لم تكن مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد مشاركة بروتوكولية في مناسبة دولية، بل جاءت في لحظة مفصلية تحاول فيها سوريا الانتقال من مرحلة تثبيت حضورها الدولي إلى مرحلة أكثر تعقيداً عنوانها: كيف تحافظ الدولة على هذا الحضور وتحوّله إلى قوة سياسية واقتصادية وأمنية داخلية؟

وبحسب بيانات رسمية سورية، وصل الرئيس الشرع إلى نيويورك على رأس وفد رسمي، وعقد سلسلة لقاءات شملت مسؤولين أمريكيين ودوليين، بينهم المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك، كما شارك في اجتماعات مع عدد من القادة والمسؤولين الدوليين. وفي خطابه أمام الجمعية العامة ركز على إعادة بناء مؤسسات الدولة، والتعافي الاقتصادي، ورفع العقوبات، وتوسيع العلاقات الدولية، واستعادة دور سوريا في التجارة والطاقة والممرات الإقليمية.

وبذلك يمكن النظر إلى زيارة نيويورك باعتبارها انتقالاً من سوريا التي كانت موضوعاً للأزمة الدولية إلى سوريا التي تحاول أن تكون طرفاً في صياغة مستقبلها.

لكن المفارقة أن هذا الانفتاح الخارجي يتزامن مع تحديات أمنية واقتصادية متسارعة في الداخل.

فبعد أيام قليلة من عودة الرئيس من نيويورك، استُهدف خط غاز بين الشولا ودير الزور بعملية وصفتها السلطات السورية بالتخريب، ثم وقع انفجار آخر في خط الغاز المغذي لمحطة تشرين الحرارية، ما أدى إلى خروج ثلاث محطات توليد عن الخدمة. وجاءت هذه الحوادث في توقيت يفتح باب التساؤل حول أثرها المحتمل على مسار الانفتاح الخارجي، من دون الجزم بوجود رابط مباشر مثبت حتى الآن. وفي الوقت نفسه تعرضت حافلة تقل عاملين عائدين من عملهم لهجوم مسلح قرب جسر مصياف في ريف حمص، أدى إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة، فيما لم تُعرف الجهة المنفذة حتى الآن.

وهنا تبدأ القراءة السياسية الأهم.

من اختبار الحضور الدولي إلى اختبار الدولة في الداخل

إن الدولة التي تستعيد حضورها في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتفتح قنوات مع واشنطن وأوروبا والدول العربية، وتعمل على جذب الاستثمار وإعادة الإعمار، تحتاج في المقابل إلى بيئة داخلية مستقرة تستطيع من خلالها تحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة.

فالمستثمر لا ينظر فقط إلى الاتفاقيات الدولية، وإنما يسأل عن أمن الطرق، وأمن المنشآت، واستقرار الكهرباء والطاقة، وقدرة الدولة على حماية العمال والشركات والمرافق الحيوية.

ولهذا فإن استهداف خطوط الغاز لا يمثل مشكلة فنية فحسب.

فهذا النوع من الاستهداف ينعكس مباشرة على إنتاج الكهرباء، ثم على الخدمات الأساسية والنشاط الاقتصادي وثقة المستثمرين.

فالغاز يعني كهرباء، والكهرباء تعني صناعة ومياه ومستشفيات واتصالات واستثماراً، والاستثمار يعني فرص عمل ودخلاً وعودة للسكان والمهجرين.

ومن هنا، فإن حماية البنية التحتية ليست ملفاً أمنياً منفصلاً عن السياسة الخارجية، بل هي جزء من القوة الشاملة للدولة.

حافلة العاملين: دلالات أمنية واجتماعية للهجوم

الأمر نفسه ينطبق على استهداف حافلة العاملين.

فالاعتداء على موظفين وعمال عائدين إلى منازلهم يختلف في دلالته عن مواجهة عسكرية بين مجموعات مسلحة؛ لأنه يبعث برسالة نفسية إلى المجتمع مفادها أن الطريق العام، ومكان العمل، والمنشأة المدنية، وحتى العامل الذي يذهب إلى وظيفته، يمكن أن يتحول إلى هدف.

ولا تزال هوية المنفذين ودوافعهم غير محسومة رسمياً، ولذلك لا يصح تحميل العملية مسبقاً إلى تنظيم أو ميليشيا بعينها.

