شهدت محافظة حمص في الثالث والعشرين من شهر شباط سلسلة اضطرابات أمنية محدودة بدأت بجريمة قتل ذات دلالات طائفية في بلدة زيدل، تلتها اشتباكات محدودة في عدة أحياء أدت إلى أعمال عنف مادي وأمني شملت حرق منازل وإطلاق نار.
هذه الاضطرابات لامست تهديدا للسلم الأهلي الذي بقي إلى حد ما ركيزة هامة لاستقرار المدينة خاصة وسوريا بشكل عام، في ظل ظروف حساسة على المستوى الإقليمي والدولي معقدة تحيط بالمنطقة.
حضور أمني حكومي فوري لوأد الفتنة
استجابت الحكومة السورية لهذه التطورات عبر حزمة من الإجراءات الأمنية السريعة والمتوازنة، حيث قامت بنشر قوات الجيش والأمن الداخلي والعام، كما فرضت حظر تجوال مبدئي شمل كافة أرجاء المدينة لإحاطة الموقف، ووظفت في الوقت نفسه البعد الاجتماعي عبر تحريك الدور الحيوي للعشائر والوجهاء المحليين، لتطويق الأزمة وتهدئة التوترات، ومنع اندلاع نزاع أوسع قد يتحول إلى أزمة أمنية كبرى قد تمتد نارها لتشمل كافة الأراضي السورية أو جزء منها، مستندة إلى إستراتيجية دقيقة تجمع بين القوة الأمنية والوسائل المجتمعية، ما أسهم في حماية النسيج الاجتماعي والتقاليد العشائرية بشكل يضمن فرض النظام العام، وإبراز القدرة الفعلية للدولة على إدارة الأزمات المعقدة داخليا.
تزامن أحداث حمص مع محطات سياسية هامة
تشهد السياسة الدولية حول الملف السوري، خاصة وضع العقوبات الدولية عامة والأمريكية بشكل خاص، حراكا متزايدا في ضوء الأوضاع الأمنية المتقلبة، ويأتي الحدث الأمني في حمص في لحظة حرجة مع بحث الكونغرس لقانون ” قيصر” الذي يفرض العقوبات على سوريا ومن يتعامل معها، حيث أن هذا القانون يعتبر من أشد العقوبات صرامة عبر التاريخ الحديث، وضمن هذا السياق السياسي عزز التدخل الحكومي السريع والفعال في حمص الدور الإيجابي الذي تبذله السلطات السورية الجديدة، وأعطى إشارات إيجابية هامة في توقيت حساس، إذ لم يكن فقط مجرد ضرورة أمنية محلية، بل رسالة قوية على قدرة الدولة السورية على فرض النظام والسلم الأهلي، وحنكة بمحاولات بعض القوى الخارجية لتعطيل التهدئة وإعادة الاستقرار
رسائل سياسية واقتصادية للخارج
إن محاولات استثمار الفوضى الداخلية لإظهار سورية كدولة هشة ومقسمة ليست جديدة، ولكن نجاح السلطات السورية في تطويق واحتواء هذا الأحدث وحصرها ضمن نطاق ضيق، زرع شك كبير في الروايات المعادية للحكومة الجديدة، والتي يتبناها بعض نواب الكونغرس. كما شكلت هذه المعالجة الأمنية المهنية ضغوطا على معسكر العقوبات بضرورة إعادة تقييم أثر التشديد أو التخفيف على واقع الأرض، وستدفع بعض الأطراف إلى اتخاذ مواقف أكثر اعتدالا، ما يجعلها تأخذ في الاعتبار التطورات الأمنية والاقتصادية المحققة.
إضافة إلى ذلك، فإن البيئة الأمنية المستقرة تشكل عامل جذب لاستثمارات محلية وأجنبية، وهو ما يشكل أساسا هاما وكبيرا في رفع وتنشيط لاقتصاد الوطني وتسهيل جهود إعادة الإعمار والتنمية
وفي هذا الإطار، سيتم ربط نجاح الدولة في وقف التوترات واحتواء النزاعات بالحاجات المادية والبشرية والسياسية التي تعزز فرص التنمية المستدامة، وترتقي بمستوى المفاوضات الدولية حول رفع العقوبات وتهيئة مناخ التعاون السياسي والاقتصادي.
ويعزز الواقع الأمني الإيجابي في المدى المتوسط والاستراتيجي ملف الدولة السورية الجديدة التفاوضي، ويجعلها أكثر قدرة على مساومة الأطراف الدولية، خاصة الولايات المتحدة، لتحقيق مكاسب ملموسة لصالح تخفيف العقوبات أو إلغائها تدريجيا، وهو ما يتطلب من الحكومة السورية مواصلة نجاحات ضبط الأمن الداخلي، والارتقاء بسياسات التواصل الدبلوماسي لتقديم صورة حقيقية تدحض مزاعم الهشاشة وتؤكد جدية الدولة في إصلاح الأوضاع


