الشرق الأوسط

المضيق ينتصر دائمًا: الدردنيل شاهداً

المضيق ينتصر دائمًا: الدردنيل شاهداً
شبكة سيريا مورس الإخبارية

Morse AI

ملخص واستماع ذكي للمقال

الصوت مولّد بالذكاء الاصطناعي وليس صوتاً بشرياً.
التاريخ ، المعلم القاسي
هناك في الجغرافيا أماكن لا تُقاس بمساحتها، بل بما تفرضه على التاريخ من قوانين. والمضائق ليست مجرد ممرات مائية تعبرها السفن، بل بوابات تختبر غرور القوى العظمى وتعيد رسم خرائط النفوذ بالدم والنار. وتشير تجارب تاريخية مماثلة إلى أن تجاهل دروس الجغرافيا السياسية قد يرفع كلفة أي مواجهة.

وهنا تعيدنا الاحداث الى ما حدث في شباط 1915، حيث اعتقدت بريطانيا، التي كانت آنذاك من أبرز القوى البحرية في العالم، أن بضع بوارج وأسطولًا جرارًا كافية لاختراق مضيق ضيق يفصل بين قارتين الا وهو مضيق الدردنيل، لكن الحملة انتهت بإخفاق عسكري كبير وخسائر بشرية واسعة قُدّرت بمئات الآلاف من القتلى والجرحى من الجانبين. الدرس الذي خرج به العالم من حملة الدردنيل (غاليبولي) لم يكن درسًا عسكريًا تكتيكيًا فحسب، بل درسًا استراتيجيًا أعمق: المضيق لا يُسيطر عليه بالقوة النارية وحدها، بل بالجغرافيا والزمن والإرادة الجماعية للطرف المدافع عنه. ويحضر هذا الدرس عند مقارنة أي سيناريو تصعيد محتمل حول مضيق هرمز، ولا سيما في ظل حسابات واشنطن وتل أبيب تجاه كلفة المواجهة المباشرة.

كيف فشلت حملة الدردنيل البريطانية-الفرنسية؟

القصة، مبسّطة، أن بريطانيا أرادت فتح طريق بحري إلى حليفتها روسيا عبر البحر الأسود، وإخراج الدولة العثمانية من الحرب بضربة سريعة تُغني عن حرب برية طويلة في الجبهة الغربية. حاول الأسطول البريطاني-الفرنسي في مارس 1915 اختراق المضيق بالقصف المباشر، فاصطدم بالألغام البحرية والمدفعية الساحلية العثمانية وخسر عدة بوارج في ساعات قليلة.

حين فشل الخيار البحري، لجأ الحلفاء إلى الإنزال البري على شبه جزيرة غاليبولي في أبريل 1915. لكن التضاريس الوعرة، والمقاومة العثمانية الشرسة بقيادة ضباط من بينهم مصطفى كمال (أتاتورك لاحقًا)، حوّلت المعركة إلى حرب خنادق استنزافية دامت أشهرًا دون أي تقدم حقيقي. بحلول نهاية العام، أدرك الحلفاء استحالة المهمة وانسحبوا، بعد خسائر تجاوزت 250 ألف قتيل وجريح من الجانبين.

الخلاصة الجوهرية: من يملك المضيق ليس من يملك أقوى أسطول، بل من يملك اليابسة المحيطة به. المضيق ليس ممرًا مائيًا فحسب، بل نقطة اختناق جغرافية يتحكم بها من يقف على ضفتيها، ويكفيه صبر وتصميم لإنهاك أي قوة بحرية مهما بلغت جبروتها.
هرمز: نفس المعضلة بثوب جديد

اليوم، تجد الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما أمام معضلة شبيهة في مضيق هرمز. تملك واشنطن تفوقًا بحريًا وجويًا ساحقًا، لكنها تدرك أن أي محاولة لفرض سيطرة كاملة أو خنق الممر بالقوة ستصطدم بواقع جغرافي وسياسي معقّد: إيران تقف على الضفة الشرقية للمضيق، وأي تصعيد عسكري مباشر يهدد بإغلاقه فعليًا أمام حركة نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وهو ما يضرّ بالاقتصاد الأمريكي والعالمي قبل أن يضرّ بطهران وحدها.

