لم يكن السوريون، على امتداد أكثر من خمسة عقود، ينتمون إلى وطنٍ بقدر ما كان يُراد لهم أن ينتموا إلى شخص. فقد نشأت أجيال كاملة وهي تردد في مدارسها صباح كل يوم شعارات “الأب القائد” و”الرئيس الخالد”، وتُلقَّن الإيمان بأزلية الحاكم وأبدية سلطته، دون أن تدرك وهي في مقتبل العمر الأثر العميق الذي تتركه تلك الثقافة في وعي الإنسان، حين يُختزل الوطن في فرد، والتاريخ في حزب، والمستقبل في إرادة سلطة لا ترى في المواطن سوى تابعٍ عليها أن تُحكم السيطرة عليه.
وحين استعاد السوريون حريتهم بعد سنوات طويلة من التضحيات الجسام، وبعد أن دفعوا من دماء أبنائهم وبناتهم ثمناً باهظاً للخلاص من الاستبداد، وجدوا أنفسهم أمام سؤال لم يعتادوا طرحه: من نحن؟ وما هي هويتنا الوطنية التي غابت ملامحها تحت ركام الشعارات القومية الجوفاء والأيديولوجيا البعثية التي وعدت بالأمة الواحدة، لكنها قادت البلاد إلى الهزيمة والانقسام والانهيار؟
لقد أفرغ النظام السابق مفهوم الدولة من مضمونه الحقيقي، وحوّل مؤسساتها إلى أدوات للهيمنة والقهر. ومع انتشار الفساد والمحسوبيات واستشراء الولاءات الشخصية والطائفية والمناطقية، لم تعد الدولة تمثل الحاضنة الجامعة لجميع أبنائها، بل أصبحت في نظر كثيرين مصدر خوف وإذلال، لا عنواناً للعدالة والمواطنة. وغاب الشعور بالكرامة والانتماء، ليحل مكانه الإحساس بالهزيمة، وانسداد الأفق، والعجز عن رسم المستقبل أو تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.
وفي ظل هذا الواقع، تراجعت الهوية الوطنية الجامعة أمام صعود الهويات الفرعية. فلم يعد كثير من السوريين يجدون الأمان في وطنهم، بل في طائفتهم أو عشيرتهم أو منطقتهم، لأنها بدت الملاذ الأخير في مواجهة بطش السلطة وأجهزتها الأمنية. أما الجيش، الذي يفترض أن يكون المؤسسة الوطنية الجامعة وحامي السيادة والسلم الأهلي، فقد جرى تحويله إلى ذراع أمنية تخدم بقاء النظام أكثر مما تحمي الوطن.
فالإنسان، حين يشعر بأنه أعزل أمام قوة الدولة ولا يجد قانوناً يحميه ولا مؤسسة تنصفه، يبحث بطبيعته عن دوائر انتماء أصغر تمنحه الحد الأدنى من الأمان. وهكذا تنكمش الهوية الوطنية، وتتآكل جسور الثقة بين أبناء المجتمع، ويصبح المختلف شريكاً في الخوف بدلاً من أن يكون شريكاً في الوطن.
وقد كشفت سنوات الثورة السورية بوضوح حجم هذا الفراغ الوطني. إذ تصدرت الخطابات الدينية والطائفية مشهد الصراع، حتى إن كثيراً من مراكز الدراسات الاستراتيجية في العالم باتت تنظر إلى الأزمة السورية باعتبارها صراعاً طائفياً في جوهره. وعلى الرغم من وجود تيارات وطنية مدنية معتدلة، مثل تيار القاهرة، فإن حضورها الشعبي بقي محدوداً، بينما استطاعت الفصائل المسلحة ذات المرجعيات الدينية، وبعضها المتشدد، أن تملأ الفراغ الذي خلّفه غياب الدولة، وأن تتحول بالنسبة لكثيرين إلى مظلة للحماية ومقاومة القبضة الأمنية والعسكرية للنظام.
وتُعد محافظة السويداء نموذجاً معبراً عن هذه التحولات المؤلمة. فهذه المحافظة التي ارتبط اسمها بتاريخ وطني مشرّف، يتقدمه رمز الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، وجدت نفسها، تحت وطأة تهديدات النظام السابق ثم هجمات تنظيم داعش، مضطرة إلى تشكيل قوى محلية مسلحة لحماية أهلها. غير أن هذه القوى، التي بدأت بوظيفة دفاعية، دخلت لاحقاً في مواجهة مع السلطة الجديدة في دمشق، بعد تعثر جهود بناء الثقة، وفشل محاولات إعادة دمج المحافظة ضمن مشروع وطني جامع.
ولم تقف الأزمة عند هذا الحد، إذ أسهمت تدخلات خارجية في تأجيج الفتنة الطائفية، ودفعت بالأحداث نحو مزيد من العنف، فسقط ضحايا من أبناء السويداء، ومن أبناء العشائر، ومن المواطنين المسيحيين أيضاً. وكانت النتيجة اتساع فجوة الثقة وتعميق الانقسام المجتمعي، الأمر الذي جعل إعادة دمج السويداء في إطار الدولة الوطنية مهمة شديدة التعقيد، خاصة في ظل بطء مسار العدالة الانتقالية، وعدم اكتمال مشروع الحوار الوطني الشامل.
إن استعادة الهوية الوطنية ليست قراراً سياسياً يصدر بين ليلة وضحاها، بل هي عملية تاريخية طويلة تتطلب إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أسس جديدة من العدالة وسيادة القانون والمساواة. وهي تبدأ بإصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية، وبناء جيش وطني محترف لا يدين إلا للدستور، ولا يكون أداة في يد أي سلطة أو جماعة، كما تتطلب ترميم النسيج الاجتماعي، وإقامة جسور الثقة بين مختلف المحافظات والمكونات القومية والدينية، بحيث يشعر الجميع بأنهم شركاء متساوون في وطن واحد.
أما معالجة قضية السويداء، فلا يمكن أن تتم عبر القوة أو التخوين أو فرض الأمر الواقع، بل من خلال مسار وطني مسؤول يبدأ بالاعتراف الصريح بالمجازر والانتهاكات التي وقعت، وتحمل الحكومة الانتقالية في دمشق نصيبها من المسؤولية السياسية والأخلاقية عنها، ثم تعويض المتضررين، وإعادة المهجرين إلى ديارهم، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين لدى جميع الأطراف، والعمل الجاد على نزع فتيل الاحتقان.
وفي المقابل، فإن بناء سوريا الجديدة يقتضي أيضاً التخلي عن المشاريع الانفصالية، ورفض الارتهان للقوى الخارجية أو الاستقواء بها، لأن الأوطان لا تُبنى إلا بإرادة أبنائها، ولا تُحمى إلا بوحدتهم.
لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً لكي تستعيد فرصة بناء دولتها. وما زال أمامها طريق طويل لاستعادة هويتها الوطنية التي غُيِّبت لعقود. غير أن المستقبل يبقى ممكناً إذا انتصرت الحكمة على الانفعال، والعقل على العصبية، والمواطنة على الطائفية، والدولة على الميليشيا، والحوار على السلاح. عندها فقط، يمكن أن تستعيد السويداء مكانتها الطبيعية في قلب الوطن، وأن تستعيد سوريا، بكل مكوناتها، المعنى الحقيقي للوطن الذي يتسع للجميع.
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.