.
فالولايات المتحدة أعلنت في 30 أيلول اكتمال سحب قواتها من العراق ضمن انتقال المهمة المتعلقة بمكافحة تنظيم داعش، في وقت تشهد فيه المنطقة أصلاً توترات حادة مرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
ولا يعني ذلك أن الفراغ الأمني سيؤدي تلقائياً إلى عودة تنظيم داعش أو إلى موجة جديدة من العنف داخل سوريا، لكن التحولات في العراق والمنطقة تفرض على دمشق إعادة تقييم البيئة الأمنية حول حدودها الشرقية.
وهنا تكمن أهمية سوريا الجغرافية.
فاستقرار شرق سوريا ليس سورياً فقط؛ إنه مرتبط بأمن العراق، وأمن تركيا، وحركة التجارة، ومكافحة الإرهاب، والطاقة والممرات البرية.
ومن ثم فإن سوريا الجديدة أمام فرصة لإعادة تعريف موقعها: دولة أمن واستقرار واتصال، لا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
◆
واحتمال عودة الحرب مع إيران؟
الحديث عن إيران يحتاج أيضاً إلى قدر من الواقعية.
فالمنطقة دخلت بالفعل مرحلة شديدة التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وترافق ذلك مع اضطراب في حركة الطاقة والتجارة الإقليمية. وقد انعكس إغلاق مضيق هرمز على حركة الطاقة ودفع العراق إلى استخدام الموانئ والطرق السورية في بعض عمليات استيراد الوقود.
وهنا تظهر أمام دمشق معادلة دقيقة:
كيف تبقى خارج الحرب، من دون أن تبقى خارج الجغرافيا التي تنتج آثارها؟
هذه هي إحدى أهم قواعد السياسة السورية المقبلة.
فسوريا لا تستطيع التحكم في قرارات واشنطن أو طهران أو تل أبيب، لكنها تستطيع التحكم بدرجة كبيرة في كيفية حماية أراضيها من أن تصبح مسرحاً لهذه الصراعات.
وهذا يتطلب سياسة واضحة:
لا استخدام للأراضي السورية منصة لهجمات على الآخرين، وفي الوقت نفسه لا السماح بتحويل الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات أو فرض الترتيبات الأمنية من الخارج.
◆
القوة السورية لا تعني الدخول في كل المعارك
ربما يكون أهم درس أمام دمشق اليوم هو أن القوة السياسية لا تعني خوض جميع المعارك.
الدولة القوية هي التي تعرف متى تفاوض، ومتى تصمت، ومتى تعترض، ومتى تستخدم القانون الدولي، ومتى تبني شراكة، ومتى ترفض، ومتى تؤجل قراراً حتى تتغير موازين الظروف.
وفي المرحلة الحالية، تبدو المناورة السورية ممكنة عبر خمسة مسارات متوازية:
أولاً: توسيع شبكة العلاقات.
عدم وضع سوريا في محور واحد، بل الحفاظ على علاقات عملية مع الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا والدول العربية وروسيا، مع تطوير العلاقات الآسيوية والدولية.
ثانياً: تحويل الانفتاح الدولي إلى مصالح اقتصادية.
فالعلاقات السياسية يجب أن تنتج استثماراً وطاقة وبنية تحتية وفرص عمل، لا مجرد بيانات ومؤتمرات.
ثالثاً: تحصين الداخل.
حماية الطرق والمنشآت وخطوط الطاقة، وتطوير الاستخبارات ومكافحة الخلايا المسلحة، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت مؤسسات الدولة.
رابعاً: إدارة الملف الإسرائيلي بعقل الدولة.
لا التنازل عن السيادة، ولا الانجرار إلى حرب مفتوحة لا تخدم عملية بناء الدولة. المطلوب تثبيت الحقوق السورية دبلوماسياً وقانونياً وأمنياً، والاستفادة من الوساطات الدولية عندما تخدم المصلحة السورية.
خامساً: بناء علاقة متوازنة مع الجوار.
تركيا والعراق والأردن ولبنان ليسوا مجرد دول محيطة، بل يمثلون عمق سوريا الاقتصادي والأمني والتجاري.
◆
السيناريوهات الثلاثة أمام سوريا
◆
السيناريو الأول: تثبيت مسار التعافي
وهو أن تنجح الدولة في حماية الداخل، وتطوير المؤسسات، وتحويل الانفتاح الدولي إلى استثمارات، والاستمرار في الحوار مع مختلف القوى، مع ضبط السلاح خارج الدولة.
في هذه الحالة تصبح سوريا تدريجياً طرفاً لا يمكن تجاوز مصالحه في ملفات المنطقة.
◆
السيناريو الثاني: استنزاف أمني طويل
ويتمثل في استمرار الهجمات على الطاقة والطرق والمنشآت، مع بقاء خلايا مسلحة وفواعل محلية خارجة عن سيطرة الدولة، بما يؤدي إلى ارتفاع كلفة الأمن وإبطاء التعافي الاقتصادي.
هذا السيناريو لا يحتاج إلى حرب شاملة حتى يكون خطيراً؛ يكفي أن تصبح الدولة منشغلة بإطفاء الحرائق اليومية بدلاً من بناء المؤسسات.
◆
السيناريو الثالث: ارتداد إقليمي
وهو الأخطر، ويتمثل في توسع المواجهات الإقليمية أو اندلاع جولة جديدة من الحرب بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، بما يضع سوريا أمام ضغوط أمنية واقتصادية كبيرة، ويجعل أراضيها ومجالها الجوي وحدودها عرضة لتداعيات الصراع.
وفي هذه الحالة تصبح الأولوية السورية هي تحييد الأراضي السورية قدر الإمكان، ومنع نقل الصراع إلى الداخل، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المؤثرة.
◆
الحكمة السورية: تحويل الجغرافيا من عبء إلى قوة
من موقع الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، أرى أن التحدي الحقيقي أمام سوريا ليس فقط في مواجهة التهديدات، وإنما في إدارة التناقضات من دون خسارة الهدف الأساسي: بناء الدولة.
فدمشق اليوم لا تحتاج إلى الدخول في سباق محاور، ولا إلى تقديم نفسها كطرف في حرب إقليمية، ولا إلى مواجهة جميع خصومها في الوقت نفسه.
ما تحتاجه هو شيء أكثر تعقيداً وأشد قوة:
سياسة توازن.
توازن بين السيادة والانفتاح، وبين الأمن والحوار، وبين العلاقة مع الغرب والعلاقة مع الشرق، وبين متطلبات الأمن الإسرائيلي وحقوق الدولة السورية، وبين مكافحة الإرهاب وعدم السماح باستخدام مكافحة الإرهاب ذريعة لتجاوز السيادة السورية، وبين الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على القرار الاقتصادي الوطني.
والأهم أن تستفيد دمشق من اللحظة الدولية الحالية بدلاً من أن تصبح أسيرة لها.
فمشاركة الرئيس الشرع في الجمعية العامة، واللقاءات الأمريكية والدولية التي رافقتها، أظهرت أن هناك مساحة دولية للتعامل مع سوريا الجديدة، وأن واشنطن وغيرها تنظر إلى دمشق باعتبارها طرفاً مهماً في معادلات الاستقرار الإقليمي. وقد أكدت لقاءات نيويورك دعم عدد من المشرعين الأمريكيين لوحدة سوريا وسيادتها وجهود التعافي وإعادة الإعمار، وفق الرواية الرسمية السورية.
لكن الاعتراف الدولي بالحضور السوري لا يكفي.
المطلوب الآن هو ترجمة هذا الحضور إلى دولة قادرة على حماية مواطنيها، وتأمين طرقها، وحماية طاقتها، وضبط حدودها، واستعادة اقتصادها، وجذب الاستثمار، وإدارة التنوع الداخلي، والتفاوض مع الخارج من موقع المصالح الوطنية.
◆
الخلاصة: لا بد من الانتقال من تثبيت الحضور إلى صناعة القوة
لقد قطعت سوريا خطوة مهمة عندما عادت إلى منصة الأمم المتحدة بصوت سياسي يؤكد السيادة وإعادة البناء والانفتاح الدولي. لكن المرحلة التالية أصعب.
