Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
وبحسب بيانات رسمية سورية، وصل الرئيس الشرع إلى نيويورك على رأس وفد رسمي، وعقد سلسلة لقاءات شملت مسؤولين أمريكيين ودوليين، بينهم المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك، كما شارك في اجتماعات مع عدد من القادة والمسؤولين الدوليين. وفي خطابه أمام الجمعية العامة ركز على إعادة بناء مؤسسات الدولة، والتعافي الاقتصادي، ورفع العقوبات، وتوسيع العلاقات الدولية، واستعادة دور سوريا في التجارة والطاقة والممرات الإقليمية.
وبذلك يمكن النظر إلى زيارة نيويورك باعتبارها انتقالاً من سوريا التي كانت موضوعاً للأزمة الدولية إلى سوريا التي تحاول أن تكون طرفاً في صياغة مستقبلها.
لكن المفارقة أن هذا الانفتاح الخارجي يتزامن مع تحديات أمنية واقتصادية متسارعة في الداخل.
فبعد أيام قليلة من عودة الرئيس من نيويورك، استُهدف خط غاز بين الشولا ودير الزور بعملية وصفتها السلطات السورية بالتخريب، ثم وقع انفجار آخر في خط الغاز المغذي لمحطة تشرين الحرارية، ما أدى إلى خروج ثلاث محطات توليد عن الخدمة. وجاءت هذه الحوادث في توقيت يفتح باب التساؤل حول أثرها المحتمل على مسار الانفتاح الخارجي، من دون الجزم بوجود رابط مباشر مثبت حتى الآن. وفي الوقت نفسه تعرضت حافلة تقل عاملين عائدين من عملهم لهجوم مسلح قرب جسر مصياف في ريف حمص، أدى إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة، فيما لم تُعرف الجهة المنفذة حتى الآن.
وهنا تبدأ القراءة السياسية الأهم.
من اختبار الحضور الدولي إلى اختبار الدولة في الداخل
إن الدولة التي تستعيد حضورها في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتفتح قنوات مع واشنطن وأوروبا والدول العربية، وتعمل على جذب الاستثمار وإعادة الإعمار، تحتاج في المقابل إلى بيئة داخلية مستقرة تستطيع من خلالها تحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة.
فالمستثمر لا ينظر فقط إلى الاتفاقيات الدولية، وإنما يسأل عن أمن الطرق، وأمن المنشآت، واستقرار الكهرباء والطاقة، وقدرة الدولة على حماية العمال والشركات والمرافق الحيوية.
ولهذا فإن استهداف خطوط الغاز لا يمثل مشكلة فنية فحسب.
فهذا النوع من الاستهداف ينعكس مباشرة على إنتاج الكهرباء، ثم على الخدمات الأساسية والنشاط الاقتصادي وثقة المستثمرين.
فالغاز يعني كهرباء، والكهرباء تعني صناعة ومياه ومستشفيات واتصالات واستثماراً، والاستثمار يعني فرص عمل ودخلاً وعودة للسكان والمهجرين.
ومن هنا، فإن حماية البنية التحتية ليست ملفاً أمنياً منفصلاً عن السياسة الخارجية، بل هي جزء من القوة الشاملة للدولة.
حافلة العاملين: دلالات أمنية واجتماعية للهجوم
الأمر نفسه ينطبق على استهداف حافلة العاملين.
فالاعتداء على موظفين وعمال عائدين إلى منازلهم يختلف في دلالته عن مواجهة عسكرية بين مجموعات مسلحة؛ لأنه يبعث برسالة نفسية إلى المجتمع مفادها أن الطريق العام، ومكان العمل، والمنشأة المدنية، وحتى العامل الذي يذهب إلى وظيفته، يمكن أن يتحول إلى هدف.
ولا تزال هوية المنفذين ودوافعهم غير محسومة رسمياً، ولذلك لا يصح تحميل العملية مسبقاً إلى تنظيم أو ميليشيا بعينها.
لكن من منظور أمني وسياسي، فإن تكرار استهداف البنية التحتية والعاملين يفرض على الدولة التعامل مع احتمال وجود خلايا تخريبية أو فواعل مسلحة خارجة عن السيطرة تحاول استثمار هشاشة المرحلة الانتقالية.
