Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
وهنا تعيدنا الاحداث الى ما حدث في شباط 1915، حيث اعتقدت بريطانيا، التي كانت آنذاك من أبرز القوى البحرية في العالم، أن بضع بوارج وأسطولًا جرارًا كافية لاختراق مضيق ضيق يفصل بين قارتين الا وهو مضيق الدردنيل، لكن الحملة انتهت بإخفاق عسكري كبير وخسائر بشرية واسعة قُدّرت بمئات الآلاف من القتلى والجرحى من الجانبين. الدرس الذي خرج به العالم من حملة الدردنيل (غاليبولي) لم يكن درسًا عسكريًا تكتيكيًا فحسب، بل درسًا استراتيجيًا أعمق: المضيق لا يُسيطر عليه بالقوة النارية وحدها، بل بالجغرافيا والزمن والإرادة الجماعية للطرف المدافع عنه. ويحضر هذا الدرس عند مقارنة أي سيناريو تصعيد محتمل حول مضيق هرمز، ولا سيما في ظل حسابات واشنطن وتل أبيب تجاه كلفة المواجهة المباشرة.
القصة، مبسّطة، أن بريطانيا أرادت فتح طريق بحري إلى حليفتها روسيا عبر البحر الأسود، وإخراج الدولة العثمانية من الحرب بضربة سريعة تُغني عن حرب برية طويلة في الجبهة الغربية. حاول الأسطول البريطاني-الفرنسي في مارس 1915 اختراق المضيق بالقصف المباشر، فاصطدم بالألغام البحرية والمدفعية الساحلية العثمانية وخسر عدة بوارج في ساعات قليلة.
حين فشل الخيار البحري، لجأ الحلفاء إلى الإنزال البري على شبه جزيرة غاليبولي في أبريل 1915. لكن التضاريس الوعرة، والمقاومة العثمانية الشرسة بقيادة ضباط من بينهم مصطفى كمال (أتاتورك لاحقًا)، حوّلت المعركة إلى حرب خنادق استنزافية دامت أشهرًا دون أي تقدم حقيقي. بحلول نهاية العام، أدرك الحلفاء استحالة المهمة وانسحبوا، بعد خسائر تجاوزت 250 ألف قتيل وجريح من الجانبين.
اليوم، تجد الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما أمام معضلة شبيهة في مضيق هرمز. تملك واشنطن تفوقًا بحريًا وجويًا ساحقًا، لكنها تدرك أن أي محاولة لفرض سيطرة كاملة أو خنق الممر بالقوة ستصطدم بواقع جغرافي وسياسي معقّد: إيران تقف على الضفة الشرقية للمضيق، وأي تصعيد عسكري مباشر يهدد بإغلاقه فعليًا أمام حركة نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وهو ما يضرّ بالاقتصاد الأمريكي والعالمي قبل أن يضرّ بطهران وحدها.
المؤشرات على هذا التحول تتراكم بسرعة لافتة خلال الأسابيع الأخيرة:
هذه التحركات، مجتمعة، ترسم ملامح استراتيجية أمريكية أوسع: تقوية محور إقليمي سنّي (عربي-تركي-باكستاني) قادر على ملء الفراغ الأمني والاقتصادي الذي ستتركه واشنطن خلفها مع انسحابها التدريجي من المنطقة، مقابل أن يتولى هذا المحور مهمة كبح الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق ولبنان، وضبط الحدود لمنع تسلل فصائل مسلحة عبر سوريا، وتحييد أي تهديد مباشر ضد القوات الأمريكية أو دول الخليج انطلاقًا من هذه الساحات الثلاث. ومع ذلك، يبقى هذا المسار محفوفًا بالمخاطر، وقد يقود إلى توترات إقليمية أوسع إذا لم تُضبط تداعياته السياسية والأمنية بعناية.
ويشير درس الدردنيل إلى أن القوى الكبرى قد تعيد مواجهة القيود الجغرافية نفسها كلما بالغت في تقدير أثر التفوق العسكري وحده. لا يمكن حسم معركة السيطرة على ممر مائي استراتيجي بالقوة البحرية أو الجوية وحدها. ويبدو أن واشنطن تواجه معضلة مشابهة في هرمز، ما قد يدفعها إلى تفضيل مسارات غير مباشرة لإعادة تشكيل موازين القوى حوله بدل الانخراط في مواجهة مباشرة عالية الكلفة.
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.