فبينما كانت دمشق في نيويورك تتحدث عن سوريا العائدة إلى المجتمع الدولي، كانت في الداخل تواجه تفجير خطوط الغاز واستهداف العاملين وتحديات أمنية متصاعدة. وهذه المفارقة تختصر طبيعة المرحلة كلها:
سوريا تستعيد موقعها خارجياً، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بحماية هذا الموقع داخلياً.
ومن هنا فإن السياسة السورية الأكثر حكمة ليست سياسة رد الفعل، وإنما سياسة الاستباق.
لا تنتظر دمشق حتى تتحول الخلايا إلى تنظيمات كبيرة، بل تضرب شبكاتها مبكراً.
ولا تنتظر حتى تتحول أزمة الطاقة إلى أزمة اجتماعية، بل تحصّن خطوطها ومصادرها وتنوّع شراكاتها.
ولا تنتظر حتى يتحول الجنوب إلى ساحة صراع إقليمي، بل تدير الملف سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً في وقت واحد.
ولا تنتظر حتى تفرض القوى الكبرى خياراتها، بل تستخدم تعدد العلاقات الدولية لبناء هامش مناورة مستقل.
وفي المحصلة، فإن القوة السورية في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بحجم السلاح، وإنما بقدرة الدولة على إدارة التوازنات، حماية المجتمع، بناء الاقتصاد، ضبط الأمن، وتوسيع خياراتها الخارجية دون الارتهان لأي طرف.
فالدولة التي تمتلك خيارات متعددة تكون أكثر قدرة على المناورة، والدولة التي تحمي استقرارها الداخلي تكون أكثر قدرة على التفاوض، والدولة التي تحول موقعها الجغرافي إلى ممر للتجارة والطاقة والتعاون بدلاً من أن يكون ساحة للصراع، تستطيع أن تنتقل من كونها متلقياً لتداعيات أزمات المنطقة إلى أن تصبح أحد صانعي توازناتها.
وهنا تحديداً تكمن المعركة السورية المقبلة: ليس فقط في منع عودة الحرب، وإنما في بناء دولة قادرة على منع الآخرين من تحويل سوريا إلى ساحة حرب جديدة.
لأن استقرار سوريا ليس مصلحة سورية فحسب؛ بل هو جزء من أمن تركيا والعراق والأردن ولبنان، ومن أمن المتوسط، ومن أمن الطاقة والتجارة والهجرة ومكافحة الإرهاب. ولذلك فإن حماية الدولة السورية الجديدة ليست مجرد شأن داخلي، بل استثمار مباشر في أمن المنطقة واستقرارها.
معرض دمشق الدولي 2026
حين فتحت سوريا أبوابها للعالم… وبدأ الاقتصاد يتحدث
هناك معارض تُقام لعرض المنتجات، وهناك معارض تتحول إلى مؤشرات على تحولات الدول.
ومعرض دمشق الدولي في دورته الثالثة والستين ينتمي إلى النوع الثاني.
فما يجري في مدينة المعارض بدمشق هذا العام ليس مجرد دورة جديدة لمعرض عريق، ولا مجرد عودة لحدث اقتصادي غاب سنوات طويلة عن المشهد الدولي.
إنه، بكل ما يحمله من حضور عربي ودولي، أحد أكثر المشاهد وضوحاً على التحول الذي تعيشه سوريا الجديدة.
تحت شعار «سوريا تشرق من جديد»، تستضيف دمشق نحو ألف جهة تمثل قرابة 60 دولة، بينها شركات ومؤسسات ووزارات وهيئات وغرف تجارة ومجالس أعمال وجهات استثمارية وخدمية وحرفية. كما تحضر ألمانيا للمرة الأولى كضيف شرف رسمي بجناح يضم 13 عارضاً.
وهذا الرقم وحده يقول الكثير.
لكن الأهم من عدد الدول هو نوع الحضور.
فالدول لم تأتِ إلى دمشق فقط لتعرض منتجاتها.
لقد جاءت لتبحث عن السوق السورية، وعن فرص الاستثمار، وعن الشراكات، وعن موقعها في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد السوري.
وهنا تحديداً تكمن قصة معرض دمشق الدولي هذا العام.
من «سوريا تستقبل العالم» إلى «سوريا تشرق من جديد»
في الدورة السابقة كان الشعار يحمل معنى تاريخياً:
«سوريا تستقبل العالم».
كان العالم يعود إلى دمشق بعد سنوات من العزلة.
أما اليوم، فالمشهد أكثر تقدماً.
لم تعد سوريا تكتفي باستقبال العالم.
بل بدأت تقول:
نحن نريد أن نشارك في صناعة الاقتصاد الإقليمي والدولي.
وهذا الفارق مهم جداً.
فالدولة التي تستقبل الوفود فقط قد تكون ما زالت في مرحلة التعافي.
أما الدولة التي تضع حكومتها وقطاعها الخاص ومؤسساتها الاستثمارية على طاولة واحدة مع المستثمرين والشركات الدولية، فهي بدأت تنتقل إلى مرحلة أخرى:
مرحلة بناء الشراكات.
وهذا ما تحاول الدورة الحالية أن تفعله بالفعل.
◆
المعرض لم يعد معرضاً تقليدياً
أحد أهم التحولات في هذه الدورة هو إعادة تعريف وظيفة معرض دمشق الدولي.
فالمؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية أوضحت أن الدورة الحالية تتجه إلى جعل المعرض اقتصادياً بالدرجة الأولى، مع التركيز على الاستثمار ولقاءات مجتمع الأعمال، وإتاحة الوصول المباشر إلى الجهات الحكومية المرتبطة بالاقتصاد وبيئة الاستثمار.
وهذا تحول جوهري.
المعرض التقليدي يقول:
تعالَ وشاهد منتجاتنا.
أما المعرض الجديد فيقول:
تعالَ، تعرّف إلى سوريا، قابل حكومتها، قابل شركاتها، اسأل عن فرصها، ثم ابدأ مشروعك.
وهذه هي النقلة الحقيقية.
◆
الحكومة دخلت المعرض بكل مؤسساتها
ربما تكون واحدة من أكثر الرسائل أهمية في هذه الدورة أن الحكومة السورية لم تتعامل مع المعرض باعتباره نشاطاً لوزارة الاقتصاد وحدها.
بل حضرت الوزارات والهيئات والمؤسسات الاقتصادية والخدمية، إلى جانب القطاع الخاص.
وهذا يعني أن المستثمر لا يجد أمامه جناحاً تجارياً فقط، وإنما يجد الدولة نفسها حاضرة لتقديم المعلومات والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالاستثمار والتراخيص والقطاعات والفرص.
وقد أكد مدير المؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية أن مؤسسات الدولة والوزارات والهيئات المختلفة حاضرة ومستعدة للتعامل مع المستثمرين ورجال الأعمال وتزويدهم بالمعلومات التي يحتاجونها.
وهنا تظهر صورة مختلفة للدولة السورية:
دولة لا تنتظر المستثمر في المكاتب المغلقة، وإنما تضع نفسها أمامه في أكبر منصة اقتصادية سورية.
منتدى دمشق الاقتصادي… المعرض الذي يريد أن يصنع صفقات
لكن دمشق لم تتوقف عند فكرة المعرض.
فبالتزامن مع الدورة الحالية بدأ تأسيس منتدى دمشق الاقتصادي العالمي، ليكون المسار الذي ينقل المشاركة من عرض المنتجات والفرص إلى التفاوض حول المشاريع والعقود والشراكات.
المنتدى يجمع الحكومة والقطاع الخاص والمستثمرين والشركاء الدوليين، ويتيح لقاءات بين الشركات، وبين الشركات والجهات الحكومية، لبحث الاستثمار والإنتاج والتصدير والتراخيص ومذكرات التفاهم والاتفاقيات.
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحاً:
المعرض هو بوابة التعارف.
والمنتدى هو طاولة التفاوض.
والحكومة هي الجهة التي يفترض أن تحول التفاوض إلى بيئة استثمار.
أما القطاع الخاص، فهو الطرف الذي يجب أن يحول الفرص إلى إنتاج ومشاريع وفرص عمل.
وهذه معادلة اقتصادية مختلفة تماماً عن اقتصاد الدولة المغلقة.
ألمانيا… ليست مجرد ضيف شرف
ربما كان اختيار ألمانيا ضيف شرف للدورة الحالية من أكثر الرسائل دلالة.
فألمانيا لا تمثل فقط دولة صناعية كبرى.
