Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
“اخفضوا أصواتكم، فللحيطان آذانٌ تسمَع.”
طالما ترددت هذه العبارة في أحاديث الأمهات والآباء على مر السنين، تعبيراً عن خوف عميق ومستمر من الحديث بحرية عن أي رأي سياسي أو انتقاد للسلطة أو رجالها، أو الأجهزة الأمنية، أو حتى ذكر معتقل سياسي أو معارض خالف التوجه الرسمي. كان الحديث عن أحداث مدينة حماة عام 1982، أو السخرية من انتخابات مزورة لا تعكس إرادة الشعب، أو انتقاد تداول الحكم أباً عن جد في نظام يُفترض أنه جمهوري، يُعد خطراً يهدد حياة المتحدث وعائلته وأقربائه.
الخوف كان يسكن كل بيت وشارع، وكل مؤسسة حكومية ومدرسة. في حصص “القومية الاشتراكية”، كان التمجيد المبالغ فيه للرئيس وأخيه وأبيه يسيطر، وصور الرئيس في كل مكان وكأن سورية كلها بناسها وماضيها وتاريخها وأماكنها وأصالتها اختزلت في عائلة واحدة، وكأن الشعب كان مجرد رعية أو قطيع. هذا الواقع لم يكن مجرد ذكريات، بل نظاماً أمنياً شاملاً قمع الحريات السياسية لعقود.
في هذا الواقع المظلم، لم يكن قمع حرية التعبير مجرد سياسة أمنية، بل كان مشروعاً شاملاً لتفريغ الإنسان من إنسانيته.
وعندما تُسلب حرية التعبير والكلام والانتقاد، ويصبح الخوف والقمع والاضطهاد سياسةَ الدولة لأجيال، يُسلب الإنسان معها الكثير، يُسلب فكره وشخصيته ورأيه، وحتى سعادته، وفي النهاية يُسلب هدفه من الحياة. فيتحول إلى مجرد آلة أو رقم في سجل، يرضى بالقليل القليل ليعيش هو وأطفاله «بلا مشاكل نسبية»، و«بأمان نسبي»، كعصفور لا يحق له أن يحلّق في فضاء واسع أو يزقزق أو يسمع صوته المميز لمن حوله من طيور ومارّين، فيبقى راضياً بالتحليق المنخفض أو بالجلوس بالقفص المظلم المغلق، مكتفياً بفتات الطعام، قانعاً تحت رحمة سجّانه.
فالحريات وخاصة السياسية منها المكبوتة لعقود طويلة في سورية كانت بالفعل الشرارة التي أشعلت بركان الثورة السورية عام 2011. فما إن انطلقت حتى حملت معها آمالاً عريضة وأحلاماً بغدٍ أفضل، يستعيد فيه الشعب كرامته وحقه في تقرير مصيره.
في الأيام الأولى، بلغت المعنويات ذروتها. كانت العيون تلمع بالأمل، والقلوب ترتجف فرحاً ببداية نهضة وطنية طال انتظارها. خرج السوريون في الداخل والخارج يتفاعلون بحماس مع الثورة السلمية، يهتفون بسقوط النظام، واستعادة الحقوق، والمحاسبة على سنوات الاستبداد. وقف العالم أجمع مشدوهاً أمام هذه الجموع الهادرة التي خرجت تطالب بالحرية بكل سلمية ووعي.
لكن سرعان ما أدرك الجميع صعوبة الطريق وطوله وأنّ طوله يتناسب طرداً مع طول المعاناة وتأصّل الاستبداد، ولم يكن النظام البائد ليتنازل بسهولة عن سلطته؛ فقد واجه الاحتجاجات السلمية بكل أشكال القمع الوحشي، مما حوّل ثورة شعبية سلمية إلى مواجهة دامية استمرت أكثر من عقد. استخدم النظام كل أدوات التنكيل: الاعتقال التعسفي، التعذيب، القصف العشوائي، والتدمير المنهجي للمدن والأحياء.
