تتجه انظار السوريين إلى مبنى البرلمان في العاصمة دمشق بعد ان ظل مغلقا لأكثر من أحد عشر شهراً، ما خلف فراغاً دستورياً وسياسياً منذ سقوط النظام السابق
واليوم، ومع إعلان نتائج الانتخابات واختيار أعضاء أول مجلس شعب في سوريا الجديدة، تتجدد الآمال بولادة تجربة ديمقراطية مختلفة ومؤسسات تمثيلية قادرة على معالجة أزمات البلاد المتراكمة
المجلس المنتخب حديثا يقف أمام مطالب شعبية واسعة تمتد من إعادة بناء الدولة إلى إصلاح الاقتصاد وضمان العدالة الاجتماعية والمساءلة. والسؤال: كيف سيكون شكل هذا المجلس، وهل سيتمكن من تقديم نموذج سياسي يلامس تطلعات السوريين بعد سنوات الانقسام والمعاناة؟
كيف تمت الانتخابات؟
جرت الانتخابات وفق المرسوم الرئاسي رقم 143 لعام 2025 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع لتنظيم العملية الانتقالية، محددا مهام اللجنة العليا للانتخابات واللجان الفرعية في المحافظات وتمت العملية على أساس نظام انتخابي مؤقت يقوم على الانتخاب غير المباشر، بحيث اختير ثلثا أعضاء المجلس عبر هيئات انتخابية محلية تمثل المحافظات والنقابات والاتحادات المهنية، فيما عين الثلث المتبقي بمرسوم رئاسي لضمان تمثيل أوسع لمكونات المجتمع وقد وصفت اللجنة العليا للانتخابات العملية بانها هادئة ومنظمة، واعتبرتها خطوة أولى لإعادة الحياة الدستورية الى مؤسسات الدولة
من يحق له الترشح والانتخاب
حدد المرسوم شروط الترشح لعضوية مجلس الشعب بان يكون المرشح سوريا مقيماً في البلاد أتم الثلاثين من عمره ويتمتع بحقوقه المدنية والسياسية أما حق الانتخاب فاقتصر مؤقتا على الهيئات الانتخابية المحلية، وهي مجالس تمثل شرائح المجتمع المختلفة، وذلك ريثما تستكمل قاعدة بيانات الناخبين وتحدث السجلات المدنية في جميع المحافظات ،بهذا الشكل شكلت الانتخابات خطوة انتقالية نحو استعادة الحياة التشريعية بانتظار المرحلة المقبلة التي يفترض ان تعيد تنظيم العملية السياسية على أساس انتخابات عامة وشاملة
لماذا لم ينتخب الشعب مباشرة
اختيار نظام الانتخاب غير المباشر لم يكن قراراً سياسياً بحتاً بل خياراً فرضته طبيعة المرحلة الانتقالية. فبعد سنوات الحرب والنزوح لا تزال البلاد تفتقر الى بنية انتخابية متكاملة وسجلات دقيقة للناخبين، فضلا عن غياب بيئة لوجستية تسمح بمشاركة السوريين في الداخل والخارج على قدم المساواة
ووفق المصادر الرسمية جاء هذا الترتيب كحل عملي يسمح بإطلاق عمل البرلمان دون انتظار اكتمال الشروط الدستورية الكاملة. ومع ذلك يرى مراقبون أن حصر الانتخاب في الهيئات المحلية يقلل من التمثيل الشعبي المباشر ويمنح السلطة التنفيذية نفوذا أوسع في اختيار أعضاء المجلس
رأي خبير قانوني: سعيد المحمد
يقول الخبير القانوني سعيد المحمد أن النظام الانتقالي قد يفرض آليات استثنائية، لكنه لا يمكن ان يتحول إلى قاعدة دائمة ،ويرى ان الانتخابات غير المباشرة يمكن تفهمها في ظل غياب البنية الانتخابية الشاملة، لكنها يجب ان تكون مرحلة مؤقتة واضحة المدة والمعالم تنتهي بانتخابات شعبية عامة بعد استقرار الأوضاع الأمنية والإدارية ،ويضيف أن نجاح المجلس الجديد يتوقف على مدى قدرته في تحويل هذا التفويض المؤقت إلى عملية بناء مؤسسات حقيقية لا مجرد إجراء شكلي يملأ الفراغ الدستوري
صلاحيات المجلس ومدى قدرته على تعديل الدستور
يعمل المجلس ضمن إطار دستوري مؤقت يمنحه صلاحيات تشريعية تشمل اقتراح القوانين والمصادقة على الموازنة العامة والاتفاقيات الدولية ومراقبة أداء الحكومة، لكنه لا يمتلك صلاحية تعديل الدستور
تنص الوثيقة الدستورية الانتقالية على أن صياغة الدستور الدائم أو تعديله ستناط بلجنة تأسيسية خاصة يتم تشكيلها لاحقاً، على أن يعرض مشروعها للاستفتاء الشعبي العام
