سورية بين اللامركزية و الفيدرالية… خيارات المصير… تنوع الثقافات وتكامل الموارد..
لماذا اللامركزية هي الحل لا الفيدرالية؟
تمر البلاد بمرحلة تاريخية تتطلب منا المصارحة بعيدا عن الشعارات. يدور الحديث اليوم بكثرة عن “الفيدرالية” و”اللامركزية”، وبينما يظن البعض أنهما وجهان لعملة واحدة، إلا أن الحقيقة في الجغرافيا السورية تقول عكس ذلك تماما.
ما الفرق بينهما ببساطة؟
الفيدرالية: تعني غالبا تقسيم البلاد إلى أقاليم شبه مستقلة، لها دساتيرها وقوانينها الخاصة، وقد تصل إلى حد رسم حدود داخلية تعيق حركة المواطن والسلع.
اللامركزية الإدارية الواسعة: هي منح المحافظات (مثل حلب، دير الزور، السويداء، أو طرطوس) صلاحيات حقيقية لإدارة شؤونها اليومية، تعليمها، وصحتها، ومشاريعها التنموية، مع البقاء تحت سقف “الدولة الواحدة” وعلم واحد وجيش واحد وقانون واحد يضمن المساواة.
الهوية السورية: لوحة فسيفساء لا تقبل التجزئة
إن احترام الخصوصية الثقافية للمكونات السورية ليس “منة” من أحد، بل هو مصدر قوة.
إن الاعتزاز بالهوية الكردية في القامشلي، أو الإرث السرياني في صيدنايا، أو التقاليد العربية الأصيلة في حوران ودير الزور، هو ما يشكل “الشخصية السورية”.
اللامركزية تضمن لكل منطقة إحياء تراثها ولغتها وإدارة شؤونها الثقافية المحلية، دون الحاجة لفك الارتباط عن دمشق. الفيدرالية قد تتحول إلى “عزل ثقافي”، بينما اللامركزية هي “تفاعل ثقافي” يحمي الجميع.
لغة الأرقام
لماذا لا يمكن لأي إقليم سوري أن يعيش منفردا؟
إذا نظرنا إلى الخريطة الاقتصادية السورية، نكتشف أن “الاستقلال” لأي منطقة هو “انتحار اقتصادي” بطيء. سورية مصممة طبيعيا لتكون جسما واحدا:
سلة الغذاء والطاقة (الشرق): تضم الحسكة ودير الزور والرقة مخزون سورية من القمح والنفط.
لكن هذا النفط يحتاج إلى مصافي بانياس وحمص،
وهذا القمح يحتاج إلى أسواق دمشق وحلب وموانئ اللاذقية للتصدير.
القلب الصناعي (الشمال والوسط): حلب وحمص هما محركا الصناعة، لكنهما يعتمدان كليا على المواد الخام من المناطق الأخرى وعلى الأيدي العاملة من كل المحافظات.
بوابات العالم (الساحل): طرطوس واللاذقية هما رئتا سورية، وبدونهما تصبح المناطق الداخلية “دولا حبيسة” لا تملك منفذا بحريا مما يرفع تكاليف المعيشة بنسبة تزيد عن 40%.
المركز التجاري والخدمي (دمشق): هي عقدة الوصل والمؤسسات الكبرى التي تضمن توازن النقد وحماية القوة الشرائية لليرة السورية أمام العملات الأجنبية.
الوحدة..
خيار العقل قبل العاطفة
إن الدعوة إلى وحدة البلاد ليست مجرد تمسك بالماضي، بل هي تأمين للمستقبل. إن تفتيت سورية إلى أقاليم فيدرالية يعني:
تعدد الضرائب والرسوم بين المدن.
ضعف القدرة على التفاوض في الاتفاقيات الدولية.
خطر الصراعات على الموارد المشتركة (مثل مياه نهر الفرات).
الخلاصة:
نحن بحاجة إلى سورية “لامركزية” قوية، تعطي الصلاحية لابن إدلب ودرعا والحسكة أن يديروا محافظاتهم بكرامة وكفاءة،
ولكن تحت خيمة وطنية واحدة تضمن ألا يجوع سوري وفي أرضه قمح،
وألا يبرد سوري وفي أرضه نفط.
سورية هي جسد واحد؛ إذا اشتكى منه عضو، لم ينفصل عنه، بل تداعى له سائر الجسد بالدعم والوحدة.