رغم ذلك، لم تخبُ همم الثوار في البداية. كثر الشهداء، وسالت الدماء، ودُمّرت البلاد، لكن الإصرار بقي حاضراً. ثم بدأت الأصوات المتفائلة تضعف تدريجياً، وحلّ محلها حزن عميق يخالط الصبر. امتلأت القلوب التي كانت تعجّ بالعنفوان والأمل بمزيج من الحزن والألم، خاصة مع فقدان مئات الآلاف من الشهداء، وتهجير الملايين، وتدمير ما يقارب نصف البنية التحتية للوطن.
وفي المغترب، كان العذاب شديداً وقاسياً أيضاً، كنا نتابع أخبار الأهل والأقارب تحت القصف، ننتظر اتصالاً هاتفياً بين انفجار وآخر، ونعيش في رعب دائم من نبأ قد يغيّر حياتنا إلى الأبد.
لم يكن أحد يتوقع هذه الدرجة من الوحشية، ولا تدخّل الأطراف الإقليمية والدولية الانتهازية التي حولت الثورة إلى ساحة حرب بالوكالة، فزادت من الدمار والتشظي.
ورغم كل هذا الجحيم، لم يكن في ذهن أحد أن يعود السوريون إلى زمن ما قبل 2011.
ثم جاء يوم التحرير في 8 كانون الأول 2024
انتشر خبر هروب المستبد خارج البلاد كالنار في الهشيم، فلم ينم السوريون قاطبة تلك الليلة، ولم يغمض لهم جفن لأيام متتالية. كانوا يستعيدون في غبطةٍ وفرحٍ عميقٍ أيام الثورة الأولى: آمالها، وصخبها، ونبضها الذي لا ينتهي. كانوا يمسكون بالجرح بيدٍ، ويمدّون الأخرى نحو مستقبلٍ لا خوف فيه ولا هلع، لا صمت بعده ولا قهر.
ومثلما تفجَّرت المشاعر يوم التحرير، انفجرت معها براكين الأفكار المكبوتة.
كان الأمر يشبه تنفيساً عن صدرٍ مكبوتٍ لعقود. فجأة، صعدت سوريا 36 مرتبة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 (من 177 إلى 141)، وامتلأت الشوارع والمنصات بالكلمة الحرة.
لكن هل هذا التنفيس مؤقت، أم أنه بداية بناء ضمانات دستورية وقانونية حقيقية تحمي الحريات السياسية والفكرية.
اليوم، بعد أكثر من عام على التحرير، نرى مزيجاً من الإنجازات والتحديات، حيث يمثل الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025، والذي ينظم المرحلة الانتقالية لمدة خمس سنوات، خطوة أساسية نحو حماية الحريات السياسية والفكرية. فقد نصت المادة 12 على حماية حقوق الإنسان وجعل المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من الإعلان، بينما كفلت المادة 13 صراحة «حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة»، والمادة 14 حق المشاركة السياسية وتأسيس الأحزاب والجمعيات وفق قانون جديد. كما أكد الإعلان على فصل السلطات واستقلال القضاء.
غير أن هذه الضمانات تواجه تحديات في النص نفسه. فـالمادة 23 تسمح بتقييد الحقوق لأسباب «الأمن الوطني» و«النظام العام» بصيغة فضفاضة.
كما أثارت المادة 49 جدلاً واسعاً، إذ جرّمت «تمجيد نظام الأسد البائد ورموزه»، واعتبرت «إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التهوين منها» جرائم يعاقب عليها القانون. ورغم أهمية هذه المادة في سياق العدالة الانتقالية ومنع إعادة إنتاج الاستبداد، فإن صياغتها الواسعة قد تفتح الباب أمام تفسيرات موسعة تُقيّد النقاش التاريخي الحر أو الدراسات الأكاديمية أو حتى بعض أشكال التعبير السياسي، ما لم تُفسَّر تفسيراً دقيقاً وتُخضع لرقابة قضائية صارمة, فالعدالة الانتقالية يجب أن تكون شفافة، متناسبة، وغير انتقائية.
