بعد عام على معركة ردع العدوان… حلب تستعيد ذاكرتها وتعلن بداية سوريا الجديدة
أحيت مدينة حلب الذكرى الأولى لتحرير سوريا بفعاليات جماهيرية واسعة امتدت على مدى يومين، شارك فيها عشرات الآلاف من أبناء المحافظة من مختلف الأعمار والمناطق. وتنوعت مظاهر الاحتفال بين المسيرات الشعبية والعروض الفنية والعسكرية، في مشهد أعاد إلى المدينة أجواء الحياة التي غابت عنها لسنوات طويلة.
المدينة التي لم تنم
لم تكن حلب كغيرها من المدن السورية في إحياء هذه المناسبة، إذ غصت شوارعها بالمواكب والسيارات منذ مساء السابع من كانون الأول، حيث ارتفعت الأعلام وصدحت الأغاني الوطنية في الأحياء والأسواق والأرياف المحيطة.
وفي اليوم التالي، توافدت الحشود إلى ساحة سعدالله الجابري وسط المدينة، لتشارك في احتفال مركزي جمع بين الفن والرمز الوطني، واستمر حتى ساعات متأخرة من الليل.
في تلك الليلة، بدت المدينة وكأنها تستعيد نبضها الأول؛ مزيج من الفرح والامتنان وعودة الحياة إلى شوارع طالها الصمت طويلا.
احتفال ساحة سعدالله الجابري
شهدت الساحة الرئيسية في حلب فعالية احتفالية واسعة، تخللتها عروض موسيقية وفقرات فنية للأطفال وأخرى إنشادية ومسرحية استحضرت مشاهد من الذاكرة السورية.
تزينت الساحة بالأعلام والإضاءات، بينما أضاءت الألعاب النارية سماء المدينة، في وقت جرى فيه بث مباشر لاحتفالية دمشق عبر شاشات ضخمة نصبت في الساحة، لتتوحد الأجواء بين العاصمة وحلب.
كما أقيم عرض عسكري شاركت فيه وحدات من الجيش وقوات الأمن العام، انطلق على الأوتوستراد الغربي باتجاه قلب المدينة، مرورا بقلعة حلب التاريخية، بحضور محافظ حلب وعدد من المسؤولين المحليين.
أصوات من قلب الاحتفال
في الشوارع المكتظة بالمواطنين، امتزجت الأصوات في نشيد واحد.
محمد، شاب ثلاثيني، قال وهو يلوح بالعلم وسط الحشود:
“إنه يوم استعادة الكرامة. بعد سنوات طويلة من التعب، نرفع رؤوسنا من جديد ونشعر بأن الوطن يعود إلينا كما كنا نحلم.”
أما ليلى، التي كانت تقف مع أسرتها في الساحة، فقالت بابتسامة واثقة:
“قبل عام كانت المدينة مثقلة بالصمت، واليوم امتلأت بالحياة. الأسواق مزدحمة، والموسيقى في كل مكان… إنها حلب التي نعرفها.”
بينما عبر سامي، أحد المشاركين في المسيرة، عن مشاعره قائلا:
“فرحة التحرير ليست ليوم واحد، بل شعور متجدد. كل زاوية من المدينة تذكرنا بأننا تجاوزنا الأصعب.”
سارة، سيدة خمسينية عادت حديثا إلى منزلها في حي الشعار، قالت:
“كنت أنتظر هذا اليوم منذ سنوات. أن أرى مدينتي آمنة وأحفادي يلعبون في الشوارع بلا خوف. هذا وحده كاف لأن نحمد الله كل يوم.”
حلب ما بعد التحرير
بعد عام على التحرير، بدأت ملامح الحياة الطبيعية تعود تدريجيا إلى المدينة وريفها.
فقد شهدت الأحياء الشرقية والغربية، إضافة إلى القرى المحيطة، عودة عشرات الآلاف من السكان إلى منازلهم، بينما تواصل ورشات الإعمار المحلية أعمال ترميم المباني المتضررة وإعادة تأهيل البنى التحتية.
الأسواق التقليدية مثل سوق المدينة القديمة وسوق الزهراوي استعادت نشاطها تدريجيا، فيما تحسن واقع الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والمواصلات، إلى جانب توفر أفضل لمواد الطاقة كالغاز والمازوت والبنزين مقارنة بالسنوات الماضية.
وتعمل محافظة حلب على تنفيذ مشاريع خدمية جديدة في مجالات التعليم والصحة والاتصالات والنظافة، وتشير بيانات مجلس المدينة إلى أن نسب الإنجاز في بعضها تجاوزت 70 في المئة، ما يعكس تسارع وتيرة التعافي.
حلب… اول طريق التحرير
مع فجر السابع والعشرين من تشرين الثاني عام 2024، بدأت العمليات العسكرية التي أطلق عليها اسم “ردع العدوان” من ريف إدلب باتجاه غرب حلب، لتتحول خلال أيام إلى معركة حاسمة غيرت مسار الأحداث في البلاد.
فقد تمكنت القوات المشاركة من السيطرة على مفاصل رئيسية داخل المدينة، في خطوة وصفت حينها بأنها نقطة التحول التي فتحت الطريق نحو استعادة الاستقرار في بقية المحافظات السورية.
ومع امتداد العمليات إلى حماة وحمص ثم دمشق، كان الثامن من كانون الأول محطة رمزية أعلنت نهاية مرحلة وبداية أخرى عنوانها “التحرير وإعادة البناء”.
مدينة تستعيد ذاكرتها
اليوم، بعد عام على تلك الأحداث، تبدو حلب مدينة نابضة بالحياة، تستعيد تدريجيا دورها الثقافي والاقتصادي والصناعي والاجتماعي كقلب الشمال السوري.
الاحتفالات التي عمت أرجاءها لم تكن فقط احتفاء بذكرى التحرير، بل إعلانا عن بدء مرحلة جديدة يسعى فيها السوريون لترميم ما هدمته الحرب، واستعادة معنى الوطن في تفاصيل الحياة اليومية.
من حلب التي قاومت واحتفلت، يبدأ طريق سوريا الجديدة نحو مستقبل أكثر استقرارا ووحدة