وبذلك تقتصر مهمة المجلس الحالي على سن التشريعات العامة والرقابة السياسية، فيما تبقى المسائل الدستورية الكبرى خارج نطاق صلاحياته المباشرة
رأي خبير قانوني: محمد العبدالله
يؤكد الخبير الدستوري محمد العبدالله أن الصلاحيات الممنوحة للمجلس الجديد تشكل خطوة ضرورية لإعادة الحياة التشريعية الى مؤسسات الدولة، لكنها تظل محكومة بسقف المرحلة الانتقالية ويشير الى ان المجلس لا يملك سلطة تعديل الدستور او إقرار نصوص بديلة عنه، مشددا على ان ذلك يحتاج الى مشاركة وطنية واسعة عبر لجنة تأسيسية منتخبة أو متوافق عليها ،ويضيف العبدالله أن الواجب الأول للمجلس هو بناء الثقة مع الشارع السوري وإرساء مبادئ الشفافية والمساءلة، لا الدخول في صراعات دستورية مبكرة قد تربك المشهد السياسي قبل اكتمال الاستقرار
التوزيع الجغرافي لمقاعد مجلس الشعب
بحسب المرسوم الرئاسي رقم 143 لعام 2025 والقرار التنظيمي للجنة العليا للانتخابات، حدد عدد أعضاء المجلس بواقع 210 أعضاء يمثلون جميع المحافظات السورية، بينهم ثلث يعين بمرسوم رئاسي وثلثان ينتخبون عبر الهيئات المحلية ،وجاء توزيع المقاعد وفق معيار الكثافة السكانية والوزن الإداري، فكانت حلب في الصدارة باثنين وثلاثين مقعدا،ً تليها دمشق وريفها باثنين وعشرين مقعداً (منها عشرة للعاصمة واثنا عشر للريف)
كما خصص لكل من حمص وحماة وإدلب اثنا عشر مقعدا، ولكل من الحسكة ودير الزور عشرة مقاعداً، أما الساحل السوري فحصلت اللاذقية على سبعة مقاعد وطرطوس على خمسة، في حين نالت درعا والرقة ستة مقاعد لكل منهما، والسويداء والقنيطرة ثلاثة مقاعد لكل محافظة
التحديات التي تواجه المجلس وصوت الناس
مع انطلاق عمل البرلمان تتوجه الأنظار الى الملفات المعيشية والأمنية التي تثقل كاهل المواطنين. فالشارع السوري اليوم لا ينتظر الوعود بل يريد افعالا تنعكس على حياته اليومية
يقول أبو خالد من ريف دمشق
“اكبر حلم عند السوري اليوم بيت يؤويه. الآف العائلات بلا مأوى، وأناس رحلوا عن الدنيا وكان حلمهم بيت صغير. العدالة الاجتماعية تبدأ من سقف فوق الرأس”
أما سلمى العبدالله من حلب فترى أن المجلس الجديد يجب أن يضع حداً لزمن التشبيح والمظاهر الفارغة، مضيفة ان السيارات المفيمة والمواكب المزعجة والسلطة الفوضوية يجب أن تختفي مع النظام القديم
ويؤكد ياسر ديب من ريف حماة أن الوضع الخدمي في الريف متدهور جداً مقارنة بالمدينة، مشيراً إلى أن الكهرباء والمياه والطرقات تحتاج إلى إعادة تأهيل عاجلة
:فيما يتحدث رامي الصالح من دمشق عن جيله قائلا
“مواليد التسعينات ضاع عمرهم بين الحرب والخوف من الجيش، واليوم لا زواج ولا عمل ولا مستقبل. إذا لم يجد المجلس حلا فسوريا تخسر شبابها الحقيقيين
وتوضح ليلى الحسن من حمص ان الراتب لا يكفي سبوعاً واحدا، فكيف يعيش الموظف براتب مليون بينما ايجار البيت يتجاوز المليونين؟ قبل أي حديث عن تنمية يجب معالجة الغلاء
أما محمود الزين من درعا فيؤكد أن الأمان هو الأساس. الناس تريد شرطة محترفة تتعامل بأدب ومسؤولية لا مظاهر سلاح ولا فوضى. وعودة هيبة القانون هي البداية لكل اصلاح
:ويختم عبد الرحمن خضير من ادلب قائلا
“أول اختبار أمام المجلس هو استعادة ثقة الناس. عندما يقصى المواطن عن الانتخاب او الترشح، كيف سيصدق أن البرلمان يمثله؟ الشرعية لا تمنح بل تكتسب بالعمل والصدق.”
أمام أول برلمان سوري بعد سقوط النظام مهمة شاقة تتجاوز كتابة القوانين إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، فالمجلس لا يقاس بعدد الجلسات أو البيانات بل بمدى استجابته لحاجات الناس وقدرته على تحقيق العدالة الاجتماعية والأمن والاستقرار
وبين الآمال والشكوك يقف البرلمان الجديد أمام اختبار حقيقي ليبرهن أن عهد المجالس الصورية قد انتهى، وأن سوريا تدخل مرحلة مختلفة عنوانها المساءلة والمواطنة والحق في المشاركة