لكن من منظور أمني وسياسي، فإن تكرار استهداف البنية التحتية والعاملين يفرض على الدولة التعامل مع احتمال وجود خلايا تخريبية أو فواعل مسلحة خارجة عن السيطرة تحاول استثمار هشاشة المرحلة الانتقالية.

وهنا تصبح معركة الدولة ليست فقط ضد الإرهاب، وإنما ضد اقتصاد الفوضى: شبكات السلاح، والجريمة المنظمة، والخلايا التخريبية، والفواعل التي تستطيع تعطيل طريق أو خط غاز أو حافلة بتكلفة محدودة، بينما تترك أثراً سياسياً واقتصادياً كبيراً.

الجنوب السوري: عقدة أمنية لا يجوز اختزالها

في الجنوب، تتداخل الاعتبارات المحلية مع الحسابات الإقليمية بصورة أكثر تعقيداً.

وتقول إسرائيل إن تحركاتها في الجنوب تستند إلى اعتبارات أمنية، كما تربط بعضها بمسألة حماية الدروز، بينما ترى دمشق أن استمرار العمليات والتوغلات الإسرائيلية يمثل مساساً بالسيادة السورية. وقد أشارت تقارير أممية إلى استمرار التوتر في الجنوب السوري، فيما أفادت تقارير إعلامية وحقوقية بوقوع توغلات وتحركات إسرائيلية متكررة خلال أيلول.

وفي الوقت ذاته، لا ينبغي تحويل كل اضطراب محلي إلى مؤامرة خارجية، ولا تجاهل تأثير التدخلات الإقليمية في البيئة السورية.

المعادلة الأكثر واقعية هي أن سوريا تواجه تراكباً بين فواعل محلية ومصالح إقليمية وتنافس دولي، وهذه البيئة تجعل أي خطأ في إدارة الملف الأمني قابلاً للتحول إلى أزمة سياسية أكبر.

ولهذا فإن المطلوب من دمشق ليس التصعيد الدائم ولا تقديم تنازلات مجانية، وإنما بناء قدرة ردع سياسية وأمنية هادئة تقوم على القانون والمؤسسات والاتصال الدبلوماسي وتثبيت الحقائق على الأرض.

خطر عودة الفوضى في ظل التحولات الإقليمية

تزداد أهمية هذا الأمر مع التحول في المشهد الإقليمي.

فالولايات المتحدة أعلنت في 30 أيلول اكتمال سحب قواتها من العراق ضمن انتقال المهمة المتعلقة بمكافحة تنظيم داعش، في وقت تشهد فيه المنطقة أصلاً توترات حادة مرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

ولا يعني ذلك أن الفراغ الأمني سيؤدي تلقائياً إلى عودة تنظيم داعش أو إلى موجة جديدة من العنف داخل سوريا، لكن التحولات في العراق والمنطقة تفرض على دمشق إعادة تقييم البيئة الأمنية حول حدودها الشرقية.

وهنا تكمن أهمية سوريا الجغرافية.

فاستقرار شرق سوريا ليس سورياً فقط؛ إنه مرتبط بأمن العراق، وأمن تركيا، وحركة التجارة، ومكافحة الإرهاب، والطاقة والممرات البرية.

ومن ثم فإن سوريا الجديدة أمام فرصة لإعادة تعريف موقعها: دولة أمن واستقرار واتصال، لا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

واحتمال عودة الحرب مع إيران؟

الحديث عن إيران يحتاج أيضاً إلى قدر من الواقعية.

فالمنطقة دخلت بالفعل مرحلة شديدة التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وترافق ذلك مع اضطراب في حركة الطاقة والتجارة الإقليمية. وقد انعكس إغلاق مضيق هرمز على حركة الطاقة ودفع العراق إلى استخدام الموانئ والطرق السورية في بعض عمليات استيراد الوقود.

وهنا تظهر أمام دمشق معادلة دقيقة:

كيف تبقى خارج الحرب، من دون أن تبقى خارج الجغرافيا التي تنتج آثارها؟

هذه هي إحدى أهم قواعد السياسة السورية المقبلة.

فسوريا لا تستطيع التحكم في قرارات واشنطن أو طهران أو تل أبيب، لكنها تستطيع التحكم بدرجة كبيرة في كيفية حماية أراضيها من أن تصبح مسرحاً لهذه الصراعات.

وهذا يتطلب سياسة واضحة:

لا استخدام للأراضي السورية منصة لهجمات على الآخرين، وفي الوقت نفسه لا السماح بتحويل الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات أو فرض الترتيبات الأمنية من الخارج.

