الرئيسيةاقتصادبين آمال الإصلاح وتحديات الثقة.. ماذا ينتظر سوريا بعد طرح عملتها الجديدة؟

بين آمال الإصلاح وتحديات الثقة.. ماذا ينتظر سوريا بعد طرح عملتها الجديدة؟

تراجعت الليرة السورية خلال السنوات الأخيرة إلى مستويات قياسية أمام العملات الأجنبية، حيث أصبح المواطن بحاجة إلى رزم نقدية ضخمة لتغطية حاجاته الأساسية. ويعتبر مراقبون أن إعادة التقييم النقدي ليست سوى انعكاس لمحاولة الحكومة استعادة الثقة بالعملة المحلية بعد أكثر من عقد من التضخم المتسارع والانهيار الاقتصادي.

وفي إطار سعيها لاستعادة الاستقرار النقدي والاقتصادي، تخطط الحكومة السورية وفق مصادر صحفية لإطلاق عملة جديدة في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2025، عبر تخفيض فئتها بنسبة صفرين والبدء في تداول مرحلي يمتد لعام كامل، وتأتي هذه الخطوة في سياق تحولات سياسية ورمزية، لكنها تواجه تحديات معقدة تتطلب تنسيقا دقيقا ودعما إصلاحيا شاملا لضمان نجاحها وترسيخ ثقة المواطنين بالليرة السورية.

ووفقا لمصادر مطلعة في المصرف المركزي السوري، فإن هذه الخطوة تأتي ضمن حزمة من الإجراءات الاقتصادية التي تهدف إلى استقرار سعر الصرف، ومكافحة التضخم الجامح، ومحاربة المضاربات في سوق الصرف الأجنبي، بالإضافة إلى مكافحة تزييف العملة الذي انتشر بشكل واسع.

ملامح القرار المتوقع

من أهم ملامح القرار المتوقع استبدال العملة عبر سحب العملة الحالية من الفئات المختلفة وإصدار فئات ورقية ومعدنية جديدة بتصميم مختلف وفق أحدث تقنيات الحماية للتغلب على مشكلة التزييف، ومن المتوقع أن يتم إزالة الأصفار من القيمة الاسمية للعملة الجديدة، لتسهيل المعاملات اليومية للمواطنين وتخفيف عبء التعامل بالأرقام الكبيرة، ومن المرجح أن يتم منح مهلة للمواطنين لاستبدال ما بحوزتهم من العملة القديمة بالجديدة، دون أي خسارة في القيمة الاسمية خلال تلك الفترة.

أهداف مالية واقتصادية

وتهدف الحكومة من هذا القرار إلى استعادة السيادة النقدية والسيطرة على الكتلة النقدية المتداولة خارج نطاق القطاع المصرفي الرسمي، ومكافحة التضخم الذي أنهك القوة الشرائية للمواطنين، حيث فقدت الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها منذ بداية الأزمة، والحد من ظاهرة تزييف العملة المحلية التي تفاقمت في السنوات الأخيرة وأدت إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتسهيل التعاملات النقدية اليومية للمواطنين والتجار بعد أن أصبحت الأصفار عبئا على الحسابات.

الجهات المنفذة والتحضيرات الفنية

وبحسب المعلومات الأولية فقد وقع الاتفاق لطباعة الفئات النقدية الجديدة مع شركة روسية متخصصة تُدعى Goznak، التي سبق وأن أصدرت العملة السورية خلال عهد الأسد، وربما تدخل دول أخرى في المشروع مثل الإمارات وألمانيا، في محاولة لتوسيع خيارات الطباعة وتقليل الاعتماد على موسكو.

ردود فعل وتحذيرات

وفيما رحب بعض الاقتصاديين بالخطوة باعتبارها ضرورة ملحة لتنظيم القطاع النقدي، حذر آخرون من مخاطرها إذا لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية شاملة

الخبير والباحث بالشأن الاقتصادي الدكتور شادي أحمد أكد لشبكة “سيريا مورس” أنه وبالمبدأ الاقتصادي البسيط فإن تبديل العملة (redenomination) بحد ذاته هو إجراء تقني يسهل الحسابات اليومية ويجعل الأسعار والمستندات أبسط، لكنه ليس علاجا جذريا لمشكلة انهيار العملة، وإن نجاحه أو فشله يعتمد كليا على السياسات المصاحبة والمصداقية التي تبنيها السلطات النقدية والمالية.

وعن كيفية تأثيره على الاقتصاد والوضع المعيشي قال “أحمد”: تبسيط التعاملات النقدية عبر تقليل الأصفار في الأسعار والرواتب والفواتير يسهّل الحسابات اليومية والمعاملات البنكية، وله أثر نفسي رمزي إيجابي مؤقت فقد يعيد ثقة سطحية لدى المواطنين إذا صاحبته حملة تواصل واضحة وإجراءات ملموسة، لكنه لا يقلل التضخم الحقيقي ما لم تعالَج مسبباته (عجز مالي، عجز في ميزان المدفوعات، نقص الاحتياطيات الأجنبية، فقدان الثقة، والدولرة)، وبالتالي مستوى المعيشة لن يتحسن إلا إذا تلا ذلك ضبط حقيقي للاقتصاد.