وهنا تصبح معركة الدولة ليست فقط ضد الإرهاب، وإنما ضد اقتصاد الفوضى: شبكات السلاح، والجريمة المنظمة، والخلايا التخريبية، والفواعل التي تستطيع تعطيل طريق أو خط غاز أو حافلة بتكلفة محدودة، بينما تترك أثراً سياسياً واقتصادياً كبيراً.
الجنوب السوري: عقدة أمنية لا يجوز اختزالها
في الجنوب، تتداخل الاعتبارات المحلية مع الحسابات الإقليمية بصورة أكثر تعقيداً.
وتقول إسرائيل إن تحركاتها في الجنوب تستند إلى اعتبارات أمنية، كما تربط بعضها بمسألة حماية الدروز، بينما ترى دمشق أن استمرار العمليات والتوغلات الإسرائيلية يمثل مساساً بالسيادة السورية. وقد أشارت تقارير أممية إلى استمرار التوتر في الجنوب السوري، فيما أفادت تقارير إعلامية وحقوقية بوقوع توغلات وتحركات إسرائيلية متكررة خلال أيلول.
وفي الوقت ذاته، لا ينبغي تحويل كل اضطراب محلي إلى مؤامرة خارجية، ولا تجاهل تأثير التدخلات الإقليمية في البيئة السورية.
المعادلة الأكثر واقعية هي أن سوريا تواجه تراكباً بين فواعل محلية ومصالح إقليمية وتنافس دولي، وهذه البيئة تجعل أي خطأ في إدارة الملف الأمني قابلاً للتحول إلى أزمة سياسية أكبر.
ولهذا فإن المطلوب من دمشق ليس التصعيد الدائم ولا تقديم تنازلات مجانية، وإنما بناء قدرة ردع سياسية وأمنية هادئة تقوم على القانون والمؤسسات والاتصال الدبلوماسي وتثبيت الحقائق على الأرض.
خطر عودة الفوضى في ظل التحولات الإقليمية
تزداد أهمية هذا الأمر مع التحول في المشهد الإقليمي.
فالولايات المتحدة أعلنت في 30 أيلول اكتمال سحب قواتها من العراق ضمن انتقال المهمة المتعلقة بمكافحة تنظيم داعش، في وقت تشهد فيه المنطقة أصلاً توترات حادة مرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
ولا يعني ذلك أن الفراغ الأمني سيؤدي تلقائياً إلى عودة تنظيم داعش أو إلى موجة جديدة من العنف داخل سوريا، لكن التحولات في العراق والمنطقة تفرض على دمشق إعادة تقييم البيئة الأمنية حول حدودها الشرقية.
وهنا تكمن أهمية سوريا الجغرافية.
فاستقرار شرق سوريا ليس سورياً فقط؛ إنه مرتبط بأمن العراق، وأمن تركيا، وحركة التجارة، ومكافحة الإرهاب، والطاقة والممرات البرية.
ومن ثم فإن سوريا الجديدة أمام فرصة لإعادة تعريف موقعها: دولة أمن واستقرار واتصال، لا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
واحتمال عودة الحرب مع إيران؟
الحديث عن إيران يحتاج أيضاً إلى قدر من الواقعية.
فالمنطقة دخلت بالفعل مرحلة شديدة التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وترافق ذلك مع اضطراب في حركة الطاقة والتجارة الإقليمية. وقد انعكس إغلاق مضيق هرمز على حركة الطاقة ودفع العراق إلى استخدام الموانئ والطرق السورية في بعض عمليات استيراد الوقود.
وهنا تظهر أمام دمشق معادلة دقيقة:
كيف تبقى خارج الحرب، من دون أن تبقى خارج الجغرافيا التي تنتج آثارها؟
هذه هي إحدى أهم قواعد السياسة السورية المقبلة.
فسوريا لا تستطيع التحكم في قرارات واشنطن أو طهران أو تل أبيب، لكنها تستطيع التحكم بدرجة كبيرة في كيفية حماية أراضيها من أن تصبح مسرحاً لهذه الصراعات.
وهذا يتطلب سياسة واضحة:
لا استخدام للأراضي السورية منصة لهجمات على الآخرين، وفي الوقت نفسه لا السماح بتحويل الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات أو فرض الترتيبات الأمنية من الخارج.
القوة السورية لا تعني الدخول في كل المعارك
ربما يكون أهم درس أمام دمشق اليوم هو أن القوة السياسية لا تعني خوض جميع المعارك.
