الرئيسيةسورياحلببعد غياب خمسة عشر عاما سوق الإنتاج في حلب يفتح أبوابه من...

بعد غياب خمسة عشر عاما سوق الإنتاج في حلب يفتح أبوابه من جديد

في وقت لم تكن فيه المعارض الدولية أو فعاليات “إكسبو” قد ظهرت بعد، كان سوق الإنتاج الزراعي والصناعي في حلب واحدا من أبرز التقاليد الاقتصادية والاجتماعية التي ينتظرها الحلبيون والمغتربون والسياح كل عام. كان السوق بمثابة مهرجان وطني تعرض فيه مختلف الصناعات الغذائية والطبية والكيميائية والنسيجية والزراعية، ويشكل لوحة تعكس نبض الصناعة الوطنية في مدينة عرفت تاريخيا بأنها عاصمة الاقتصاد السوري.

اليوم، وبعد غياب دام خمسة عشر عاما، عاد السوق إلى الحياة في مدينة الحرير الصناعية، بنسخته الجديدة لعام 2025، حاملا روح المدينة القديمة بطابع حديث وتنظيم موسع.

مشاركة واسعة لشركات محلية وأجنبية

تميزت النسخة الحالية بمشاركة نحو مئة وستين شركة من مختلف القطاعات الاقتصادية، شملت الصناعات النسيجية والكيميائية والغذائية والدوائية والزراعية والتراثية، إضافة إلى حضور مستثمرين وشركات من خارج سوريا. هذا التنوع أعطى المعرض بعدا اقتصاديا جديدا يجمع بين الطابع الوطني والانفتاح على الشراكات الإقليمية والدولية.

وأكد الصناعي عماد راجي في حديث لـ”سوريا مورس” أن عودة السوق إلى الحياة تعد “فرصة لمعاينة أهمية الصناعات الوطنية ومواكبة التطور الإقليمي والعالمي في مجال الإنتاج المحلي”، مشيرا إلى أن “وجود هذا الحدث في حلب يعني الكثير للمدينة التي كانت وما زالت مركز الصناعة السورية”.

افتتاح يليق بتاريخ حلب

شهد حفل الافتتاح إقبالا كبيرا من سكان المدينة والزوار، حيث امتلأت ساحات العرض بالمنتجات المحلية والقطع التراثية الحلبية التي أعادت إلى الأذهان أجواء الأسواق القديمة. وأطلقت الألعاب النارية لتعلن الافتتاح الرسمي، كما أحيا المطرب مصطفى هلال حفلا فنيا قدم خلاله مجموعة من الوصلات والقدود الحلبية التي تفاعل معها الجمهور بحفاوة كبيرة.

وفي تصريح خاص، أكد محمد زيزان عضو مجلس إدارة غرفة صناعة حلب، على الأهمية التاريخية والاقتصادية لهذا الحدث، موضحا أن عودة سوق الإنتاج الصناعي بعد انقطاع طويل “تتوج جهودا كبيرة بذلتها الغرفة الصناعية لإعادة هذا التقليد الاقتصادي الذي يجمع الصناعيين والتجار والمستهلكين تحت سقف واحد”. وأضاف أن “الشركات المشاركة تمثل طيفا واسعا من الصناعات السورية، مما يعكس التنوع الإنتاجي في المدينة”.

تاريخ سوق الإنتاج الزراعي والصناعي في حلب

يحمل سوق الإنتاج في حلب تاريخا يمتد لأكثر من ستة عقود، إذ افتتح أول معرض له عام 1959 خلال فترة الوحدة بين مصر وسورية، وكان آنذاك من أبرز الأحداث الاقتصادية في البلاد. أُقيم على مساحة تقارب ثلاثين ألف متر مربع بمساهمة من بلدية حلب ومديرية الأوقاف، ليكون منصة سنوية لعرض المنتجات الزراعية والصناعية المحلية، ومقصدا للعائلات من مختلف المحافظات.