إنها تمثل، في الذاكرة الاقتصادية السورية، نموذجاً لإعادة البناء والانضباط الصناعي والتدريب المهني والتكنولوجيا والقطاع المتوسط والصغير.
ولهذا فإن وجودها في دمشق يحمل معنى يتجاوز البروتوكول.
وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار تحدث صراحة عن أهمية التجربة الألمانية في تحويل التحديات إلى قوة والدمار إلى بناء، مؤكداً أن سوريا لا تريد استنساخ التجربة الألمانية، وإنما التعلم منها، وأن السوريين الذين عاشوا في ألمانيا يمكن أن يشكلوا جسراً بشرياً ومعرفياً واقتصادياً بين البلدين.
وهذه ربما واحدة من أهم الأفكار في المشهد كله:
رأس المال السوري الموجود في الخارج ليس أموالاً فقط.
إنه خبرة.
ومعرفة.
وشبكات علاقات.
ولغة.
وتجربة.
وعندما يعود هذا الرأس المال البشري إلى سوريا، ولو عبر الشراكات والاستثمار ونقل المعرفة، فإنه يصبح جزءاً من عملية إعادة البناء.
◆
رأس المال البشري يتحدث من داخل المعرض
وهنا نصل إلى جانب لا يقل أهمية عن الاستثمارات المالية.
سوريا لا تحتاج فقط إلى مليارات الدولارات.
سوريا تحتاج إلى ملايين الأفكار والخبرات.
المهندس السوري الذي عمل في أوروبا.
الطبيب الذي بنى خبرته في الخارج.
رجل الأعمال الذي أسس شركته في الخليج.
المبرمج الذي عمل في ألمانيا.
الخبير الصناعي الذي عاش في تركيا.
الأكاديمي الذي عمل في الجامعات الأجنبية.
كل هؤلاء يمثلون جزءاً من رأس المال الذي يمكن أن يعيد بناء الاقتصاد السوري.
ولهذا فإن معرض دمشق الدولي ليس فقط مكاناً للشركات الأجنبية.
إنه أيضاً مكان يمكن أن يلتقي فيه السوري في الداخل مع السوري في الخارج.
ومن هنا يصبح المعرض منصة لإعادة وصل الاقتصاد السوري بشبكات المعرفة السورية العالمية.
◆
العرب يعودون إلى دمشق اقتصادياً
اللافت أيضاً هو الحضور العربي الواسع.
السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، مصر، الأردن، العراق، ليبيا، الجزائر، لبنان وغيرها من الدول العربية حاضرة بصورة مباشرة أو عبر مؤسساتها وشركاتها ومجالس أعمالها.
وهذا الحضور يحمل معنى بالغ الأهمية.
فالاقتصاد السوري لا يمكن أن يُبنى بمعزل عن محيطه العربي.
سوريا تقع في قلب المشرق، وتملك موقعاً يمكن أن يجعلها حلقة وصل بين الخليج والعراق وتركيا والبحر المتوسط.
ولهذا فإن الاستثمار العربي في سوريا لا يعني فقط ضخ الأموال.
بل يمكن أن يعني:
إعادة بناء طرق التجارة.
إعادة تشغيل الموانئ.
تطوير المناطق الصناعية.
تنشيط النقل البري.
تطوير السياحة.
فتح أسواق جديدة للمنتجات السورية.
وهكذا يتحول الاقتصاد السوري من اقتصاد يبحث عن المساعدة إلى اقتصاد يحاول أن يصبح جزءاً من شبكة اقتصادية إقليمية.
رفع العقوبات… والآن يبدأ الاختبار الحقيقي
لكن هناك نقطة يجب عدم تجاهلها.
رفع العقوبات أو تخفيف القيود لا يعني أن الاقتصاد السوري أصبح جاهزاً تلقائياً.
بل يعني أن الفرصة أصبحت متاحة.
والاختبار الحقيقي يبدأ الآن.
هل تستطيع سوريا جذب الاستثمار؟
هل تستطيع حماية المستثمر؟
هل تستطيع بناء نظام مصرفي قادر على التعامل مع الاقتصاد العالمي؟
هل تستطيع تسهيل تأسيس الشركات؟
هل تستطيع توفير الطاقة؟
هل تستطيع تحديث التشريعات؟
هل تستطيع مكافحة الفساد؟
هل تستطيع تحقيق الاستقرار؟
هل تستطيع تحويل الاتفاقيات التي تُعلن أمام الكاميرات إلى مصانع ومشاريع وفرص عمل؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد نجاح المرحلة المقبلة.
ولذلك فإن معرض دمشق الدولي ليس نهاية الطريق.
بل هو أول اختبار حقيقي للانفتاح الاقتصادي السوري.
السياحة… الاقتصاد الذي يطل من بوابة المعرض
وإذا كان الاستثمار والصناعة والتجارة هي العنوان المباشر للمعرض، فإن السياحة هي العنوان الذي يمكن أن يمتد إلى كامل الاقتصاد السوري.
سوريا لا تحتاج فقط إلى أن يعود المستثمر.
هي تحتاج أيضاً إلى أن يعود السائح.
دمشق.
تدمر.
بصرى.
حلب.
اللاذقية.
طرطوس.
الجزيرة.
الجنوب السوري.
المدن القديمة.
الآثار.
الطبيعة.
المطبخ السوري.
والتراث الثقافي.
كلها يمكن أن تتحول إلى مكونات لصناعة سياحية متكاملة.
وتشير التقديرات التي طُرحت ضمن منتدى دمشق الاقتصادي إلى إمكانية استهداف نحو 8 ملايين سائح خلال خمس سنوات، مع إمكان خلق مئات آلاف فرص العمل إذا جرى تطوير البنية السياحية والخدمات المرتبطة بها.
وهذا يعني أن الموسم السياحي السوري المقبل لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد موسم للزوار.
بل باعتباره:
موسم استثمار.
الفندق مشروع.
المطعم مشروع.
النقل السياحي مشروع.
المنتجعات مشروع.
المدن القديمة مشروع.
السياحة العلاجية مشروع.
السياحة الدينية مشروع.
السياحة البيئية مشروع.
وهنا يمكن لمعرض دمشق الدولي أن يكون نقطة البداية لعرض سوريا ليس فقط كسوق استثمار صناعي، وإنما كوجهة سياحية واستثمارية متكاملة.
- من إعادة الإعمار إلى إعادة بناء الاقتصاد
هناك فرق كبير بين أن نقول:
سوريا تحتاج إلى إعادة إعمار.
وبين أن نقول:
سوريا تبني اقتصاداً جديداً.
الأولى تعني إصلاح ما تهدم.
أما الثانية فتعني بناء شيء مختلف.
وهذا ما يجب أن تكون عليه المرحلة القادمة.
ليس المطلوب فقط إعادة بناء مصنع كان موجوداً.
بل إنشاء مصنع أكثر كفاءة.
ليس المطلوب فقط إعادة بناء مدرسة.
بل بناء منظومة تعليم تربط الطالب بسوق العمل.
ليس المطلوب فقط إصلاح شبكة كهرباء.
بل بناء قطاع طاقة قادر على جذب الاستثمار.
ليس المطلوب فقط إعادة الطرق.
بل تحويل سوريا إلى ممر تجاري إقليمي.
وهنا تحديداً يصبح الاستثمار الأجنبي مفيداً عندما يأتي مصحوباً بـ:
التكنولوجيا + المعرفة + التدريب + الإدارة + رأس المال.
وهذه هي الفكرة التي طرحها وزير الاقتصاد عندما تحدث عن أن المعرض يجب أن يكون منصة تنتقل عبرها التكنولوجيا والمعرفة والخبرة إلى سوريا.
من الدورة السابقة إلى الدورة الحالية… ماذا تغير؟
ربما تكون المقارنة بين الدورتين هي أفضل طريقة لفهم حجم التحول.
الدورة الثانية والستون، التي أقيمت في 2025، كانت أول دورة بعد التغيير السياسي، وشهدت مشاركة نحو 850 شركة محلية وعالمية وحضوراً اقتصادياً ودولياً واسعاً. وقد بلغ عدد الزوار نحو 2.261 مليون زائر، وتجاوزت قيمة العقود والاتفاقيات المعلنة خلالها 935 مليار ليرة سورية.
أما الدورة الثالثة والستون، فقد جاءت بمشاركة نحو ألف جهة من قرابة 60 دولة، مع حضور حكومي واقتصادي دولي أوسع، وتحوّل أكبر نحو الاستثمار ولقاءات الأعمال.
