تتحول أسواق مدينة حلب مع اقتراب عيد الفطر السعيد إلى مرآة تعكس واقعا اقتصاديا صعبا، خاصة بعد أن استنزفت العائلات الحلبية مصاريف الشهر الفضيل وما تبقى معها من مدخرات، ورغم الازدحام الذي تشهده أسواق الملابس في مدينة حلب، إلا أن الابتسامات تغيب عن وجوه المتسوقين الذين يصطدمون يوميا بارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية.
وخلال جولة مراسل “سيريا مورس” في أسواق حلب لرصد آراء المواطنين الذين أجمع معظمهم على أن الدخل “المحدود” لا يواكب أسعار الألبسة المرتفعة، في ظل غياب أي رقابة جدية على الأسواق.
البحث عن أرخص الأسعار
السيدة نسرين العمرو، أم لخمسة أطفال، كانت واحدة من آلاف الأمهات اللواتي يجتهدن لتأمين فرحة العيد لصغارها، تقول نسرين لـ”سيريا مورس”: “استنزفت مدخراتي البسيطة لشراء بعض الألبسة الجديدة للأطفال، تجولت لمدة أربعة أيام في أسواق الفرقان وسيف الدولة وسوق التلل، لكنني في النهاية اخترت الشراء من سوق أدونيس لأنه الأرخص مقارنة بباقي الأسواق، ومع ذلك أسعار الألبسة كانت كبيرة جدا”.
وتوضح السيدة أنها تعمل من منزلها في مشروع صغير لصناعة الأكسسوارات وبيعها، لتتمكن من تدبير مصاريف العيد. وبجهود مضنية استطاعت شراء بعض ملابس العيد لأطفالها.

أرقام موثقة
وعن تفاصيل أسعار الألبسة، تتنهد العمرو التي تكني نفسها بـ “أم محمد” لتروي تفاصيل معاناتها مع فاتورة العيد، وتقول إن التكلفة الإجمالية لثمن ألبسة ابنتها الكبرى أمل 18 عاما بلغت نحو 800 ألف ليرة، حيث استطاعت شراء توينز بسعر 225 ألف ليرة، وحذاء بـ110 آلاف، وشال بـ30 ألف ليرة، وبيجامة بـ250 ألف، بالإضافة إلى مبلغ 150 ألف ليرة سورية لشراء قميص.
أما أسعار ألبسة العيد لابنتها لارا 13 عاما، كلفتها مليون ليرة سورية كاملة، حيث اشترت لها طقم العيد بـسعر 600 ألف ليرة، وحذاء 100 ألف، وبنطال 100 ألف، وبيجامة بسعر 200 ألف ليرة سورية، في حين بلغت أسعار ألبسة العيد لابنها عمار 8 سنوات، ما يقارب 700 ألف ليرة، إذ بلغ سعر طقم العيد 400 ألف، وحذاء 60 ألف، وبيجامة 125 ألف، بالإضافة إلى بنطال جينز بسعر 85 ألف ليرة سورية.

وبالانتقال إلى أسعار ألبسة أصغر أطفالها أحمد عمره 5 سنوات، فبلغ سعر طقم العيد 350 ألف ليرة، وحذاء بسعر 60 ألف، وبيجامة 125 ألف، وبنطال جينز 75 ألفا، والألبسة الداخلية وحدها كلفتها 100 ألف ليرة. أي أن المبلغ الإجمالي لأصغر أطفالها بلغ أكثر من 700 ألف ليرة سورية.
وتختم أم محمد حديثها “كثير من العائلات التي أعرفها ستشتري قطعة واحدة فقط لكل طفل، أو ستستدين لتكمل مصاريف العيد، الجميع يتألم، لكن العيد يجب أن يأتي بأي ثمن؟” وتضيف لسنا ضد التجار، لكن نريد أسعارا تتناسب مع دخلنا البسيط، العيد فرحة ولا يجب أن تتحول إلى كابوس.

تراجع القدرة الشرائية
وبعملية حسابية صغيرة فإن تكلفة ملابس العيد من الجودة المتوسطة لأربعة أطفال بلغت أكثر من 3 ملايين ليرة سورية، وهو مبلغ كبير جدا مقارنة بمتوسط الدخل في مدينة حلب التي تعاني من ترد اقتصادي، ويذكر أن مدينة حلب التي كانت تلقب بـ”عاصمة الاقتصاد السوري” تعيش اليوم واقعا معيشيا صعبا، حيث تتراجع القدرة الشرائية للمواطنين يوما بعد يوم، فيما تستمر الأسعار بالارتفاع مع كل مناسبة.
جولات رقابية
في المقابل، كثفت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حلب من جولاتها الرقابية على محلات بيع الألبسة في الأسواق الرئيسية، وذلك في مسعى لضبط الأسعار ومنع أي ممارسات استغلالية قد تطال جيوب المواطنين تزامناً مع ازدياد الطلب على شراء مستلزمات العيد.
وتقوم دوريات المديرية بجولات ميدانية تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، تركز خلالها على متابعة مدى التزام الباعة بإعلان الأسعار بشكل واضح على القطع المعروضة، إلى جانب التدقيق في الفواتير النظامية للتأكد من مشروعية البضائع ومن مصادرها، إضافة إلى مراقبة جودة الألبسة ومطابقتها للمواصفات.

من جانبه، حمل بلال الأخرس مدير المكتب الإعلامي في مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك بحلب التجار المسؤولية الأساسية عن هذا الارتفاع، وأوضح في تصريح لـ “سيريا مورس” أن دوريات التموين كثفت جولاتها الرقابية على الأسواق والبسطات الشعبية، حيث يتم إلزام الفعاليات التجارية بالإعلان عن الأسعار بالعملتين القديمة والجديدة، والتدقيق بالفواتير النظامية للتأكد من مطابقتها للأسعار المعلنة وهامش الربح المسموح به.
حملات ليلية
وبين مدير المكتب الإعلامي أن الجولات تأتي في إطار خطة متكاملة وضعتها المديرية لمراقبة الأسواق خلال فترة الأعياد، حيث يتم التركيز على القطاعات التي تشهد حركة شراء كثيفة، وعلى رأسها قطاع الألبسة، وأن الفرق الرقابية تعمل على مدار الساعة، وأن الحملات الليلية تهدف إلى مفاجأة بعض التجار الذين قد يحاولون استغلال الازدحام والإقبال الكبير لرفع الأسعار بشكل غير مبرر، مشيرا إلى أنه يتم تنظيم الضبوط التموينية بحق كل من يخالف القوانين والتعليمات، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه فورا.

وأضاف الأخرس أن المديرية حريصة على تحقيق أعلى درجات الانضباط في الأسواق، ولن تتهاون في تطبيق القانون بحق أي تاجر يثبت تلاعبه بالأسعار أو احتكاره للسلع أو بيعه لألبسة غير مطابقة للمواصفات. ودعا المواطنين إلى الإبلاغ عن أي شكوى أو مخالفة عبر الأرقام المخصصة للتواصل مع المديرية، للمساهمة في جهود ضبط السوق وحماية حقوق المستهلك.


