الشرق الأوسط

سورية وروسيا في زمن البدائل دبلوماسية التوازن وإعادة تعريف الشراكة.

تحميل المقال PDF
سورية وروسيا في زمن البدائل  دبلوماسية التوازن وإعادة تعريف الشراكة.
شبكة سيريا مورس الإخبارية

Morse AI

ملخص واستماع ذكي للمقال

الصوت مولّد بالذكاء الاصطناعي وليس صوتاً بشرياً.
لم تعد الذكرى الحادية عشرة للتدخل العسكري الروسي في سورية مناسبة لاستعادة مشاهد الحرب فقط. بل تطرح اليوم سؤالاً أساسياً حول مستقبل العلاقة السورية–الروسية في ظل التحولات التي شهدها موقع سورية الدولي في المرحلة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد.

ففي 30 أيلول/سبتمبر 2015 بدأت روسيا تدخلها العسكري المباشر في سورية، لتصبح خلال السنوات التالية أحد أهم الداعمين العسكريين والسياسيين للنظام السابق. واليوم، بعد أحد عشر عاماً على ذلك التدخل، تغيّرت سورية، وتغيّرت السلطة، وتغيّرت البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها، كما تغيّرت خيارات دمشق نفسها.

وفي هذه اللحظة تحديداً، أعادت الشبكة السورية لحقوق الإنسان فتح ملف المسؤولية الروسية عن الانتهاكات التي وثقتها خلال سنوات التدخل. ووفق بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد وثّقت انتهاكات منسوبة إلى القوات الروسية أسفرت عن مقتل 6993 مدنياً، بينهم 2061 طفلاً و984 سيدة، إضافة إلى 363 مجزرة و1262 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، بينها مدارس ومنشآت طبية وأسواق. وطالبت الشبكة روسيا بالاعتراف بالمسؤولية، وجبر الضرر، والتعاون مع آليات المساءلة، مؤكدة أن تغير السلطة في دمشق لا ينهي، من وجهة نظرها، الالتزامات المترتبة على الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الروسية.

وهنا تبدأ المسألة الأكثر تعقيداً:

كيف تستطيع سورية أن تطالب روسيا بتحمل مسؤولياتها عن الماضي، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقة دولة بدولة مع قوة دولية مؤثرة، بينما أصبحت أمامها اليوم خيارات وشراكات غربية وأوروبية لم تكن متاحة بهذه الصورة خلال سنوات التدخل الروسي؟

الجواب، في تقديري، يكمن في مفهوم واحد:

دبلوماسية التوازن.

  • من دبلوماسية الضرورة إلى دبلوماسية الخيارات

خلال المرحلة السابقة، كانت علاقة دمشق بموسكو محكومة إلى حد كبير بمنطق الضرورة.

كان النظام السابق يعتمد على روسيا عسكرياً وسياسياً، وكانت موسكو تمتلك حضوراً واسعاً في القرار السوري، ولا سيما في المجال العسكري والأمني والدبلوماسي.

أما سورية الجديدة فتدخل المرحلة الحالية في ظروف مختلفة.

وبحسب ما أعلنته الجهات الأميركية المعنية في 24 آب/أغسطس 2026، أُلغي رسمياً تصنيف سورية كدولة راعية للإرهاب بعد انتهاء فترة المراجعة، ما أنهى أحد أبرز القيود التي كانت تعوق اندماج سورية في النظام المالي والاقتصادي الدولي.

ولم يتوقف التحول عند هذا الحد.

ففي 30 أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إزالة سورية من قائمة الدول الخاضعة لسياسة الرفض الشامل في إطار لوائح تجارة الأسلحة الأميركية، على أن تدخل القاعدة الجديدة حيز التنفيذ في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، بما يسمح بالنظر في طلبات نقل المواد والخدمات الدفاعية إلى سورية على أساس كل حالة على حدة.

