تستمر محافظة حلب ومجلس المدينة في إجراء أعمال الترميم والصيانة في أسواق حلب القديمة ومنها سوق الزرب الواقع ضمن أطول سوق اثري مسقوف في العالم هذا السوق جزء من شبكة سوق المدينة التي تمتد بطول يقارب ثلاثة عشر كيلومتراً وهي شبكة وصفتها الدراسات الأكاديمية بأنها الأطول في التاريخ
سوق المدينة بين التاريخ والعمران
تعود جذور أسواق حلب إلى عصور قديمة جداً. فقد أسسها سلوقس نيكاتور عام 312 قبل الميلاد وتطورت في العصور اللاحقة خصوصاً في العهدين المملوكي والعثماني، الشاعر المتنبي اعتاد على شراء حاجاته اليومية منها حين أقام في حلب قبل أكثر من ألف عام مما يوضح دورها كمركز حياة اجتماعية وثقافية وليس فقط تجارية. المحور الرئيسي للسوق يمتد من قلعة حلب حتى باب انطاكية بطول يقارب 1200 متر وتتفرع منه 38 سوقاً فرعية ما يجعل الطول الإجمالي للشبكة اكثر من 13 كيلومتراً، داخله معالم مهمة مثل الجامع الاموي الكبير الذي بني عام 718 ميلادية وحمام يلبغا المملوكي وحمام نور الدين الزنكي
ما تقوله الأبحاث التاريخية
تشير أبحاث المؤرخ الحلبي عامر رشيد مبيض إلى أن أصول أسواق حلب تعود إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد إلى عهد ياريم ليم ملك حلب، في ذلك الوقت أقيمت المحال على طرفي الشارع الممتد بين باب انطاكية ومعبد القلعة حيث كان الحجاج يقصدون معبد الإله حدد. ويصف مبيض الأسواق بأنها حي قائم بذاته جنوب غرب القلعة مغطاة بعقود حجرية سميكة تحمي من الحر والبرد مع فتحات في السقف تسمح بمرور اشعة الشمس
وتشير ابحاثه أيضاً إلى أن الأقمشة والملابس والأحذية والحلي والبهارات والسجاد وصابون الغار كانت أهم البضائع التي جعلت حلب مقصداً للتجار من الشرق والغرب عبر القرون
في العهد العثماني بين 1516 و1918 كانت حلب المدينة الرئيسية للتجارة بين الشرق والغرب وكان القناصل والتجار الأوروبيون يقيمون فيها ابتداء من القرن الثامن عشر مع عائلاتهم مما أسس لجاليات مستقرة
أسواق متخصصة … سلعة لكل سوق
:من مميزات أسواق حلب القديمة انها مقسمة بحسب التخصص
سوق العطارين للبهارات والأعشاب الطبية
سوق الحبال لبيع الحبال للقوافل والبيوت
سوق النحاسين لصناعة الأواني والقدور النحاسية
سوق الذهب كمركز للصاغة والمجوهرات
سوق السقطية للبضائع الصغيرة والأدوات المنزلية
سوق الصوف والقطن الذي يعكس ازدهار صناعة النسيج الحلبي
هذا التنظيم ذكره الرحالة الأوروبيون في القرن السابع عشر واعتبروه دليلاً على تقدم حلب التجاري
ما تقوله الدراسات العلمية الحديثة
أوضحت دراسة نشرتها الجمعية الدولية للتصوير الجوي والاستشعار عن بعد عام 2019 أن أسواق حلب المسقوفة تمتد بطول يقارب 13كيلوامتراً، ما يجعلها أطول شبكة أسواق تاريخية مغطاة في العالم
التابعWhose Culture كما قدم مشروع لجامعة هارفرد قدم التوصيف نفسه مؤكدا ان الطول والاتصال المعماري يميز أسواق حلب عن كل مدن الشرق الأوسط
من الدمار الى الترميم
تعرضت أجزاء واسعة من السوق إلى حرائق ودمار خلال الحرب لكن بدءا من 2017 انطلقت جهود الترميم ولعب صندوق الآغا خان للثقافة بالتعاون مع اليونسكو وبلدية حلب دوراً محورياً في إعادة إعمار أقسام مثل سوق السقيطة و خان الحرير
وتم استخدام حجارة محلية وإعادة بناء الأقواس والقباب وفق الأسلوب التقليدي كما جرى تدريب حرفيين سوريين على تقنيات البناء التاريخية
بحلول 2019 عاد سوق السقطية ليستقبل المتسوقين واليوم تتواصل الأعمال في أسواق أخرى مثل سوق الزرب مما يعكس عودة الحياة تدريجياً إلى قلب المدينة ،
سوق المدينة في حلب ليس مجرد أطول سوق مسقوف في العالم بل هو سجل حي للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمدينة
من عهد ياريم ليم والمتنبي وصولاً إلى الترميم الحديث ظلت الأسواق قلباً نابضاً يربط الشرق بالغرب وأعمال الترميم الجارية اليوم تؤكد أن حلب قادرة على النهوض من جديد وأن سقوفها الحجرية القديمة ما زالت تحمي روحها الحضارية