القوة السورية لا تعني الدخول في كل المعارك

ربما يكون أهم درس أمام دمشق اليوم هو أن القوة السياسية لا تعني خوض جميع المعارك.

الدولة القوية هي التي تعرف متى تفاوض، ومتى تصمت، ومتى تعترض، ومتى تستخدم القانون الدولي، ومتى تبني شراكة، ومتى ترفض، ومتى تؤجل قراراً حتى تتغير موازين الظروف.

وفي المرحلة الحالية، تبدو المناورة السورية ممكنة عبر خمسة مسارات متوازية:

أولاً: توسيع شبكة العلاقات.

عدم وضع سوريا في محور واحد، بل الحفاظ على علاقات عملية مع الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا والدول العربية وروسيا، مع تطوير العلاقات الآسيوية والدولية.

ثانياً: تحويل الانفتاح الدولي إلى مصالح اقتصادية.

فالعلاقات السياسية يجب أن تنتج استثماراً وطاقة وبنية تحتية وفرص عمل، لا مجرد بيانات ومؤتمرات.

ثالثاً: تحصين الداخل.

حماية الطرق والمنشآت وخطوط الطاقة، وتطوير الاستخبارات ومكافحة الخلايا المسلحة، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت مؤسسات الدولة.

رابعاً: إدارة الملف الإسرائيلي بعقل الدولة.

لا التنازل عن السيادة، ولا الانجرار إلى حرب مفتوحة لا تخدم عملية بناء الدولة. المطلوب تثبيت الحقوق السورية دبلوماسياً وقانونياً وأمنياً، والاستفادة من الوساطات الدولية عندما تخدم المصلحة السورية.

خامساً: بناء علاقة متوازنة مع الجوار.

تركيا والعراق والأردن ولبنان ليسوا مجرد دول محيطة، بل يمثلون عمق سوريا الاقتصادي والأمني والتجاري.

السيناريوهات الثلاثة أمام سوريا

السيناريو الأول: تثبيت مسار التعافي

وهو أن تنجح الدولة في حماية الداخل، وتطوير المؤسسات، وتحويل الانفتاح الدولي إلى استثمارات، والاستمرار في الحوار مع مختلف القوى، مع ضبط السلاح خارج الدولة.

في هذه الحالة تصبح سوريا تدريجياً طرفاً لا يمكن تجاوز مصالحه في ملفات المنطقة.

السيناريو الثاني: استنزاف أمني طويل

ويتمثل في استمرار الهجمات على الطاقة والطرق والمنشآت، مع بقاء خلايا مسلحة وفواعل محلية خارجة عن سيطرة الدولة، بما يؤدي إلى ارتفاع كلفة الأمن وإبطاء التعافي الاقتصادي.

هذا السيناريو لا يحتاج إلى حرب شاملة حتى يكون خطيراً؛ يكفي أن تصبح الدولة منشغلة بإطفاء الحرائق اليومية بدلاً من بناء المؤسسات.

السيناريو الثالث: ارتداد إقليمي

وهو الأخطر، ويتمثل في توسع المواجهات الإقليمية أو اندلاع جولة جديدة من الحرب بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، بما يضع سوريا أمام ضغوط أمنية واقتصادية كبيرة، ويجعل أراضيها ومجالها الجوي وحدودها عرضة لتداعيات الصراع.

وفي هذه الحالة تصبح الأولوية السورية هي تحييد الأراضي السورية قدر الإمكان، ومنع نقل الصراع إلى الداخل، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المؤثرة.

الحكمة السورية: تحويل الجغرافيا من عبء إلى قوة

من موقع الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، أرى أن التحدي الحقيقي أمام سوريا ليس فقط في مواجهة التهديدات، وإنما في إدارة التناقضات من دون خسارة الهدف الأساسي: بناء الدولة.

فدمشق اليوم لا تحتاج إلى الدخول في سباق محاور، ولا إلى تقديم نفسها كطرف في حرب إقليمية، ولا إلى مواجهة جميع خصومها في الوقت نفسه.

ما تحتاجه هو شيء أكثر تعقيداً وأشد قوة:

سياسة توازن.

