في خطوة إدارية جديدة أثارت اهتماماً واسعاً، أعلنت محافظة حلب عن تقسيم المدينة إلى خمس كتل إدارية، في محاولة لإعادة هيكلة إدارة المدينة وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للسكان. وقد أثار القرار نقاشا متباينا بين المواطنين والمختصين، بين من اعتبره ضرورة ملحة للخروج من دوامة الروتين الإداري، ومن رأى فيه تغييرا شكليا لا يمس جوهر الأداء الخدمي.
كيف كانت حلب تدار خدميا؟
خلال الأعوام الماضية، كانت مدينة حلب مقسمة إلى اثني عشر قطاعا خدميا، منها قطاع الانصاري الشرقي والغربي، الحمدانية، باب النيرب، وسليمان الحلبي. وعلى الرغم من هذا التقسيم، عانت المدينة من ترهل إداري واضح وضعف في الاستجابة لشكاوى المواطنين.
كان النظام السابق يعتمد على إدارة مركزية تتركز فيها الصلاحيات في يد مجلس المدينة، بالتوازي مع محافظة حلب، وكانت المشكلات تدار عبر سلسلة طويلة من الموافقات والمراسلات، ما أبطأ تنفيذ المشاريع وعمق الفجوة بين المواطن والإدارة المحلية. وقد أدى ذلك إلى تراجع في الخدمات، كصيانة الطرق والنظافة، إلى جانب مشكلات مستمرة في البنية التحتية والعمرانية.
قرار محافظ حلب يواكب تجارب دول متقدمة
محافظ حلب المهندس عزام الغريب أصدر منتصف تشرين الأول قرارا يقضي بتقسيم المدينة إلى خمس كتل إدارية، يتولى الإشراف على كل منها مسؤول إداري يمثل المحافظة بشكل مباشر.
وقال الغريب في بيان رسمي: “الهدف من التقسيم الإداري هو تعزيز التواصل المباشر مع المواطنين ورفع كفاءة العمل الخدمي، عبر توسيع دائرة الإشراف وتسريع الاستجابة للاحتياجات اليومية”.
وأضاف أن مسؤول الكتلة سيكون بمثابة نائب للمحافظ، يتابع أعمال المؤسسات الحكومية، ويتواصل مع لجان الأحياء والمخاتير، ويقدّم تقارير دورية عن الأولويات والمشكلات في كل كتلة.
رأي هندسي: تنظيم أوسع وفاعلية أكبر
المهندس المدني فراس حداد اعتبر أن الخطوة إيجابية من حيث إعادة توزيع المهام ومتابعة المشاريع ميدانياً. وقال في تصريح لـ”سوريا مورس”: “النظام القديم كان يفتقر إلى التوازن في توزيع الموارد، إذ كانت بعض القطاعات تنال النصيب الأكبر من الاهتمام على حساب مناطق أخرى. أما التقسيم الجديد، فيفتح الباب أمام التنافس بين الكتل في تقديم الخدمات”.
وجهة نظر قانونية: تفويض وصلاحيات واضحة
من جانبه، رأى الخبير القانوني محمد الحجي أن القرار يندرج ضمن صلاحيات المحافظ ولا يتعارض مع قانون الإدارة المحلية. وأوضح أن وجود مسؤول إداري لكل كتلة يمنح قوة تنفيذية أكبر للمجالس الخدمية، ويعزز مبدأ اللامركزية في اتخاذ القرار. لكنه أشار إلى أن نجاح هذا النموذج يتطلب آليات رقابة ومساءلة تضمن فاعلية الأداء وتمنع أي تجاوز إداري.
رأي السكان: بين الأمل والحذر
في الشارع الحلبي، تنوعت الآراء حول القرار.
قال سامر درويش، موظف من حي السكري: “في السابق كنا نجهل الجهة المسؤولة عن مشكلاتنا، لم نكن نعرف إلى أي قطاع نتبع. اليوم، أصبحت الأمور أوضح، وكل كتلة بات لها مسؤول محدد يمكن التواصل معه”.
أما أم خالد، ربة منزل من حي الحمدانية، فأشارت إلى رغبتها برؤية نتائج ملموسة، قائلة: “ما يهمني هو أن أرى بلدي تتطور. إذا كان هذا التقسيم خطوة نحو تنظيم أفضل، فأنا أرحب به”.
بينما عبر ياسين علوش، شاب يبحث عن عمل، عن تحفظه، قائلا: “ليست المرة الأولى التي نسمع فيها عن تنظيم إداري جديد. الأهم هو أن نرى هذه الخطوات تنفذ على أرض الواقع، لا أن تبقى مجرد قرارات ورقية”.
في مدينة تعاني من تراكم الأزمات الخدمية والإدارية، يبدو تقسيم حلب إلى كتل إدارية خطوة جريئة لإعادة تنظيم العلاقة بين المواطن والإدارة. ولكن نجاح هذه التجربة لن يقاس بعدد الكتل أو أسماء المسؤولين، بل بمدى قدرتهم على التحرك ميدانيا وتحويل الخطط إلى نتائج ملموسة. وبين التفاؤل الشعبي والتوجس القانوني، تبقى حلب على أعتاب تجربة جديدة يُنتظر أن تظهر نتائجها في حياة الناس اليومية.