الدولة القوية هي التي تعرف متى تفاوض، ومتى تصمت، ومتى تعترض، ومتى تستخدم القانون الدولي، ومتى تبني شراكة، ومتى ترفض، ومتى تؤجل قراراً حتى تتغير موازين الظروف.
وفي المرحلة الحالية، تبدو المناورة السورية ممكنة عبر خمسة مسارات متوازية:
أولاً: توسيع شبكة العلاقات.
عدم وضع سوريا في محور واحد، بل الحفاظ على علاقات عملية مع الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا والدول العربية وروسيا، مع تطوير العلاقات الآسيوية والدولية.
ثانياً: تحويل الانفتاح الدولي إلى مصالح اقتصادية.
فالعلاقات السياسية يجب أن تنتج استثماراً وطاقة وبنية تحتية وفرص عمل، لا مجرد بيانات ومؤتمرات.
ثالثاً: تحصين الداخل.
حماية الطرق والمنشآت وخطوط الطاقة، وتطوير الاستخبارات ومكافحة الخلايا المسلحة، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت مؤسسات الدولة.
رابعاً: إدارة الملف الإسرائيلي بعقل الدولة.
لا التنازل عن السيادة، ولا الانجرار إلى حرب مفتوحة لا تخدم عملية بناء الدولة. المطلوب تثبيت الحقوق السورية دبلوماسياً وقانونياً وأمنياً، والاستفادة من الوساطات الدولية عندما تخدم المصلحة السورية.
خامساً: بناء علاقة متوازنة مع الجوار.
تركيا والعراق والأردن ولبنان ليسوا مجرد دول محيطة، بل يمثلون عمق سوريا الاقتصادي والأمني والتجاري.
السيناريوهات الثلاثة أمام سوريا
السيناريو الأول: تثبيت مسار التعافي
وهو أن تنجح الدولة في حماية الداخل، وتطوير المؤسسات، وتحويل الانفتاح الدولي إلى استثمارات، والاستمرار في الحوار مع مختلف القوى، مع ضبط السلاح خارج الدولة.
في هذه الحالة تصبح سوريا تدريجياً طرفاً لا يمكن تجاوز مصالحه في ملفات المنطقة.
السيناريو الثاني: استنزاف أمني طويل
ويتمثل في استمرار الهجمات على الطاقة والطرق والمنشآت، مع بقاء خلايا مسلحة وفواعل محلية خارجة عن سيطرة الدولة، بما يؤدي إلى ارتفاع كلفة الأمن وإبطاء التعافي الاقتصادي.
هذا السيناريو لا يحتاج إلى حرب شاملة حتى يكون خطيراً؛ يكفي أن تصبح الدولة منشغلة بإطفاء الحرائق اليومية بدلاً من بناء المؤسسات.
السيناريو الثالث: ارتداد إقليمي
وهو الأخطر، ويتمثل في توسع المواجهات الإقليمية أو اندلاع جولة جديدة من الحرب بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، بما يضع سوريا أمام ضغوط أمنية واقتصادية كبيرة، ويجعل أراضيها ومجالها الجوي وحدودها عرضة لتداعيات الصراع.
وفي هذه الحالة تصبح الأولوية السورية هي تحييد الأراضي السورية قدر الإمكان، ومنع نقل الصراع إلى الداخل، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المؤثرة.
الحكمة السورية: تحويل الجغرافيا من عبء إلى قوة
من موقع الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، أرى أن التحدي الحقيقي أمام سوريا ليس فقط في مواجهة التهديدات، وإنما في إدارة التناقضات من دون خسارة الهدف الأساسي: بناء الدولة.
فدمشق اليوم لا تحتاج إلى الدخول في سباق محاور، ولا إلى تقديم نفسها كطرف في حرب إقليمية، ولا إلى مواجهة جميع خصومها في الوقت نفسه.
ما تحتاجه هو شيء أكثر تعقيداً وأشد قوة:
سياسة توازن.
توازن بين السيادة والانفتاح، وبين الأمن والحوار، وبين العلاقة مع الغرب والعلاقة مع الشرق، وبين متطلبات الأمن الإسرائيلي وحقوق الدولة السورية، وبين مكافحة الإرهاب وعدم السماح باستخدام مكافحة الإرهاب ذريعة لتجاوز السيادة السورية، وبين الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على القرار الاقتصادي الوطني.
والأهم أن تستفيد دمشق من اللحظة الدولية الحالية بدلاً من أن تصبح أسيرة لها.