أي أن سوريا انتقلت خلال عام واحد تقريباً:
من استعادة المعرض…
إلى إعادة تعريف وظيفة المعرض.
ومن استقبال الشركات…
إلى محاولة بناء الشراكات.
ومن عرض المنتجات…
إلى التفاوض على المشاريع.
ومن استعادة الحضور الدولي…
إلى محاولة استعادة الدور الاقتصادي.
وهذه ليست تفاصيل صغيرة.
غرفة تجارة وصناعة درعا… نموذج للقطاع الخاص الذي يدخل المشهد
وفي هذا السياق، يبرز دور غرف التجارة والصناعة، ومنها غرفة تجارة وصناعة درعا، باعتبارها نموذجاً على دخول القطاع الخاص السوري بصورة أكثر مباشرة في مشروع الاقتصاد الجديد.
فالقطاع الخاص لم يعد مطلوباً منه فقط أن ينتظر القرارات الحكومية.
بل أصبح شريكاً في جذب الاستثمار، والتواصل مع المستثمرين، وبناء العلاقات التجارية، وتطوير الإنتاج المحلي.
وهذا التحول أساسي.
لأن الدولة وحدها لا تستطيع بناء اقتصاد حديث.
والقطاع الخاص وحده لا يستطيع العمل دون دولة قوية وقوانين واضحة.
المعادلة المطلوبة هي:
دولة تنظم وتحمي وتفتح الأبواب.
وقطاع خاص يستثمر وينتج ويخلق فرص العمل.
وشريك دولي ينقل رأس المال والخبرة والتكنولوجيا.
وهنا يمكن أن يبدأ الاقتصاد السوري الحقيقي.
◆
الاتحاد الأوروبي حاضر أيضاً
مشاركة السفير ميخائيل أونماخت، رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا، في منتدى دمشق الاقتصادي العالمي تضيف بعداً آخر للمشهد.
فالمنتدى لم يعد مساحة سورية داخلية.
لقد أصبح مكاناً يجلس فيه:
الحكومة السورية،
والقطاع الخاص،
والدبلوماسيون،
والمستثمرون،
والمؤسسات الدولية،
والشركات الأجنبية.
وهذه الصورة بحد ذاتها تحمل رسالة سياسية واقتصادية:
دمشق تعود إلى طاولة الاقتصاد الدولي.
سوريا الجديدة… من موقع المتلقي إلى موقع الشريك
ربما تكون هذه هي الصورة الأهم التي يجب أن يخرج بها الزائر من معرض دمشق الدولي 2026.
سوريا ليست بلداً يطلب فقط.
وليست بلداً ينتظر المساعدات فقط.
إنها بلد يمتلك:
موقعاً جغرافياً استراتيجياً.
سوقاً كبيرة.
موارد بشرية.
ثروات طبيعية.
قطاعاً خاصاً.
خبرات في الداخل والخارج.
حاجة ضخمة لإعادة الإعمار.
وموقعاً يمكن أن يعيد ربط الشرق بالمتوسط.
لكن كل هذه الإمكانات تحتاج إلى إدارة.
وهنا يأتي دور الحكومة.
عام كامل من العمل… والآن يبدأ الحصاد
معرض دمشق الدولي ليس وليد أسابيع قليلة من التحضير.
إنه نتيجة لمسار كامل بدأ منذ عودة سوريا إلى الانفتاح الدولي.
إعادة بناء العلاقات.
فتح القنوات السياسية.
إعادة التواصل مع المؤسسات الدولية.
تخفيف ورفع القيود والعقوبات.
إعادة بناء البيئة التشريعية.
تنشيط الاقتصاد.
إعادة الاعتبار للقطاع الخاص.
التواصل مع المستثمرين.
فتح قنوات مع الدول العربية.
الانفتاح على أوروبا وآسيا.
والتحرك باتجاه إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والدولي.
والآن جاءت اللحظة التي يمكن فيها أن يظهر أثر هذا العمل أمام العالم.
في معرض دمشق الدولي.
ولهذا فإن نجاح الدورة الحالية لا يُقاس فقط بعدد الزوار.
ولا بعدد الأجنحة.
ولا بعدد الصور.
بل بما سيحدث بعد إغلاق أبواب المعرض في الرابع من أيلول.
كم مصنعاً سيُبنى؟
كم شركة ستدخل السوق؟
كم مشروعاً سيبدأ؟
كم وظيفة ستُخلق؟
كم اتفاقية ستتحول إلى عقد؟
وكم مليار دولار من رأس المال سيجد طريقه إلى الاقتصاد السوري؟
هذه هي الأرقام التي ستحدد النجاح الحقيقي.
◆
الخلاصة: المعرض ليس صورة لسوريا… بل اختبار لسوريا الجديدة
معرض دمشق الدولي 2026 ليس مجرد معرض.
إنه رسالة سياسية واقتصادية واستثمارية في آن واحد.
رسالة تقول إن سوريا التي كانت لسنوات مغلقة أمام العالم، بدأت تفتح أبوابها.
وأن سوريا التي كانت تُناقش في المؤتمرات الدولية باعتبارها أزمة، بدأت تحاول أن تقدم نفسها باعتبارها فرصة.
وفرصة الاستثمار السورية ليست في قطاع واحد.
إنها تمتد من:
الصناعة،
والزراعة،
والطاقة،
والبنية التحتية،
والنقل،
والتكنولوجيا،
والاتصالات،
والسياحة،
والعقار،
والخدمات،
إلى التعليم والتدريب ورأس المال البشري.
ولذلك ربما يكون أفضل وصف للدورة الثالثة والستين هو:
معرض الانتقال من التعافي إلى التنمية.
ففي العام الماضي قالت سوريا للعالم:
«نحن نستقبلكم».
أما هذا العام فتقول:
«تعالوا نبني معاً».
وهذه هي صورة سوريا الجديدة التي تريد الحكومة تقديمها:
سوريا ليست فقط بلداً يعيد بناء ما تهدم… بل بلداً يريد أن يبني اقتصاداً جديداً، ويعود إلى موقعه الطبيعي كجسر بين الأسواق، ومنصة للاستثمار، وممر للتجارة، ووجهة للسياحة، وشريك في الاقتصاد الإقليمي والدولي.
ولعل العبارة التي قالها الرئيس أحمد الشرع في افتتاح المعرض تختصر المشهد كله:
«نرى شمس سوريا تشرق من جديد لتكون منارة في اقتصادها وجسراً بين الأسواق».
لكن الشمس لا تكفي وحدها.
المرحلة المقبلة هي مرحلة تحويل هذا الضوء إلى:
مصانع، ومشاريع، واستثمارات، وسياحة، ووظائف، وصادرات، ونمو.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي لسوريا الجديدة.
فالمعرض انتهى يوماً ما.
أما الاقتصاد الذي سيولد من داخله، فيجب ألا ينتهي.
لم تكن كلمة مندوب سوريا في مجلس الأمن خلال الجلسة الأخيرة المخصصة لبحث التطورات السورية مجرد عرض للمواقف الرسمية أو استعراض للملفات التي تشغل دمشق في هذه المرحلة، بل حملت في مضامينها رسائل سياسية تعكس الطريقة التي تحاول بها سوريا تقديم نفسها في محيطها الإقليمي والدولي.
ففي الخطاب السوري، برزت مفردات تجمع بين التأكيد على سيادة الدولة ووحدة أراضيها، وبين الانفتاح على التعاون الدولي والدبلوماسية والحوار. وهي مقاربة يمكن اختصارها بالعبارة التي وردت في ختام الكلمة، حين استُخدمت صورة «السيف الدمشقي» في مقابل «الحرير والأقمشة الناعمة» للدلالة على الجمع بين الحزم والمرونة.
هذه الصورة البلاغية لا تعني بالضرورة انتقال سوريا إلى سياسة مواجهة مفتوحة، كما لا تعني التخلي عن أدوات القوة أو المصالح الوطنية. لكنها، في سياق الخطاب، توحي بمحاولة رسم سياسة خارجية تريد أن تكون أكثر قدرة على التفاوض من دون أن تبدو متنازلة عن ثوابتها.
