لم تعد العلاقات السورية–الأمريكية تُقرأ اليوم من زاوية الماضي وحده، ولا من خلال إرث العقوبات والعزلة السياسية التي طبعت العلاقة لعقود، بل أصبحت أمام مسار جديد يتشكل تدريجياً على أساس الحوار السياسي، والمصالح المشتركة، والانفتاح الاقتصادي، والتعاون في الملفات الإقليمية والدولية.

والأهم أن هذا التحول لم يعد مجرد رسائل سياسية أو لقاءات دبلوماسية، بل بدأ يأخذ شكلاً اقتصادياً ومؤسسياً واضحاً، مع وصول أول بعثة تجارية لغرفة التجارة الأمريكية إلى دمشق، بمشاركة أكثر من 60 شركة أمريكية، إلى جانب مسؤولين من وزارة الخارجية ووزارة التجارة الأمريكية.

وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة ليس بسبب حجم الوفد فقط، وإنما بسبب طبيعة القطاعات التي يمثلها، والتي تشمل الطاقة، والإنشاءات والمعدات الثقيلة، والرعاية الصحية، والخدمات المالية، والتكنولوجيا والاتصالات، والنقل واللوجستيات، والزراعة وغيرها.

وبذلك تنتقل العلاقة من مرحلة اختبار النوايا السياسية إلى مرحلة اختبار فرص الشراكة الاقتصادية الفعلية.

من رفع العقوبات إلى فتح الأسواق

يمكن فهم التحول الحالي في العلاقات السورية–الأمريكية ضمن مسار سياسي وقانوني بدأ بإزالة عدد من القيود التي أعاقت التعامل الاقتصادي مع سوريا، ثم تطور باتجاه فتح المجال أمام الاستثمار والتجارة.

وكان اللقاء الذي أُعلن عنه بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض محطة لافتة في مسار إعادة رسم العلاقة، قبل أن تتوالى الخطوات الأمريكية المتعلقة بالعقوبات والانفتاح على الحكومة السورية الجديدة.

ومع الخطوات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بالعقوبات وبمستوى الانفتاح الرسمي على الحكومة السورية الجديدة، دخلت العلاقة مرحلة مختلفة؛ إذ لم يعد السؤال الأساسي هو كيفية فرض القيود على الاقتصاد السوري، وإنما كيفية بناء إطار يسمح بعودة سوريا إلى النظام الاقتصادي والمالي الدولي.

وهنا تكتسب الزيارة التجارية الأمريكية دلالتها الحقيقية.

فالشركات، في العادة، لا تزور بلداً فقط للتعبير عن موقف سياسي، بل لتقييم السوق، وفهم البيئة القانونية، ودراسة المشاريع، والتعرف إلى الشركاء المحتملين، وقياس المخاطر والعوائد.

ولهذا فإن انتقال الوفد الأمريكي من اللقاءات العامة إلى اجتماعات متخصصة مع المصرف المركزي ووزارات الاقتصاد والصحة والاتصالات والطاقة وهيئة الاستثمار، يمثل خطوة عملية في اختبار إمكانية بناء شراكة اقتصادية طويلة الأمد.

ماكغي: المشاركة الاقتصادية عنوان المرحلة الجديدة

ربما تختصر تصريحات نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي جاكوب ماكغي خلال زيارته إلى دمشق جوهر المرحلة الجديدة، عندما تحدث عن وجود الوفد من أجل المشاركة مع السوريين في الفرص الاستثمارية ودعم مسار التعافي وإعادة الإعمار.

وتعكس هذه اللغة تحولاً واضحاً مقارنة بخطاب العقوبات والضغط الذي طبع العلاقة في مراحل سابقة.

فالمعادلة الجديدة لم تعد تقوم على تقديم سوريا باعتبارها مشكلة أمنية أو سياسية فقط، وإنما باعتبارها دولة تملك فرصاً اقتصادية يمكن الاستثمار فيها، وسوقاً تحتاج إلى التكنولوجيا والخبرة ورأس المال، وموقعاً جغرافياً يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في حركة التجارة الإقليمية.

وهذا التحول في النظرة الأمريكية يمثل بحد ذاته أحد أهم مؤشرات المرحلة الجديدة.

من الدبلوماسية إلى الشراكة المؤسسية

اللافت في زيارة الوفد الأمريكي أن التعاون لم يقتصر على وزارة واحدة أو ملف واحد.

فقد شهدت دمشق اجتماعات اقتصادية ومصرفية مع المصرف المركزي، ولقاءات مع وزارة الاقتصاد والصناعة، ووزارة المالية، ووزارة الطاقة، ووزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، ووزارة الصحة، وهيئة الاستثمار، إضافة إلى وزارة الخارجية والمغتربين.

وهذا يعني أن الحوار الاقتصادي بدأ يأخذ طابعاً مؤسسياً شاملاً.

ففي القطاع المصرفي، ناقش الجانبان تطوير العلاقات الاقتصادية والمصرفية، وتهيئة بيئة نقدية ومصرفية أكثر قدرة على دعم الاستثمار والتجارة والاندماج في المنظومة المالية الدولية.

وفي قطاع الاتصالات، بحث وزير الاتصالات وتقانة المعلومات مع الوفد الأمريكي فرص الاستثمار في قطاع الاتصالات، وهو قطاع يمثل إحدى ركائز التحول الرقمي وإعادة بناء البنية التحتية الحديثة.

وفي القطاع الصحي، جرى بحث واقع المستشفيات والنقاط الطبية، بما يفتح الباب أمام التعاون في التجهيزات الطبية والخدمات الصحية والتكنولوجيا الطبية وإعادة تأهيل البنية الصحية.

أما في مجال الاستثمار، فقد ناقشت هيئة الاستثمار مع الوفد الأمريكي الحوافز والتسهيلات التي يوفرها قانون الاستثمار رقم 114 لعام 2025، إضافة إلى المشاريع ذات الأولوية والاستراتيجية والحوافز الممنوحة للمشاريع الزراعية.

وهذا التنوع يكشف أن الحديث لم يعد عن مشروع منفرد، بل عن إمكانية بناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية المشتركة.

الاقتصاد السوري يريد تغيير المعادلة

من أهم التصريحات التي صدرت خلال اللقاءات الاقتصادية ما طرحه وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار حول توجه الحكومة للانتقال من «اقتصاد التراخيص والموافقات» إلى اقتصاد يقوم على الإمكانات والمنافسة والقطاع الخاص.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التحول في الرؤية الاقتصادية السورية.

فالحكومة لا تريد أن تكون الدولة هي المستثمر الرئيسي في كل القطاعات، وإنما تريد أن تركز على تنظيم السوق، ودعم المنافسة، وبناء المؤسسات، وتهيئة البيئة التي يستطيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي العمل فيها.

والأكثر أهمية أن الرؤية المطروحة أمام الشركات الأمريكية لا تتعامل مع سوريا باعتبارها مجرد سوق لبيع المنتجات.

فالهدف، كما أوضح وزير الاقتصاد، هو جذب الشركات للانتقال من بيع منتجاتها في السوق السورية إلى الإنتاج والتوريد والتوزيع من سوريا وخدمة الأسواق الإقليمية انطلاقاً منها.

وهذه الفكرة يمكن أن تكون واحدة من أهم ركائز العلاقة الاقتصادية الجديدة.

فإذا تحولت سوريا من سوق استهلاكية إلى قاعدة إنتاج وتصدير، فإن الاستثمار الأجنبي لن يكون مجرد تدفق لرأس المال، بل سيصبح جزءاً من عملية بناء اقتصاد جديد يوفر فرص العمل، وينقل التكنولوجيا، ويطور الإنتاج، ويدعم الصادرات.

سوريا من «سوق لإعادة الإعمار» إلى «منصة إقليمية»

وهنا تبرز أهمية الموقع الجغرافي السوري.

سوريا تقع عند نقطة اتصال بين الخليج والعراق وتركيا وشرق المتوسط، وقريبة من الأسواق العربية والأوروبية.

وبالتالي فإن قيمة سوريا الاقتصادية لا تكمن فقط في حجم السوق المحلية، وإنما في قدرتها المحتملة على أن تكون منصة للإنتاج والتجارة والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير.

وهذا ينسجم مع الرؤية التي طرحتها الحكومة السورية أمام الوفد الأمريكي: تحويل سوريا من مجرد «سوق لإعادة الإعمار» إلى «منصة إنتاجية واقتصادية» قادرة على الارتباط بالأسواق الإقليمية.

إذا نجحت هذه الرؤية، فإن الشركة التي تستثمر في سوريا لن تكون بالضرورة تستثمر من أجل السوق السورية وحدها، وإنما تستطيع استخدام سوريا كنقطة انطلاق إلى أسواق أوسع.

وهنا يصبح الموقع الجيوسياسي السوري قيمة اقتصادية فعلية، وليس مجرد ميزة جغرافية نظرية.

الزراعة.. من قطاع تقليدي إلى فرصة استثمارية

أحد الملفات اللافتة في النقاشات الاقتصادية السورية–الأمريكية كان القطاع الزراعي.

فوزير المالية محمد يسر برنية أكد أن الاستثمار في القطاع الزراعي سيكون معفى ضريبياً بشكل كامل، مشيراً إلى اتساع فرص الصناعات الغذائية المرتبطة بالزراعة وتوفر اليد العاملة.

وهذه السياسة يمكن أن تفتح المجال أمام نموذج جديد يقوم على ربط الزراعة بالصناعة.

فبدلاً من تصدير المنتجات الزراعية بصورتها الأولية، يمكن تطوير صناعات غذائية وتعليب وتخزين وتبريد وسلاسل توريد حديثة، بما يزيد القيمة المضافة ويخلق فرص عمل ويعزز القدرة التصديرية.