وحول المخاطر الرئيسية قال “أحمد”:  إن اقتصر التغيير على إعادة تسمية العملة دون إصلاحات مالية ونقدية، سيبقى التضخم مرتفعا ولن تتغير القوة الشرائية، وعند إعادة التسعير يمكن أن يحدث تقريب أعلى للأسعار أو رفع هوامش ربح التجار (بسبب غياب المنافسة أو نقص السلع)، ما يزيد التضخم المدرك من الناس، وعملية استبدال الأوراق والتعامل المزدوج (قد تستمر فترة انتقالية) قد تخلق التباسا واحتكارا نقديا في السوق السوداء، وإذا ظل العجز المالي يُموّل بطباعة نقود، فحذف الأصفار سيبدو بلا جدوى لأن التضخم الحقيقي سيستمر.

وقال “أحمد”: لكي يكون الإجراء أكثر من مجرد «عمل رمزي» ويحقق تحسنا حقيقيا يجب أن يصاحبه على الأقل سياق تحليلي ومصداقية: عبر عرض خطة واضحة للسياسة النقدية والمالية (قواعد لتمويل العجز، وأهداف تضخمية محددة)، وتوحيد سعر الصرف وإدارة احتياطيات العملة الأجنبية عبر خفض الفوارق بين السوق الرسمي والسوق السوداء، وبناء احتياطيات لتثبيت سعر الصرف، وضمان استقلالية ومصداقية المصرف المركزي (سياسات شفافة، تواصل، وأدوات احترازية)، وشبكات حماية اجتماعية عبر دعم الفئات الضعيفة لتعويض أي ارتفاعات أسعار مؤقتة (تحويلات نقدية، دعم سلع أساسية)، وإصلاحات هيكلية قصيرة ومتوسطة المدى عبر تحفيز الإنتاج وإعادة إدماج القطاعات المتوقفة، وجذب استثمارات خارجية بشروط واضحة.

وحول إمكانية الفشل والتضخم أكد الخبير الاقتصادي الدكتور شادي أحمد أن  الخطر كبير إذا لم ترفق الخطة بإجراءات حقيقية، والتاريخ مليء بأمثلة على دول حذفت أصفارا عن عملتها ولكن التضخم استمر لأن الأسباب الأساسية لم تُعالَج، فالنجاح ليس في تغيير الأرقام، بل في تغيير المسار الاقتصادي وإعادة بناء الثقة لدى المواطنين والمستثمرين.

ونصح الكتور شادي أحمد الفريق الحكومي المعني بالقول: أعلنوا جدولا زمنيا وشرحا عمليا لكيفية استبدال الأوراق وإدارة الأسعار خلال فترة الانتقال، وضعوا حزمة إصلاحات مالية ونقدية مصغّرة تطبق مع بدء العملة الجديدة (تقييد تمويل العجز نقديا، سياسات سعر صرف واضحة)، وأطلقوا حملة تواصل ضخمة لشرح كيف ستتم عملية الاستبدال وكيف ستُحفظ قيمة المدخرات، ورافقوا الإجراء بحماية اجتماعية فورية للمحتاجين لتفادي صدمة معيشية.

وحتى الآن، لم يصدر عن المصرف المركزي السوري أي بيان رسمي يفصل موعد أو آلية التنفيذ، حيث لا تزال الخطة قيد الدراسة والتخطيط الدقيق.

ورغم الطابع الرمزي والجذاب لخطوة حذف الأصفار من الليرة، فإن نجاحها مرهون بقدرة الحكومة على دمج هذه الخطوة ضمن حزمة إصلاحات نقدية مؤسساتية تتضمن إصلاحات مصرفية، وضبط سياسي واقتصادي، وتوعية شعبية فعالة، ولكن في غياب ذلك، قد تتحول هذه المبادرة إلى مجرد عرض شكلي يخفي استمرار أزمة فقدان الثقة بحلول نقدية حقيقية.

وإطلاق العملة الجديدة يمثل نقطة تحول محتملة في المسار الاقتصادي السوري، لكنه يظل رهنا بقدرة الحكومة على موازنة الرمزية السياسية مع المتطلبات الاقتصادية الفعلية. فهل تكون الخطوة بداية مسار استقرار نقدي طويل، أم مجرد فصل جديد في معاناة السوريين مع الليرة؟

هاني هاشم
هاني هاشمhttps://syriamorse.com/author/hani-hashem/
صحفي في شبكة سيريا مورس الإخبارية صحفي وإعلامي سوري يتمتع بخبرة تمتد لأكثر من عشرين عاما في الإعداد والتقديم والتحرير الالكتروني والإذاعي والتلفزيوني حاصل على إجازة في الإعلام من جامعة دمشق، وبدأ مسيرته الإعلامية كمذيع أخبار ومقدم برامج سياسية في إذاعة ميلودي منذ عام 2013، ثم شغل منصب مدير برامج وتحرير في إذاعة ميلودي إف إم سورية ابتداء من عام 2015 قاد هاني فرق التحرير في مواقع متعددة منها رئاسة تحرير شبكة شام تايمز الإعلامية بين عامي 2020 و2023، وإدارة المراسلين في تلفزيون الخبر، وشارك في إعداد وتقديم برامج إذاعية منوعة ونشرات سياسية، من بينها برنامج إيد بإيد ويعمل معد ومقدم برامج وأخبار في إذاعة دمشق - إذاعة الجمهورية العربية السورية منذ عام 2021، ويمتاز هاني بأسلوب تحقيقي متعمق وقدرة على التواصل مع الجمهور عبر مختلف المنصات وانضم إلى شبكة سيريا مورس ليمثل صوت محافظة دمشق ويساهم بخبرته في إثراء التغطية الصحفية ضمن الشبكة
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

مقالات أخرى للكاتب