الرئيسيةسوريااللاذقيةتصاعد الرعي الجائر يهدد الزراعة في ريف اللاذقية

تصاعد الرعي الجائر يهدد الزراعة في ريف اللاذقية

تشهد قرى ريف اللاذقية وجبلة بالآونة الأخيرة تصاعدا خطيرا في ظاهرة الرعي الجائر، التي لم تعد مجرد مخالفة عابرة لقوانين حماية الطبيعة، بل تحولت إلى تهديد وجودي ينهش الغطاء النباتي ويقوض الجهود الزراعية في المنطقة. وبينما ينتظر الفلاح الساحلي فصل الربيع لترميم ما أفسدته الظروف المناخية، تبرز قطعان الماشية كعدو صامت يجتاح الحقول، محولة المساحات الخضراء إلى مساحات من القحط المبكر، مما يضع مستقبل الزراعة الساحلية على المحك في ظل غياب الرقابة الصارمة.

​أنين الشجر ونداءات الاستغاثة

في المناطق المحيطة بمدينة جبلة، حيث تشكل بساتين الزيتون والحمضيات العمود الفقري لمعيشة الأهالي، يسود الشعور بالقلق والمرارة نتيجة التعديات المتكررة للمواشي.
وفي هذا السياق أشار المزارع حسن لموقع سيريا مورس إلى أن المعاناة بلغت ذروتها مع تعمد بعض الرعاة إطلاق قطعانهم في جنح الليل داخل الأراضي الخاصة، حيث تلتهم الماشية أغصان أشجار الزيتون الفتية وتجردها من أوراقها تماما. موضحا أن ما تتركه هذه القطعان خلفها ليس مجرد خسارة موسمية، بل هو تدمير لهوية الأرض وإرث الأجداد، مبينا أن الشجرة التي قضى الفلاح سنوات في رعايتها تذبح في ليلة واحدة تحت أسنان الماشية، وهو ما يستدعي تحركا فوريا من الجهات المعنية لوقف هذا النزيف وتأمين الحماية للمزارع الذي بات يشعر بالعجز أمام جشع البعض.

حين تغيب العطور وتسكت الكينا

وبالانتقال إلى المرتفعات الجبلية في ريف جبلة، إذ تعتمد مئات العائلات على استثمار النباتات العطرية والطبية، تبدو الكارثة أكثر عمقا وتأثيرا على الاقتصاد المحلي. حيث أكد نوار وهو أحد المهتمين في جمع وتقطير النباتات العطرية، أن الرعي العشوائي بات يستهدف بشكل مباشر القمم النامية لأشجار الغار والكينا في توقيت حرج جدا من دورة نموها.
ولفت نوار إلى أن ضياع هذه المحاصيل قبل نضوجها يؤدي إلى تراجع حاد في كمية وجودة الزيوت المستخرجة، مبينا أن هذه الزراعات التي تميز الساحل السوري وتمنحه ميزة تنافسية تتعرض اليوم لعملية تجريف ممنهجة، مما ينذر بفقدان مورد اقتصادي حيوي في وقت يواجه فيه الفلاح تحديات معيشية قاسية تتطلب صون كل حبة تراب وكل غرسة خضراء.

​هربوا من الحريق فوقعوا بالرماد المتحرك

أما في قرى ريف اللاذقية فإن الوجع يتخذ صبغة الحفاظ على ما تبقى من رئة الجبل. فقد بينت زينب وهي مهتمة بالشأن البيئي والزراعي في المنطقة، أن الغابات التي نجت بجهود مضنية من حرائق الصيف الماضي، تموت اليوم ببطء تحت حوافر القطعان. وأوضحت زينب أن الرعي الجائر في هذه المناطق لا يدمر المحاصيل الزراعية فحسب، بل يمنع التجدد الطبيعي للغابة من خلال قضم الشتلات الحراجية الصغيرة قبل أن تضرب جذورها في الأرض، واصفة ما يحدث بأنه اغتيال صامت للبيئة الساحلية يحول الجبال الخضراء إلى تلال جرداء صماء، مما يهدد بتغيير الطبيعة المناخية للمنطقة وزيادة وتيرة الانجرافات المطرية في الشتاء القادم.