كما أن استعداد الدولة لتقديم الدعم للمزارعين، وتقديم الضمان السيادي في المشاريع التي يكون فيها شريك حكومي، يمكن أن يساعد في تخفيض جزء من المخاطر التي ينظر إليها المستثمر الأجنبي عند تقييم السوق السورية.

بناء الثقة.. من المخاطر إلى الضمانات

لكن جذب الاستثمار لا يعتمد على الإعفاءات وحدها.

المستثمر الدولي يبحث عن بيئة قانونية واضحة، ونظام مصرفي قادر على التعامل مع المدفوعات الدولية، وضمانات قانونية، وشفافية، وحوكمة، وآليات لحماية رأس المال.

ومن هنا تأتي أهمية ما طرحه وزير المالية بشأن السعي إلى تفعيل مؤسسة ضمان المخاطر متعددة الأطراف في سوريا، إلى جانب مؤسسات مماثلة، بهدف تخفيف مخاوف المستثمرين من مخاطر الاستثمار.

كما أن العمل على إصدار دليل إرشادي متعدد اللغات يوضح المنظومة الضريبية والالتزامات الضريبية يمثل خطوة مهمة في تبسيط البيئة الاستثمارية.

والأهم هو بدء النقاش حول اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي، وهي خطوة يمكن أن تكون ضرورية لتسهيل حركة رؤوس الأموال والاستثمارات الدولية.

هذه التفاصيل قد تبدو إجرائية، لكنها في الواقع تشكل أساساً حقيقياً لأي شراكة اقتصادية طويلة الأمد.

الثقة السياسية تدعم الثقة الاقتصادية

لا يمكن فصل الانفتاح الاقتصادي عن التحولات السياسية والدبلوماسية التي شهدتها سوريا.

فالتعاون مع المؤسسات الدولية في الملفات الحساسة، ومن بينها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ساهم في تغيير صورة سوريا لدى المجتمع الدولي.

وفي الملف النووي تحديداً، أشاد وزير الطاقة الأمريكي كريستوفر رايت بالتعاون السوري والشفافية والإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة لمعالجة قضايا عدم الامتثال السابقة.

وتحمل هذه التصريحات أهمية تتجاوز الملف التقني، لأنها تعكس أن التعاون والشفافية أصبحا جزءاً من أدوات بناء الثقة بين سوريا والمؤسسات الدولية والدول الغربية.

وهذه الثقة السياسية والقانونية هي التي تسمح لاحقاً بانتقال العلاقة إلى الثقة الاقتصادية.

مكافحة الإرهاب.. مصلحة مشتركة

يظل الأمن أحد الملفات الأساسية في العلاقة السورية–الأمريكية.

فالولايات المتحدة تحتاج إلى شريك سوري قادر على ضبط الأراضي السورية ومنع عودة تنظيم داعش والجماعات المتطرفة، وتأمين السجون والمخيمات، ومنع استخدام الأراضي السورية لتهديد الأمن الإقليمي والدولي.

وفي المقابل، تحتاج سوريا إلى دعم دولي يساعدها على استعادة وحدة مؤسسات الدولة والسيطرة على أراضيها وإنهاء الملفات الأمنية العالقة.

ومن هنا يمكن أن تتحول مكافحة الإرهاب من شرط سياسي أمريكي إلى مساحة تعاون مشتركة.

كما أن ملف دمج القوى والمؤسسات العسكرية والأمنية خارج إطار الدولة ضمن مؤسسات الدولة السورية يمكن أن يشكل جزءاً من مسار أوسع لاستعادة وحدة القرار والسيادة السورية.

وهنا تتقاطع المصالح: واشنطن تريد سوريا مستقرة لا تشكل بيئة حاضنة للإرهاب، ودمشق تريد دولة موحدة تملك قرارها الأمني والعسكري على كامل أراضيها.

العلاقة الاقتصادية لا تعني التبعية السياسية

ومع كل هذا الانفتاح، فإن نجاح العلاقة السورية–الأمريكية يتطلب الحفاظ على قاعدة أساسية: الشراكة لا تعني التبعية.

سوريا تستطيع أن تنفتح على الولايات المتحدة دون أن تغلق أبوابها أمام تركيا أو الدول العربية أو أوروبا أو روسيا أو الصين أو الهند أو غيرها.

بل إن تنويع الشركاء قد يكون أحد عناصر القوة في السياسة الاقتصادية السورية.

فالاستثمار الأمريكي يمكن أن يتكامل مع الاستثمارات العربية، والخبرات الأوروبية، والشراكات الآسيوية، والموقع التركي، والأسواق الخليجية، بما يجعل الاقتصاد السوري أكثر انفتاحاً وتوازناً.

والدبلوماسية الاقتصادية الناجحة لا تقوم على اختيار محور واحد، وإنما على تعظيم المصالح الوطنية من خلال بناء أكبر شبكة ممكنة من الشراكات.

دمشق وواشنطن.. مصالح متبادلة

من المنظور الأمريكي، تمثل سوريا الجديدة فرصة لبناء دولة مستقرة وموحدة، تتعاون في مكافحة الإرهاب، وتفتح اقتصادها أمام الاستثمار، وتعمل مع المؤسسات الدولية، وتستعيد اندماجها في المجتمع الدولي.

ومن المنظور السوري، تمثل الولايات المتحدة شريكاً يمكن أن يساهم في إزالة العقبات الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير قطاعات الطاقة والصحة والاتصالات والتمويل والبنية التحتية، إضافة إلى المساعدة في معالجة بعض الملفات السياسية والأمنية الإقليمية.

وبذلك تنتقل العلاقة تدريجياً من معادلة «الضغط مقابل التنازلات» إلى معادلة «المصالح مقابل المصالح».

وهذه ربما تكون أكثر صيغ العلاقات الدولية استدامة.

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

لكن زيارة أكثر من 60 شركة أمريكية إلى دمشق لا تعني أن الاستثمارات أصبحت أمراً محسوماً.

فالوفد يمثل بداية اختبار حقيقي.

والاختبار الآن يقع على عاتق الحكومة السورية في قدرتها على تحويل الوعود إلى بيئة استثمارية قابلة للتنفيذ.

وهذا يتطلب تطوير التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وتطوير القطاع المصرفي، وتوفير آليات واضحة للتحويلات والمدفوعات، وحماية المستثمرين، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وربط الاستثمارات الأجنبية بخطة وطنية واضحة لإعادة الإعمار والتنمية.

كما يتطلب من القطاع الخاص السوري أن يكون شريكاً حقيقياً، لا مجرد وسيط بين المستثمر الأجنبي والسوق المحلية.

فالهدف النهائي ليس أن تأتي الشركات الأمريكية إلى سوريا وتبيع منتجاتها، وإنما أن تستثمر وتنتج وتوظف وتنقل التكنولوجيا وتبني سلاسل توريد وتربط الاقتصاد السوري بالأسواق الخارجية.

الاقتصاد قد يصبح لغة جديدة للعلاقة

اللافت في المرحلة الحالية أن الخطاب الأمريكي والسوري يلتقيان بصورة متزايدة حول مفردات جديدة: الاستثمار، الإنتاج، التكنولوجيا، البنية التحتية، الطاقة، الصحة، المصارف، الزراعة، الحوكمة، وإعادة الإعمار.

وهذه المفردات تختلف تماماً عن قاموس العقوبات والعزلة.

ولعل أهم ما في الزيارة الأمريكية إلى دمشق أنها تُظهر أن العلاقة لم تعد تُبنى فقط من خلال السياسيين والدبلوماسيين، وإنما بدأت تدخل إليها الشركات والمصارف والمؤسسات الاستثمارية والوزارات والقطاعات الإنتاجية.

فالسياسة فتحت الباب، لكن الاقتصاد هو الذي يستطيع أن يجعل الباب مفتوحاً بصورة مستدامة.

دمشق أمام فرصة تاريخية

المرحلة الحالية تمنح سوريا فرصة لإعادة تعريف موقعها في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

فبدلاً من أن تكون دولة تبحث فقط عن رفع العقوبات، تستطيع أن تصبح دولة تبحث عن الاستثمار.

وبدلاً من أن يكون النقاش حول كيفية تمويل إعادة الإعمار، يمكن أن ينتقل إلى كيفية بناء اقتصاد منتج قادر على تمويل تنميته بنفسه.

وبدلاً من أن تكون سوريا سوقاً لمنتجات الآخرين، يمكن أن تتحول إلى قاعدة إنتاج وتوريد وتوزيع للأسواق المحيطة.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للشراكة السورية–الأمريكية.

فإذا استطاعت دمشق بناء مؤسسات قوية، وبيئة قانونية ومصرفية واضحة، وسياسة استثمارية شفافة، واستفادت من موقعها الجغرافي، فإن الشركات الأمريكية لن تكون مجرد مستثمرين في مرحلة إعادة الإعمار، وإنما يمكن أن تصبح جزءاً من عملية إعادة بناء الاقتصاد السوري نفسه.

أما واشنطن، فإن نجاح هذه الشراكة سيمنحها شريكاً مستقراً في منطقة شديدة الحساسية، ويفتح أمام شركاتها سوقاً جديدة وفرصاً في قطاعات متعددة.

وبذلك يصبح التقارب السوري–الأمريكي قائماً على مصالح متبادلة لا على المجاملات السياسية.

لقد بدأت سوريا تنتقل من مرحلة العزلة إلى مرحلة الانفتاح، ومن طلب رفع القيود إلى البحث عن الاستثمارات، ومن انتظار الدعم إلى محاولة بناء شراكات، ومن النظر إلى موقعها الجغرافي كحدود جغرافية إلى توظيفه كميزة اقتصادية.

والرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الوفد الأمريكي ليست فقط أن الشركات الأمريكية وصلت إلى دمشق، بل أن دمشق بدأت تُطرح أمامها كجزء من معادلة اقتصادية إقليمية جديدة.

فإذا نجحت سوريا في تحويل هذا الانفتاح إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل وتكنولوجيا وتصدير، فإن العلاقات السورية–الأمريكية لن تكون مجرد صفحة جديدة في العلاقات الدبلوماسية، بل قد تتحول إلى أحد روافع إعادة تموضع سوريا اقتصادياً وإقليمياً ودولياً.

فالسياسة تفتح الأبواب، لكن الشراكة الاقتصادية هي التي تستطيع أن تجعل الانفتاح واقعاً مستداماً.

فبعد سنوات طويلة من العزلة السياسية والاقتصادية، تشير التحركات الدبلوماسية والاقتصادية الأخيرة إلى مساعٍ سورية لاستعادة موقع أوسع في شبكة العلاقات الدولية، وإلى تنامي النظر إليها بوصفها ساحة محتملة للتعافي والاستثمار، والبحث عن شركاء في مرحلة إعادة البناء. ألمانيا.. من الحوار السياسي إلى الشراكة الاقتصادية تأتي ألمانيا في مقدمة الدول الأوروبية التي يظهر معها هذا التحول بوضوح.

وخلال لقاءات رسمية سورية–ألمانية أُعلن عنها أخيراً، برز تركيز يتجاوز البعد السياسي التقليدي ليشمل الاستثمار وإعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي. النقاش لم يعد حول كيفية إدارة الأزمة السورية، وإنما حول الاستثمار، وإعادة الإعمار، ونقل الخبرات والمعرفة، وتوسيع الشراكات الاقتصادية. وتوحي هذه اللقاءات بأن الجانب السوري يسعى إلى الانتقال من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة أكثر عملية في التعاون الاقتصادي.

وهذه النقلة بالغة الأهمية، لأن المستثمر لا يبحث فقط عن الاستقرار السياسي، بل يريد أن يرى دولة قادرة على توفير البيئة القانونية والمؤسساتية والمصرفية التي تسمح له بالعمل والاستثمار وحماية رأس المال. وفي هذا السياق، فإن التعاون الألماني من خلال مؤسسات مثل GIZ وKfW، والنقاش حول البنية التحتية والصحة والتعليم والإسكان والمصارف، يمكن أن يشكل أحد المسارات العملية لتحويل العلاقة السياسية إلى شراكة تنموية واقتصادية. “البيت الألماني”..

الدبلوماسية تتحول إلى منصة للتعاون ويكتسب افتتاح “البيت الألماني” في دمشق أهمية خاصة، لأنه يقدم نموذجاً جديداً للحضور الأوروبي في سوريا. فالهدف لا يقتصر على التمثيل الدبلوماسي، وإنما توفير مساحة للتعاون التنموي والاقتصادي والمؤسساتي، وربط الجهات السورية بالشركات والمؤسسات والخبرات الألمانية.

وهنا تظهر أهمية أن تتحول السفارات والبعثات الأجنبية في المرحلة المقبلة إلى منصات اقتصادية واستثمارية، تساعد المستثمرين على فهم السوق السورية، وتربطهم بالمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وتفتح المجال أمام الشراكات ونقل التكنولوجيا والخبرات. الدنمارك.. عودة السفارة وعودة أوروبا إلى دمشق ومن المؤشرات المهمة أيضاً زيارة وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن إلى دمشق، بالتزامن مع إعادة افتتاح السفارة الدنماركية بعد أربعة عشر عاماً.

وهذه الخطوة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد إجراء دبلوماسي، بل تحمل دلالة سياسية واضحة على أن عدداً متزايداً من الدول الأوروبية بات يرى أن التعامل المباشر مع دمشق أصبح أكثر فاعلية من إدارة الملف السوري عن بُعد. والأهم أن زيارة الوزير الدنماركي ارتبطت بمباحثات حول توسيع التعاون والشراكة، والتعافي المبكر وإعادة الإعمار.

وهنا يمكن قراءة عودة السفارة الدنماركية باعتبارها جزءاً من مسار أوروبي أوسع نحو استعادة الحضور الدبلوماسي في سوريا. زيادة البعثات الأوروبية.. مؤشر على تغير المرحلة إن زيادة عدد البعثات الأوروبية ورفع مستوى الحضور الدبلوماسي في دمشق خلال المرحلة المقبلة سيكونان من أكثر المؤشرات وضوحاً على التحول في العلاقات السورية–الأوروبية.

فعودة السفارات لا تعني فقط عودة السفراء والموظفين، وإنما تعني عودة قنوات الاتصال المباشر بين الحكومات، والشركات، والجامعات، والمؤسسات التنموية، والقطاع الخاص. كما أن الحضور الدبلوماسي المباشر يساعد على تقييم فرص الاستثمار، وفهم احتياجات السوق، وبناء العلاقات مع المؤسسات السورية، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم.

ومن هنا، فإن دمشق أمام فرصة لتحويل عودة البعثات الأوروبية إلى دبلوماسية اقتصادية فاعلة، بحيث تصبح السفارة جسراً بين سوريا والأسواق الأوروبية، وبين الشركات السورية والأوروبية، وبين الخبرات والتكنولوجيا وحاجات إعادة الإعمار. الاتحاد الأوروبي.. من المساعدات إلى التعافي المستدام أما على مستوى الاتحاد الأوروبي، فإن التحول يبدو أكثر وضوحاً.

فاللقاءات السورية–الأوروبية الأخيرة ركزت على تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، ودعم التعافي وإعادة الإعمار، وتوسيع الشراكات في مختلف القطاعات. وهذا يعني أن العلاقة بدأت تنتقل من مفهوم “المساعدة” إلى مفهوم الشراكة.

وهنا تبرز نقطة أساسية: سوريا لا تريد أن تكون مجرد متلقٍ للمساعدات، بل تسعى إلى تقديم نفسها شريكاً اقتصادياً يمتلك فرصاً حقيقية للاستثمار والإنتاج والتصدير. فإعادة الإعمار السورية يمكن أن تكون فرصة للطرفين؛ أوروبا تمتلك التكنولوجيا والخبرة ورأس المال، وسوريا تمتلك سوقاً واسعة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وموارد بشرية وطبيعية، وحاجة هائلة إلى إعادة بناء البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية. الصحة والتعليم والبنية التحتية..

الاستثمار في الإنسان ولا ينبغي أن تختصر الشراكة السورية–الأوروبية في الإسمنت والطرق ومحطات الطاقة فقط. فإعادة بناء سوريا تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الإنسان والمؤسسات. ولهذا فإن التعاون الأوروبي في الصحة والتعليم والتدريب المهني والتحول الرقمي وبناء القدرات وإعادة تأهيل المؤسسات، لا يقل أهمية عن مشاريع البنية التحتية.

وفي القطاع الصحي تحديداً، فإن إعادة بناء المستشفيات والمراكز الصحية، وتعزيز الرعاية الأولية، وتطوير الكوادر، والتحول الرقمي، ودعم صناعة الدواء، يمكن أن تصبح نموذجاً لشراكة أوروبية–سورية طويلة الأمد. فالاستثمار الحقيقي ليس فقط في الأبنية، وإنما في رأس المال البشري الذي سيقود سوريا خلال العقود المقبلة. إزالة الألغام..

نموذج للتعاون العملي ومن النماذج اللافتة افتتاح ألمانيا فرعاً حديثاً لإزالة الألغام في الكسوة بريف دمشق. وقد تبدو إزالة الألغام في ظاهرها قضية أمنية وإنسانية، لكنها في الحقيقة جزء مباشر من عملية إعادة الإعمار. فلا يمكن بناء الطرق، وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية، وإعادة السكان، وإنشاء المشاريع الاستثمارية في مناطق ملوثة بالألغام ومخلفات الحرب.

ومن هنا فإن التعاون الأوروبي في إزالة الألغام يمثل نموذجاً لكيف يمكن أن يتحول التعاون الدولي من العمل الإنساني إلى تهيئة البيئة الفعلية للتنمية والاستثمار. سوريا والتعاون مع المؤسسات الدولية وفي الوقت ذاته، فإن الانفتاح السوري لا يقتصر على أوروبا وحدها، بل يترافق مع عودة تدريجية للتعاون مع المؤسسات الدولية. ويبرز في هذا السياق التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي شهدت خلال عام 2026 تطوراً مهماً مع استعادة سوريا حقوقها وامتيازاتها في إطار اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، بالتزامن مع خطوات عملية لتعزيز التعاون والتحقق ومعالجة الملفات الفنية العالقة.

وهذا المسار مهم لأنه يضع سوريا مجدداً داخل منظومة المؤسسات والقواعد الدولية، ويعزز الثقة الدولية بها. كما أن تطوير التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وغيرها من المؤسسات الدولية المتخصصة ينبغي أن يكون جزءاً من سياسة سورية أوسع تقوم على الانفتاح المؤسسي والشفافية والاستفادة من الخبرات الدولية في المجالات العلمية والتقنية. والرسالة الأهم هنا أن سوريا الجديدة لا تريد أن تكون خارج النظام الدولي، وإنما تريد أن تكون دولة فاعلة داخله، تتعاون مع مؤسساته وتحافظ في الوقت نفسه على مصالحها وسيادتها الوطنية.

سوريا تعود إلى موقعها الجيوسياسي كل هذه التطورات يجب أن تُقرأ في إطار أوسع. فسوريا ليست دولة هامشية في الجغرافيا السياسية الدولية. هي تقع في قلب المشرق، وتتوسط طرقاً تربط الخليج بالعراق وتركيا والبحر المتوسط، وتشكل جسراً طبيعياً بين آسيا وأوروبا.

