دير الزور

طريق دير الزور .. ثقب اسود و مأساة بلا حدود!

طريق دير الزور .. ثقب اسود و مأساة بلا حدود!
شبكة سيريا مورس الإخبارية

Morse AI

ملخص واستماع ذكي للمقال

الصوت مولّد بالذكاء الاصطناعي وليس صوتاً بشرياً.

ليس كل حادث سير قضاءً لا يمكن تلافيه، وليس كل مأساة قدراً مكتوباً لا يد للإنسان فيه. فثمة مآسٍ تصنعها الطبيعة، وأخرى تصنعها السياسات، وثالثة يصنعها الإهمال المزمن حتى يصبح القتل على الطرقات أمراً اعتيادياً لا يثير إلا عناوين الأخبار.

حافلتان كبيرتان للركاب، إحداهما تقل مدنيين، والأخرى تقل عناصر من قوى الأمن الداخلي، تسيران في اتجاهين متعاكسين على طريق دير الزور – دمشق. لحظات قليلة كانت كافية ليقع الاصطدام المروع؛ اشتعلت إحدى الحافلتين بالنيران، بينما انقلبت الأخرى مرات عدة قبل أن تستقر على الأرض، تاركة خلفها عشرات الضحايا من أطفال ونساء ورجال.

قد يكون سبب الحادث غفوة سائق أنهكه الحر، أو لحظة شرود، أو خطأ بشرياً يمكن أن يقع في أي مكان في العالم. لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في سبب الاصطدام وحده، بل في البيئة التي جعلت من وقوعه كارثة شبه حتمية. هنا تبدأ مسؤولية الدولة، وهنا ينتهي عذر الصدفة.

فالطريق الممتد بين دمشق ودير الزور، بطول يقارب 450 كيلومتراً، لم يعد مجرد طريق، بل تحول في ذاكرة السوريين إلى “شارع الموت”، أو إلى ثقب أسود يبتلع الأرواح بلا رحمة. طريق كان يفترض أن يكون أوتوستراداً حديثاً، واسعاً وآمناً، يفصل بين الاتجاهين بجزيرة وسطية، وتضيئه الإنارة الليلية، وتحيط به الشواخص العاكسة، والاستراحات، والخدمات، والإسعاف السريع. لكنه، في الواقع، طريق ضيق بالكاد يتسع لمركبتين كبيرتين، يخلو من أبسط معايير السلامة، ويترك حياة الناس رهينة للحظ.

في الدول التي تضع الإنسان في صدارة أولوياتها، لا يمر حادث بهذا الحجم مرور الكرام. تبدأ التحقيقات فوراً، وتُحدَّد المسؤوليات، وقد يدفع وزير أو مسؤول رفيع منصبه ثمناً للإهمال، قبل أن تُرصد الميزانيات لتحديث الطريق ومنع تكرار المأساة، ويُعوض ذوو الضحايا بما يليق بكرامتهم.

أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: ما أولوياتنا الوطنية؟

هل تحتاج دير الزور إلى بناء معبد جديد بملايين الدولارات، بينما طرقها تحصد أرواح أبنائها كل عام؟ وهل نحن بحاجة إلى مزيد من الأبنية، في حين أن ربع مدارس سوريا ما زال خارج الخدمة، وآلاف الأطفال يفتقدون بيئة تعليمية تليق بمستقبلهم؟

إن بناء المساجد والكنائس عمل جليل، ولا يختلف اثنان على قيمته الروحية. لكن حفظ النفس، في كل الشرائع السماوية، هو من أعظم المقاصد. وما قيمة عمران الحجر إذا بقي الإنسان نفسه مهدداً في حياته وكرامته كل يوم؟

أليس من الإيمان أن نُصلح طريقاً يحفظ حياة المصلين قبل أن نبني لهم مسجداً جديداً؟ أليس من البر أن نؤمن للأطفال مدرسة آمنة قبل أن نتباهى بمشاريع لا تمس حاجاتهم اليومية؟ إن صيانة حياة الإنسان ليست ترفاً إدارياً، بل واجب أخلاقي وديني ووطني لا يحتمل التأجيل.

لقد قامت الثورة السورية، ودفع السوريون ثمناً باهظاً من الدماء، من أجل أن تصبح كلمة الحق حقاً مكفولاً، وأن تصبح مساءلة المسؤولين ثقافة لا استثناء، وأن تُبنى دولة تُقدِّم الإنسان على الشعارات، والمواطن على المصالح، والعدالة على المجاملات.

ضحايا هذا الطريق لا يحتاجون إلى بيانات عزاء جديدة، بل يحتاجون إلى عدالة. وعدالتهم لا تكتمل إلا بتحقيق شفاف يحدد المسؤوليات، وخطة وطنية عاجلة لإعادة تأهيل هذا الطريق، وكل طريق يشبهه، حتى لا يتحول كل سفر بين المحافظات إلى مقامرة بالحياة.

فالطرقات ليست مجرد إسفلت يمتد بين المدن، بل هي مقياس لاحترام الدولة لمواطنيها. وحين يصبح الوصول إلى المنزل سالماً أمنية، فإن الخلل لم يعد في السائق وحده، بل في منظومة كاملة آن أوان إصلاحها.

رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ولعل دماءهم تكون آخر الدماء التي تُراق على طريق كان يفترض أن يكون طريقاً للحياة، لا ممراً إلى الموت.