- من إدارة الأزمات إلى استعادة المبادرة
خلال المرحلة السابقة، كان جزء كبير من الحضور السوري في المحافل الدولية مرتبطاً بالأزمات الأمنية والإنسانية والسياسية التي شهدتها البلاد. أما الخطاب الحالي، فيحاول توسيع مساحة الحديث لتشمل إعادة بناء مؤسسات الدولة، وعودة السوريين، والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، وموقع سوريا في محيطها الإقليمي.
ومن هذه الزاوية، تبدو المشاركة السورية في مجلس الأمن مساحة لتقديم رواية سياسية مختلفة عن سوريا، تقوم على أن البلاد لا تريد أن تبقى موضوعاً للأزمات الدولية، وإنما تسعى تدريجياً إلى أن تكون طرفاً فاعلاً في النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة.
وهنا تبرز أهمية اللغة المستخدمة في الخطاب؛ فالثقة التي تظهر في بعض مفرداته لا تنفصل عن إدراك دمشق لحجم الملفات التي لا تزال تحتاج إلى معالجة وتفاهمات مع أطراف دولية وإقليمية.
- عودة السوريين.. ملف إنساني وسياسي
أشارت دمشق في خطابها إلى عودة أعداد كبيرة من السوريين إلى البلاد، في سياق الحديث عن التحولات التي تشهدها سوريا.
ويحمل ملف العودة أكثر من بعد إنساني؛ فهو يرتبط أيضاً بقدرة الدولة على توفير الأمن والخدمات وفرص العمل والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح للعودة بأن تتحول من حركة مؤقتة إلى استقرار دائم.
ولهذا، فإن تقييم ملف العودة لا يعتمد فقط على حجم الأعداد المعلنة، وإنما يحتاج كذلك إلى بيانات رسمية قابلة للتحقق وإلى مؤشرات تتعلق باستدامة العودة وظروف العائدين. ومن هنا تكتسب الإشارة السورية إلى هذا الملف أهمية سياسية، حتى مع الحاجة إلى التعامل مع الأرقام والبيانات المتعلقة به بحذر ومن خلال مصادر موثوقة.
- قسد.. اختبار مفهوم الدولة
ومن الملفات الأكثر حساسية التي حضرت في الخطاب السوري مسألة العلاقة مع «قسد»، ولا سيما ما يتعلق بمسار دمج مؤسساتها وقواتها ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وقدمت دمشق هذا المسار باعتباره جزءاً من معالجة أوسع تتصل بوحدة المؤسسات السيادية والعسكرية للدولة.
وتتجاوز أهمية هذا الملف الجانب العسكري المباشر، لأنه يرتبط بمستقبل شكل الدولة السورية، وبطبيعة العلاقة بين المركز والمناطق، وبإدارة الموارد، وبالترتيبات الأمنية في شمال شرقي البلاد.
ومن منظور دمشق، يبدو أن تثبيت مرجعية الدولة ومؤسساتها يمثل شرطاً أساسياً لأي تسوية طويلة الأمد، فيما تبقى كيفية تنفيذ ترتيبات الدمج وتوزيع الصلاحيات والموارد من الملفات التي تحتاج إلى تفاوض وتوافقات عملية.
- العلاقات الدولية.. سياسة الأبواب المتعددة
في المسار الدولي، يعكس النشاط الدبلوماسي السوري محاولة لبناء شبكة علاقات أوسع وأكثر تنوعاً.
وتظهر في هذا السياق الاتصالات مع روسيا والصين والدول العربية، إلى جانب التواصل مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية وأطراف إقليمية أخرى، وفق ما أعلنته دمشق في مناسبات مختلفة.
ولا يعني هذا الانفتاح أن الخلافات مع هذه الأطراف قد انتهت، بل يمكن قراءته باعتباره محاولة لاستخدام الدبلوماسية لإدارة المصالح المتعارضة وفتح مساحات جديدة للتعاون.
وهنا تحديداً يظهر معنى «الحرير» في الصورة التي حملها الخطاب السوري: الحوار، والانفتاح، والعلاقات الاقتصادية، وإعادة بناء الثقة، والتفاوض حول الملفات العالقة.
لكن في المقابل، تبقى هناك ملفات شديدة الحساسية، من بينها العقوبات، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والوجود العسكري الأجنبي، والتطورات في الجنوب السوري، وترتيبات الأمن الإقليمي.
- واشنطن وقائمة الإرهاب.. ملف يحتاج إلى مسار قانوني وسياسي
ومن بين الملفات التي تحضر في النقاش الدولي حول سوريا مسألة موقعها ضمن التصنيفات والعقوبات الأميركية، بما في ذلك قضية إدراج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب.
والحديث عن هذا الملف يحتاج إلى التمييز بين الخطوات التي اتخذت فعلاً وبين المطالب أو الاحتمالات التي يجري بحثها سياسياً.
لذلك، فإن طرح مسألة رفع اسم سوريا من القائمة ينبغي التعامل معه باعتباره ملفاً سياسياً وقانونياً مطروحاً للنقاش، وليس باعتباره قراراً منجزاً ما لم يصدر بشأنه إعلان رسمي واضح من الجهات الأميركية المختصة.
وهذا التفريق مهم، لأن مستقبل العلاقة السورية–الأميركية لا تحدده التصريحات السياسية وحدها، وإنما مجموعة من الإجراءات القانونية والقرارات التنفيذية والتفاهمات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
◆
الطاقة الذرية والملفات الفنية
كما تبرز ضمن الملفات التي تحتاج إلى معالجة دقيقة العلاقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي مسألة تختلف بطبيعتها عن الملفات السياسية الأخرى، نظراً لارتباطها بالالتزامات الدولية والإجراءات الفنية والرقابية.
ومن ثم، فإن أي تقدم في هذا المسار يحتاج إلى متابعة ما يصدر رسمياً عن سوريا والوكالة الدولية، وعدم الاكتفاء بالقراءات السياسية العامة.
وهذا يعكس جانباً آخر من الدبلوماسية السورية الجديدة: محاولة نقل عدد من الملفات من مستوى الاتهامات والتجاذبات السياسية إلى مسارات مؤسساتية وفنية يمكن التفاوض حولها ومتابعتها دولياً.
◆
السيف ليس إعلان مواجهة
ربما تكون أهم نقطة في قراءة الخطاب السوري هي عدم تفسير مفردات الحزم باعتبارها إعلاناً عن سياسة مواجهة.
فالسيف في هذه الحالة يمكن فهمه باعتباره رمزاً للسيادة والقدرة على حماية المصالح الوطنية، بينما يمثل الحرير لغة الدبلوماسية والتفاوض والانفتاح.
وبين الرمزين، تحاول دمشق، وفق خطابها، صياغة معادلة تقوم على عدم الفصل بين القوة والدبلوماسية.
وهذه المعادلة ليست سهلة التطبيق؛ لأن نجاحها يحتاج إلى دولة قادرة على تحويل المواقف السياسية إلى أدوات تفاوض، وإلى اقتصاد يستطيع دعم الانفتاح، وإلى مؤسسات قادرة على تنفيذ الاتفاقات، وإلى شبكة علاقات خارجية تسمح لسوريا بالمناورة بين مصالح القوى المختلفة.
◆
مجلس الأمن كمنصة لإعادة تقديم سوريا
لهذا، يمكن النظر إلى كلمة مندوب سوريا في مجلس الأمن باعتبارها جزءاً من محاولة أوسع لإعادة تقديم صورة سوريا في المحافل الدولية.
فدمشق لا تتحدث فقط عن الأزمة السورية كما كانت تُطرح في السنوات الماضية، وإنما تسعى إلى إبراز ملفات الدولة والسيادة والعودة والإعمار والعلاقات الدولية وإعادة بناء المؤسسات.
لكن نجاح هذه الرسالة لن يُقاس بجمال العبارات وحده، بل بما ستنتجه السياسة السورية على الأرض: هل تستطيع دمشق تحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى اتفاقات؟ وهل تتمكن من معالجة الملفات الأمنية العالقة؟ وهل تستطيع جذب الاستثمار وإعادة بناء الاقتصاد؟ وهل تنجح في توسيع شبكة علاقاتها الدولية مع الحفاظ على استقلال قرارها؟
هذه هي الاختبارات الفعلية التي ستحدد مستقبل السياسة الخارجية السورية.
