الرئيسيةسوريااللاذقيةبين حلم الشباب وعراقة الأرض: جبلة تلملم جراحها

بين حلم الشباب وعراقة الأرض: جبلة تلملم جراحها

​تخيم على مدينة جبلة الساحلية، تلك الرابضة بوقار تاريخي على كتف المتوسط، سحابة ثقيلة من الحزن الوجداني والأسى العام، إثر الحادثة الأليمة التي فجعت قلوب السوريين ليل أمس. إن رحيل أربعة من شباب المدينة في واقعة هزت الضمير الجمعي لم يكن مجرد خسارة بشرية عابرة، بل تحول إلى جرح غائر في جسد المجتمع الذي يرى في شبابه الركيزة الأساسية لمستقبله الواعد، وفي أرضه مستودعا لحضارة ضاربة في عمق التاريخ الإنساني. هذه الفاجعة تستوجب اليوم وقفة تأمل عميقة تزاوج بين أقصى درجات التعاطف الإنساني مع العائلات المكلومة، وبين القراءة الواقعية والمنطقية للواقع الأثري والجيولوجي لهذه المدينة العريقة، بعيدا عن أي سياق قد يقلل من قيمة هؤلاء الراحلين الذين قادهم الشغف أو البحث عن غد أفضل إلى مصير لم يكن في الحسبان، فالفقد واحد والمصاب يمس كل بيت في هذه المدينة الصابرة.

​نداءات الغيرة والوعي المجتمعي

​وبناء على هذا المصاب الجلل، ضجت الأوساط المحلية في جبلة عقب الحادثة مباشرة بنداءات صادقة تنضح بالوعي والغيرة، حيث انطلقت دعوات حثيثة من الأهالي والفعاليات الاجتماعية تحث الجميع على توخي الحذر الشديد والابتعاد الكلي عن مغامرات التنقيب الفردية التي تفتقر لأدنى مقومات الأمان. هذه التحركات لم تكن تهدف بأي حال من الأحوال إلى توجيه اللوم، بل انطلقت من دافع المحبة الصرفة والحرص على الأرواح الغالية التي لا تقدر بثمن، إذ إن أي خسارة بشرية تلم بالمدينة هي ثغرة في جدار مستقبلها لا يمكن تعويضها بكنوز الدنيا قاطبة.
ويؤكد أبناء جبلة في رسائلهم الموجهة للعموم أن باطن هذه الأرض لا يختزن سبائك ذهبية كما توهم بعض الأساطير الشعبية المتوارثة، بل يضم ما هو أسمى وأبقى ، حيث يضم الهوية الروحية والتاريخية للمنطقة، مما يجعل من المدينة بأكملها متحفا حيا يقبع تحت الأقدام، والعبث بنسيجه يمثل خطورة جسدية محققة قبل أن يكون ضياعاً لقيمة علمية وتاريخية لا تعوض.

​التراكم الحضاري وهشاشة البنية التحتية

​وعند الانتقال من البعد الاجتماعي إلى الزاوية الأثرية التخصصية، نجد أن مدينة جبلة المعاصرة تبرز كبنيان فريد تربع فوق طبقات حضارية متراكمة عبر آلاف السنين، مما جعل من جوفها بنية هندسية وجيولوجية شديدة التعقيد والحساسية البالغة. فالنمو العمراني عبر العصور المتعاقبة لم يقم على ردم المواقع التي سبقت، بل استند إليها وبني فوقها مباشرة، الأمر الذي خلف وراءه فراغات مهولة وقنوات مائية وأقبية قديمة أصابها الوهن والهشاشة مع مرور الزمن وتعاقب العوامل الطبيعية.
إن هذه الهياكل التحتية الغارقة في القدم لا تحتمل أي تدخلات بشرية عشوائية أو عمليات حفر تفتقر للدراسة الهندسية الدقيقة، إذ إن نقص الأكسجين الحاد وانبعاث الغازات السامة الناتجة عن التربة القديمة المغمورة، مضافا إليها احتمالية الانهيارات المفاجئة نتيجة تصدع الجدران الأثرية، يحيل أي محاولة للنزول إلى تلك الأعماق إلى مغامرة محفوفة بالموت المحقق. إن الطبيعة الإنشائية للمدينة القديمة جعلت من باطنها شبكة معقدة من السراديب والأنفاق التي تفتقر لأبسط مقومات التهوية والأمان، مما يحول أي محاولة دخول إليها إلى تهديد مباشر للحياة البشرية في تلك الظلمات.