ولهذا فإن استقرار سوريا وازدهارها الاقتصادي ليسا مصلحة سورية فقط، وإنما مصلحة إقليمية ودولية. وما نشهده من انفتاح على ألمانيا والدنمارك والاتحاد الأوروبي، إلى جانب تطوير العلاقات مع تركيا ودول الخليج والعراق وباكستان وآسيا الوسطى وغيرها، يعكس محاولة سورية لبناء شبكة علاقات متعددة الاتجاهات. وهذه نقطة قوة وليست تناقضاً.

فسوريا ليست مضطرة إلى اختيار أوروبا على حساب آسيا، أو تركيا على حساب الخليج، أو الشرق على حساب الغرب. بل إن مصلحتها تكمن في بناء علاقات متوازنة مع الجميع، والاستفادة من موقعها الجغرافي في تحويلها إلى جسر بين الأسواق والمصالح الدولية. الزراعة والغذاء..

فرصة استراتيجية لا تقل أهمية ومن القطاعات التي أرى أنها يجب أن تحظى باهتمام أوروبي ودولي كبير القطاع الزراعي والغذائي. فسوريا تمتلك إمكانات زراعية واسعة، والغذاء لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل أصبح قضية استراتيجية وأمن قومي. الدولة التي تستطيع تأمين غذائها تمتلك هامشاً أكبر من الاستقلال في قرارها السياسي والاقتصادي.

ومن هنا يمكن أن تكون الشراكة الأوروبية مع سوريا في الزراعة، والري الحديث، والطاقة المتجددة، والصناعات الغذائية، وسلاسل التوريد، والتكنولوجيا الزراعية، واحدة من أهم مجالات الاستثمار المستقبلي. وهذا يفتح أمام سوريا فرصة للانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستيراد والمساعدات إلى اقتصاد منتج قادر على تحقيق الأمن الغذائي وخلق فرص العمل والتصدير. من الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية الاقتصادية إن المرحلة الجديدة تحتاج إلى إعادة تعريف وظيفة الدبلوماسية السورية.

فالسفير السوري في أوروبا يجب ألا يكون دوره سياسياً فقط، وإنما يجب أن يكون أيضاً سفيراً للاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا. وبالمقابل، فإن السفارات الأوروبية في دمشق يمكن أن تكون منصات لتعريف شركاتها بالسوق السورية وفرصها.

وهنا تلتقي السياسة بالاقتصاد. فكل اتفاق سياسي يجب أن يفتح الطريق أمام اتفاق اقتصادي، وكل زيارة رسمية يجب أن تنتج فرصاً استثمارية، وكل سفارة يجب أن تكون قناة للتواصل بين القطاعين العام والخاص. التحدي الحقيقي..

تحويل الانفتاح إلى نتائج لكن الانفتاح الدولي وحده لا يكفي. فالاستثمار يحتاج إلى بيئة قانونية واضحة، ومؤسسات قوية، ونظام مصرفي فعال، وضمانات للمستثمرين، وشفافية، ومكافحة حقيقية للفساد، واستقرار تشريعي وإداري.

كما أن سوريا بحاجة إلى تقديم خريطة استثمارية واضحة تحدد القطاعات والمشاريع والأولويات، وتوفر البيانات والدراسات التي تساعد المستثمر على اتخاذ القرار. وهنا يمكن أن تتحول الشراكة الأوروبية إلى اختبار حقيقي لقدرة سوريا على بناء نموذج اقتصادي جديد. أوروبا تحتاج سوريا..

وسوريا تحتاج أوروبا برأيي، فإن العلاقة الجديدة يجب ألا تقوم على مفهوم أن أوروبا “تساعد” سوريا فقط، أو أن سوريا “تطلب” من أوروبا الدعم. المعادلة الأكثر واقعية هي أن أوروبا تحتاج إلى سوريا مستقرة وقوية، وسوريا تحتاج إلى أوروبا كشريك في التنمية والاستثمار والتكنولوجيا. أوروبا معنية بالاستقرار الإقليمي، وأمن المتوسط، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، والطاقة، والتجارة، والأسواق الجديدة.

وسوريا معنية بالحصول على التكنولوجيا والخبرات ورأس المال والأسواق الأوروبية. وهذه المصالح المشتركة يمكن أن تشكل أساساً لشراكة طويلة الأمد.

الخلاصة.. أوروبا تعود إلى سوريا المستقبل ما يحدث اليوم في دمشق ليس مجرد حركة دبلوماسية عابرة. زيارة وزير الخارجية الدنماركي، وإعادة افتتاح السفارة الدنماركية، وتزايد الحضور الأوروبي، والحوار المتقدم مع ألمانيا، وافتتاح “البيت الألماني”، وانخراط الشركات الأوروبية، وتوسع التعاون مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والمؤسسات الدولية، كلها مؤشرات على أن سوريا تستعيد تدريجياً موقعها داخل شبكة العلاقات الدولية. والأهم أن هذه العودة تأتي في لحظة تحاول فيها دمشق الانتقال من مرحلة تثبيت الاستقرار وبناء الثقة إلى مرحلة العمل والإنتاج وإعادة الإعمار. وهنا أرى أن الفرصة التاريخية أمام سوريا تكمن في أن تجعل من موقعها الجغرافي والسياسي والاقتصادي نقطة قوة. فلا شرق دون غرب، ولا أوروبا دون آسيا، ولا الخليج دون المتوسط. سوريا تستطيع أن تكون نقطة التقاء، لا نقطة صراع؛ جسراً للمصالح، لا ساحة للمحاور. وإذا نجحت دمشق في تحويل الانفتاح السياسي إلى شراكات اقتصادية، وتحويل البعثات الدبلوماسية إلى جسور للاستثمار، وتحويل موقعها الجيوسياسي إلى ممر للتجارة والطاقة والتكنولوجيا، فإن العلاقة السورية–الأوروبية لن تكون مجرد عودة للعلاقات التي انقطعت خلال سنوات الأزمة، بل ستكون بداية لعلاقة مختلفة تماماً: سوريا التي تعود إلى أوروبا، وأوروبا التي تعود إلى سوريا، من أجل بناء شراكة لا تقوم على الماضي، وإنما على مصالح المستقبل.

معرض دمشق الدولي 2026

حين فتحت سوريا أبوابها للعالم… وبدأ الاقتصاد يتحدث

هناك معارض تُقام لعرض المنتجات، وهناك معارض تتحول إلى مؤشرات على تحولات الدول.

ومعرض دمشق الدولي في دورته الثالثة والستين ينتمي إلى النوع الثاني.

فما يجري في مدينة المعارض بدمشق هذا العام ليس مجرد دورة جديدة لمعرض عريق، ولا مجرد عودة لحدث اقتصادي غاب سنوات طويلة عن المشهد الدولي.

إنه، بكل ما يحمله من حضور عربي ودولي، أحد أكثر المشاهد وضوحاً على التحول الذي تعيشه سوريا الجديدة.

تحت شعار «سوريا تشرق من جديد»، تستضيف دمشق نحو ألف جهة تمثل قرابة 60 دولة، بينها شركات ومؤسسات ووزارات وهيئات وغرف تجارة ومجالس أعمال وجهات استثمارية وخدمية وحرفية. كما تحضر ألمانيا للمرة الأولى كضيف شرف رسمي بجناح يضم 13 عارضاً.

وهذا الرقم وحده يقول الكثير.

لكن الأهم من عدد الدول هو نوع الحضور.

فالدول لم تأتِ إلى دمشق فقط لتعرض منتجاتها.

لقد جاءت لتبحث عن السوق السورية، وعن فرص الاستثمار، وعن الشراكات، وعن موقعها في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد السوري.

وهنا تحديداً تكمن قصة معرض دمشق الدولي هذا العام.

من «سوريا تستقبل العالم» إلى «سوريا تشرق من جديد»

في الدورة السابقة كان الشعار يحمل معنى تاريخياً:

«سوريا تستقبل العالم».

كان العالم يعود إلى دمشق بعد سنوات من العزلة.

أما اليوم، فالمشهد أكثر تقدماً.

لم تعد سوريا تكتفي باستقبال العالم.

بل بدأت تقول:

نحن نريد أن نشارك في صناعة الاقتصاد الإقليمي والدولي.

وهذا الفارق مهم جداً.

فالدولة التي تستقبل الوفود فقط قد تكون ما زالت في مرحلة التعافي.

أما الدولة التي تضع حكومتها وقطاعها الخاص ومؤسساتها الاستثمارية على طاولة واحدة مع المستثمرين والشركات الدولية، فهي بدأت تنتقل إلى مرحلة أخرى:

مرحلة بناء الشراكات.

وهذا ما تحاول الدورة الحالية أن تفعله بالفعل.

المعرض لم يعد معرضاً تقليدياً

أحد أهم التحولات في هذه الدورة هو إعادة تعريف وظيفة معرض دمشق الدولي.

فالمؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية أوضحت أن الدورة الحالية تتجه إلى جعل المعرض اقتصادياً بالدرجة الأولى، مع التركيز على الاستثمار ولقاءات مجتمع الأعمال، وإتاحة الوصول المباشر إلى الجهات الحكومية المرتبطة بالاقتصاد وبيئة الاستثمار.

وهذا تحول جوهري.

المعرض التقليدي يقول:

تعالَ وشاهد منتجاتنا.

أما المعرض الجديد فيقول:

تعالَ، تعرّف إلى سوريا، قابل حكومتها، قابل شركاتها، اسأل عن فرصها، ثم ابدأ مشروعك.

