Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
ليس مجلس الشعب القادم مجرد محطة دستورية عابرة، ولا استحقاقًا سياسيًا يُضاف إلى روزنامة الأحداث، بل هو ثمرة ثورةٍ عظيمة دفع السوريون ثمنها من أغلى ما يملكون. أكثر من مليون شهيد ارتقوا وهم يحلمون بوطنٍ حر، وملايين المهجرين حملوا سوريا في قلوبهم وهم يتوزعون على أصقاع الأرض، بانتظار اليوم الذي تستعيد فيه بلادهم وجهها الحقيقي.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: من سيدخل المجلس؟ بل: أي مجلس نريد؟ وهل سيكون هذا المجلس على مستوى التضحيات التي صنعت وجوده، أم سيكرر أخطاء الماضي بأسماء جديدة؟
إن السوريين لا ينتظرون مجلسًا يصفق للسلطة، بل مجلسًا يراقبها ويحاسبها. لا يريدون نوابًا يجيدون الخطابة، بل رجال دولة يمتلكون الشجاعة للدفاع عن الحق، والقدرة على التشريع، والحكمة في صناعة القرار. مجلسًا يعبر عن ضمير الأمة، لا عن مصالح الأفراد، ويكون صوت المواطن قبل أن يكون صوت الحكومة.
إن المهمة التاريخية لهذا المجلس تبدأ من وضع دستورٍ عصري يرسخ سيادة القانون، ويصون كرامة الإنسان، ويكفل الحقوق والحريات لجميع السوريين دون تمييز على أساس الدين أو القومية أو الطائفة أو المنطقة أو الانتماء السياسي. دستور يؤسس لدولة المواطنة، ويكرس الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والتعددية السياسية، وحرية الرأي والتعبير، والتداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة، تكون فيها صناديق الاقتراع وحدها مصدر الشرعية.
لقد عانت سوريا طويلًا من مجالس صُنعت لتمنح الشرعية للقرارات، لا لتصنعها؛ مجالس غاب عنها نبض الشارع، فغابت معها الرقابة والمساءلة، وتراجعت هيبة المؤسسات، حتى أصبحت الديمقراطية مجرد عنوان بلا مضمون.
واليوم، يقف السوريون أمام فرصة قد لا تتكرر. فإما أن يولد مجلس يمثل ضمير الوطن، ويكتب بداية الجمهورية التي حلم بها الشهداء، وإما أن تضيع التضحيات في متاهة الحسابات الضيقة، ويخسر السوريون فرصة تاريخية لإعادة بناء دولتهم على أسس الحرية والعدالة.
إن بناء الأوطان لا يبدأ بالإسمنت والحديد، بل ببناء المؤسسات، ولا تنهض الدول إلا عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وحقوقه مصانة، وكرامته محفوظة بالقانون لا بالمحاباة.
هذا المجلس مطالب بأن يكون نقطة التحول بين زمن الاستبداد وزمن الدولة، بين حكم الفرد وحكم المؤسسات، بين الولاءات الضيقة والانتماء الوطني الجامع. فالتاريخ لا يتذكر عدد القوانين التي أُقرت، بل يتذكر الرجال والنساء الذين امتلكوا الشجاعة لتغيير مسار أوطانهم.
ولعل أعظم تكريم للشهداء، وأصدق وفاء للمهجرين، ليس في استحضار تضحياتهم في الخطب، بل في بناء دولةٍ لا يُظلم فيها إنسان، ولا يُقصى فيها مواطن، ولا يُحرم فيها طفل من حقه في مستقبلٍ يليق بسوريا التي حلم بها أبناؤها وضحوا من أجلها.
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.