رغم ما خلفته سنوات الحرب من دمار طال البنى التحتية والموارد البشرية في معظم القطاعات السورية، لم تكن جامعة حلب بمنأى عن هذا الاستنزاف، حيث واجهت المؤسسة الاكاديمية العريقة تحديات جمة شملت تهجير الكوادر، تراجع التمويل، وانقطاع التعاون الدولي. ومع ذلك، ظلت الجامعة تقاوم الانهيار بصمت، محافظة على الحد الادنى من العمل الأكاديمي والبحثي، لتفاجئ الأوساط العلمية مطلع الشهر السادس من عام 2025 بخبر دخولها تصنيف تايمز العالمي للتعليم العالي، من خلال حصولها على المركز 1501 من أصل 2318 جامعة حول العالم.
هذا الحدث يعد بمثابة شهادة دولية لجهود استمرت أقل من سبعة أشهر لكوادر الجامعة، وقدرتها على النهوض من تحت الركام نحو الاعتراف العالمي، مما يفتح باب الأمل في استعادة مكانة التعليم السوري على الخارطة الاكاديمية الدولية.
وفي تصريح صحفي، قال الدكتور محمد اسامة رعدون، رئيس جامعة حلب: “يأتي هذا الإنجاز بعد التحرير، حيث كان شعارنا منذ البداية الانتقال من جامعة حلب من التحرير إلى التأثير، نحو جامعة وطنية ذات نشاط دولي، تقود التنمية وتصنع الامل لطلابها واكاديميها. لذا، وبعد تحقيق متطلبات التصنيف المرموق، سجلت الجامعة حضورا مميزا في عدة أهداف رئيسية من أهداف التنمية المستدامة، وابرزها الصناعة والابتكار والبنية التحتية”.
واشار الدكتور رعدون إلى ان العمليات المستمرة في الحفاظ على الانجازات والتقدم في التصنيفات تتجه إلى مستويات اعلى، من خلال إبرام الاتفاقيات وتحقيق الشراكات مع الجامعات العالمية المرموقة في 40 دولة، ليصبح عدد الاتفاقيات خلال الأشهر القادمة 80 اتفاقية للتبادل الطلابي والبحثي والأكاديمي.
وختم رعدون بشكر الطلاب والاكاديميين وجميع الكوادر الادارية على مساهمتهم في صناعة هذا الانجاز، مؤكدا أنها مجرد بداية للوصول إلى المكانة المرموقة التي تستحقها جامعة حلب بين جامعات العالم.
ونشرت ادارة تصنيف التايمز العالمي دخول جامعة حلب التصنيف عبر الموقع الرسمي
رابط تصنيف جامعة حلب في التايمز
كيف دخلت جامعة حلب تصنيف Times؟
بعد سقوط النظام السابق، سارعت الحكومة الانتقالية، ومن ثم الحكومة الحالية، إلى اتخاذ خطوات حثيثة لاعادة بناء المؤسسات التعليمية، وفي مقدمتها جامعة حلب. ورغم الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد، من ضعف الموارد إلى التحديات الامنية والخدمية، وضع ملف التعليم العالي على رأس الاولويات، لتبدأ مرحلة من الاصلاحات الهيكلية والتنظيمية في الجامعة.
فقد صدرت قرارات مفصلية تهدف إلى دعم البحث العلمي، وتعزيز معايير الجودة، وتشجيع النشر الأكاديمي في المجلات العالمية، بالتوازي مع جهود مكثفة من رئاسة الجامعة والكوادر الاكاديمية والادارية، الذين عملوا باصرار على تحسين البنية التحتية، وتطوير الخطط الدراسية، وفتح قنوات التعاون مع مؤسسات علمية خارجية.
وقد ساهم هذا التكاتف بين الجهات الحكومية والجامعة في خلق بيئة علمية أكثر توازنا وانفتاحا، ما مهد الطريق أمام دخول جامعة حلب إلى تصنيف تايمز العالمي بعد سنوات من العزلة الاكاديمية.