وهذه هي النقلة الحقيقية.

الحكومة دخلت المعرض بكل مؤسساتها

ربما تكون واحدة من أكثر الرسائل أهمية في هذه الدورة أن الحكومة السورية لم تتعامل مع المعرض باعتباره نشاطاً لوزارة الاقتصاد وحدها.

بل حضرت الوزارات والهيئات والمؤسسات الاقتصادية والخدمية، إلى جانب القطاع الخاص.

وهذا يعني أن المستثمر لا يجد أمامه جناحاً تجارياً فقط، وإنما يجد الدولة نفسها حاضرة لتقديم المعلومات والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالاستثمار والتراخيص والقطاعات والفرص.

وقد أكد مدير المؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية أن مؤسسات الدولة والوزارات والهيئات المختلفة حاضرة ومستعدة للتعامل مع المستثمرين ورجال الأعمال وتزويدهم بالمعلومات التي يحتاجونها.

وهنا تظهر صورة مختلفة للدولة السورية:

دولة لا تنتظر المستثمر في المكاتب المغلقة، وإنما تضع نفسها أمامه في أكبر منصة اقتصادية سورية.

منتدى دمشق الاقتصادي… المعرض الذي يريد أن يصنع صفقات

لكن دمشق لم تتوقف عند فكرة المعرض.

فبالتزامن مع الدورة الحالية بدأ تأسيس منتدى دمشق الاقتصادي العالمي، ليكون المسار الذي ينقل المشاركة من عرض المنتجات والفرص إلى التفاوض حول المشاريع والعقود والشراكات.

المنتدى يجمع الحكومة والقطاع الخاص والمستثمرين والشركاء الدوليين، ويتيح لقاءات بين الشركات، وبين الشركات والجهات الحكومية، لبحث الاستثمار والإنتاج والتصدير والتراخيص ومذكرات التفاهم والاتفاقيات.

وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحاً:

المعرض هو بوابة التعارف.

والمنتدى هو طاولة التفاوض.

والحكومة هي الجهة التي يفترض أن تحول التفاوض إلى بيئة استثمار.

أما القطاع الخاص، فهو الطرف الذي يجب أن يحول الفرص إلى إنتاج ومشاريع وفرص عمل.

وهذه معادلة اقتصادية مختلفة تماماً عن اقتصاد الدولة المغلقة.

ألمانيا… ليست مجرد ضيف شرف

ربما كان اختيار ألمانيا ضيف شرف للدورة الحالية من أكثر الرسائل دلالة.

فألمانيا لا تمثل فقط دولة صناعية كبرى.

إنها تمثل، في الذاكرة الاقتصادية السورية، نموذجاً لإعادة البناء والانضباط الصناعي والتدريب المهني والتكنولوجيا والقطاع المتوسط والصغير.

ولهذا فإن وجودها في دمشق يحمل معنى يتجاوز البروتوكول.

وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار تحدث صراحة عن أهمية التجربة الألمانية في تحويل التحديات إلى قوة والدمار إلى بناء، مؤكداً أن سوريا لا تريد استنساخ التجربة الألمانية، وإنما التعلم منها، وأن السوريين الذين عاشوا في ألمانيا يمكن أن يشكلوا جسراً بشرياً ومعرفياً واقتصادياً بين البلدين.

وهذه ربما واحدة من أهم الأفكار في المشهد كله:

رأس المال السوري الموجود في الخارج ليس أموالاً فقط.

إنه خبرة.

ومعرفة.

وشبكات علاقات.

ولغة.

وتجربة.

وعندما يعود هذا الرأس المال البشري إلى سوريا، ولو عبر الشراكات والاستثمار ونقل المعرفة، فإنه يصبح جزءاً من عملية إعادة البناء.

رأس المال البشري يتحدث من داخل المعرض

وهنا نصل إلى جانب لا يقل أهمية عن الاستثمارات المالية.

سوريا لا تحتاج فقط إلى مليارات الدولارات.

سوريا تحتاج إلى ملايين الأفكار والخبرات.

المهندس السوري الذي عمل في أوروبا.

الطبيب الذي بنى خبرته في الخارج.

رجل الأعمال الذي أسس شركته في الخليج.

المبرمج الذي عمل في ألمانيا.

الخبير الصناعي الذي عاش في تركيا.

الأكاديمي الذي عمل في الجامعات الأجنبية.

كل هؤلاء يمثلون جزءاً من رأس المال الذي يمكن أن يعيد بناء الاقتصاد السوري.

ولهذا فإن معرض دمشق الدولي ليس فقط مكاناً للشركات الأجنبية.

إنه أيضاً مكان يمكن أن يلتقي فيه السوري في الداخل مع السوري في الخارج.

ومن هنا يصبح المعرض منصة لإعادة وصل الاقتصاد السوري بشبكات المعرفة السورية العالمية.

العرب يعودون إلى دمشق اقتصادياً

اللافت أيضاً هو الحضور العربي الواسع.

السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، مصر، الأردن، العراق، ليبيا، الجزائر، لبنان وغيرها من الدول العربية حاضرة بصورة مباشرة أو عبر مؤسساتها وشركاتها ومجالس أعمالها.

وهذا الحضور يحمل معنى بالغ الأهمية.

فالاقتصاد السوري لا يمكن أن يُبنى بمعزل عن محيطه العربي.

سوريا تقع في قلب المشرق، وتملك موقعاً يمكن أن يجعلها حلقة وصل بين الخليج والعراق وتركيا والبحر المتوسط.

ولهذا فإن الاستثمار العربي في سوريا لا يعني فقط ضخ الأموال.

بل يمكن أن يعني:

إعادة بناء طرق التجارة.

إعادة تشغيل الموانئ.

تطوير المناطق الصناعية.

تنشيط النقل البري.

تطوير السياحة.

فتح أسواق جديدة للمنتجات السورية.

وهكذا يتحول الاقتصاد السوري من اقتصاد يبحث عن المساعدة إلى اقتصاد يحاول أن يصبح جزءاً من شبكة اقتصادية إقليمية.

رفع العقوبات… والآن يبدأ الاختبار الحقيقي

لكن هناك نقطة يجب عدم تجاهلها.

رفع العقوبات أو تخفيف القيود لا يعني أن الاقتصاد السوري أصبح جاهزاً تلقائياً.

بل يعني أن الفرصة أصبحت متاحة.

والاختبار الحقيقي يبدأ الآن.

هل تستطيع سوريا جذب الاستثمار؟

هل تستطيع حماية المستثمر؟

هل تستطيع بناء نظام مصرفي قادر على التعامل مع الاقتصاد العالمي؟

هل تستطيع تسهيل تأسيس الشركات؟

هل تستطيع توفير الطاقة؟

هل تستطيع تحديث التشريعات؟

هل تستطيع مكافحة الفساد؟

هل تستطيع تحقيق الاستقرار؟

هل تستطيع تحويل الاتفاقيات التي تُعلن أمام الكاميرات إلى مصانع ومشاريع وفرص عمل؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد نجاح المرحلة المقبلة.

ولذلك فإن معرض دمشق الدولي ليس نهاية الطريق.

بل هو أول اختبار حقيقي للانفتاح الاقتصادي السوري.

السياحة… الاقتصاد الذي يطل من بوابة المعرض

وإذا كان الاستثمار والصناعة والتجارة هي العنوان المباشر للمعرض، فإن السياحة هي العنوان الذي يمكن أن يمتد إلى كامل الاقتصاد السوري.

سوريا لا تحتاج فقط إلى أن يعود المستثمر.

هي تحتاج أيضاً إلى أن يعود السائح.

دمشق.

تدمر.

بصرى.

حلب.

اللاذقية.

طرطوس.

الجزيرة.

الجنوب السوري.

المدن القديمة.

الآثار.

الطبيعة.

المطبخ السوري.

والتراث الثقافي.

كلها يمكن أن تتحول إلى مكونات لصناعة سياحية متكاملة.

وتشير التقديرات التي طُرحت ضمن منتدى دمشق الاقتصادي إلى إمكانية استهداف نحو 8 ملايين سائح خلال خمس سنوات، مع إمكان خلق مئات آلاف فرص العمل إذا جرى تطوير البنية السياحية والخدمات المرتبطة بها.

وهذا يعني أن الموسم السياحي السوري المقبل لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد موسم للزوار.

بل باعتباره:

موسم استثمار.

الفندق مشروع.

المطعم مشروع.

النقل السياحي مشروع.

المنتجعات مشروع.

المدن القديمة مشروع.

السياحة العلاجية مشروع.

السياحة الدينية مشروع.

السياحة البيئية مشروع.

وهنا يمكن لمعرض دمشق الدولي أن يكون نقطة البداية لعرض سوريا ليس فقط كسوق استثمار صناعي، وإنما كوجهة سياحية واستثمارية متكاملة.

هناك فرق كبير بين أن نقول:

سوريا تحتاج إلى إعادة إعمار.

وبين أن نقول:

سوريا تبني اقتصاداً جديداً.

الأولى تعني إصلاح ما تهدم.

أما الثانية فتعني بناء شيء مختلف.

وهذا ما يجب أن تكون عليه المرحلة القادمة.

ليس المطلوب فقط إعادة بناء مصنع كان موجوداً.

بل إنشاء مصنع أكثر كفاءة.

ليس المطلوب فقط إعادة بناء مدرسة.

بل بناء منظومة تعليم تربط الطالب بسوق العمل.

ليس المطلوب فقط إصلاح شبكة كهرباء.

بل بناء قطاع طاقة قادر على جذب الاستثمار.

ليس المطلوب فقط إعادة الطرق.

بل تحويل سوريا إلى ممر تجاري إقليمي.