وهذا لا يعني تلقائياً حصول سورية على أسلحة أميركية أو قيام تحالف عسكري أميركي–سوري، لكنه يعني أن الباب القانوني والسياسي أصبح أكثر انفتاحاً أمام التعاون الدفاعي.

وهنا تتغير المعادلة.

فالدولة التي كانت مضطرة إلى الاعتماد على مورد أو شريك واحد في التدريب والتأهيل العسكري تستطيع اليوم أن تنظر إلى خيارات أوسع، بما فيها التعاون مع الولايات المتحدة وشركائها، وفق احتياجاتها الوطنية وقراراتها السيادية.

وهذا التحول لا ينبغي أن يُستخدم ضد روسيا، وإنما ينبغي أن يستخدم في بناء توازن تفاوضي جديد معها.

أوروبا تدخل المعادلة من بوابة الشراكة

التغيير لا يأتي من واشنطن وحدها.

فالتحول الأوروبي في العلاقة مع دمشق أصبح أكثر وضوحاً خلال عام 2026.

فالاتحاد الأوروبي أعاد في أيار/مايو تفعيل اتفاقية التعاون بين الاتحاد وسورية بصورة كاملة، بعد سنوات من تعليق أجزاء منها، كما عقد أول حوار سياسي رفيع المستوى مع دمشق، وواصل دعم الاستقرار والتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وفي 6 أيلول/سبتمبر، عاد الاتحاد الأوروبي إلى التمثيل الدبلوماسي على مستوى السفير في دمشق، بعد انقطاع دام أربعة عشر عاماً، في خطوة عكست انتقال العلاقة إلى مرحلة أكثر مؤسسية.

ثم جاءت زيارة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، إلى دمشق في 29 أيلول/سبتمبر، حيث أجرت لقاءات مع الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، واختتمت زيارتها بمؤتمر صحفي مشترك.

وفي حديثها، أكدت كالاس أن نجاح الانتقال السوري مهم لأوروبا، وأن الاتحاد يستخدم أدواته السياسية والاقتصادية لدعم المسار السوري، مشيرة إلى رفع العقوبات الاقتصادية واستعادة التطبيق الكامل لاتفاقية التعاون والحوار السياسي رفيع المستوى.

وهنا تظهر أمام دمشق فرصة استراتيجية:

أن تتحول العلاقات الأميركية والأوروبية من بدائل لموسكو إلى عناصر في منظومة توازن دولية أوسع.

لا ينبغي أن تتحول البدائل إلى محاور جديدة

وهنا تكمن النقطة الأهم.

إذا كانت سورية قد خرجت من مرحلة الاعتماد المفرط على روسيا، فإن الهدف لا ينبغي أن يكون الانتقال إلى اعتماد مفرط على الولايات المتحدة أو أوروبا.

فالاستقلال الحقيقي في السياسة الخارجية لا يعني استبدال محور بمحور.

بل يعني امتلاك القدرة على التعامل مع الجميع.

فكما أن روسيا لا ينبغي أن تكون صاحبة القرار في سورية، لا ينبغي لأي قوة أخرى أن تحل محلها في هذه الوظيفة.

وهنا يمكن صياغة القاعدة الجديدة:

روسيا شريك مؤثر، الولايات المتحدة شريك محتمل، أوروبا شريك استراتيجي، لكن القرار السوري يبقى سورياً.

وهذه ليست معادلة عدائية تجاه أي طرف.

إنها محاولة لبناء علاقة طبيعية بين دولة ذات سيادة وقوى دولية مختلفة.

تقرير الشبكة السورية: من ملف حقوقي إلى ملف تفاوضي

في هذا السياق، تكتسب مطالب الشبكة السورية لحقوق الإنسان أهمية سياسية تتجاوز البعد الحقوقي المباشر.

فالحديث عن الاعتراف بالمسؤولية، وجبر الضرر، وحفظ الأدلة، والتعاون مع آليات العدالة، لا ينبغي أن يُفهم بالضرورة على أنه دعوة إلى القطيعة مع روسيا.

