أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير قرارا بإيقاف استيراد قائمة واسعة من المنتجات الزراعية الرئيسية خلال شهر كانون الأول، مستندة في ذلك إلى “الروزنامة الزراعية” وبهدف معلن يتمثل في حماية المنتج الوطني. هذا القرار، الذي شمل أصنافا حيوية كالـبطاطا، الحمضيات، التفاح، والبندورة، أشعل فتيل النقاشات المتباينة ضمن الأوساط الزراعية والاقتصادية، فبينما يرى فيه المزارعون ضخا مباشرا للدعم، يلوح الخبراء بتحذيرات تتعلق بضبط الأسعار والحفاظ على جودة المعروض في السوق المحلي.
تفاؤل المزارعين: انتصار للمنتج الوطني
للوقوف على الأثر الفعلي للقرار، استطلعت “سيريا مورس” آراء عدد من المزارعين الذين عبروا عن ردود فعل إيجابية بشكل كبير، معتبرين أن القرار جاء في التوقيت الأمثل لوقف تدهور أسعار منتجاتهم.
يؤكد الحاج أبو خالد وهو مزارع حمضيات من ريف اللاذقية، أن القرار يمثل “انتصارا حقيقيا” للمنتج الوطني. مشيرا إلى أن موسم الحصاد غالبا ما كان يشهد إغراق الأسواق بالحمضيات والليمون المستورد الأقل ثمنا، ما كان يجبر المزارعين في أحيان كثيرة على بيع محاصيلهم بخسارة كبيرة.
ويرى أبو خالد أن وقف الاستيراد سيمنحهم فرصة حقيقية لتعويض تكاليف الإنتاج المرتفعة، ولا سيما أسعار الأسمدة والمحروقات، مشددا على أن حماية المنتج الوطني تتطلب قرارات فعلية لا مجرد شعارات.
من جانبه أبدى فادي وهو مزارع للخضراوات الورقية (بما فيها الملفوف، الخس، والبندورة)، تفاؤلا ممزوجا بالحذر.
وأوضح فادي أن القرار يمنح الأولوية للمنتج المحلي، لكنه في الوقت ذاته حذر إلى الحاجة الملحة لفرض رقابة صارمة على الأسواق. ورغم إشادته بالقرار كخطوة مهمة لإنهاء “فوضى المنافسة غير المتكافئة” أعرب عن خشيته من استغلال بعض التجار للوضع الجديد عبر تخزين واحتكار البضائع بهدف رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه/ بالنسبة لفادي /فإن نجاح القرار الحقيقي يقاس بمدى استقرار سعر المنتج للمستهلك النهائي، وليس فقط بسعر بيعه للمزارع.
كما اتفق العديد من المزارعين على أن نجاح القرار لا يتوقف عند حدود ضبط الأسعار فحسب، بل يتطلب حزمة من الإجراءات الداعمة التي تضمن استمراريته وفعاليته على المدى الطويل. وفي هذا الإطار، أشاروا إلى أن تطبيق “الروزنامة الزراعية” بمرونة وشفافية يعد ركنا أساسيا لتنظيم عملية الإنتاج وحركة السوق، بما يحقق التوازن بين العرض والطلب ويمنع حدوث أي فجوات مفاجئة في توفر الأصناف، مما يعيد فوضى الأسعار إلى الواجهة.
الرؤية الاقتصادية: دعم الإنتاج وتحذيرات من التضخم
وفي السياق الاقتصادي الكلي قدم الدكتور علي ميا الخبير الاقتصادي في جامعة اللاذقية تحليلا موضوعيا لأثر القرار، مشيرا إلى أنه يحمل وجوها إيجابية وسلبية تتطلب التعامل معها بحذر.
وأكد الدكتور ميا أن الهدف الأساسي من القرار هو دعم استدامة القطاع الزراعي المحلي، مشيرا إلى أن وقف الاستيراد خلال فترات الذروة الإنتاجية للمحصول الوطني يعد أداة كلاسيكية لحماية الصناعات المحلية.
ويرى ميا أن هذا القرار يبعث رسالة طمأنة للمزارع بأن جهده لن يضيع، مما يشجعه على الاستثمار في المواسم القادمة. كما لفت إلى أن القرار يساهم، ولو بشكل مؤقت، في تحسين الميزان التجاري عبر تخفيف فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة.
ومع ذلك شدد الدكتور ميا على أهمية التعامل مع الجانب السلبي المحتمل، ملخصا تحذيراته في نقطتين رئيسيتين: جودة وتنوع المنتج والتضخم والتحكم في الأسعار.
لافتا إلى أن النقطة الأولى تتمثل في أن غياب المنافسة الخارجية قد يقلل من حافز المزارعين والتجار المحليين للحفاظ على مستويات الجودة أو تقديم تنوع في الأصناف، وهي مشكلة شائعة في الأسواق المحمية،
ودعا ميا وزارة الزراعة وهيئات الرقابة إلى تفعيل معايير صارمة للجودة والفرز والتخزين لضمان وصول منتج محلي عالي الجودة إلى المستهلك.
