تشهد محافظة طرطوس أزمة مائية متفاقمة مع انخفاض غير مسبوق في مخزون المياه العذبة، ما ينذر بتداعيات خطيرة على القطاع الزراعي والأمن الغذائي في المنطقة. فقد سجل سد الأبرش في ريف طرطوس انخفاضاً حاداً في مخزونه المائي، حيث بلغ حجم المياه المتوفرة فيه أقل من 18 مليون متر مكعب، مقارنةً بطاقته التخزينية البالغة 103 ملايين متر مكعب. ويعد هذا السد شرياناً حيوياً لري سهل عكار، الذي يعرف بأنه السلة الغذائية لمحافظة طرطوس وسوريا عموماً.
شح الأمطار وتأثيرات التغير المناخي
يرتبط هذا التراجع الحاد في الموارد المائية بانخفاض معدل الهطولات المطرية لهذا العام، إذ لم تتجاوز نسبة الأمطار 60% من المعدل السنوي المعتاد. وقد أدى ذلك إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية في العديد من الآبار، بل وصل الأمر إلى جفاف بعضها بالكامل، ما فاقم من أزمة الري وهدد استمرارية الزراعة في المناطق المعتمدة على هذه المصادر.
تحرك حكومي وخطط بديلة
في مواجهة هذا الواقع، أطلقت وزارة الطاقة السورية حملة وطنية لترشيد استخدام المياه عبر منصاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف رفع الوعي العام وتحفيز المواطنين على تبني سلوكيات أكثر استدامة في استهلاك المياه. وفي تصريح سابق، أكد معاون وزير الطاقة للموارد المائية، المهندس أسامة أبو زيد، خلال اجتماع مع خبراء سعوديين في مجال تحلية المياه والطاقة المتجددة، أن المتغيرات المناخية أثرت بشكل مباشر على مصادر المياه في سوريا، ما استدعى البحث عن بدائل استراتيجية. وأشار إلى وجود دراسات وخطط مستقبلية تهدف إلى تعزيز الاعتماد على تقنيات التحلية والطاقة النظيفة لتأمين مصادر مائية مستدامة.

جهود محلية لتعزيز كفاءة الري
بالتوازي مع هذه التحركات، تواصل مديرية الموارد المائية في طرطوس تنفيذ حملات صيانة لأقنية الري بهدف تحسين كفاءتها وتقليل الهدر. وقد شملت هذه الأعمال صيانة جوانب وأكتاف القنوات الرئيسية، بالإضافة إلى تعزيل الآبار العربية والحفائر في عدة مناطق، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المائية للزراعة.

الزراعة في مهب الريح
إن استمرار انخفاض المخزون المائي في سدود المحافظة، وفي مقدمتها سد الأبرش، يشكل تهديدا مباشرا للمزارعين في سهل عكار، الذين يعتمدون على هذه المياه لري محاصيلهم الزراعية. ومع تراجع الموارد، تتزايد المخاوف من انخفاض الإنتاج الزراعي، ما قد ينعكس سلبا على الأمن الغذائي المحلي ويزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسر الريفية.
تواجه طرطوس تحديا مائيا يستدعي تحركا عاجلا على المستويين المحلي والوطني. وبينما تبذل الجهات المعنية جهودا لتخفيف آثار الأزمة، يبقى الرهان على تبني حلول استراتيجية طويلة الأمد، تجمع بين ترشيد الاستهلاك، وتطوير البنية التحتية، والاعتماد على مصادر بديلة، لضمان استدامة الموارد المائية في ظل تغيرات مناخية متسارعة.