فمشاركة الرئيس الشرع في الجمعية العامة، واللقاءات الأمريكية والدولية التي رافقتها، أظهرت أن هناك مساحة دولية للتعامل مع سوريا الجديدة، وأن واشنطن وغيرها تنظر إلى دمشق باعتبارها طرفاً مهماً في معادلات الاستقرار الإقليمي. وقد أكدت لقاءات نيويورك دعم عدد من المشرعين الأمريكيين لوحدة سوريا وسيادتها وجهود التعافي وإعادة الإعمار، وفق الرواية الرسمية السورية.
لكن الاعتراف الدولي بالحضور السوري لا يكفي.
المطلوب الآن هو ترجمة هذا الحضور إلى دولة قادرة على حماية مواطنيها، وتأمين طرقها، وحماية طاقتها، وضبط حدودها، واستعادة اقتصادها، وجذب الاستثمار، وإدارة التنوع الداخلي، والتفاوض مع الخارج من موقع المصالح الوطنية.
الخلاصة: لا بد من الانتقال من تثبيت الحضور إلى صناعة القوة
لقد قطعت سوريا خطوة مهمة عندما عادت إلى منصة الأمم المتحدة بصوت سياسي يؤكد السيادة وإعادة البناء والانفتاح الدولي. لكن المرحلة التالية أصعب.
فبينما كانت دمشق في نيويورك تتحدث عن سوريا العائدة إلى المجتمع الدولي، كانت في الداخل تواجه تفجير خطوط الغاز واستهداف العاملين وتحديات أمنية متصاعدة. وهذه المفارقة تختصر طبيعة المرحلة كلها:
سوريا تستعيد موقعها خارجياً، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بحماية هذا الموقع داخلياً.
ومن هنا فإن السياسة السورية الأكثر حكمة ليست سياسة رد الفعل، وإنما سياسة الاستباق.
لا تنتظر دمشق حتى تتحول الخلايا إلى تنظيمات كبيرة، بل تضرب شبكاتها مبكراً.
ولا تنتظر حتى تتحول أزمة الطاقة إلى أزمة اجتماعية، بل تحصّن خطوطها ومصادرها وتنوّع شراكاتها.
ولا تنتظر حتى يتحول الجنوب إلى ساحة صراع إقليمي، بل تدير الملف سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً في وقت واحد.
ولا تنتظر حتى تفرض القوى الكبرى خياراتها، بل تستخدم تعدد العلاقات الدولية لبناء هامش مناورة مستقل.
وفي المحصلة، فإن القوة السورية في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بحجم السلاح، وإنما بقدرة الدولة على إدارة التوازنات، حماية المجتمع، بناء الاقتصاد، ضبط الأمن، وتوسيع خياراتها الخارجية دون الارتهان لأي طرف.
فالدولة التي تمتلك خيارات متعددة تكون أكثر قدرة على المناورة، والدولة التي تحمي استقرارها الداخلي تكون أكثر قدرة على التفاوض، والدولة التي تحول موقعها الجغرافي إلى ممر للتجارة والطاقة والتعاون بدلاً من أن يكون ساحة للصراع، تستطيع أن تنتقل من كونها متلقياً لتداعيات أزمات المنطقة إلى أن تصبح أحد صانعي توازناتها.
وهنا تحديداً تكمن المعركة السورية المقبلة: ليس فقط في منع عودة الحرب، وإنما في بناء دولة قادرة على منع الآخرين من تحويل سوريا إلى ساحة حرب جديدة.
لأن استقرار سوريا ليس مصلحة سورية فحسب؛ بل هو جزء من أمن تركيا والعراق والأردن ولبنان، ومن أمن المتوسط، ومن أمن الطاقة والتجارة والهجرة ومكافحة الإرهاب. ولذلك فإن حماية الدولة السورية الجديدة ليست مجرد شأن داخلي، بل استثمار مباشر في أمن المنطقة واستقرارها.

تم
👍👍
🌴🌴🌴
قراءة سياسية عميقة وواقعية للدكتور عبد الباسط أبو نبوت تضع جوهر التحدي السوري بوضوح: الانتقال من تثبيت الحضور الدولي إلى صناعة قوة الدولة وحماية الداخل. مقال مميز يليق بمهنية سيريا مورس الاخبارية وفكرها الوطني. بالتوفيق والتميز…
🇸🇾🎊🇺🇸
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.