بل يمكن أن يتحول إلى جزء من إعادة تعريف العلاقة نفسها.

فإذا كانت سورية تريد بناء علاقة جديدة مع موسكو، فإن من مصلحتها أن تكون هذه العلاقة واضحة تجاه إرث المرحلة السابقة.

وهنا يمكن لدمشق أن تقول لموسكو:

نحن لا نريد علاقة قائمة على الماضي، لكننا لا نستطيع بناء المستقبل عبر إنكار الماضي.

وهذه الصيغة تفتح الباب أمام مسار مختلف:

اعتراف بالمسؤولية، تعاون في التوثيق، مساهمة في جبر الضرر، ومشاركة في إعادة الإعمار، مقابل بناء علاقة سياسية واقتصادية جديدة بين دولتين.

وبذلك يصبح ملف الضحايا جزءاً من دبلوماسية الحلول وليس أداة لإعادة إنتاج الصراع.

روسيا ليست خارج المعادلة، لكنها لم تعد فوقها

التغير الأساسي الذي ينبغي أن تدركه موسكو هو أن سورية لم تعد الدولة التي كانت عليها في عام 2015.

فروسيا لا تزال تمتلك أوراقاً مهمة.

هي عضو دائم في مجلس الأمن، وتمتلك خبرات عسكرية وتقنية، ولها مصالح استراتيجية في المتوسط، ولها علاقات تاريخية مع مؤسسات الدولة السورية.

لكنها في الوقت نفسه لم تعد الطرف الوحيد القادر على تقديم الخيارات العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية لدمشق.

وهذا تحديداً ما يمنح سورية قدرة تفاوضية أكبر.

فإذا كان التدريب والتأهيل العسكري الروسي قد شكّل في مرحلة سابقة مساراً أساسياً، فإن الانفتاح الأميركي الجديد على التعاون الدفاعي يخلق خياراً إضافياً. وإزالة سورية من سياسة الرفض الشامل في تجارة الأسلحة الأميركية تعني أن باب التعاون الدفاعي أصبح من حيث المبدأ أكثر مرونة، وإن كان لا يعني حصولاً تلقائياً على معدات أو دعماً عسكرياً محدداً.

ومن هنا، لا ينبغي لدمشق أن تقول:

سنستبدل التدريب الروسي بالتدريب الأميركي.

بل:

سنمتلك خيارات تدريب وتأهيل متعددة، ونختار منها ما يخدم بناء المؤسسة العسكرية السورية.

وهذا فرق جوهري بين التبعية والتوازن.

البرنامج المشترك: الصيغة السورية المطلوبة

من هنا يمكن أن تطرح دمشق مع شركائها، روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهم، فكرة برنامج عمل مشترك لسورية.

برنامج لا يقوم على منح دولة امتيازات مطلقة، وإنما على تحديد:

  • – ما الذي تحتاجه سورية؟
  • – ماذا تستطيع كل دولة أن تقدم؟
  • – ما الالتزامات المتبادلة؟
  • – ما الضمانات القانونية؟
  • – ما العائد على الدولة السورية؟
  • – وكيف تمنع الاتفاقات الجديدة تكرار نموذج الامتيازات غير المتوازنة؟

وهذا البرنامج يمكن أن يشمل:

أمنياً: بناء مؤسسات عسكرية وأمنية وطنية، والتدريب والتأهيل ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود.

اقتصادياً: الطاقة والكهرباء والنقل والموانئ والاتصالات والصناعة.

مؤسسياً: تطوير الإدارة العامة والقضاء والحوكمة والبنية التشريعية.

تنموياً: إعادة بناء البنية التحتية ودعم القطاع الخاص والاستثمار.

دبلوماسياً: دعم إعادة دمج سورية في المؤسسات والنظام الدولي.

حقوقياً: العدالة الانتقالية، توثيق الانتهاكات، وحفظ حقوق الضحايا.