​حقيقة الدفائن في المنظور العلمي

​وفي سياق متصل يصحح المفاهيم الخاطئة، يفيض الخبير الأثري الدكتور عزام العلي بتوضيحات هامة حول طبيعة المكتشفات في الساحل السوري عموما، مشيرا إلى أن كنوز جبلة الحقيقية تتركز في الرقم الفخارية، والنقوش الحجرية، والأدوات الزجاجية التي تروي تفاصيل الحياة اليومية والازدهار التجاري في العصور الفينيقية والرومانية.
ويشير الدكتور العلي إلى أن الاعتقاد الشائع بوجود كنوز ذهبية مدفونة يفتقر إلى أي أساس علمي أو منطق تاريخي، موضحا أن الحضارات التي تعاقبت على المنطقة اعتمدت في ازدهارها على التجارة البحرية والزراعة، ولم يكن من نهجها إخفاء الثروات من المعادن النفيسة في باطن الأرض كما تصوّره المخيلة الشعبية المتأثرة بحكايات الخيال.
مضيفا أن من هذا المنطلق، تكتسب دعوات الأهالي لوقف أعمال التنقيب العشوائي أهمية خاصة، إذ تنبع من إيمان عميق بأن الأرض تحتضن إرثا تاريخيا يعزز الهوية والانتماء القومي، لا ثراء سريعا موهوما. كما أن صون هذا الإرث لا يتحقق إلا بالحفاظ على سلامة الإنسان، باعتباره جوهر الحضارة ومنطلقها الأول.

​الإنسان هو الذهب الحقيقي لجبلة

​انطلاقا من هذه الحقائق، أشار الدكتور العلي إلى أن حالة التكاتف الاجتماعي المهولة التي أظهرها المجتمع الجبلاوي في هذه اللحظات العصيبة تعكس نبل هذا المعدن البشري وتماسكه الأصيل في وجه المحن ، حيث تحولت المجالس العامة ومنصات التواصل الاجتماعي إلى منارات حقيقية للتوعية وحماية ما تبقى من طاقات شابة يافعة، بالإضافة إلى أن الرسالة الجوهرية التي تتردد أصداؤها اليوم تتلخص في أن الشباب هم الذهب الحقيقي والكنز السيادي الذي لا يمكن التفريط به تحت أي ذريعة أو وهم مادي عابر.
ولفت الخبير العلي إلى أن الاعتزاز بما تحتويه الأرض من إرث حضاري عظيم يجب أن يتحول إلى جهد جماعي منظم لحماية هذا التراث وتوظيفه ضمن الأطر القانونية والسياحية الرسمية التي تعود بالنفع على المجتمع ككل، بعيدا عن المسالك الوعرة والمظلمة التي قد تودي بمزيد من الضحايا وتفجع مزيدا من الأسر. مبينا أن الوعي المجتمعي المتسلح بالعلم هو الدرع الحصين الوحيد الذي يحمي الأجيال من الانسياق خلف سراب الثراء المدفون تحت الأنقاض المتهالكة.

جبلة وفاء للحاضر والماضي

إن مدينة جبلة تلك الحاضرة التي تآخت مع هدير البحر وعبق التاريخ السوري القديم، تستحق منا اليوم أن نحمي أحلام أبنائها من الانزلاق خلف سراب الوعود المدفونة. فالحفاظ على أرواح الشباب هو أسمى درجات الوفاء للأرض وتاريخها، والتمسك بالوعي هو القنديل الذي سيضيء عتمة السراديب المنسية. ولتبقى هذه الحادثة الأليمة درسا قاسيا يعيد الاعتبار لقيمة الإنسان أولا.

لوريس عمران
لوريس عمرانhttps://syriamorse.com/author/ioreesomran/
تتمتع بخبرة تمتد لأكثر من عشرين عاما في التحرير الصحفي، إعداد التقارير، وتغطية الأحداث الاقتصادية والاجتماعية في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية. تميزت لوريس بقدرتها على كتابة المحتوى بدقة وتحليله بأسلوب مهني، إلى جانب مساهمتها في تطوير غرف التحرير لضمان جودة الأخبار والمقالات المنشورة. حاصلة على إجازة في التجارة والاقتصاد من جامعة تشرين، وبدأت مسيرتها المهنية في جريدة الثورة السورية عام 1996 حيث عملت محررة صحفية، ثم انتقلت إلى جريدة الحرية السورية عام 2017. كما عملت مراسلة لمجلات المجتمع الاقتصادي والمزمنة، وكتبت تقارير اقتصادية وتحليلية لموقع سينسيريا. خلال مسيرتها، أجرت مقابلات مع خبراء في الاقتصاد وغطت مجموعة واسعة من الأحداث المحلية والسياسية والاجتماعية، مع الحرص على تقديم مواد دقيقة وموضوعية. انضمت لوريس اليوم إلى شبكة سيريا مورس لتمثل صوت محافظة اللاذقية وتسهم بخبرتها ورؤيتها المهنية في إثراء التغطية الصحفية وتقديم محتوى إعلامي موثوق ومتميز.
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

مقالات أخرى للكاتب