وهنا تحديداً يصبح الاستثمار الأجنبي مفيداً عندما يأتي مصحوباً بـ:

التكنولوجيا + المعرفة + التدريب + الإدارة + رأس المال.

وهذه هي الفكرة التي طرحها وزير الاقتصاد عندما تحدث عن أن المعرض يجب أن يكون منصة تنتقل عبرها التكنولوجيا والمعرفة والخبرة إلى سوريا.

من الدورة السابقة إلى الدورة الحالية… ماذا تغير؟

ربما تكون المقارنة بين الدورتين هي أفضل طريقة لفهم حجم التحول.

الدورة الثانية والستون، التي أقيمت في 2025، كانت أول دورة بعد التغيير السياسي، وشهدت مشاركة نحو 850 شركة محلية وعالمية وحضوراً اقتصادياً ودولياً واسعاً. وقد بلغ عدد الزوار نحو 2.261 مليون زائر، وتجاوزت قيمة العقود والاتفاقيات المعلنة خلالها 935 مليار ليرة سورية.

أما الدورة الثالثة والستون، فقد جاءت بمشاركة نحو ألف جهة من قرابة 60 دولة، مع حضور حكومي واقتصادي دولي أوسع، وتحوّل أكبر نحو الاستثمار ولقاءات الأعمال.

أي أن سوريا انتقلت خلال عام واحد تقريباً:

من استعادة المعرض…

إلى إعادة تعريف وظيفة المعرض.

ومن استقبال الشركات…

إلى محاولة بناء الشراكات.

ومن عرض المنتجات…

إلى التفاوض على المشاريع.

ومن استعادة الحضور الدولي…

إلى محاولة استعادة الدور الاقتصادي.

وهذه ليست تفاصيل صغيرة.

غرفة تجارة وصناعة درعا… نموذج للقطاع الخاص الذي يدخل المشهد

وفي هذا السياق، يبرز دور غرف التجارة والصناعة، ومنها غرفة تجارة وصناعة درعا، باعتبارها نموذجاً على دخول القطاع الخاص السوري بصورة أكثر مباشرة في مشروع الاقتصاد الجديد.

فالقطاع الخاص لم يعد مطلوباً منه فقط أن ينتظر القرارات الحكومية.

بل أصبح شريكاً في جذب الاستثمار، والتواصل مع المستثمرين، وبناء العلاقات التجارية، وتطوير الإنتاج المحلي.

وهذا التحول أساسي.

لأن الدولة وحدها لا تستطيع بناء اقتصاد حديث.

والقطاع الخاص وحده لا يستطيع العمل دون دولة قوية وقوانين واضحة.

المعادلة المطلوبة هي:

دولة تنظم وتحمي وتفتح الأبواب.

وقطاع خاص يستثمر وينتج ويخلق فرص العمل.

وشريك دولي ينقل رأس المال والخبرة والتكنولوجيا.

وهنا يمكن أن يبدأ الاقتصاد السوري الحقيقي.

الاتحاد الأوروبي حاضر أيضاً

مشاركة السفير ميخائيل أونماخت، رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا، في منتدى دمشق الاقتصادي العالمي تضيف بعداً آخر للمشهد.

فالمنتدى لم يعد مساحة سورية داخلية.

لقد أصبح مكاناً يجلس فيه:

الحكومة السورية،

والقطاع الخاص،

والدبلوماسيون،

والمستثمرون،

والمؤسسات الدولية،

والشركات الأجنبية.

وهذه الصورة بحد ذاتها تحمل رسالة سياسية واقتصادية:

دمشق تعود إلى طاولة الاقتصاد الدولي.

سوريا الجديدة… من موقع المتلقي إلى موقع الشريك

ربما تكون هذه هي الصورة الأهم التي يجب أن يخرج بها الزائر من معرض دمشق الدولي 2026.

سوريا ليست بلداً يطلب فقط.

وليست بلداً ينتظر المساعدات فقط.

إنها بلد يمتلك:

موقعاً جغرافياً استراتيجياً.

سوقاً كبيرة.

موارد بشرية.

ثروات طبيعية.

قطاعاً خاصاً.

خبرات في الداخل والخارج.

حاجة ضخمة لإعادة الإعمار.

وموقعاً يمكن أن يعيد ربط الشرق بالمتوسط.

لكن كل هذه الإمكانات تحتاج إلى إدارة.

وهنا يأتي دور الحكومة.

عام كامل من العمل… والآن يبدأ الحصاد

معرض دمشق الدولي ليس وليد أسابيع قليلة من التحضير.

إنه نتيجة لمسار كامل بدأ منذ عودة سوريا إلى الانفتاح الدولي.

إعادة بناء العلاقات.

فتح القنوات السياسية.

إعادة التواصل مع المؤسسات الدولية.

تخفيف ورفع القيود والعقوبات.

إعادة بناء البيئة التشريعية.

تنشيط الاقتصاد.

إعادة الاعتبار للقطاع الخاص.

التواصل مع المستثمرين.

فتح قنوات مع الدول العربية.

الانفتاح على أوروبا وآسيا.

والتحرك باتجاه إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

والآن جاءت اللحظة التي يمكن فيها أن يظهر أثر هذا العمل أمام العالم.

في معرض دمشق الدولي.

ولهذا فإن نجاح الدورة الحالية لا يُقاس فقط بعدد الزوار.

ولا بعدد الأجنحة.

ولا بعدد الصور.

بل بما سيحدث بعد إغلاق أبواب المعرض في الرابع من أيلول.

كم مصنعاً سيُبنى؟

كم شركة ستدخل السوق؟

كم مشروعاً سيبدأ؟

كم وظيفة ستُخلق؟

كم اتفاقية ستتحول إلى عقد؟

وكم مليار دولار من رأس المال سيجد طريقه إلى الاقتصاد السوري؟

هذه هي الأرقام التي ستحدد النجاح الحقيقي.

الخلاصة: المعرض ليس صورة لسوريا… بل اختبار لسوريا الجديدة

معرض دمشق الدولي 2026 ليس مجرد معرض.

إنه رسالة سياسية واقتصادية واستثمارية في آن واحد.

رسالة تقول إن سوريا التي كانت لسنوات مغلقة أمام العالم، بدأت تفتح أبوابها.

وأن سوريا التي كانت تُناقش في المؤتمرات الدولية باعتبارها أزمة، بدأت تحاول أن تقدم نفسها باعتبارها فرصة.

وفرصة الاستثمار السورية ليست في قطاع واحد.

إنها تمتد من:

الصناعة،

والزراعة،

والطاقة،

والبنية التحتية،

والنقل،

والتكنولوجيا،

والاتصالات،

والسياحة،

والعقار،

والخدمات،

إلى التعليم والتدريب ورأس المال البشري.

ولذلك ربما يكون أفضل وصف للدورة الثالثة والستين هو:

معرض الانتقال من التعافي إلى التنمية.

ففي العام الماضي قالت سوريا للعالم:

«نحن نستقبلكم».

أما هذا العام فتقول:

«تعالوا نبني معاً».

وهذه هي صورة سوريا الجديدة التي تريد الحكومة تقديمها:

سوريا ليست فقط بلداً يعيد بناء ما تهدم… بل بلداً يريد أن يبني اقتصاداً جديداً، ويعود إلى موقعه الطبيعي كجسر بين الأسواق، ومنصة للاستثمار، وممر للتجارة، ووجهة للسياحة، وشريك في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

ولعل العبارة التي قالها الرئيس أحمد الشرع في افتتاح المعرض تختصر المشهد كله:

«نرى شمس سوريا تشرق من جديد لتكون منارة في اقتصادها وجسراً بين الأسواق».

لكن الشمس لا تكفي وحدها.

المرحلة المقبلة هي مرحلة تحويل هذا الضوء إلى:

مصانع، ومشاريع، واستثمارات، وسياحة، ووظائف، وصادرات، ونمو.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي لسوريا الجديدة.

فالمعرض انتهى يوماً ما.

أما الاقتصاد الذي سيولد من داخله، فيجب ألا ينتهي.

سوريا على أعتاب الخروج من العزلة: الاستثمار وإعادة الإعمار في الواجهة

تقف سوريا أمام مرحلة مفصلية في مسارها السياسي والاقتصادي، مع استمرار الجهود الدولية والسورية لإعادة النظر في منظومة العقوبات والقيود التي أثرت طوال سنوات في قدرة الاقتصاد السوري على الوصول إلى الأسواق والتمويل والاستثمار الدولي.

ولا يعني أي تخفيف أو رفع محتمل للعقوبات أن الاقتصاد السوري سينتقل تلقائيًا إلى مرحلة التعافي، لكنه قد يزيل جزءًا مهمًا من العوائق التي تواجه التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، إذا ترافق ذلك مع إصلاحات داخلية وضمانات قانونية ومالية واضحة.

شهدت السياسة الخارجية السورية خلال المرحلة الأخيرة تحركًا باتجاه توسيع العلاقات العربية والإقليمية والدولية، بالتوازي مع محاولات لإعادة تفعيل قنوات التعاون الاقتصادي والدبلوماسي.

وشملت هذه التحركات دولًا عربية وإقليمية وآسيوية، إلى جانب اتصالات مع أطراف غربية ومؤسسات دولية، بما يعكس رغبة دمشق في الانتقال من التعامل مع آثار العزلة إلى بناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي.

ومن هذه الزاوية، فإن النقاش حول العقوبات لم يعد اقتصاديًا فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بمدى قدرة سوريا على بناء علاقات طبيعية مع المجتمع الدولي وإظهار استعدادها للتعاون في الملفات التي تشكل مصدر قلق للدول والمؤسسات الدولية.

