Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
يتحدث الكثيرون عن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، كأول رئيس لإحدى دول حلف الناتو يقدم على هذه الخطوة الجريئة، رغم التحديات الأمنية والسياسية التي لا تزال تعيشها سوريا في مرحلتها الانتقالية. بل إنه واصل زيارته رغم التقارير عن وقوع تفجيرات على مقربة نسبية من مقر إقامته في فندق الفورسيزونز قرب جسر فيكتوريا، في رسالة واضحة مفادها أن الإرادة السياسية لا ينبغي أن تُرتهن بمحاولات التخويف أو زعزعة الاستقرار.
وبغض النظر عن دوافع الزيارة أو أهدافها، فإن أثرها السياسي والدبلوماسي كبير، ويحمل دلالات استراتيجية عميقة. ولست هنا بصدد الخوض في تلك الدلالات، على أهميتها، وإنما أطرح سؤالًا لم أجد له جوابًا مقنعًا:
أما كان الأجدر بالقادة العرب أن يكونوا أول من يزور دمشق؟
ومن باب الإنصاف، لا بد من الإشارة إلى الاستثناء المتمثل في سمو أمير دولة قطر، تميم بن حمد آل ثاني، الذي قام بزيارة دمشق، في خطوة عكست إدراكًا لأهمية التواصل المباشر مع القيادة السورية خلال هذه المرحلة الحساسة. ويبقى السؤال قائمًا: لماذا لم تتبعها زيارات عربية أوسع تعكس موقفًا عربيًا جماعيًا؟
أليس من الطبيعي أن تقف الدول العربية إلى جانب شعب عربي يسعى إلى تجاوز سنوات طويلة من الحرب والانقسام، وأن تدعم مرحلة انتقالية تمثل فرصة لإعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار؟
إن دعم دمشق في هذه المرحلة لا يخدم سوريا وحدها، بل يخدم الأمن القومي العربي بأسره. فاستقرار سوريا يعني الحد من الفوضى، وتقليص مخاطر الإرهاب، وتهيئة الظروف لعودة ملايين اللاجئين، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار والتنمية، وتعزيز الأمن الإقليمي، واستعادة دور سوريا الطبيعي ضمن محيطها العربي.
والأهم من ذلك، أن التضامن العربي الحقيقي لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يسهم في خلق موازين قوى أكثر تناغمًا مع القضايا والاحتياجات العربية، ويمنح الدول العربية قدرة أكبر على التأثير في القرارات الإقليمية والدولية، بدل أن تبقى ملفات المنطقة مرهونة بمبادرات القوى الخارجية. فعندما تتحرك الدول العربية برؤية مشتركة، تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها، والدفاع عن أمنها القومي، وصياغة مستقبل المنطقة بما يتوافق مع أولويات شعوبها.
وفي المقابل، قد تكون هناك أسباب دفعت العديد من القادة العرب إلى التريث، منها استمرار الضبابية بشأن مسار المرحلة الانتقالية، أو الحسابات السياسية الداخلية والخارجية، أو الرغبة في انتظار مزيد من الاستقرار الأمني، أو اختلاف الرؤى بين الدول العربية حول كيفية التعامل مع التطورات السورية. كما قد تلعب الاعتبارات الدبلوماسية والتحالفات الإقليمية والدولية دورًا في تأجيل مثل هذه الزيارات.
ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعًا: إذا كان رئيس دولة أوروبية استطاع أن يبعث برسالة سياسية من قلب دمشق، فلماذا غابت الرسالة العربية التي كان من المفترض أن تكون الأقرب، والأصدق، والأكثر تأثيرًا؟
إن الشعوب العربية تنتظر من قادتها مواقف تعكس وحدة المصير، وتؤكد أن التضامن العربي ليس مجرد شعار، بل ممارسة سياسية تُترجم في الأوقات التي تكون فيها الحاجة إليه أكبر.
“فالتاريخ لا يذكر من راقب الأحداث من بعيد، بل يخلّد من صنعها، ومن وقف إلى جانب أشقائه عندما كانت مواقف الشجاعة هي الأكثر احتياجًا “
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.