◆
في النهاية، ربما تختصر صورة «السيف والحرير» جانباً من التحول الذي تحاول دمشق تقديمه للعالم: حزم في القضايا التي تعتبرها مرتبطة بالسيادة ووحدة الدولة، وانفتاح في الملفات التي يمكن أن تُدار بالحوار والتفاوض.
وبين السيف والحرير، تبدو الدبلوماسية السورية أمام مرحلة أكثر تعقيداً؛ مرحلة لا يكفي فيها أن تقول دمشق إنها عادت إلى المشهد، بل عليها أن تثبت قدرتها على إدارة هذا المشهد، وبناء الشراكات، وحماية مصالحها، وتحويل موقعها الجغرافي والسياسي من مصدر للأزمات إلى مصدر للقوة والتواصل.
فالسيف وحده لا يبني العلاقات، والحرير وحده لا يحمي المصالح.
أما التحدي الحقيقي، فهو أن تعرف دمشق متى تستخدم هذا، ومتى تستخدم ذاك.
زيارة رئيس إقليم كردستان العراق إلى دمشق.. بين إعادة رسم العلاقات السورية–العراقية وصعود دبلوماسية أربيل في مرحلة التحولات الإقليمية
تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى العاصمة السورية دمشق في لحظة سياسية استثنائية، تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل لخريطة العلاقات الإقليمية، وتتحول فيها سوريا تدريجياً من دولة منشغلة بإدارة أزماتها الداخلية إلى دولة تستعيد حضورها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي.
ولا تقتصر أهمية الزيارة على كونها أول زيارة بهذا المستوى بعد التحولات التي شهدتها سوريا، بل تكمن أيضاً في توقيتها، الذي جاء بينما لا تزال الحكومة الاتحادية في بغداد تتحرك بوتيرة أكثر حذراً في تطوير علاقاتها مع دمشق، الأمر الذي يمنح هذه الزيارة أبعاداً سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية لتفتح الباب أمام قراءة جديدة للتوازنات داخل العراق نفسه.
أولاً: أربيل تتحرك بسرعة… وبغداد تراقب بحذر
تكشف الزيارة عن وجود اختلاف واضح في إيقاع الانفتاح العراقي على سوريا.
فإقليم كردستان، بقيادة نيجيرفان بارزاني، اختار الانخراط المباشر في الحوار مع دمشق، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار سوريا يمثل جزءاً من استقرار الإقليم والعراق، وأن المصالح الاقتصادية والأمنية تفرض بناء علاقة مباشرة مع القيادة السورية.
في المقابل، تبدو الحكومة الاتحادية في بغداد أكثر حذراً في إدارة هذا الملف، نتيجة اعتبارات داخلية معقدة، تتعلق بتوازناتها السياسية، وتشابك علاقاتها الإقليمية والدولية، وحساباتها المرتبطة بالسياسة الداخلية العراقية.
ولا يعني هذا وجود تنافس بين بغداد وأربيل في الملف السوري، بقدر ما يعكس اختلافاً في سرعة الحركة وأسلوب إدارة العلاقات الخارجية، حيث تتحرك أربيل بمرونة أكبر، بينما تميل بغداد إلى اتباع خطوات أكثر تدرجاً.

ثانياً: لماذا كانت أربيل الأسرع؟
يمكن تفسير سرعة التقارب بين أربيل ودمشق بعدة عوامل.
أولها، إدراك قيادة الإقليم أن استقرار شمال وشرق سوريا ينعكس مباشرة على أمن إقليم كردستان.
وثانيها، امتلاك نيجيرفان بارزاني شبكة واسعة من العلاقات مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، ما يمنحه مساحة للتحرك السياسي.
وثالثها، وجود مصالح اقتصادية وتجارية مباشرة بين الإقليم وسوريا، تجعل من تطوير العلاقات أولوية عملية، وليس مجرد خيار سياسي.
كما أن القيادة في أربيل تدرك أن نجاح الحوار بين دمشق و”قسد” سينعكس إيجاباً على الاستقرار الإقليمي، ويخفف من حدة التوترات التي أثرت لسنوات في المناطق الحدودية.
ثالثاً: ماذا يعني ذلك لبغداد؟
زيارة بارزاني قد تشكل حافزاً للحكومة الاتحادية لتسريع مسار تطوير العلاقات مع دمشق.
فالعراق وسوريا يواجهان تحديات مشتركة تتعلق بالأمن، والإرهاب، والمياه، والطاقة، والحدود، والتجارة، وإعادة الإعمار، وهي ملفات تتطلب مستوى أعلى من التنسيق المباشر.
ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة زيادة في اللقاءات الرسمية بين بغداد ودمشق، بما يعزز التكامل بين العاصمتين، ويمنع وجود أي فجوة في إدارة الملفات المشتركة.
فالاستقرار السوري يمثل مصلحة وطنية عراقية، تماماً كما أن استقرار العراق يمثل مصلحة استراتيجية لسوريا.
رابعاً: دمشق تتعامل مع العراق بوصفه دولة واحدة
ورغم أهمية الانفتاح على أربيل، فإن السياسة السورية تؤكد باستمرار احترامها لوحدة العراق وسيادته، والتعامل مع الحكومة الاتحادية في بغداد باعتبارها المرجعية الرسمية للعلاقات الثنائية.
وفي الوقت نفسه، تنظر دمشق إلى إقليم كردستان باعتباره شريكاً مهماً في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتعليم والثقافة والتعاون الحدودي، وهو ما يعكس سياسة سورية تقوم على توسيع دوائر التعاون دون المساس بالثوابت السيادية.

خامساً: زيارة ترتبط بمسار دمج “قسد”
لا يمكن فصل زيارة بارزاني عن التطورات المتعلقة بالحوار بين الدولة السورية و”قسد”.
فإقليم كردستان يمتلك علاقات تاريخية مع القوى الكردية في سوريا، ويمكن أن يؤدي دوراً إيجابياً في تقريب وجهات النظر، وتسهيل تنفيذ الاتفاقات، ودعم عملية الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية.
ومع التقدم الذي أُعلن عنه في ملفات دمج الألوية العسكرية، وتسليم معظم المنشآت النفطية للدولة، فإن فرص الوصول إلى تسوية أكثر استقراراً أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
سادساً: الاقتصاد… نقطة الالتقاء الكبرى
يمثل الاقتصاد القاسم المشترك الأهم بين دمشق وأربيل وبغداد.
فإعادة فتح المعابر، وتطوير شبكات النقل، وتسهيل حركة التجارة، وإنشاء مناطق لوجستية وصناعية مشتركة، كلها مشاريع يمكن أن تحقق مكاسب كبيرة لجميع الأطراف.
كما يمكن أن تصبح سوريا منفذاً استراتيجياً لصادرات العراق وإقليم كردستان نحو البحر المتوسط، في حين يستفيد الاقتصاد السوري من حركة الترانزيت والاستثمارات المشتركة.
سابعاً: الطاقة… مشروع المستقبل
قد يكون ملف الطاقة هو الأكثر أهمية خلال السنوات المقبلة.
فالعراق وإقليم كردستان يمتلكان احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، بينما تمتلك سوريا موقعاً جغرافياً يجعلها ممراً استراتيجياً نحو المتوسط.
ومن هنا، يمكن التفكير في مشاريع مستقبلية تشمل خطوط نقل النفط والغاز، والربط الكهربائي، وتطوير شبكات الطاقة الإقليمية، بما يحول المنطقة من ساحة تنافس إلى مركز للتكامل الاقتصادي.
ثامناً: السوريون في أربيل… جسر للعلاقات
يعيش في إقليم كردستان عدد كبير من السوريين الذين أسهموا في النشاط الاقتصادي والتجاري والثقافي.
لذلك، فإن إعادة افتتاح القنصلية السورية في أربيل ستكون خطوة استراتيجية، ليس فقط لتقديم الخدمات القنصلية، وإنما لتعزيز التواصل مع الجالية السورية، وتشجيع الاستثمار، وتنظيم أوضاع المقيمين، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والثقافي.
كما ستسهم في تسهيل حركة رجال الأعمال والطلاب والباحثين، وتعزيز العلاقات الشعبية بين المجتمعين.
تاسعاً: البعد الإقليمي والدولي
تؤكد هذه الزيارة أن سوريا أصبحت مجدداً جزءاً من معادلات الشرق الأوسط، وأن القوى الإقليمية باتت تتعامل معها باعتبارها شريكاً في بناء الاستقرار، وليس مجرد ساحة للأزمات.
