تستعد محافظة اللاذقية هذه الأيام لدخول أجواء مختلفة عن المعتاد، مع إقتراب ذكرى إنطلاقة الثورة السورية بشهر آذار ، في المدينة شعور بالحنين والانفعال ” لذكريات الماضي” وكأن الماضي يعود ليعيش مع الناس لحظاتهم اليومية. الذكرى هنا ليست مناسبة عابرة على التقويم، بل لحظة يستعيد فيها الناس أحداثا وأماكن ووجوها شكلت وعيهم وهويتهم. من شوارع المدينة إلى البيوت الصغيرة، ومن الحوارات اليومية إلى الصور والرموز التي تملأ الذاكرة، يشعر المرء بأن الثورة تركت أثرها العميق، أثر ما زال حيا في وجدان الناس ويصنع حضورهم، ويذكرهم بالقيم والتجارب التي عاشوها معا.
في الأحياء القديمة وعلى أطراف المدينة، تتردد الأحاديث عن البدايات الأولى، وعن الأيام التي كسر فيها حاجز الخوف، تحولت الشوارع إلى مساحة للتعبير. وبينما تختلف وجهات النظر وتتنوع التجارب، يبقى القاسم المشترك هو الشعور بأن تلك اللحظة تركت أثراً لا يمكن تجاوزه أو نسيانه.
فرحة التحرر: شعور يتجدد رغم كل شيء
بالنسبة للكثيرين هذه الأيام لا تبقى مجرد تاريخ يستذكر على صفحات التقويم، بل تتحول إلى نبض حي في الروح، شعور متجدد بالأمل، يتسلل بهدوء إلى القلب ويزرع فيه ما يوصف أحيانا بـ”فرحة داخلية”. إنها فرحة لا تعتمد على الأحداث الخارجية، بل تنشأ من الشعور بالتحرر من قيود الماضي، و ثقل الأيام الصعبة، أيضا من قيود النفس التي طالما كبلتها المخاوف والشكوك.
يقول خالد أحد الشباب المتواجدين في ساحة الشيخ ضاهر : إن الإحساس بالحرية يبدأ من الداخل مشيرا إلى أن استذكار تلك اللحظات يمنحهم طاقة معنوية تساعدهم على الاستمرار. مضيفا أن هذا الشعور يظهر في تفاصيل بسيطة، مثل تجمعات الأصدقاء، أو النقاشات التي تعود إلى تلك الفترة، أو حتى في رمزية بعض العبارات التي يتداولها الناس في هذه الأيام.
في السياق نفسه بادر شبان ببعض المناطق إلى تنظيم أنشطة رمزية، كتنظيف الساحات و إعادة طلاء الجدران، في محاولة لإضفاء طابع إيجابي على الأماكن التي تحمل ذاكرة خاصة لديهم. هذه المبادرات، وإن بدت بسيطة تعكس رغبة واضحة في ربط الماضي بالحاضر بطريقة تعزز الإحساس بالاستمرارية.
المجتمع المحلي: تماسك يتحدى التحديات
بريف اللاذقية لاسيما في مناطق الحفة والجبال المحيطة، يظهر التماسك الاجتماعي بشكل لافت خلال هذه الفترة. إذ تترافق الذكرى مع مبادرات جماعية تهدف إلى دعم العائلات المحتاجة، وتنظيم أنشطة تطوعية تعيد الحيوية إلى القرى.
يؤكد حسن أحد المتطوعين أن هذه الأيام تشهد حراكا هادئ لكنه مؤثر، حيث يشارك الأهالي في أعمال جماعية تعزز الشعور بالانتماء. مضيفا أن الذاكرة هنا ليست فقط استرجاعا للماضي، بل دافعا للعمل في الحاضر.
لافتاً إلى أن هذا التداخل بين الذكرى والعمل المجتمعي يمنح المناسبة بعدا عمليا بعيدا عن الخطابات، حيث يجعلها أقرب إلى تجربة معيشة يومية.
