الرئيسيةسوريارفع قانون قيصر عن سوريا .. منعطف هام يمهد لتحولات كبرى

رفع قانون قيصر عن سوريا .. منعطف هام يمهد لتحولات كبرى

محطة مفصلية هامة مثلها رفع قانون قيصر في تطور المقاربة الأميركية للملف السوري، تتجاوز في دلالاتها البعد الاقتصادي المباشر إلى إعادة رسم موقع سوريا في النظام الإقليمي والدولي، فقرار رفع العقوبات لم يأت نتيجة ضغوط سياسية وإنسانية فحسب، ولا كاستجابة للأزمات الاقتصادية التي تثقل كاهل دمشق، بل جاء كمبادرة صادرة عن البيت الأبيض، مدعومة بتوافق نادر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في الولايات المتحدة، ما يضفي عليه طابعا استراتيجيا طويل الأمد.

دلالات هامة وعلى أكثر من مستوى

يحمل رفع العقوبات الأميركية عن سورية مجموعة من الرسائل السياسية والاستراتيجية المتداخلة، ليس أولها نهاية مرحلة عزل سوريا، فالقرار يبدي رغبة أمريكية حقيقية في مراجعة نقدية لسياسة العقوبات القصوى، بعد أكثر من عقد من محدودية تأثيرها على تغيير السلوك السياسي، مقابل كلفة إنسانية واقتصادية مرتفعة، وانعكاسات إقليمية غير مرغوبة، أبرزها تعميق اقتصاد الظل وتعزيز نفوذ الفاعلين خارج النطاق الحكومي الرسمي.

وعلى صعيد آخر، فإن رفع العقوبات يعيد تعريف المصالح الأميركية في سوريا، إذ تبدو واشنطن اليوم أكثر ميلا لربط الاستقرار السوري بأمن شرق المتوسط ومسارات الطاقة، والحد من الفراغات التي تستثمرها قوى منافسة، سواء روسيا أو الصين أو فاعلون إقليميون.

مرحلة للانفتاح الاقتصادي الأمريكي على سوريا

تتجه الولايات المتحدة إلى إدارة الانفتاح الاقتصادي على سوريا، عبر السماح بدخول شركات دولية مختارة، خصوصا في قطاعات الطاقة، النقل، البنى التحتية، والاتصالات، بما يضمن حضورا غربيا منظما في مرحلة إعادة الإعمار.

ويأتي هذا التحول في سياق دولي وإقليمي متغير، حيث تتصاعد المنافسة الأميركية–الصينية، ما يقضي بالتوازي إعادة ترتيب أولويات واشنطن في الشرق الأوسط، ومساعي بناء منظومات استقرار إقليمي أكثر ارتباطا بالاقتصاد والطاقة، ضمن هذا الإطار، لم تعد سورية تمثل ملف أمني فحسب، بل مركز مؤثر بسبب موقعها الجيوسياسي والجيو اقتصادية وذو أثر مباشر على شرق المتوسط، والخليج، والممرات البرية والبحرية بين آسيا وأوروبا.

تدفق منظم لرؤوس الأموال نحو دمشق

يتوقع أن تستعيد المصارف الإقليمية، سيما الخليجية منها، قدرتها على تمويل مشاريع داخل سوريا دون مخاطر قانونية، ما يشكل رافعة أساسية لإعادة تشغيل الاقتصاد الحقيقي، وتحريك هام للقطاعات الإنتاجية المجمدة، والتي ستشمل : مواد البناء (الإسمنت والفولاذ)، الطاقة التقليدية والمتجددة، النقل والخدمات اللوجستية، التطوير العقاري المرتبط بإعادة الإعمار.

وبذات الاتجاه، فإن رفع قانون قيصر سيشكل تحول في سلوك المستثمرين في ظل عودة الشركات الأوروبية، ولو بشكل انتقائي، إلى مشاريع البنى التحتية الأساسية، والتي من المتوقع انها ستسهم في إعادة تشكيل بيئة الأعمال خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهرا، مع انتقال تدريجي من اقتصاد الطوارئ إلى اقتصاد التخطيط والاستقرار.

ولا يمثل رفع قانون قيصر مجرد تعديل قانوني، بل يشكل انتقالا نوعيا في موقع سوريا داخل الحسابات الدولية والإقليمية، فللمرة الأولى منذ أكثر من عدة عقود، تتوافر إمكانية واقعية لدمج سورية في منظومة الاقتصاد الإقليمي، شرط أن تترجم هذه الفرصة إلى استراتيجية اقتصادية متكاملة، قائمة على الإصلاح، والانفتاح المنضبط، وإعادة تعريف دور الدولة في التنمية.

عبد الله الحمد
عبد الله الحمدhttps://syriamorse.com/author/abdullah-al-hamad/
صحفي ومحلل سياسي – دمشق، سوريا صحفي محترف بخبرة تتجاوز 15 عاماً في العمل الإعلامي وتغطية الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. حاصل على إجازة في الإعلام من جامعة دمشق وعضو في اتحاد الصحفيين في سوريا. عمل في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وقناة الإخبارية السورية، حيث شغل مناصب تحريرية وإنتاجية منها رئيس تحرير نشرات الأخبار ورئيس قسم المراسلين، وقام بإعداد وتحرير الأخبار والتقارير التلفزيونية وإدارة فرق العمل الصحفي. شارك في تغطية أحداث محلية وإقليمية كمراسل ومحرر، وتميز بقدرته على جمع المعلومات من المصادر الميدانية، والتحقق من دقتها، وصياغتها بشكل موضوعي يلبي المعايير المهنية. تعاون مع وسائل إعلام عربية ودولية كـ BBC، سكاي نيوز، العربية، الشرق للأخبار، والحدث، ويواصل نشاطه الصحفي لتقديم محتوى إخباري وتحليلي موثوق .
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

مقالات أخرى للكاتب