توازن بين السيادة والانفتاح، وبين الأمن والحوار، وبين العلاقة مع الغرب والعلاقة مع الشرق، وبين متطلبات الأمن الإسرائيلي وحقوق الدولة السورية، وبين مكافحة الإرهاب وعدم السماح باستخدام مكافحة الإرهاب ذريعة لتجاوز السيادة السورية، وبين الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على القرار الاقتصادي الوطني.

والأهم أن تستفيد دمشق من اللحظة الدولية الحالية بدلاً من أن تصبح أسيرة لها.

فمشاركة الرئيس الشرع في الجمعية العامة، واللقاءات الأمريكية والدولية التي رافقتها، أظهرت أن هناك مساحة دولية للتعامل مع سوريا الجديدة، وأن واشنطن وغيرها تنظر إلى دمشق باعتبارها طرفاً مهماً في معادلات الاستقرار الإقليمي. وقد أكدت لقاءات نيويورك دعم عدد من المشرعين الأمريكيين لوحدة سوريا وسيادتها وجهود التعافي وإعادة الإعمار، وفق الرواية الرسمية السورية.

لكن الاعتراف الدولي بالحضور السوري لا يكفي.

المطلوب الآن هو ترجمة هذا الحضور إلى دولة قادرة على حماية مواطنيها، وتأمين طرقها، وحماية طاقتها، وضبط حدودها، واستعادة اقتصادها، وجذب الاستثمار، وإدارة التنوع الداخلي، والتفاوض مع الخارج من موقع المصالح الوطنية.

الخلاصة: لا بد من الانتقال من تثبيت الحضور إلى صناعة القوة

لقد قطعت سوريا خطوة مهمة عندما عادت إلى منصة الأمم المتحدة بصوت سياسي يؤكد السيادة وإعادة البناء والانفتاح الدولي. لكن المرحلة التالية أصعب.

فبينما كانت دمشق في نيويورك تتحدث عن سوريا العائدة إلى المجتمع الدولي، كانت في الداخل تواجه تفجير خطوط الغاز واستهداف العاملين وتحديات أمنية متصاعدة. وهذه المفارقة تختصر طبيعة المرحلة كلها:

سوريا تستعيد موقعها خارجياً، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بحماية هذا الموقع داخلياً.

ومن هنا فإن السياسة السورية الأكثر حكمة ليست سياسة رد الفعل، وإنما سياسة الاستباق.

لا تنتظر دمشق حتى تتحول الخلايا إلى تنظيمات كبيرة، بل تضرب شبكاتها مبكراً.

ولا تنتظر حتى تتحول أزمة الطاقة إلى أزمة اجتماعية، بل تحصّن خطوطها ومصادرها وتنوّع شراكاتها.

ولا تنتظر حتى يتحول الجنوب إلى ساحة صراع إقليمي، بل تدير الملف سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً في وقت واحد.

ولا تنتظر حتى تفرض القوى الكبرى خياراتها، بل تستخدم تعدد العلاقات الدولية لبناء هامش مناورة مستقل.

وفي المحصلة، فإن القوة السورية في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بحجم السلاح، وإنما بقدرة الدولة على إدارة التوازنات، حماية المجتمع، بناء الاقتصاد، ضبط الأمن، وتوسيع خياراتها الخارجية دون الارتهان لأي طرف.

فالدولة التي تمتلك خيارات متعددة تكون أكثر قدرة على المناورة، والدولة التي تحمي استقرارها الداخلي تكون أكثر قدرة على التفاوض، والدولة التي تحول موقعها الجغرافي إلى ممر للتجارة والطاقة والتعاون بدلاً من أن يكون ساحة للصراع، تستطيع أن تنتقل من كونها متلقياً لتداعيات أزمات المنطقة إلى أن تصبح أحد صانعي توازناتها.

وهنا تحديداً تكمن المعركة السورية المقبلة: ليس فقط في منع عودة الحرب، وإنما في بناء دولة قادرة على منع الآخرين من تحويل سوريا إلى ساحة حرب جديدة.

لأن استقرار سوريا ليس مصلحة سورية فحسب؛ بل هو جزء من أمن تركيا والعراق والأردن ولبنان، ومن أمن المتوسط، ومن أمن الطاقة والتجارة والهجرة ومكافحة الإرهاب. ولذلك فإن حماية الدولة السورية الجديدة ليست مجرد شأن داخلي، بل استثمار مباشر في أمن المنطقة واستقرارها.