وفي تصريح لوكالة Syria Morse، أكد الدكتور حسن حزوري، أستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، أن دخول الجامعة تصنيف Times Higher Education للتأثير العالمي 2025 يمثل علامة فارقة في مسيرتها، وذلك لعدة اسباب، ابرزها:
- الاعتراف الدولي: اذ يعد هذا التصنيف من أبرز التصنيفات العالمية التي تقيس أداء الجامعات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة. وبالتالي، بات الأمر اعترافا دوليا بجهود الجامعة في مجالات مثل التعليم الجيد، البحث العلمي، المساواة، والشراكة المجتمعية.
- السمعة الاكاديمية: التي تساعد في جذب طلاب وباحثين دوليين، وفتح آفاق جديدة للتعاون مع جامعات ومؤسسات بحثية عالمية.
ونوه الدكتور حزوري إلى ان الانجاز يحفز التنمية المحلية، ويبرز دور الجامعة في دعم التنمية المستدامة في سوريا ومنطقة الشرق الاوسط، مما يعزز ثقة المجتمع المحلي والدولي بها.
ما هو تصنيف التايمز؟
يعد تصنيف Times Higher Education واحدا من أكثر التصنيفات الاكاديمية احتراما وتأثيرا على مستوى العالم. تصدره سنويا مؤسسة “تايمز للتعليم العالي” البريطانية، وهي جهة مستقلة متخصصة بتقييم الجامعات عالميا منذ عام 2004.
يعتمد التصنيف على معايير دقيقة يقيس أداء الجامعات في عدة مجالات، أبرزها: جودة التعليم، قوة البحث العلمي، الشراكات الدولية، ونقل المعرفة إلى المجتمع.
أما في نسخة “تصنيف التأثير” التي دخلت فيها جامعة حلب عام 2025، فيُقيم أداء الجامعات من خلال مدى مساهمتها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة SDGs التي وضعتها الأمم المتحدة، مثل: التعليم الجيد، المساواة، الابتكار، العمل المناخي، والشراكة من أجل التنمية.
وقد شاركت في نسخة عام 2025 من تصنيف التأثير أكثر من 2300 جامعة من 125 دولة حول العالم، ما يجعل دخول جامعة حلب ضمن هذه القائمة انجازا غير مسبوق في تاريخ التعليم العالي السوري.
لذلك، فإن ظهور اسم جامعة حلب في هذا التصنيف هو اكثر من مجرد ترتيب رقمي، بل يعد اعترافا دوليا بان هذه المؤسسة تسير بخطى عملية نحو خدمة المجتمع وتعزيز دورها في التنمية المحلية والدولية.
آراء الطلاب حول دخول الجامعة التصنيف
عبر عدد من طلاب جامعة حلب لوكالة Syria Morse عن انطباعاتهم تجاه دخول الجامعة في تصنيف تايمز العالمي.
وقال علاء، طالب في كلية الحقوق، ان هذا الانجاز يرفع اسم الجامعة ويبرزها على المستوى الدولي.
من جانبها، أكدت الاء، طالبة في كلية التربية، ان أساليب التعليم داخل الجامعة شهدت تغييرات ايجابية منذ التحرير، مما جعل هذا الإنجاز متوقعا نتيجة لهذه التطورات.
اما جهاد، طالب في كلية الطب، فبين ان نجاح الجامعة يعكس نجاح كل طالب درس او يدرس فيها، مشيرا إلى اهمية هذا التقدم في تعزيز روح العزيمة بين الطلاب.
جامعة حلب: تاريخ عريق ومكانة اقليمية وعالمية
جامعة حلب، التي تأسست عام 1958، تعد من أقدم وابرز مؤسسات التعليم العالي في سوريا والمنطقة العربية. تأسيسها جاء في وقت مبكر مقارنة بالعديد من الجامعات العربية والاسيوية، مما منحها مكانة تاريخية مميزة كاحدى الركائز التعليمية والثقافية في الشرق الاوسط.
