أخبار

محددات السياسة في خطاب الرئيس أحمد الشرع: ترتيب الأولويات الوطنية وبناء معادلة الاستقرار

محددات السياسة في خطاب الرئيس أحمد الشرع: ترتيب الأولويات الوطنية وبناء معادلة الاستقرار
شبكة سيريا مورس الإخبارية

Morse AI

ملخص واستماع ذكي للمقال

الصوت مولّد بالذكاء الاصطناعي وليس صوتاً بشرياً.
تعكس المقابلة الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع ملامح أولويات السياسة السورية في المرحلة المقبلة، داخلياً عبر التركيز على بناء الدولة والاستقرار، وخارجياً عبر خفض التوتر وتوسيع الانفتاح الدبلوماسي. ومن خلال مضامين المقابلة، يمكن القول إن الخطاب قدّم مؤشرات إلى محددات محتملة للسياسة الداخلية والخارجية السورية في المرحلة المقبلة، في سياق إعادة ترتيب أولويات الدولة وموقعها الإقليمي والدولي.
الدولة والمؤسسات في صدارة الأولويات

أولى هذه المحددات تمثلت في إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة في إدارة الشأن العام. وأوحى حديث الرئيس بأولوية تعزيز دور الدولة في تطبيق القانون وحماية السلم الأهلي، ويمكن قراءة هذا الطرح بوصفه مؤشراً إلى توجه نحو تعزيز المؤسسات الرسمية وترسيخ دور الدولة في إنفاذ القانون، باعتباره شرطاً أساسياً لاستعادة الاستقرار بعد سنوات طويلة من تعدد مراكز النفوذ والصراع.

وفي السياق ذاته، قدم الرئيس رؤية تقوم على أن بناء الدولة ليس مشروعاً سريعاً، بل عملية تراكمية تحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل. فالتنمية الاقتصادية، وإعادة تأهيل المؤسسات، وإصلاح الإدارة، وتحسين الخدمات العامة، لا يمكن أن تتحقق بقرارات آنية، وإنما عبر سياسات طويلة الأمد تقوم على التخطيط والاستثمار وبناء القدرات الوطنية.

ومن اللافت أيضاً تأكيده على أهمية المشاركة الشعبية في صياغة مستقبل البلاد، مع التأكيد على أن بناء المسار السوري ينبغي أن يستفيد من الخبرات الخارجية من دون تبني نماذج جاهزة بصورة حرفية. فالرؤية المطروحة تقوم على الاستفادة من الخبرات الدولية، مع مراعاة الخصوصية السورية في بناء المؤسسات والتشريعات، بما يعكس سعياً إلى تحقيق التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الهوية الوطنية.

كما تطرق الخطاب إلى بعض الملفات التي خلفها الصراع، بما فيها ملف المفقودين وقضايا أمنية وسياسية معقدة، من دون الإيحاء بحلول سريعة أو شاملة، في إشارة إلى أن معالجة آثار الحرب ستتم وفق رؤية تراعي الاستقرار وتجنب الانزلاق إلى أزمات جديدة.

السياسة الخارجية: خفض التوتر وتوسيع الانفتاح
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد بدا أن الأولوية الأساسية تتمثل في خفض التوترات وتجنب الانخراط في مواجهات عسكرية جديدة. فالرئيس أكد أن سوريا لا تسعى إلى الصدام، وإنما إلى حماية مصالحها الوطنية عبر الحوار والدبلوماسية، مع التمسك بالحقوق الوطنية، وفي مقدمتها قضية الجولان المحتل، بما يعكس توجهاً نحو إدارة الصراعات بوسائل سياسية كلما أمكن ذلك.

وفي الإطار الإقليمي، حمل الخطاب مؤشرات على إعادة صياغة العلاقات مع دول الجوار وفق مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وأشار الخطاب إلى أن التعامل مع لبنان والعراق يُطرح من خلال مؤسسات الدولة الرسمية، مع التشديد على دعم استقرار البلدين واحترام خياراتهما الوطنية، وهو ما يعكس تحولاً نحو بناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة والتعاون الأمني والاقتصادي.

كما أشار الخطاب إلى رغبة في تنويع الشراكات الدولية، من خلال الحفاظ على العلاقات مع الحلفاء التقليديين، والانفتاح في الوقت نفسه على الدول الغربية، والعمل على إزالة العقوبات واستعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي. ويعكس هذا التوجه إدراكاً بأن مرحلة إعادة الإعمار والتنمية تتطلب شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، بعيداً عن سياسة المحاور الحادة.

الجغرافيا السورية كعنصر قوة استراتيجية
ومن أبرز الرسائل التي حملها الخطاب اعتبار الموقع الجغرافي لسوريا أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية. فسوريا تقع عند تقاطع طرق التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا والعالم العربي، وتمتلك موقعاً يجعلها مؤهلة لأن تكون مركزاً لوجستياً واقتصادياً إذا توفرت البيئة السياسية والأمنية المناسبة. ومن هنا، فإن استثمار هذا الموقع لا يقتصر على البعد الاقتصادي، بل يمتد إلى تعزيز الدور السياسي لسوريا بوصفها دولة محورية في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.

كما أن جذب الاستثمارات العربية والأجنبية لم يعد يُطرح بوصفه هدفاً اقتصادياً فقط، بل كجزء من استراتيجية وطنية لإعادة بناء الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. فالاستثمار في هذه المرحلة يمثل أداة للتنمية، وفي الوقت ذاته وسيلة لترسيخ المصالح المشتركة بين سوريا وشركائها الإقليميين والدوليين.

من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح

وفيما يتعلق بالأمن القومي، يوحي الخطاب بأن سوريا تسعى إلى الانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة إدارة المصالح. فبدلاً من توسيع ساحات المواجهة، تركز الدولة على بناء منظومة أمنية مستقرة، وتعزيز التعاون مع الدول المجاورة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب، بما يسهم في ترسيخ الأمن الداخلي والإقليمي.

وتكشف مجمل مضامين الخطاب عن سياسة واضحة في ترتيب الأولويات الوطنية؛ إذ يبدو أن القيادة السورية تضع استعادة الاستقرار الداخلي، وإعادة بناء المؤسسات، وتحريك الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتوسيع الانفتاح الدبلوماسي، في مقدمة الأهداف، باعتبارها المدخل الطبيعي لاستعادة الدور الإقليمي لسوريا. وهذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن النفوذ في المرحلة الراهنة لا يُقاس فقط بالقدرات العسكرية، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على تحقيق الاستقرار، وبناء الاقتصاد، وإقامة علاقات متوازنة، وتحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة سياسية وتنموية.
الخلاصة
وفي المحصلة، فإن الخطاب يقدم رؤية تقوم على أن استعادة مكانة سوريا تبدأ من الداخل، عبر بناء مؤسسات قوية واقتصاد متماسك ومجتمع مستقر، ثم تنطلق إلى الخارج عبر دبلوماسية نشطة وشراكات متوازنة وسياسة تقوم على المصالح الوطنية. ويبقى نجاح هذه الرؤية مرهوناً بقدرة الدولة على تحويل المبادئ المعلنة إلى سياسات عملية، والاستفادة من المتغيرات الإقليمية والدولية لبناء معادلة جديدة يكون عنوانها: سوريا المستقرة، ذات السيادة، القادرة على توظيف موقعها السياسي والاقتصادي والأمني لتحقيق التنمية وحماية مصالحها الوطنية، والإسهام في استقرار الإقليم بأسره.