ماذا يعني تخفيف العقوبات للاقتصاد السوري؟

الأثر الأكثر أهمية لأي تخفيف للعقوبات قد يظهر في قدرة الشركات والمصارف على التعامل مع السوق السورية ضمن الأطر القانونية الدولية.

لكن هذا المسار لن يكون تلقائيًا؛ فالمؤسسات المالية الدولية ستظل مطالبة بتطبيق قواعد الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، كما ستحتاج الشركات إلى وضوح في القوانين السورية المتعلقة بالاستثمار وتحويل الأموال والملكية وتسوية النزاعات.

ولهذا فإن الاستثمار وإعادة الإعمار في سوريا لا يرتبطان بقرار خارجي واحد، وإنما بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية المتداخلة.

فالقرار السياسي يمكن أن يفتح الباب، لكن المستثمر يحتاج إلى بيئة يستطيع فيها أن يعرف حقوقه والتزاماته ومخاطر مشروعه بصورة واضحة.

الاستثمار يحتاج إلى بيئة أكثر وضوحًا

تمتلك سوريا احتياجات واسعة في قطاعات الكهرباء والطاقة والنقل والمياه والإسكان والاتصالات والصناعة والزراعة والسياحة.

وهذه الاحتياجات يمكن أن تتحول إلى فرص استثمارية، لكن الاستفادة منها تتطلب إجراءات عملية، من بينها تطوير التشريعات، وتبسيط التراخيص، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وتوضيح آليات تحويل الأموال، وتوفير ضمانات للمستثمرين.

لذلك فإن المرحلة المقبلة ينبغي ألا تكتفي بتوجيه الدعوات إلى المستثمرين، وإنما تقديم خريطة استثمارية واضحة تتضمن المشاريع المتاحة، وحجم التمويل المطلوب، ونماذج الشراكة، والضمانات القانونية، والجدول الزمني للتنفيذ.

إعادة الإعمار لا تبدأ من الصفر

التحدي السوري لا يتمثل فقط في إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما في إعادة بناء اقتصاد قادر على الإنتاج والتصدير وخلق فرص العمل.

وهنا تبرز أهمية مشاريع النقل والطرق والموانئ والسكك الحديدية والطاقة.

فإعادة تأهيل هذه القطاعات يمكن أن تساعد سوريا على استعادة دورها في حركة التجارة الإقليمية، خصوصًا مع تنامي التعاون في النقل والترانزيت مع السعودية وتركيا والأردن والعراق، والانفتاح الاقتصادي على دول الخليج وآسيا.

وبذلك يمكن أن تصبح إعادة الإعمار جزءًا من مشروع اقتصادي أوسع، لا مجرد عملية لإعادة الأبنية والبنية التحتية إلى ما كانت عليه.

الدبلوماسية تتحول إلى أداة اقتصادية

أحد أهم التحولات في السياسة الخارجية السورية يتمثل في تزايد التركيز على البعد الاقتصادي للعلاقات الدولية.

فالعلاقات مع السعودية يمكن أن تفتح مجالات للاستثمار والنقل والتجارة، والعلاقة مع تركيا ترتبط بالجغرافيا وإعادة الإعمار، بينما توفر باكستان والهند والصين فرصًا مختلفة في الأسواق والصناعة والتكنولوجيا.

وهذا التنوع يمنح دمشق فرصة لبناء شبكة شراكات اقتصادية بدل الاعتماد على مصدر واحد للتمويل أو الاستثمار.

لكن نجاح هذه السياسة يتوقف على قدرة سوريا على تحويل الاتفاقات والزيارات والبيانات السياسية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.

التعاون الدولي واستعادة الثقة

كما أن التعامل مع المؤسسات الدولية والجهات الرقابية في الملفات الفنية والقانونية يمكن أن يكون عنصرًا مهمًا في بناء الثقة.

وأي خطوات سورية معلنة في اتجاه زيادة الشفافية والتعاون مع المؤسسات الدولية ينبغي أن تُترجم إلى سياسات مستدامة، لأن المستثمر والدولة والمؤسسة المالية لا ينظرون إلى التصريحات وحدها، بل إلى مدى استمرارية الإجراءات وقدرتها على التنبؤ.

وهنا تصبح الثقة أحد أهم الأصول التي تحتاج سوريا إلى استعادتها، إلى جانب رأس المال والبنية التحتية.

الفرصة أكبر من مجرد رفع العقوبات

حتى في حال اتساع نطاق تخفيف العقوبات، ستبقى أمام سوريا تحديات كبيرة: ضعف البنية التحتية، محدودية التمويل المحلي، الحاجة إلى إصلاح المؤسسات، وتطوير النظام المصرفي، وتحسين بيئة الأعمال، وضمان الاستقرار الأمني والقانوني.

لذلك لا ينبغي النظر إلى رفع العقوبات باعتباره نهاية الأزمة الاقتصادية، بل باعتباره فرصة لإطلاق مرحلة جديدة إذا أحسنت دمشق استثمارها.

فالسماء لا تمطر استثمارات بمجرد صدور القرارات الدولية.

والأموال لا تأتي لمجرد فتح الأبواب.

المستثمر يبحث عن القانون، والاستقرار، والشفافية، والبنية التحتية، وإمكانية تحويل الأرباح، ووضوح العلاقة مع الدولة.

الاختبار الحقيقي أمام سوريا لن يكون فقط في قدرتها على إقناع المجتمع الدولي بتخفيف القيود، وإنما في قدرتها على استثمار أي انفراج دولي لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنوعًا.

وهذا يتطلب الانتقال من اقتصاد يعتمد على المساعدات والتحويلات إلى اقتصاد قادر على جذب الاستثمار، وزيادة الإنتاج، وتطوير الصادرات، وخلق فرص العمل.

كما يتطلب أن تكون إعادة الإعمار فرصة لإعادة تصميم الاقتصاد، لا مجرد إعادة بناء ما تهدم.

الخلاصة

تدخل سوريا مرحلة يمكن أن تشهد تحولات مهمة في علاقتها بالاقتصاد الدولي، لكن حجم المكاسب التي يمكن تحقيقها سيعتمد على تفاعل عاملين: مدى الانفتاح الدولي من جهة، وقدرة الدولة السورية على تنفيذ الإصلاحات من جهة أخرى.

فالتحولات الدبلوماسية التي شهدتها سوريا خلال الفترة الأخيرة وفرت مساحة أوسع للحركة، لكن هذه المساحة تحتاج إلى ترجمة اقتصادية ومؤسساتية.

وإذا نجحت دمشق في الجمع بين الانفتاح الخارجي، والإصلاح الداخلي، والشفافية، وتطوير البنية التحتية، وحماية الاستثمار، فقد تتحول نهاية مرحلة العزلة تدريجيًا إلى بداية مرحلة مختلفة عنوانها:

الاستثمار بدل العقوبات، والإنتاج بدل الاعتماد، وإعادة الإعمار باعتبارها مشروعًا لبناء اقتصاد سوري جديد، لا مجرد ترميم لاقتصاد الماضي.

بعد أشهر طويلة من التفاوض والحوار، مروراً بمراحل صعبة وتباينات سياسية وأمنية، وصلت عملية اندماج مؤسسات الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية إلى مرحلة مفصلية. لكن هذا التحول لا يمكن قراءته باعتباره اتفاقاً إدارياً أو عسكرياً فقط، بل بوصفه محطة قد تعيد رسم المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سوريا، داخلياً وخارجياً.

أهمية الاندماج تكمن أولاً في إنهاء حالة الازدواجية التي نشأت خلال سنوات الحرب، وعودة المؤسسات والمعابر والموارد إلى إطار الدولة السورية.

سياسياً، يمنح ذلك دمشق فرصة لتعزيز حضورها وسيادتها، فيما يفتح أمام المكون الكردي انتقالاً من العمل العسكري والإداري المنفصل إلى العمل السياسي والقانوني للمطالبة بالحقوق ضمن الدولة والدستور.

وبذلك ينتقل الخلاف من سؤال “من يسيطر على الأرض؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “كيف تُبنى دولة تتسع لجميع مكوناتها؟”

ضغط الميدان وتراجع هامش المناورة

لا يمكن فصل الوصول إلى هذا الاتفاق عن التحولات التي شهدها ميزان القوى.

فالضغط العسكري والسياسي على قسد، إلى جانب تغير البيئة الإقليمية والدولية، وتراجع مستوى الدعم غير المشروط الذي كانت تحظى به، دفعها تدريجياً إلى إعادة حساباتها والانتقال، وفق قراءة يطرحها مراقبون، من محاولة تكريس إدارة منفصلة بحكم الأمر الواقع إلى البحث عن صيغة اندماج داخل الدولة.

كما أن تراكم التحديات الاقتصادية والأمنية والخدمية زاد الضغوط على قسد وقلّص هامش المناورة أمامها.

وفي المقابل، فإن دمشق استفادت من تنامي اتجاه لدى بعض الأطراف الإقليمية والدولية يرى أن بقاء مناطق خارج إطار الدولة لفترة طويلة ليس حلاً مستداماً، وأن استقرار سوريا يتطلب توحيد مؤسساتها وحدودها وقرارها الأمني.

وهنا يصبح الاندماج نتيجة للحوار من جهة، ولتغير موازين القوة والخيارات المتاحة من جهة أخرى.

اقتصادياً.. استعادة الموارد وفتح أبواب الاستثمار

تمتلك مناطق شمال شرق سوريا أهمية كبيرة في الزراعة والطاقة والمياه والتجارة الحدودية.

ومن شأن توحيد الإدارة الاقتصادية والمؤسسات أن يفتح المجال لدمج هذه الموارد ضمن الاقتصاد الوطني، وتوحيد بعض القوانين والأسواق، وتحسين حركة التجارة والاستثمار، إذا توافرت بيئة قانونية وأمنية مناسبة.