افتتح السوق برعاية رسمية وبحضور شخصيات اقتصادية عربية وسورية، وأعلن حينها أنه نواة للمعارض الإنتاجية الدائمة في الجمهورية العربية المتحدة، واختيار حلب لإقامته جاء تقديرا لمكانتها الاقتصادية والصناعية الرائدة.

تحول السوق إلى مهرجان اقتصادي وثقافي يجمع بين الصناعة والفنون، حيث كانت تقام فيه حفلات فنية ومعارض للفنون التشكيلية والمهن اليدوية والتراثية، وأصبح حدثا سنويا ينتظره الحلبيون حتى توقف نشاطه في السنوات الأخيرة قبل أن يعود مجددا عام 2025 بحلة جديدة تعيد له بريقه ودوره التاريخي.

ذكريات وحنين إلى الماضي

لم يقتصر المشهد على الطابع الاقتصادي، بل حمل بعدا عاطفيا واضحا بين زوار السوق الذين استعادوا ذكرياتهم القديمة معه.

سمر، مدرسة من حي الجميلية، قالت: “منذ طفولتنا كنا نأتي إلى هذا السوق مع العائلة، كان بالنسبة إلينا مناسبة سنوية ينتظرها الجميع، واليوم عودته جعلتنا نشعر أن جزءا من ذاك الزمن الجميل عاد من جديد”.

أما عبد الرحمن، تاجر مواد غذائية، فقال: “سوق الإنتاج جزء من هوية حلب الاقتصادية. هنا ترى الصناعات المحلية عن قرب وتشعر بقيمة المنتج الوطني”.

وأضافت حنين، مهندسة كيميائية: “الجميل في هذا السوق أنه يجمع الصناعي والباحث والمستهلك في مكان واحد، وهذا يشجع على التطوير والابتكار”.

فيما أشار فراس، موظف من حي السليمانية، إلى أهمية موقع السوق قائلا: “المكان في وسط المدينة، أي شخص يستطيع الوصول إليه بسهولة، وهذا ما يجعله نقطة التقاء لكل الحلبيين”.

وقالت مروى، ربة منزل: “أتيت مع أولادي مثلما كانت والدتي تأخذنا في صغرنا. السوق بالنسبة لنا ذاكرة، ورؤيته اليوم بهذا الشكل أمر يبعث الفرح في النفوس”.

عودة سوق الإنتاج في حلب ليست مجرد حدث اقتصادي، بل هي استعادة لجزء من الذاكرة الجماعية للمدينة التي طالما شكلت قلب الصناعة السورية. وبين أصالة الماضي وحداثة الحاضر، يعود هذا السوق ليؤكد أن حلب ما زالت قادرة على النهوض واستعادة مكانتها، مدينة للحرير والصناعة والإبداع، وموطنا للهوية الاقتصادية السورية في أبهى صورها.

أنس رمضان
أنس رمضانhttps://syriamorse.com/author/anas91/
صحفي في شبكة سيريا مورس الإخبارية أنس رمضان صحفي وإعلامي سوري يتمتع بخبرة تزيد عن 14 عاما في مجال الصحافة الميدانية والتغطية الإخبارية. عمل مراسلا لوكالات محلية ودولية، حيث قدم تقارير حصرية عن الأحداث السياسية والثقافية والإنسانية في حلب وغيرها من مناطق سوريا، وغطى مباشرة أحداثا بارزة مثل أعقاب زلزال حلب وافتتاح الأسواق المحلية. تميز أسلوبه بالتحقيق المتعمق وإجراء المقابلات مع شخصيات سياسية وفنية ورياضية، مما يجعل تغطيته مصدرا موثوقا للقارئ الباحث عن الدقة والمصداقية. حاصل على شهادة الماجستير في علم نفس الإعلام ودبلوم في صحافة البيانات، وعضو في اتحاد الصحفيين السوريين والاتحاد الدولي للصحفيين. انضم إلى شبكة سيريا مورس ليمثل صوت محافظة حلب، ويساهم بخبرته في إثراء التغطية الصحفية والتحقيقات الميدانية ضمن الشبكة.
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

مقالات أخرى للكاتب