منذ عقود، لم تكن مشكلة الكهرباء في سوريا مجرد أزمة خدمية عابرة، بل تحولت إلى مرآة كاشفة لأعماق الخلل في بنية الدولة، ولعجز السياسات العامة عن مواكبة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية. الكهرباء ليست مجرد “تيار” بل شريان حياة لأي اقتصاد، وحين ينقطع هذا الشريان، يتباطأ كل شيء: الإنتاج، التعليم، الصحة، وحتى الأمل.
أولاً: مكونات الأزمة
1. البنية التحتية المتهالكة:
المنظومة الكهربائية السورية تعتمد على محطات قديمة أنشئت في السبعينات والثمانينات، تعمل اليوم بطاقة أقل من نصف قدرتها التصميمية. التوربينات متآكلة، وأنظمة النقل متهشمة، وشبكات التوزيع تفتقر إلى الصيانة المنتظمة، ما يجعل الهدر الفني يتجاوز 40% من الإنتاج الفعلي.
2. نقص الوقود ومحدودية التوليد:
بعد الحرب، خسر قطاع الكهرباء جزءا كبيرا من مصادر الطاقة التقليدية (الغاز والنفط)، كما تعرضت الأنابيب ومحطات الضخ للتدمير. اليوم، لا تكفي كميات الغاز المتاحة لتشغيل المحطات القائمة، بينما يستورد الفيول بأسعار مرتفعة، ما يجعل الكلفة الحقيقية للكهرباء أكبر من قدرة الدولة والمستهلك على تحملها.
3. الإدارة والفساد:
المشكلة لا تكمن فقط في قلة الموارد، بل في سوء إدارتها. هناك مشاريع توقفت عند مرحلة التوقيع، وصفقات توريد لم تكتمل، ومناقصات أغلقت على أسماء محددة. كما فشلت وزارة الكهرباء في إدخال القطاع الخاص أو الاستثمار الأجنبي في مشاريع التوليد الحديثة بسبب غياب الثقة والشفافية القانونية.
4. الطلب المتزايد والانفجار السكاني:
الكتلة العمرانية الجديدة، ولا سيما في دمشق واللاذقية وطرطوس، رفعت الطلب بشكل كبير. بينما تستهلك الاستثمارات العقارية الكبرى كميات ضخمة من الكهرباء، يعيش معظم السوريين على نظام التقنين القاسي الذي يصل إلى أكثر من 22 ساعة قطع يومياً.
5. ضعف العدالة في التوزيع:
الكهرباء لا تنقطع عن مناطق معينة إلا نادراً، بينما يعيش الريف والمناطق الطرفية في عتمة شبه دائمة. هذا التفاوت خلق شعورا عاما بالغبن، وأضعف ثقة المواطنين بالدولة كمؤسسة مسؤولة عن العدالة الخدمية.
ثانياً: النتائج الاجتماعية والاقتصادية
انقطاع الكهرباء المستمر دمر ما تبقى من البنية الإنتاجية في البلاد. المصانع الصغيرة توقفت، المشاغل تعمل بالمولدات بأسعار خرافية، والطلاب يدرسون على ضوء الشموع أو بطاريات صغيرة. أما الأسر الفقيرة، فصارت الكهرباء بالنسبة إليها “ترفاً موسمياً”.
الاقتصاد السوري خسر جزءا من تنافسيته بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج، كما تراجعت قدرة الدولة على جذب أي استثمار جديد. حتى القطاع الصحي يعاني من تهديد دائم، حيث انقطاع التيار في المستشفيات يهدد حياة المرضى.
ثالثاً: الحلول الممكنة
1. إصلاح هيكلي لا إسعافي:
الحل لا يبدأ بشراء محطات جديدة فقط، بل بإعادة هيكلة وزارة الكهرباء لتتحول إلى مؤسسة تنظيمية تراقب الأداء وتمنح تراخيص الإنتاج للقطاعين العام والخاص. يجب تحويل جزء من الإدارة إلى نمط شركات مساهمة وطنية تخضع للتدقيق والمساءلة.
2. استثمار الطاقات المتجددة:
سوريا تمتلك واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في المنطقة. مشروع وطني للطاقة الشمسية والرياح يمكن أن يوفر أكثر من 30% من الحاجة خلال خمس سنوات، إذا تم تمويله وتنفيذه بشفافية. المطلوب هو شراكات حقيقية مع المستثمرين المحليين، لا عقود شكلية.
3. ترشيد الاستهلاك الذكي:
لا يمكن إنتاج كهرباء غير محدودة في ظل موارد محدودة، لكن يمكن إدارة الطلب بذكاء عبر العدادات الذكية، وتسعيرة تصاعدية عادلة، وتشجيع العزل الحراري للأبنية الجديدة لتقليل الاستهلاك.
4. إصلاح التعرفة:
التسعيرة الحالية غير واقعية، فهي لا تغطي التكاليف ولا تشجع على الترشيد. يجب وضع نظام تسعيري متدرج يوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية، بحيث يدفع أصحاب الاستهلاك المرتفع (الشركات والمولات والفنادق) أكثر بكثير من المواطنين ذوي الدخل المحدود.
5. كسر الاحتكار وتحرير السوق جزئياً:
إدخال شركات خاصة لإنتاج وبيع الكهرباء تحت إشراف الدولة يخلق تنافسية ويخفف العبء المالي عنها. لكن النجاح يتطلب بيئة قانونية واضحة واستقلالا فعليا لهيئة تنظيم الكهرباء.
الخلاصة
مشكلة الكهرباء في سوريا ليست فقط في غياب التيار، بل في غياب الإرادة السياسية لتأسيس نظام طاقة مستدام وشفاف. فالعتمة ليست قدرا جغرافيا بل نتيجة قرارات تراكمت عبر عقود.
حين تدار الكهرباء كقطاع إنتاجي لا كأداة سلطة، يمكن أن تعود النور إلى البيوت والمصانع… لا من المولدات، بل من الدولة نفسها.