ورغم التقدم الملحوظ في المشهد العام، فقد أشارت بعض الحالات الفردية والحوادث، والتي وإن كانت محدودة، فقد سلطت الضوء على أهمية تطبيق المعايير بشكل واضح ودقيق ومتساوٍ على الجميع، والتركيز على الشفافية والحوار أكثر من العقاب. وإن مثل هذه الممارسات، إذا تكررت دون ضوابط واضحة، قد تعيد إنتاج حالة من الرقابة الذاتية وبعض الخوف لدى بعض المواطنين، في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الحرية متاحة للجميع دون تمييز.
نحن نريد للنصوص الدستورية أن تتحوّل من وعود إلى ضمانات مستدامة، ويُنتظر أن تُستكمل بإجراءات تشريعية ومؤسسية داعمة. ومن أبرز هذه الخطوات إصدار قانون إعلام حديث يحمي الصحفيين ويمنع الرقابة المسبقة، إلى جانب سن قانون أحزاب يفتح الباب أمام تعددية سياسية حقيقية على أسس وطنية دون عقبات إدارية معقدة. كما سيساهم تعزيز استقلال القضاء وتفعيل رقابة قضائية فعالة مع إمكانية الطعن في ضمان أن تكون أي قيود على الحريات ضرورية ومتناسبة، مع تحديد معايير واضحة تحول دون التفسيرات الواسعة. مثلاً بما يخصّ المادّة 49: إصدار قانون تفصيلي يحدد بدقة ما هو “تمجيد” أو “تهوين” (فيجب التركيز على الدعاية العلنية الصريحة، لا على الرأي الشخصي أو التحليل). وعندما يحظر نشر المواد التي تضر بالآداب العامّة أو النظام الأخلاقي أو الأمن العام والمحتوى المضلّل فمن الواجب التدقيق والتوضيح، وقد يكون النموذج التصالحي مع المحاسبة (الأقرب لنموذج جنوب إفريقيا) الأنسب لسورية بسبب تنوعها الكبير طائفياً وعرقياً والأفضل على المدى القريب والبعيد من نموذج المحاسبة وخاصة إن كان فضفاضاً غير معرّف (فقد كان نموذج المحاسبة الألماني محدداً بدقة ومركّزاً على جريمة الهولوكوست حصراً)
وبدون هذه الضمانات، قد تتحول بعض مواد الدستور من أداة للعدالة إلى أداة جديدة لقمعٍ جديد لمعارضين جدد، وهو ما يناقض جوهر الثورة التي طالبت بالحرية والكرامة للجميع.
وأخيراً، يبقى إطلاق حوار وطني شامل لصياغة الدستور الدائم -بمشاركة كل المكونات السورية- خطوة جوهرية لترسيخ الحرية كأساس دستوري لا يمكن التراجع عنه.
عندما انتصرت ثورة الحرية والكرامة في سورية، لم تنتصر لفئة أو طائفة أو جهة، بل انتصرت للوطن كله، بكل أبنائه ومكوناته.
منذ اليوم الأول، كانت «الحرية» هي الابنة الأولى لهذه الثورة، وهي الشعار الذي لم يسقط حتى في أحلك الظروف.
اليوم، وبعد كل هذا الدم والألم والتضحيات، لن يقبل السوريون أن تُسلب منهم هذه الحرية مرة أخرى. فهم اليوم أكثر إصراراً من أي وقت مضى على التمسك بها، والدفاع عنها، والسهر على استمراريتها. لن يكون هناك تنازل، ولن يكون هناك “نصف حرية”، أو حرية لسوريّ دون آخر، إنها مطالبة كاملة، متكاملة، لا تقبل التجزئة: حرية الرأي، حرية الكلمة، حرية المشاركة السياسية، وحرية الكرامة الإنسانية.
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.