لكن الاستفادة الحقيقية ستتوقف على قدرة الدولة على تحقيق تنمية عادلة في المنطقة، وعدم تحويل الموارد إلى مصدر جديد للتوتر، بل إلى أساس لتحسين الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة.

اجتماعياً.. الاختبار الأصعب

قد يكون الجانب الاجتماعي هو الأكثر حساسية.

فبعد سنوات من الانقسام والنزوح والحرب، يحتاج السوريون إلى أكثر من اتفاق سياسي؛ يحتاجون إلى استعادة الثقة.

وهنا تبرز ملفات النازحين والمعتقلين والمفقودين والممتلكات والخدمات والحقوق الثقافية واللغوية.

نجاح الدولة في معالجة هذه الملفات بعدالة يمكن أن يحول الاندماج من اتفاق بين قيادات إلى مصالحة بين مجتمعات.

خارجياً.. سوريا تستعيد موقعها

إقليمياً، قد يساهم الاندماج في تخفيف أحد أبرز مصادر التوتر بين دمشق وأنقرة، ويفتح الباب أمام تعاون أكبر في أمن الحدود والتجارة والطاقة.

كما قد يوفّر لدمشق ورقة تفاوضية أقوى في علاقاتها مع واشنطن وبعض العواصم الغربية، خصوصاً في ملفات مكافحة الإرهاب وإدارة الحدود وإعادة الإعمار.

أما دولياً، فإن توحيد مؤسسات الدولة يعزز صورة سوريا كدولة ذات سلطة مركزية قادرة على إدارة أراضيها ومواردها والوفاء بالتزاماتها، وهو ما يمكن أن يدعم مسار الانفتاح الاقتصادي والسياسي وإعادة الإعمار.

المرحلة المقبلة هي الاختبار الحقيقي.

فالاندماج لا ينجح بمجرد دمج المؤسسات أو إعادة توزيع الرتب والمناصب، وإنما عندما يشعر المواطن الكردي والعربي والسرياني، وسائر مكونات المجتمع السوري، بأن الدولة تمثلهم جميعاً.

ولهذا فإن مقولة “كسب القلوب قبل الجغرافيا” تختصر جوهر المرحلة: فاستعادة الأرض قد تنجزها القوة، لكن استقرار الدولة لا يصنعه إلا القبول والثقة والعدالة.

إن نجاح الاندماج قد يكون أكثر من نهاية لمرحلة الإدارة الموازية؛ فقد يكون بداية لتحول أكبر: من سوريا مناطق النفوذ إلى سوريا الدولة، ومن التوازنات العسكرية إلى التوازنات السياسية، ومن إدارة الانقسام إلى بناء شراكة وطنية.

تعكس المقابلة الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع ملامح أولويات السياسة السورية في المرحلة المقبلة، داخلياً عبر التركيز على بناء الدولة والاستقرار، وخارجياً عبر خفض التوتر وتوسيع الانفتاح الدبلوماسي. ومن خلال مضامين المقابلة، يمكن القول إن الخطاب قدّم مؤشرات إلى محددات محتملة للسياسة الداخلية والخارجية السورية في المرحلة المقبلة، في سياق إعادة ترتيب أولويات الدولة وموقعها الإقليمي والدولي.
الدولة والمؤسسات في صدارة الأولويات

أولى هذه المحددات تمثلت في إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة في إدارة الشأن العام. وأوحى حديث الرئيس بأولوية تعزيز دور الدولة في تطبيق القانون وحماية السلم الأهلي، ويمكن قراءة هذا الطرح بوصفه مؤشراً إلى توجه نحو تعزيز المؤسسات الرسمية وترسيخ دور الدولة في إنفاذ القانون، باعتباره شرطاً أساسياً لاستعادة الاستقرار بعد سنوات طويلة من تعدد مراكز النفوذ والصراع.

وفي السياق ذاته، قدم الرئيس رؤية تقوم على أن بناء الدولة ليس مشروعاً سريعاً، بل عملية تراكمية تحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل. فالتنمية الاقتصادية، وإعادة تأهيل المؤسسات، وإصلاح الإدارة، وتحسين الخدمات العامة، لا يمكن أن تتحقق بقرارات آنية، وإنما عبر سياسات طويلة الأمد تقوم على التخطيط والاستثمار وبناء القدرات الوطنية.

ومن اللافت أيضاً تأكيده على أهمية المشاركة الشعبية في صياغة مستقبل البلاد، مع التأكيد على أن بناء المسار السوري ينبغي أن يستفيد من الخبرات الخارجية من دون تبني نماذج جاهزة بصورة حرفية. فالرؤية المطروحة تقوم على الاستفادة من الخبرات الدولية، مع مراعاة الخصوصية السورية في بناء المؤسسات والتشريعات، بما يعكس سعياً إلى تحقيق التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الهوية الوطنية.

كما تطرق الخطاب إلى بعض الملفات التي خلفها الصراع، بما فيها ملف المفقودين وقضايا أمنية وسياسية معقدة، من دون الإيحاء بحلول سريعة أو شاملة، في إشارة إلى أن معالجة آثار الحرب ستتم وفق رؤية تراعي الاستقرار وتجنب الانزلاق إلى أزمات جديدة.

السياسة الخارجية: خفض التوتر وتوسيع الانفتاح
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد بدا أن الأولوية الأساسية تتمثل في خفض التوترات وتجنب الانخراط في مواجهات عسكرية جديدة. فالرئيس أكد أن سوريا لا تسعى إلى الصدام، وإنما إلى حماية مصالحها الوطنية عبر الحوار والدبلوماسية، مع التمسك بالحقوق الوطنية، وفي مقدمتها قضية الجولان المحتل، بما يعكس توجهاً نحو إدارة الصراعات بوسائل سياسية كلما أمكن ذلك.

وفي الإطار الإقليمي، حمل الخطاب مؤشرات على إعادة صياغة العلاقات مع دول الجوار وفق مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وأشار الخطاب إلى أن التعامل مع لبنان والعراق يُطرح من خلال مؤسسات الدولة الرسمية، مع التشديد على دعم استقرار البلدين واحترام خياراتهما الوطنية، وهو ما يعكس تحولاً نحو بناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة والتعاون الأمني والاقتصادي.

كما أشار الخطاب إلى رغبة في تنويع الشراكات الدولية، من خلال الحفاظ على العلاقات مع الحلفاء التقليديين، والانفتاح في الوقت نفسه على الدول الغربية، والعمل على إزالة العقوبات واستعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي. ويعكس هذا التوجه إدراكاً بأن مرحلة إعادة الإعمار والتنمية تتطلب شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، بعيداً عن سياسة المحاور الحادة.

الجغرافيا السورية كعنصر قوة استراتيجية
ومن أبرز الرسائل التي حملها الخطاب اعتبار الموقع الجغرافي لسوريا أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية. فسوريا تقع عند تقاطع طرق التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا والعالم العربي، وتمتلك موقعاً يجعلها مؤهلة لأن تكون مركزاً لوجستياً واقتصادياً إذا توفرت البيئة السياسية والأمنية المناسبة. ومن هنا، فإن استثمار هذا الموقع لا يقتصر على البعد الاقتصادي، بل يمتد إلى تعزيز الدور السياسي لسوريا بوصفها دولة محورية في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.

كما أن جذب الاستثمارات العربية والأجنبية لم يعد يُطرح بوصفه هدفاً اقتصادياً فقط، بل كجزء من استراتيجية وطنية لإعادة بناء الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. فالاستثمار في هذه المرحلة يمثل أداة للتنمية، وفي الوقت ذاته وسيلة لترسيخ المصالح المشتركة بين سوريا وشركائها الإقليميين والدوليين.

من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح

وفيما يتعلق بالأمن القومي، يوحي الخطاب بأن سوريا تسعى إلى الانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة إدارة المصالح. فبدلاً من توسيع ساحات المواجهة، تركز الدولة على بناء منظومة أمنية مستقرة، وتعزيز التعاون مع الدول المجاورة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب، بما يسهم في ترسيخ الأمن الداخلي والإقليمي.

وتكشف مجمل مضامين الخطاب عن سياسة واضحة في ترتيب الأولويات الوطنية؛ إذ يبدو أن القيادة السورية تضع استعادة الاستقرار الداخلي، وإعادة بناء المؤسسات، وتحريك الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتوسيع الانفتاح الدبلوماسي، في مقدمة الأهداف، باعتبارها المدخل الطبيعي لاستعادة الدور الإقليمي لسوريا. وهذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن النفوذ في المرحلة الراهنة لا يُقاس فقط بالقدرات العسكرية، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على تحقيق الاستقرار، وبناء الاقتصاد، وإقامة علاقات متوازنة، وتحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة سياسية وتنموية.
الخلاصة
وفي المحصلة، فإن الخطاب يقدم رؤية تقوم على أن استعادة مكانة سوريا تبدأ من الداخل، عبر بناء مؤسسات قوية واقتصاد متماسك ومجتمع مستقر، ثم تنطلق إلى الخارج عبر دبلوماسية نشطة وشراكات متوازنة وسياسة تقوم على المصالح الوطنية. ويبقى نجاح هذه الرؤية مرهوناً بقدرة الدولة على تحويل المبادئ المعلنة إلى سياسات عملية، والاستفادة من المتغيرات الإقليمية والدولية لبناء معادلة جديدة يكون عنوانها: سوريا المستقرة، ذات السيادة، القادرة على توظيف موقعها السياسي والاقتصادي والأمني لتحقيق التنمية وحماية مصالحها الوطنية، والإسهام في استقرار الإقليم بأسره.