على مدار عقود، لعبت الجامعة دورا محوريا في تطوير التعليم والبحث العلمي، حيث تضم 19 كلية، إلى جانب معهد التراث العلمي ومعهد عال للغات، كما تحتوي على 11 مركزا للبحوث العلمية في مختلف التخصصات، و17 مديرية من بينها مجلة البحوث العلمية ومديرية البحث العلمي والدراسات العليا. اضافة إلى ذلك، توجد 9 معاهد طبية وتطبيقية وهندسية، ونظام التعليم المفتوح الذي يسهم في توسيع فرص التعلم.
وتتميز جامعة حلب بامتلاكها لاهم المشافي التعليمية والخدمية التي تقدم خدمات طبية لجميع سكان حلب والمنطقة الشرقية، منها: مشفى حلب الجامعي، مشفى الكندي للامراض السارية والسرطان، مشفى امراض وجراحة القلب، مشفى جراحة الفم والفكين، مشفى التوليد وأمراض النساء، ومدرسة التمريض.
تاريخ الجامعة العريق وموقعها الاستراتيجي جعلها نقطة التقاء المعرفة بين الشرق والغرب، وعزز دورها في التعاون الأكاديمي الدولي، الأمر الذي ساعد في بناء جسور علمية بين مختلف الثقافات. ورغم التحديات الكبيرة التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب، استمرت الجامعة في الحفاظ على مستوى التعليم والبحث العلمي، محافظة على مكانتها كمنارة علمية بارزة في سوريا والمنطقة، مما يجعلها مؤسسة تعليمية ذات اهمية كبيرة على المستويين الاقليمي والعالمي.

واقع التعليم في جامعة حلب خلال النظام السابق
شهد التعليم في جامعة حلب خلال فترة النظام السابق العديد من الترهلات والتحديات التي أثرت على جودة العملية التعليمية وسلامة الإجراءات الاكاديمية. كانت الجامعة تعاني من مشاكل ادارية واكاديمية متراكمة، جعلت من بيئتها التعليمية غير مستقرة، ومهدت لوجود خلل في نظم الرقابة والمراقبة الداخلية.
وفي اطار جهود الجامعة الحالية لاعادة بناء مؤسسات التعليم العالي والارتقاء بمستوى الأداء الأكاديمي والاداري، تم الكشف مؤخرا عن قضية فساد تعكس ارثا من التجاوزات التي تعود إلى سنوات ما قبل التحرير، وهو ما يشير إلى حجم التحديات التي تواجه الجامعة في مسيرتها نحو الإصلاح والتطوير.
في هذا السياق، صدر في الثالث والعشرين من الشهر السادس لعام 2025 بيان هام عن رئاسة جامعة حلب نشر على موقع جامعة حلب الرسمي
رابط بيان الجامعة في الموقع الرسمي لجامعة حلب
ان اكتشاف عمليات التزوير جاء نتيجة تطبيق نظام رقابي داخلي دقيق، بعد ورود معلومات عن الموضوع، حيث تم التحقق والاستقصاء عبر مراجعة سجلات أكاديمية أدت إلى تشكيل لجنة تحقيق موسعة بالتنسيق مع الجهات الرقابية المختصة، وبمتابعة شخصية من رئيس الجامعة. وقد تبين وجود حالات تزوير و غش امتحاني تم إدخالها إلى قاعدة البيانات بطرق غير قانونية.
وبناء على نتائج التحقيقات، تم فصل 42 طالبا ثبت تورطهم في المخالفات، كما أحيلت ملفات تتضمن شبهة جرم جزائي إلى القضاء المختص، تأكيدا على التزام الجامعة بسيادة القانون واستقلال القضاء.