كما تعكس قدرة دمشق على إدارة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، سواء مع بغداد أو أربيل، أو مع الدول العربية، أو مع تركيا، أو مع القوى الدولية، وهو ما يمنحها مساحة أوسع للمناورة السياسية.
◆
رؤية مستقبلية
تشير المؤشرات إلى أن العلاقات السورية مع العراق ستدخل مرحلة جديدة أكثر عمقاً، تقوم على التكامل الاقتصادي، والتنسيق الأمني، والشراكة التنموية.
وقد تكون أربيل قد سبقت بغداد بخطوة في الانفتاح السياسي على دمشق، إلا أن مستقبل العلاقة لن يكون قائماً على التنافس بين العاصمتين، بل على تكامل الأدوار بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، بما يخدم استقرار العراق وسوريا والمنطقة.
أما بالنسبة لدمشق، فإن نجاحها في إدارة هذه العلاقات المتوازنة، واستكمال دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، وتعزيز التعاون مع كل من بغداد وأربيل، سيجعلها لاعباً محورياً في مشروع إقليمي جديد يقوم على الأمن المشترك، والتنمية الاقتصادية، وربط شبكات التجارة والطاقة، وتحويل الجغرافيا من خطوط تماس إلى جسور للتعاون والازدهار..
مثّلت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى دمشق في يوليو/تموز 2026 حدثاً سياسياً ودبلوماسياً بارزاً، بوصفها الأولى لأمين عام للأمم المتحدة منذ عام 2009، والأولى بعد دخول سوريا مرحلة انتقالية جديدة. وحملت الزيارة أبعاداً سياسية وقانونية وإنسانية، كما أعادت طرح سؤال حدود الدور الأممي في التأثير على الملف السوري.
◆
فعلى المستوى السياسي، فُهمت الزيارة على نطاق واسع بوصفها مؤشراً إلى انخراط أممي مباشر مع مؤسسات الدولة السورية في مرحلتها الانتقالية، ورسالة دعم لمسار إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار المؤسسي. كما أكدت أهمية الحوار الوطني، وترسيخ سيادة القانون، وإشراك مختلف مكونات المجتمع في رسم مستقبل البلاد، بما يعزز فرص الانتقال السياسي السلمي ويمنح العملية السياسية زخماً دولياً جديداً.
البعد الدبلوماسي
أما دبلوماسياً، فقد أعادت الزيارة سوريا إلى صدارة الاهتمام الأممي، وأسهمت في فتح قنوات تواصل أوسع مع المجتمع الدولي والدول المانحة، مؤكدة أن استقرار سوريا لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبح عنصراً مؤثراً في أمن واستقرار المنطقة بأكملها. كما فُسرت الزيارة على أنها قد تفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن تخفيف العزلة الدولية عن سوريا وإعادة دمجها تدريجياً في محيطها الإقليمي والدولي.
وفي الجانب القانوني، شددت تصريحات الأمين العام، بحسب ما ورد في البيانات المعلنة عن الزيارة، على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وضرورة الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. كذلك أولت الزيارة اهتماماً بملفات العدالة الانتقالية، وكشف مصير المفقودين، وإنصاف الضحايا، باعتبار أن تحقيق العدالة يمثل أحد الشروط الأساسية لبناء سلام مستدام واستقرار طويل الأمد.
الدور الأممي وحدوده الاقتصادية
اقتصادياً، حملت الزيارة دعماً سياسياً لفكرة تخفيف العقوبات الاقتصادية وتهيئة البيئة المناسبة للتعافي، إلا أنها لم تتضمن أي التزامات مالية مباشرة أو برامج تمويل واسعة لإعادة الإعمار. وهنا يبرز التمييز بين الدور السياسي للأمم المتحدة وبين دور المؤسسات المالية والدول المانحة، إذ إن المنظمة الدولية ليست جهة استثمارية، ولا تمتلك الموارد اللازمة لإعادة إعمار دولة بحجم سوريا، وإنما يتركز دورها في تنسيق جهود المانحين، وحشد الدعم الإنساني والتنموي، وتعزيز برامج التعافي المبكر عبر وكالاتها المتخصصة.
”
وعلى الصعيد الأمني، أدان الأمين العام الاعتداءات والانتهاكات التي تمس السيادة السورية، ودعا إلى احترام القانون الدولي وخفض التصعيد، إلا أن هذه المواقف بقيت في إطار الرسائل السياسية، دون أن تنعكس إلى إجراءات عملية توقف التوترات على الأرض. فقد استمرت العمليات العسكرية والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري خلال أيام الزيارة نفسها، وهو ما أبرز محدودية قدرة الأمم المتحدة على فرض قراراتها أو ردع الانتهاكات في ظل غياب توافق دولي داخل مجلس الأمن.
أما البعد الإنساني، فكان من أبرز محاور الزيارة، إذ ركزت التصريحات والأنشطة المعلنة خلالها على أوضاع المدنيين، ودعت إلى زيادة التمويل الإنساني وتحسين الظروف المعيشية، مع التأكيد على ضرورة توفير بيئة آمنة وكريمة لعودة اللاجئين والنازحين، وربط التعافي الاقتصادي بتحسين حياة الإنسان السوري قبل أي اعتبارات أخرى.
كما تطرقت الزيارة إلى دور المجتمع المدني، وفق ما عكسته اللقاءات والتصريحات المعلنة، بما في ذلك قضايا العدالة الانتقالية وحقوق المفقودين وحماية الملكيات وتعزيز مشاركة المرأة والشباب، بما يعكس إدراك الأمم المتحدة أن بناء السلام لا يقتصر على الحكومات، بل يتطلب شراكة مجتمعية واسعة.
ورغم هذه الإيجابيات، فإن الزيارة لم تخلُ من ملاحظات تستحق التوقف عندها. أولها يتعلق بتوقيت الزيارة، إذ جاءت بعد نحو عام وثمانية أشهر من بدء المرحلة الانتقالية، وهو تأخير أثار تساؤلات حول أسباب غياب الحضور الأممي الرفيع خلال الفترة الأكثر حساسية، حين كانت البلاد بأمسّ الحاجة إلى دعم سياسي ودبلوماسي مبكر يسهم في تعزيز الثقة وحشد المجتمع الدولي.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بإلغاء زيارة محافظة القنيطرة ومقر قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (الأندوف)، بعد إعلان توجه الأمين العام إلى اجتماع طارئ في قبرص. وقد تزامن ذلك مع استمرار التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، وهو ما عزز انطباعاً بأن الزيارة الأممية لم تُحدث أثراً مباشراً في خفض التوترات الميدانية، وأن قدرة الأمم المتحدة على ردع الانتهاكات أو فرض احترام القانون الدولي ما تزال محدودة في ظل القيود التي تفرضها موازين القوى الدولية على عمل المنظمة.
ومن الملاحظات أيضاً أن بعض التصريحات المتعلقة بالاستثمار قد توحي بأن الأمم المتحدة تمتلك أدوات استثمارية مباشرة، بينما يقتصر دورها الحقيقي على تعبئة الدعم الدولي، وتنسيق المساعدات، وحشد التمويل عبر وكالاتها وبرامجها والشراكة مع الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية. ومن ثم فإن مستقبل التعافي الاقتصادي السوري يبقى مرتبطاً بإرادة المجتمع الدولي، وبمدى استعداد الدول والمؤسسات المالية لتوفير الموارد اللازمة لإعادة الإعمار.
✦
وفي المحصلة، يمكن القول إن زيارة غوتيريش كانت ناجحة من الناحية السياسية والاستراتيجية أكثر من كونها ناجحة تنفيذياً. فقد أعادت تأكيد حضور الأمم المتحدة في الملف السوري، ومنحت المرحلة الانتقالية زخماً دولياً، ورسخت مبادئ دعم السيادة والعدالة والتعافي، إلا أنها لم تحقق اختراقات عملية في الملفات الأكثر تعقيداً، مثل رفع العقوبات، أو توفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار، أو وقف الانتهاكات الأمنية على الأرض. وأظهرت الزيارة أن الأمم المتحدة ما تزال قادرة على لعب دور مهم في توفير الشرعية الدولية، وتنسيق الجهود الإنسانية، ودعم الحوار والإصلاح المؤسسي، لكنها في الوقت ذاته تبقى مقيدة بإرادة الدول الأعضاء، ولا سيما القوى الكبرى ومجلس الأمن، وهو ما يحد من قدرتها على فرض حلول تنفيذية أو اتخاذ إجراءات حاسمة في القضايا الأمنية والسياسية. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذه الزيارة لن تقاس بما تحقق خلالها فقط، بل بما ستتبعه من خطوات عملية، سواء من قبل الأمم المتحدة أو من المجتمع الدولي، لتحويل الدعم السياسي إلى مشاريع تنموية، وبرامج تعافٍ، وضمانات أمنية، بما يلبي تطلعات السوريين نحو دولة مستقرة، ذات سيادة، وقادرة على تحقيق التنمية والعدالة والسلام.
