لا يعتبر تعيين تركيا للسيد نوح يلماز سفيرا في دمشق تطورا ضمن الإطار البروتوكولي، بل يتجاوز ذلك بكثير، حيث يرى من قبل سياسيون على أنه تغير في المقاربة التركية تجاه الملف السوري، فالشخصية التي اختارتها أنقرة، والتي تمتلك تاريخا طويلا في جهاز الاستخبارات ثم في وزارة الخارجية، تعد مؤشرا على توجه تركي جديد يقوم على دمج الاعتبارات الأمنية بالعمل الدبلوماسي.
نقلة تركية نحو دبلوماسية ميدانية
في مشهد إقليمي متسارع تتراجع فيه دوافع الانخراط الميداني الأميركي ضمن المنطقة، وتتزايد فيه أهمية المقايضات التركية–الروسية وأبعادها واستراتيجياتها، بينما تتسع توترات ما بعد حرب غزة، ومن هذا المنطلق، ينظر إلى هذه الخطوة الكبيرة باعتبارها انتقالا نحو ما يمكن وصفه بـ ” الدبلوماسية الميدانية”، حيث تتحول السفارات إلى أدوات إدارة مباشرة للحدود والملفات الميدانية.
كما يمثل اختيار يلماز تحولا في تفكير المؤسسة السياسية التركية تجاه دمشق ، إذ عاد الملف السوري ليحتل موقعا مركزيا ضمن الحسابات الاستراتيجية لها، خصوصا مع تزايد القناعة بأن استقرار الشمال والشمال الشرقي السوري يرتبط مباشرة بالاستقرار الداخلي والأمن القومي التركي.
كما يعكس رغبة أنقرة إلى تغليب المقاربة الأمنية من خلال شخصيات تجمع بين الخبرة الاستخبارية والدبلوماسية، وذلك بهدف الانتقال من تعزيز حضورها ليس عبر الفصائل المقربة منها، إنما إلى إدارة تفاهمات مباشرة مع الدولة السورية ضمن الإطار الدبلوماسي.
رسائل متعددة الاتجاهات وراء تعيين يلماز
يحمل قرار تعيين يلماز سفيرا في سوريا رسائل متعددة الاتجاهات: فهو بالنسبة لموسكو إشارة إلى الاستعداد لدخول تسويات كبيرة ومضبوطة، أما بالنسبة لواشنطن فهو يعكس نزوعا تركيا للتحرك المستقل في سوريا وفق تفاهمات على الخطوط العريضة مع البيت الأبيض بما يضمن عدم تقاطع المصالح، وبما يسهم في رسم المشهد السياسي شرق المتوسط الذي تريده الولايات المتحدة بمحددين هامين، أولهما “صفر نزاع” وثانيهما لامكان للكيانات الموازية، وهو بيت القصيد، حيث ملف ميليشيات قسد التي تؤرقها.
أما بالنسبة لدمشق، فيمثل انفتاحا مرتبطا بتأمين الأولويات التركية وعلى رأسها ملفات الحدود ومكافحة التهديدات عبرها.
قواسم لاستراتيجية مشتركة بين دمشق وأنقرة
تجمع العديد من التحليلات على أن أي انفتاح من هذا النوع يتيح فوائد كبيرة ومتبادلة للطرفين.
فمن جانب دمشق، يمكن لمثل هذا المسار أن يساهم في تقليص تدخل الفصائل المسلحة المدعومة من أنقرة عبر تسويات تدريجية، كما قد يوفر إمكانية لتعزيز السيطرة على المناطق الحدودية عبر تفاهمات ميدانية مباشرة، إضافة إلى ذلك قد تتيح الشراكات التجارية فتح هوامش اقتصادية صغيرة تخفف بعض الضغط الداخلي دون خرق منظومة العقوبات، فضلا عن توسيع مجال الحركة السياسية عبر استثمار التمايز التركي–الأميركي في ملف ميليشيات قسد.
ومن جانب أنقرة، ينظر إلى الخطوة كوسيلة لإدارة حدودها الجنوبية بصورة مستقلة أو متناغمة مع الوجود الأميركي الذي ربما ينسحب من تلك المناطق خلال فترات ليست ببعيدة، ما يعطي تركيا غطاء سياسي من واشنطن لملىء هذا الفراغ الأمني دون أن يكون هناك ضغوط كبيرة من تل أبيب ، إضافة إلى أنه يساهم في تخفيف الضغوط الداخلية المرتبطة بملف اللاجئين.
كما سيترجم نفوذ أنقرة السياسي – الميداني في سوريا عبر العلاقة المباشرة مع دمشق إلى مكاسب تمنحها قدرة أعلى على المناورة بين موسكو وواشنطن.
وقد أصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرسوما يقضي بتعيين نائب وزير الخارجية نوح يلماز سفيرا للجمهورية التركية لدى سوريا، وذلك وفق ما نقلت وكالة الأناضول التركية في الرابع والعشرين من تشرين الأول الماضي.
وكانت أنقرة قد أعادت فتح سفارتها في دمشق بعد أسبوع من تحرير سوريا في الثامن من كانون الأول الماضي، بعد إغلاقها لمدة 12 عاما، احتجاجا على جرائم النظام البائد بحق الشعب السوري ، وعينت تركيا عقب التحرير الدبلوماسي التركي برهان كور أوغلو قائما بأعمال السفارة في دمشق.