اكد البيان ان القضية ليست حادثة معزولة، بل تعكس جزءا من ارث فساد اداري وأكاديمي ترسخ خلال النظام السابق، وهو ما يجعل الجامعة تواجه هذه التحديات بكل جدية ومسؤولية في مرحلة اعادة البناء.
وأشار البيان إلى عدم وجود مؤشرات على حوادث مماثلة في كليات اخرى حتى الان، الا ان الجامعة تعاملت مع الواقعة كمؤشر انذار، ووجهت بتدقيق شامل لجميع قواعد البيانات الاكاديمية في مختلف الكليات. كما اطلقت خطة اصلاح اداري تشمل رقمنة الارشيفات الجامعية، وتفعيل التوقيع الالكتروني، وربط قواعد البيانات بمنظومة الامتحانات المركزية، إلى جانب اعتماد الية تحقق مزدوجة لاي وثيقة جامعية مستقبلية.
واوضح البيان ان رئيس الجامعة تحدث عن القضية عبر وسائل الاعلام، مما لاقى تفاعلا واسعا، في إطار سياسة الشفافية والمكاشفة التي تنتهجها الجامعة، وترسيخ لمصداقيتها الاكاديمية.
كما تم اتخاذ اجراءات مشددة لضبط العملية الامتحانية منذ الفصل الأول من العام الدراسي الحالي، مع عزمه تعزيز هذه الاجراءات في الامتحانات القادمة لضمان النزاهة والعدالة.
واختتم البيان بتأكيد أن الجامعة تعطي اولوية قصوى للحفاظ على سمعتها ومصداقيتها محليا ودوليا، معتبرة هذه الحادثة فرصة لاعادة تقييم الأنظمة وتعزيز منظومة النزاهة والرقابة. وأشار إلى ان هذه الإجراءات حظيت بتقدير من جهات وطنية ودولية، مما ساهم في تحسين صورة الجامعة وموقعها المؤسسي في مرحلة ما بعد التحرير.
نجاحات طلاب جامعة حلب رغم الإهمال
ورغم ما واجهته جامعة حلب من مظاهر فساد واهمال في بعض مفاصلها، الا ان ذلك لم يمنع العديد من طلابها من الحفاظ على تفوقهم الاكاديمي، إنهاء دراستهم بسلامة ونزاهة، اعتمادا على جهدهم الفردي وإصرارهم على النجاح. وقد أثمرت هذه الجهود في بروز أسماء لامعة في مجالات العلم والأدب والثقافة، إضافة إلى من تقلدوا مناصب مسؤولية داخل سوريا وخارجها. ان تسليط الضوء على هذه النماذج يعزز من مصداقية صورة الجامعة حاضنة للكفاءات، ويمنح الأمل بامكانية تجاوز الواقع المأزوم نحو مستقبل أكثر عدالة وتميزا.
يمثل ادراج جامعة حلب ضمن تصنيف تايمز العالمي للتعليم العالي لعام 2025 محطة مفصلية في مسيرة التعليم العالي السوري، ويعكس تحولا تدريجيا نحو اعادة بناء المؤسسات الاكاديمية بعد سنوات من الحرب. ورغم استمرار التحديات الهيكلية والادارية، فإن هذا الانجاز يسلط الضوء على ما يمكن تحقيقه عندما تتوفر الارادة المؤسسية، والدعم الحكومي، والتكاتف المجتمعي.
ومع سعي الجامعة إلى توسيع شراكتها الدولية واستكمال مشاريعها الاصلاحية، فان الحفاظ على هذا التقدم يظل مرهونا بتكريس مبادئ الشفافية، وتطوير الكفاءات البشرية، وخلق بيئة تعليمية حديثة تواكب المعايير الاكاديمية العالمية، بما يعزز دور الجامعة كمحرك للتنمية ورافعة للأمل في سوريا الجديدة.