زيارة رئيس إقليم كردستان العراق إلى دمشق.. بين إعادة رسم العلاقات السورية–العراقية وصعود دبلوماسية أربيل في مرحلة التحولات الإقليمية

تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى العاصمة السورية دمشق في لحظة سياسية استثنائية، تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل لخريطة العلاقات الإقليمية، وتتحول فيها سوريا تدريجياً من دولة منشغلة بإدارة أزماتها الداخلية إلى دولة تستعيد حضورها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي.

ولا تقتصر أهمية الزيارة على كونها أول زيارة بهذا المستوى بعد التحولات التي شهدتها سوريا، بل تكمن أيضاً في توقيتها، الذي جاء بينما لا تزال الحكومة الاتحادية في بغداد تتحرك بوتيرة أكثر حذراً في تطوير علاقاتها مع دمشق، الأمر الذي يمنح هذه الزيارة أبعاداً سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية لتفتح الباب أمام قراءة جديدة للتوازنات داخل العراق نفسه.

أولاً: أربيل تتحرك بسرعة… وبغداد تراقب بحذر

تكشف الزيارة عن وجود اختلاف واضح في إيقاع الانفتاح العراقي على سوريا.

فإقليم كردستان، بقيادة نيجيرفان بارزاني، اختار الانخراط المباشر في الحوار مع دمشق، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار سوريا يمثل جزءاً من استقرار الإقليم والعراق، وأن المصالح الاقتصادية والأمنية تفرض بناء علاقة مباشرة مع القيادة السورية.

في المقابل، تبدو الحكومة الاتحادية في بغداد أكثر حذراً في إدارة هذا الملف، نتيجة اعتبارات داخلية معقدة، تتعلق بتوازناتها السياسية، وتشابك علاقاتها الإقليمية والدولية، وحساباتها المرتبطة بالسياسة الداخلية العراقية.

ولا يعني هذا وجود تنافس بين بغداد وأربيل في الملف السوري، بقدر ما يعكس اختلافاً في سرعة الحركة وأسلوب إدارة العلاقات الخارجية، حيث تتحرك أربيل بمرونة أكبر، بينما تميل بغداد إلى اتباع خطوات أكثر تدرجاً.

ثانياً: لماذا كانت أربيل الأسرع؟

يمكن تفسير سرعة التقارب بين أربيل ودمشق بعدة عوامل.

أولها، إدراك قيادة الإقليم أن استقرار شمال وشرق سوريا ينعكس مباشرة على أمن إقليم كردستان.

وثانيها، امتلاك نيجيرفان بارزاني شبكة واسعة من العلاقات مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، ما يمنحه مساحة للتحرك السياسي.

وثالثها، وجود مصالح اقتصادية وتجارية مباشرة بين الإقليم وسوريا، تجعل من تطوير العلاقات أولوية عملية، وليس مجرد خيار سياسي.

كما أن القيادة في أربيل تدرك أن نجاح الحوار بين دمشق و”قسد” سينعكس إيجاباً على الاستقرار الإقليمي، ويخفف من حدة التوترات التي أثرت لسنوات في المناطق الحدودية.

ثالثاً: ماذا يعني ذلك لبغداد؟

زيارة بارزاني قد تشكل حافزاً للحكومة الاتحادية لتسريع مسار تطوير العلاقات مع دمشق.

فالعراق وسوريا يواجهان تحديات مشتركة تتعلق بالأمن، والإرهاب، والمياه، والطاقة، والحدود، والتجارة، وإعادة الإعمار، وهي ملفات تتطلب مستوى أعلى من التنسيق المباشر.

ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة زيادة في اللقاءات الرسمية بين بغداد ودمشق، بما يعزز التكامل بين العاصمتين، ويمنع وجود أي فجوة في إدارة الملفات المشتركة.

فالاستقرار السوري يمثل مصلحة وطنية عراقية، تماماً كما أن استقرار العراق يمثل مصلحة استراتيجية لسوريا.

رابعاً: دمشق تتعامل مع العراق بوصفه دولة واحدة

ورغم أهمية الانفتاح على أربيل، فإن السياسة السورية تؤكد باستمرار احترامها لوحدة العراق وسيادته، والتعامل مع الحكومة الاتحادية في بغداد باعتبارها المرجعية الرسمية للعلاقات الثنائية.

وفي الوقت نفسه، تنظر دمشق إلى إقليم كردستان باعتباره شريكاً مهماً في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتعليم والثقافة والتعاون الحدودي، وهو ما يعكس سياسة سورية تقوم على توسيع دوائر التعاون دون المساس بالثوابت السيادية.