​دق ناقوس الخطر لمواجهة شبح التصحر

يرى الخبراء المختصين بالبيئة أن التمادي في غض الطرف عن الرعي العشوائي سيقود المنطقة إلى كارثة بيئية لا يمكن الرجوع عنها. وفي هذا السياق أكد الدكتور المهندس مرهف اسمندر أن ما يحدث في ريف الساحل يتجاوز فكرة الخسارة المادية المباشرة، ليصل إلى مرحلة الخلل البيئي الجسيم الذي يطال بنية التربة نفسها، حيث حذر من أن رص التربة بحوافر الماشية يقتل نفاذيتها، مبينا أن استنزاف الغطاء النباتي يحرم الأرض من درعها الحامي أمام التغيرات المناخية القاسية، مما يسرع وتيرة التصحر وانجراف التربة الخصبة، مؤكدا أن الاستمرار بهذا النهج سيحول المرتفعات الخضراء إلى بيئة طاردة للزراعة والحياة خلال سنوات قليلة.
​وأشار الدكتور اسمندر إلى أن الرعي الجائر يؤدي إلى انضغاط التربة تحت حوافر الماشية، مما يقلل من نفوذية المياه ويحرم الخزانات الجوفية من التغذية، أيضا يزيد من معدلات الانجراف بفعل غياب الغطاء النباتي الحامي.
وشدد الدكتور اسمندر على ضرورة تفعيل القوانين الناظمة للرعي بشكل حازم، بالإضافة إلى تحديد محميات رعوية بعيدة عن النطاق الزراعي الحراجي، معتبرا أن حماية التربة من التصحر هي الأولوية القصوى لضمان استدامة الزراعة في الساحل السوري.

وعي أبناء اللاذقية للدفاع عن أراضيهم

تبقى الصرخات المنبعثة من ريف اللاذقية وجبلة نداء أخيرا لإنقاذ الموسم الزراعي والغطاء النباتي. إن حماية “الأخضر” الساحلي تتطلب أكثر من مجرد تعاطف، بل تستوجب إجراءات رقابية ميدانية تضع حداً لتجاوزات الرعاة وتضمن للفلاح أن يرى ثمرة تعبه تنمو بسلام، فليست الأرض مجرد مساحة للرعي، بل هي كيان حي يستحق أن يصان من الزحف الصامت الذي يهدد لقمة عيش أبنائها وجمال طبيعتها.
وفي النهاية يبقى الرهان الحقيقي على وعي أبناء اللاذقية أنفسهم، في الدفاع عن أراضيهم وحماية مواسمهم، إذ لم تعد المسؤولية حكرا على جهة بعينها، بل أصبحت مسؤولية مجتمع كامل يدرك أن الحفاظ على أرضه هو حفاظ على مستقبله.

لوريس عمران
لوريس عمرانhttps://syriamorse.com/author/ioreesomran/
تتمتع بخبرة تمتد لأكثر من عشرين عاما في التحرير الصحفي، إعداد التقارير، وتغطية الأحداث الاقتصادية والاجتماعية في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية. تميزت لوريس بقدرتها على كتابة المحتوى بدقة وتحليله بأسلوب مهني، إلى جانب مساهمتها في تطوير غرف التحرير لضمان جودة الأخبار والمقالات المنشورة. حاصلة على إجازة في التجارة والاقتصاد من جامعة تشرين، وبدأت مسيرتها المهنية في جريدة الثورة السورية عام 1996 حيث عملت محررة صحفية، ثم انتقلت إلى جريدة الحرية السورية عام 2017. كما عملت مراسلة لمجلات المجتمع الاقتصادي والمزمنة، وكتبت تقارير اقتصادية وتحليلية لموقع سينسيريا. خلال مسيرتها، أجرت مقابلات مع خبراء في الاقتصاد وغطت مجموعة واسعة من الأحداث المحلية والسياسية والاجتماعية، مع الحرص على تقديم مواد دقيقة وموضوعية. انضمت لوريس اليوم إلى شبكة سيريا مورس لتمثل صوت محافظة اللاذقية وتسهم بخبرتها ورؤيتها المهنية في إثراء التغطية الصحفية وتقديم محتوى إعلامي موثوق ومتميز.
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

مقالات أخرى للكاتب