وهنا تتحول العلاقات الخارجية من مجموعة تفاهمات منفصلة إلى منظومة مصالح مترابطة.

معادلة “لا خاسر”

لا يمكن أن تكون العلاقات الدولية الجديدة قائمة على فكرة أن انتصار طرف يعني خسارة طرف آخر.

فإذا شعرت روسيا أن إعادة بناء سورية تعني إقصاءها بالكامل، فإنها ستبحث عن أدوات للحفاظ على نفوذها.

وإذا شعرت الولايات المتحدة أن سورية تعيد إنتاج نفوذ روسي سابق بصورة جديدة، فقد تتعامل مع دمشق بحذر أكبر.

وإذا شعرت أوروبا أن الأموال التي تقدمها لإعادة الإعمار لا تنتج مؤسسات مستقرة وشراكات شفافة، فقد تتباطأ عملية الانخراط.

لذلك فإن النموذج الأكثر قابلية للاستمرار هو:

سورية تربح، وروسيا تحتفظ بمصالح مشروعة، والولايات المتحدة تجد شريكاً مستقراً، وأوروبا تجد دولة قادرة على التعافي والتكامل الاقتصادي.

وهذا هو مفهوم “لا خاسر”.

ليس المقصود أن يحصل الجميع على كل شيء، وإنما أن تكون قواعد اللعبة واضحة بحيث لا يكون نجاح طرف قائماً على إلغاء الطرف الآخر.

الثقة هي رأس المال الحقيقي

زيارة كايا كالاس الأخيرة إلى دمشق تقدم مثالاً مهماً على أن العلاقة الأوروبية–السورية تتجه نحو بناء الثقة والحوار المؤسسي، وليس فقط تبادل المواقف السياسية.

وقد أكدت كالاس أن الاتحاد الأوروبي يتحرك بأدوات سياسية واقتصادية لدعم المرحلة الانتقالية، فيما تتجه العلاقات نحو مزيد من التنظيم المؤسسي.

وهذا النموذج يمكن أن تستفيد منه دمشق في علاقتها مع روسيا أيضاً.

فالثقة لا تُبنى عبر البيانات، وإنما عبر:

التزامات واضحة، وآليات تنفيذ، وشفافية، واحترام للسيادة، ومصالح متبادلة.

وإذا استطاعت سورية بناء هذه القاعدة مع أوروبا والولايات المتحدة وروسيا وتركيا والدول العربية والصين، فإنها ستتحول تدريجياً من دولة تبحث عن داعم إلى دولة تبحث عن شريك.

وهذا فرق كبير في مفهوم العلاقات الدولية.

ماذا تريد سورية من روسيا الآن؟

يمكن اختصار المصلحة السورية في العلاقة الجديدة مع موسكو في مجموعة محددة من الأولويات:

أولاً، الاعتراف بمسؤولية الدولة الروسية عن الانتهاكات التي تثبتها الآليات القانونية المختصة، والتعاون مع مسارات العدالة وجبر الضرر.

ثانياً، إعادة تعريف الوجود الروسي في سورية ضمن اتفاقات واضحة ومحددة، لا تمنح أي طرف سلطة تتجاوز السيادة السورية.

ثالثاً، تحويل التعاون العسكري من صيغة مرتبطة بالنفوذ السياسي إلى تعاون تقني وتدريبي يخدم بناء مؤسسة عسكرية وطنية.

رابعاً، إدخال الاستثمارات الروسية في إطار قانون الاستثمار السوري والمنافسة والشفافية، بما يضمن مصالح الطرفين.

خامساً، الحفاظ على قناة سياسية مفتوحة مع موسكو باعتبارها قوة دولية وعضواً دائماً في مجلس الأمن، من دون منحها حق الفيتو على الخيارات السورية الداخلية والخارجية.

وهنا يمكن أن تكون الرسالة السورية واضحة:

نريد روسيا شريكاً مؤثراً، لا وصياً؛ ومستثمراً، لا صاحب امتياز مطلق؛ وشريكاً أمنياً، لا صاحب قرار؛ ودولة تربطنا بها مصالح، لا علاقة تبعية.