خامساً: زيارة ترتبط بمسار دمج “قسد”

لا يمكن فصل زيارة بارزاني عن التطورات المتعلقة بالحوار بين الدولة السورية و”قسد”.

فإقليم كردستان يمتلك علاقات تاريخية مع القوى الكردية في سوريا، ويمكن أن يؤدي دوراً إيجابياً في تقريب وجهات النظر، وتسهيل تنفيذ الاتفاقات، ودعم عملية الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ومع التقدم الذي أُعلن عنه في ملفات دمج الألوية العسكرية، وتسليم معظم المنشآت النفطية للدولة، فإن فرص الوصول إلى تسوية أكثر استقراراً أصبحت أكبر من أي وقت مضى.

سادساً: الاقتصاد… نقطة الالتقاء الكبرى

يمثل الاقتصاد القاسم المشترك الأهم بين دمشق وأربيل وبغداد.

فإعادة فتح المعابر، وتطوير شبكات النقل، وتسهيل حركة التجارة، وإنشاء مناطق لوجستية وصناعية مشتركة، كلها مشاريع يمكن أن تحقق مكاسب كبيرة لجميع الأطراف.

كما يمكن أن تصبح سوريا منفذاً استراتيجياً لصادرات العراق وإقليم كردستان نحو البحر المتوسط، في حين يستفيد الاقتصاد السوري من حركة الترانزيت والاستثمارات المشتركة.

سابعاً: الطاقة… مشروع المستقبل

قد يكون ملف الطاقة هو الأكثر أهمية خلال السنوات المقبلة.

فالعراق وإقليم كردستان يمتلكان احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، بينما تمتلك سوريا موقعاً جغرافياً يجعلها ممراً استراتيجياً نحو المتوسط.

ومن هنا، يمكن التفكير في مشاريع مستقبلية تشمل خطوط نقل النفط والغاز، والربط الكهربائي، وتطوير شبكات الطاقة الإقليمية، بما يحول المنطقة من ساحة تنافس إلى مركز للتكامل الاقتصادي.

ثامناً: السوريون في أربيل… جسر للعلاقات

يعيش في إقليم كردستان عدد كبير من السوريين الذين أسهموا في النشاط الاقتصادي والتجاري والثقافي.

لذلك، فإن إعادة افتتاح القنصلية السورية في أربيل ستكون خطوة استراتيجية، ليس فقط لتقديم الخدمات القنصلية، وإنما لتعزيز التواصل مع الجالية السورية، وتشجيع الاستثمار، وتنظيم أوضاع المقيمين، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والثقافي.

كما ستسهم في تسهيل حركة رجال الأعمال والطلاب والباحثين، وتعزيز العلاقات الشعبية بين المجتمعين.

تاسعاً: البعد الإقليمي والدولي

تؤكد هذه الزيارة أن سوريا أصبحت مجدداً جزءاً من معادلات الشرق الأوسط، وأن القوى الإقليمية باتت تتعامل معها باعتبارها شريكاً في بناء الاستقرار، وليس مجرد ساحة للأزمات.

كما تعكس قدرة دمشق على إدارة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، سواء مع بغداد أو أربيل، أو مع الدول العربية، أو مع تركيا، أو مع القوى الدولية، وهو ما يمنحها مساحة أوسع للمناورة السياسية.

رؤية مستقبلية

تشير المؤشرات إلى أن العلاقات السورية مع العراق ستدخل مرحلة جديدة أكثر عمقاً، تقوم على التكامل الاقتصادي، والتنسيق الأمني، والشراكة التنموية.

وقد تكون أربيل قد سبقت بغداد بخطوة في الانفتاح السياسي على دمشق، إلا أن مستقبل العلاقة لن يكون قائماً على التنافس بين العاصمتين، بل على تكامل الأدوار بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، بما يخدم استقرار العراق وسوريا والمنطقة.

أما بالنسبة لدمشق، فإن نجاحها في إدارة هذه العلاقات المتوازنة، واستكمال دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، وتعزيز التعاون مع كل من بغداد وأربيل، سيجعلها لاعباً محورياً في مشروع إقليمي جديد يقوم على الأمن المشترك، والتنمية الاقتصادية، وربط شبكات التجارة والطاقة، وتحويل الجغرافيا من خطوط تماس إلى جسور للتعاون والازدهار..