وأشار الخبير ميا إلى أن النقطة الثانية تكمن في خطر التضخم وارتفاع الأسعار. فإزالة مورد رئيسي للسلعة (الاستيراد) يؤدي إلى انحصار العرض في الإنتاج المحلي، ما يخلق بيئة خصبة لارتفاع الأسعار، حيث يتحول هذا الارتفاع إلى تضخم في أسعار الغذاء إذا لم تكن هناك رقابة فعالة.
ويضيف ميا أنه يجب على هيئات حماية المستهلك التدخل بشكل فوري وفعال لضمان بقاء هامش الربح ضمن الحدود المعقولة، والتأكد من أن المستهلك لا يتحمل كلفة حماية المزارع بشكل غير عادل.
الروزنامة الزراعية: مفتاح التوازن المستدام وضمان الأمن الغذائي
يشكل قرار وقف استيراد المنتجات الزراعية خلال شهر كانون الأول خطوة ضرورية وحاسمة ليس فقط لحماية المنتج المحلي، بل لتعزيز صمود المزارع الذي يعد الركيزة الأساسية للأمن الغذائي للبلاد. لقد نجح هذا الإجراء في منح المزارعين شعورا ملموسا بالدعم الفعلي، فاتحا أمامهم فرصة حقيقية ومستحقة لتسويق محاصيلهم بعائد جيد، يمكنهم من تغطية التكاليف الباهظة للإنتاج التي ارتفعت بشكل هائل، خاصة أسعار المدخلات الزراعية الحيوية كالأسمدة والمحروقات.
وكما عبر عنه مزارعو الحمضيات، فإن هذا القرار يعد “انتصارا حقيقيا” للمنتج الوطني، ينقذ المزارع من دائرة الخسارة التي كان يقع فيها جراء إغراق السوق بالمنتجات المستوردة الأقل تكلفة.
غير أن نجاح هذا الإجراء الحيوي لا يمكن أن يقاس بمعزل عن قدرة الدولة على إدارة تداعياته الاقتصادية والاجتماعية اللاحقة. فالرهان الحقيقي يكمن في إحكام ضبط الأسواق بفعالية غير مسبوقة، ومواجهة محاولات الاحتكار والتخزين التي قد يلجأ إليها بعض التجار عند غياب المنافسة الخارجية.
إن التحذيرات التي أطلقها الخبراء الاقتصاديون حول خطر التضخم وضرورة التحكم في الأسعار تعد جرس إنذار يجب أخذه على محمل الجد، لأن غياب المنافسة يهدد بجودة المنتج المحلي، وقد يقلل من حافز المزارع للالتزام بمعايير الفرز والتخزين المثلى، مما يتطلب تفعيل معايير صارمة للجودة من قبل وزارة الزراعة لضمان وصول منتج محلي عالي الجودة إلى يد المستهلك.
وفي هذا السياق تبرز الحاجة الملحة لهيئات حماية المستهلك للتدخل بشكل فوري واستباقي، ليس فقط لمنع محاولات تخزين البضائع، بل أيضا لضمان بقاء هامش الربح ضمن الحدود المعقولة، بحيث لا يتحمل المستهلك كلفة حماية المزارع بشكل غير عادل. إن هذا التحدي يتطلب تفكيرا شاملا، حيث أن النجاح المستدام لا يكمن في الإغلاق الكامل للأسواق، بل في الإدارة الحكيمة لها.
و هنا يكمن الدور الجوهري للروزنامة الزراعية، حيث أنها ليست مجرد قائمة تواريخ، بل هي الأداة الأكثر استدامة وفعالية لتحقيق التوازن المنشود بين العرض والطلب. إذ يجب تطبيق هذه الروزنامة بمرونة وشفافية عالية، بحيث يقصر وقف الاستيراد على فترات الذروة الحصادية للمحصول الوطني، ثم يعاد فتحه فورا عند توقع أي نقص في السوق أو ارتفاع غير مبرر للأسعار. هذه الشفافية تمنع الفوضى وتوفر للمزارع والتاجر والمستهلك رؤية واضحة للمستقبل القريب، وتجنب سيناريو “فوضى الأسعار” الذي قد يعيد الأزمة إلى الواجهة.
إن الأمن الغذائي للبلاد يرتكز على معادلة دقيقة تتطلب دعم الإنتاج المحلي، بالتوازي مع الحفاظ على قدرة المواطن الشرائية. إذ أن هذا القرار هو خطوة أولى نحو تعزيز الشق الأول، لكن نجاحه الكامل يتطلب نظاما رقابيا متكاملا وشاملا يضمن مصلحة المنتج مع حفظ حق المستهلك في الوصول إلى غذاء جيد بسعر عادل.
بهذا التوازن وحده، يتحقق الهدف الوطني الأسمى من القرار، ويتحول الدعم للمزارع إلى استقرار مستدام للأسواق والمستهلكين على حد سواء.