من الذكرى إلى العيد: انتقال نحو الفرح
ومع اقتراب نهاية شهر رمضان، تبدأ ملامح التحول التدريجي في أجواء المدينة، حيث تنتقل الحالة العامة من التركيز على الذكرى إلى التحضير لاستقبال عيد الفطر السعيد . هذا الانتقال لا يلغي المشاعر السابقة، بل يضيف إليها بعدا جديدا يجمع بين التأمل والفرح.
في شوارع اللاذقية وصولا بمدينة جبلة تبدأ زينة العيد بالظهور، وتزداد حركة الناس في الأسواق، وكأن المدينة تعيد ترتيب أولوياتها لتفسح المجال لمساحة من البهجة، يحتاجها الجميع بعد فترة طويلة من الضغوط.
تحضيرات العيد: فرح رغم ضيق الحال
تشهد الأسواق مثل سوق هنانو وأحياء الرمل والصليبة وصولا إلى سوق المقبي بجبلة حركة ملحوظة مع اقتراب العيد، رغم التحديات الاقتصادية التي يواجهها السكان. إذ يخرج الناس للتسوق ضمن إمكانياتهم المحدودة، محاولين تأمين احتياجاتهم الأساسية التي تضفي طابع العيد على منازلهم.
يقول أحد الباعة لسيريا ” مورس”: إن الناس تشتري بالقليل، لكنها مصرة على الشراء مشيرا إلى أن الحفاظ على طقوس العيد أصبح أولوية لدى الكثيرين، حتى في ظل الغلاء.
مضيفا أن هذا الإصرار يظهر أيضا في تفاصيل صغيرة، مثل اختيار ملابس متواضعة للأطفال، أو شراء كميات محدودة من الحلويات، مبينا أنها كافية لخلق أجواء مميزة داخل المنزل.
تستمر الطقوس المتوارثة في بسط دفئها داخل البيوت، حيث تنهمك العائلات في تحضير كعك العيد والحلويات التقليدية، بأجواء تمزج بين عناء العمل ولذة الاجتماع العائلي. هذه العادات التي تناقلتها الأجيال لم تكن مجرد ممارسات عابرة، بل صمدت أمام المتغيرات المتسارعة لتكتسب دلالات وجدانية أكثر عمقا في الوقت الراهن.
من جانبها أشارت السيدة منى إلى أن التحضير لاستقبال العيد بات يشكل ضرورة نفسية تلح على الوجدان قبل أن تكون مجرد ممارسة اعتيادية، مؤكدة أن تلك اللحظات تمنح العائلة إحساسا بالاستقرار النفسي والسكينة، ولو في إطارها المؤقت.
كما بينت أن هذه الجلسات الصباحية والمسائية تتحول في كثير من الأحيان إلى مساحة رحبة لتبادل الأحاديث واستعادة الذكريات المنسية، الأمر الذي يساهم في تمتين الروابط الأسرية إضافة إلى إعادة إحياء روح الجماعة التي تجمع الشتات العاطفي حول مائدة واحدة.
اقتصاد التضامن: حلول من الناس للناس
في ظل الضغوط المعيشية، ظهرت مبادرات محلية تهدف إلى تخفيف الأعباء عن الأهالي. بعض المحال قدمت تخفيضات على الألبسة والحلويات ، بينما اعتمدت بعض العائلات على تبادل الدعم فيما بينها، سواء من خلال مشاركة المواد الغذائية أو المساعدة في تأمين احتياجات العيد.
هذا النمط من التعاون يعكس قدرة المجتمع على التكيف، ويؤكد أن التضامن ما زال حاضرا كأحد أهم أدوات مواجهة الأزمات.
في النهاية ترسم اللاذقية في هذه الأيام صورة مركبة، تجمع بين استحضار الذاكرة واستقبال الفرح. ليست مفارقة بقدر ما هي تعبير عن واقع يحاول فيه الناس التوازن بين ما كان وما هو كائن.
بين ذكرى آذار وتحضيرات العيد، يعيش الأهالي لحظة خاصة، تتداخل فيها المشاعر، لكن يبقى فيها خيط واضح وهو الرغبة في الاستمرار، والتمسك بالحياة رغم كل شيء.