هنا يظهر تشابه جزئي مع درس الدردنيل: التفوق الناري وحده قد لا يكون كافيًا لفرض السيطرة على مضيق هرمز. إذاً لا بد من بديل، ومن هنا يمكن قراءة بعض التحركات الإقليمية بوصفها مؤشرات إلى مسار موازٍ يركز على تقليص النفوذ الإيراني برًا بدل الانخراط في مواجهة بحرية مباشرة.، عبر بناء محور بري إقليمي يُضعف الأذرع الإيرانية في العراق ولبنان و اليمن، بدل خوض مواجهة بحرية مباشرة قد تتكرر فيها كارثة غاليبولي بنسخة معاصرة.
تحركات إقليمية وإعادة تموضع في موازين النفوذ

المؤشرات على هذا التحول تتراكم بسرعة لافتة خلال الأسابيع الأخيرة:

على الجبهة الاقتصادية، وقّع العراق وتركيا اتفاقية لضخ ما لا يقل عن 750 ألف برميل نفط يوميًا عبر الأنبوب العراقي-التركي إلى ميناء جيهان، تمهيدًا لاتفاقية شاملة ترفع الطاقة التصديرية إلى أكثر من مليون برميل يوميًا بعد إنجاز خط أنابيب البصرة-حديثة-كركوك-جيهان. كما دشّن البلدان مشروع “طريق التنمية”، الذي وصفه رئيس الوزراء العراقي بأنه سيكون بمثابة “نهر اقتصادي ثالث” للبلدين بأنه سيكون بمثابة “نهر اقتصادي ثالث” للبلدين، ويربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية عبر شبكة سكك حديدية وطرق سريعة.
وعلى الجبهة الأمنية، زار الرئيس اللبناني جوزيف عون أنقرة أواخر يوليو، والتقى الرئيس رجب طيب أردوغان الذي أعلن استعداد تركيا للمشاركة في “كل المبادرات” الأمنية المستقبلية في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية قوات اليونيفيل نهاية 2026، بما في ذلك احتمال المساهمة بقوة بديلة، إلى جانب دعم إعادة إعمار الجنوب المدمّر.

هذه التحركات، مجتمعة، ترسم ملامح استراتيجية أمريكية أوسع: تقوية محور إقليمي سنّي (عربي-تركي-باكستاني) قادر على ملء الفراغ الأمني والاقتصادي الذي ستتركه واشنطن خلفها مع انسحابها التدريجي من المنطقة، مقابل أن يتولى هذا المحور مهمة كبح الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق ولبنان، وضبط الحدود لمنع تسلل فصائل مسلحة عبر سوريا، وتحييد أي تهديد مباشر ضد القوات الأمريكية أو دول الخليج انطلاقًا من هذه الساحات الثلاث. ومع ذلك، يبقى هذا المسار محفوفًا بالمخاطر، وقد يقود إلى توترات إقليمية أوسع إذا لم تُضبط تداعياته السياسية والأمنية بعناية.

الخلاصة: المضيق ينتصر

ويشير درس الدردنيل إلى أن القوى الكبرى قد تعيد مواجهة القيود الجغرافية نفسها كلما بالغت في تقدير أثر التفوق العسكري وحده. لا يمكن حسم معركة السيطرة على ممر مائي استراتيجي بالقوة البحرية أو الجوية وحدها. ويبدو أن واشنطن تواجه معضلة مشابهة في هرمز، ما قد يدفعها إلى تفضيل مسارات غير مباشرة لإعادة تشكيل موازين القوى حوله بدل الانخراط في مواجهة مباشرة عالية الكلفة.

المضيق، في النهاية، لا يُقهر. إما أن يُحاط به بالصبر والتحالفات، أو يُترك ليبتلع من يحاول اقتحامه بالقوة وحدها — كما ابتلع غاليبولي جيلًا كاملًا من الجنود قبل قرن من الزمن.