تشكل زيارة وزير الخارجية الهولندي توم بيرندسن والوفد المرافق له إلى دمشق حدثاً سياسياً ودبلوماسياً مهماً في سياق التحولات التي تشهدها العلاقات السورية الأوروبية خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024. فالزيارة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد لقاء ثنائي بين دولتين، بل تمثل جزءاً من مسار أوسع لإعادة صياغة العلاقة بين سوريا وأوروبا على أسس جديدة تقوم على الحوار والتعاون والمصالح المشتركة.
لقد شهدت الأشهر الماضية انفتاحاً أوروبياً متدرجاً تجاه دمشق، تمثل في زيارات رسمية لوزراء ومسؤولين من فرنسا وألمانيا وإسبانيا والنمسا ودول أوروبية أخرى، إضافة إلى وفود الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية. ويأتي الحضور الهولندي اليوم ليؤكد أن سياسة العزلة التي سادت لسنوات طويلة بدأت تفسح المجال أمام مقاربة أكثر واقعية ترتكز على الانخراط المباشر مع الحكومة السورية الانتقالية ودعم جهود الاستقرار وإعادة البناء.
البعد الدبلوماسي: بناء الثقة واستعادة الشراكات
تمثل الزيارة الهولندية خطوة جديدة في مسار بناء الثقة بين دمشق والعواصم الأوروبية. فهولندا كانت من الدول التي اتخذت مواقف متشددة تجاه الملف السوري خلال السنوات الماضية، ولذلك فإن انتقالها إلى مرحلة الحوار المباشر يحمل دلالات سياسية مهمة تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية التواصل مع المؤسسات السورية الرسمية في معالجة الملفات المشتركة.
كما تؤكد الزيارة أن الحكومة السورية الانتقالية نجحت إلى حد كبير في فتح قنوات اتصال مع العديد من الدول الأوروبية، مستفيدة من التحولات السياسية الداخلية والدعم الإقليمي والدولي الذي يحظى به مسار الاستقرار ووحدة الأراضي السورية. ويعزز هذا المسار فرص إعادة التمثيل الدبلوماسي الكامل وعودة السفارات وتوسيع التعاون السياسي بين الجانبين.
البعد الدولي: سوريا لاعب أساسي في معادلات الاستقرار
على المستوى الدولي، تعكس الزيارة تحولاً في النظرة الأوروبية إلى موقع سوريا في التوازنات الإقليمية والدولية. فالقضايا المرتبطة بمكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والهجرة غير الشرعية، ومكافحة شبكات التهريب، أصبحت ملفات لا يمكن التعامل معها بفاعلية دون وجود شراكة وتنسيق مع دمشق.
كما أن الحوارات التي شهدتها بروكسل بين المسؤولين السوريين والأوروبيين خلال الفترة الماضية ساهمت في بناء أرضية مشتركة للتفاهم حول أولويات المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها دعم الاستقرار السياسي والمؤسساتي وتعزيز قدرة الدولة السورية على بسط الأمن وتحقيق التعافي الاقتصادي.
البعد الإقليمي: استقرار سوريا مصلحة مشتركة
في السياق الإقليمي، تنظر الدول الأوروبية إلى استقرار سوريا باعتباره عاملاً مؤثراً في استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها. فنجاح التجربة الانتقالية السورية من شأنه أن يساهم في الحد من الأزمات الإنسانية، وتقليص موجات الهجرة، وتعزيز الأمن الإقليمي، وفتح المجال أمام مشاريع اقتصادية وتنموية تربط سوريا بمحيطها العربي والإقليمي.
كما أن عودة سوريا التدريجية إلى محيطها العربي، وتعزيز علاقاتها مع الدول العربية والمؤسسات الإقليمية، يمنحان الشركاء الأوروبيين ثقة أكبر بإمكانية نجاح عملية إعادة البناء والاستقرار على المدى الطويل.
البعد الاقتصادي: من المساعدات إلى الاستثمار
ربما يمثل الجانب الاقتصادي أحد أهم الملفات المطروحة في العلاقات السورية الهولندية خلال المرحلة المقبلة. فبعد سنوات طويلة من الحرب والتراجع الاقتصادي، تحتاج سوريا إلى استثمارات ضخمة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والنقل والاتصالات والإسكان والصناعة والزراعة.
وتتمتع هولندا بخبرات عالمية متقدمة في مجالات إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية والزراعة الحديثة وإدارة المياه والطاقة المتجددة، وهي قطاعات يمكن أن تشكل مجالات واعدة للتعاون الثنائي.
كما أن تخفيف بعض القيود والعقوبات الأوروبية على مؤسسات سورية معينة قد يفتح المجال أمام برامج دعم فني وتنموي ومشاريع مشتركة تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد السوري وخلق فرص عمل وتحسين الخدمات الأساسية للمواطنين.
ملف اللاجئين: نحو حلول واقعية ومستدامة
يُعد ملف اللاجئين السوريين من أبرز القضايا المشتركة بين دمشق والعواصم الأوروبية، وخاصة هولندا التي تستضيف أعداداً كبيرة من السوريين. ومن المتوقع أن يشكل هذا الملف محوراً أساسياً في أي حوار مستقبلي بين الطرفين، بما يضمن توفير الظروف الملائمة للعودة الطوعية والآمنة والكريمة للراغبين بالعودة إلى وطنهم.
ويتطلب ذلك تعاوناً مشتركاً في مجالات إعادة التأهيل الخدمي والتنمية المحلية وتحسين الظروف المعيشية، بما يجعل العودة خياراً واقعياً ومستداماً وليس مجرد إجراء إداري أو سياسي.
تمكين الحكومة الانتقالية وتعزيز الاستقرار
إن نجاح الحكومة السورية الانتقالية في إدارة علاقاتها الخارجية والانفتاح على المجتمع الدولي يشكل أحد العناصر الأساسية لترسيخ الاستقرار الداخلي. فكلما توسعت دائرة الاعتراف والتعاون الدولي، ازدادت قدرة المؤسسات السورية على تنفيذ برامج الإصلاح وإعادة الإعمار وتحسين الأداء الاقتصادي والخدمي.
ومن هنا يمكن النظر إلى الزيارة الهولندية باعتبارها دعماً سياسياً غير مباشر لمسار الاستقرار السوري، وفرصة لتعزيز التعاون مع المؤسسات الأوروبية في مجالات بناء القدرات والإدارة العامة والتنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار.
نحو شراكة مستقبلية متوازنة
تشير المؤشرات الحالية إلى أن العلاقات السورية الأوروبية تتجه نحو مرحلة جديدة قائمة على الواقعية السياسية والمصالح المتبادلة. وفي هذا السياق تمثل العلاقات السورية الهولندية نموذجاً يمكن البناء عليه لتطوير شراكات أوسع تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والإنسانية والثقافية.
فإذا استمرت خطوات بناء الثقة وتوسيع الحوار والتعاون المشترك، فإن السنوات المقبلة قد تشهد انتقال العلاقة من مرحلة الاتصالات الدبلوماسية إلى مرحلة الشراكات التنموية والاستثمارية، بما يسهم في دعم عملية إعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار وتحقيق المصالح المشتركة لسوريا وشركائها الأوروبيين.
وفي المحصلة، لا تبدو زيارة الوفد الهولندي إلى دمشق حدثاً عابراً، بل جزءاً من مسار أوروبي متدرج نحو الانخراط الإيجابي مع سوريا الجديدة، وإدراك متزايد بأن استقرار سوريا ووحدتها وتعافيها الاقتصادي يشكل مصلحة مشتركة إقليمية ودولية تستحق الدعم والتعاون والاستثمار في المستقبل.