سورية بين روسيا وأمريكا وأوروبا

المعادلة الجديدة ليست معركة بين روسيا والغرب على سورية بقدر ما ينبغي أن تكون فرصة لسورية لكي تستفيد من انفتاح الطرفين عليها.

فواشنطن لديها مصالح أمنية في مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي، وأصبحت أبواب التعاون الاقتصادي والدفاعي معها أكثر انفتاحاً بعد إزالة تصنيف سورية كدولة راعية للإرهاب وتعديل سياسة تصدير السلاح إليها.

والاتحاد الأوروبي لديه مصالح في الاستقرار والهجرة وإعادة الإعمار والطاقة والتجارة والأمن الإقليمي، وقد اتخذ خطوات مؤسساتية كبيرة باتجاه إعادة بناء العلاقة مع دمشق.

أما روسيا، فتملك موقعاً دولياً ومصالح استراتيجية وقدرات وخبرات لا يمكن تجاهلها.

لكن سورية ليست مطالبة بالاختيار بين هذه القوى.

بل يمكنها أن تجعل تنافس المصالح الدولية فرصة لتعظيم المصلحة السورية، شرط أن تكون قواعد العلاقة واضحة، وأن يكون القرار الوطني مستقلاً، وأن تكون العقود والاتفاقيات قائمة على الشفافية.

من “التوازن بين القوى” إلى “التوازن لمصلحة سورية”

الدبلوماسية المتوازنة لا تعني أن تقف سورية في منتصف المسافة بين موسكو وواشنطن وبروكسل في كل قضية.

فالتوازن ليس حياداً آلياً.

قد تتفق دمشق مع واشنطن في ملف أمني، ومع أوروبا في ملف اقتصادي، ومع روسيا في ملف دبلوماسي، ومع تركيا في ملف حدودي، ومع الدول العربية في ملف إعادة الإعمار.

المعيار ليس: مع من نحن؟

بل:

ماذا نريد؟ ومن يستطيع أن يساعدنا في تحقيقه؟ وما الثمن؟ وما الضمانات؟

هذه هي الدبلوماسية التي تحتاجها سورية.

الخاتمة: سورية الجديدة لا تبحث عن بديل لروسيا، بل عن بديل للتبعية

إن التحول الأكبر في السياسة الخارجية السورية اليوم ليس أن دمشق تنتقل من روسيا إلى الولايات المتحدة أو من موسكو إلى بروكسل.

التحول الحقيقي هو أنها تنتقل من دبلوماسية الضرورة إلى دبلوماسية الخيارات.

وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان جزءاً من نقاش أوسع.

فسورية تستطيع أن تطالب روسيا بالاعتراف بالمسؤولية وجبر الضرر والتعاون مع العدالة، وفي الوقت نفسه تفتح معها صفحة جديدة من العلاقات.

وتستطيع أن تعزز تعاونها مع الولايات المتحدة دون أن تجعل نفسها جزءاً من استراتيجية أميركية مغلقة.

وتستطيع أن تعمق شراكتها مع أوروبا دون أن تتحول إلى تابع اقتصادي أو سياسي.

وتستطيع أن تتعاون مع تركيا والدول العربية والصين وغيرها، من دون أن تجعل أي علاقة منها بديلاً عن القرار الوطني.

إن المطلوب اليوم ليس إخراج روسيا من سورية، ولا إدخال أميركا مكانها، ولا جعل أوروبا بديلاً عن الطرفين.

المطلوب هو إخراج سورية من منطق “الطرف الواحد” أصلاً.

روسيا يمكن أن تبقى دولة مؤثرة، ولكنها ليست صاحبة القرار.

والولايات المتحدة يمكن أن تصبح شريكاً أمنياً واقتصادياً، ولكنها ليست صاحبة القرار.

وأوروبا يمكن أن تكون شريكاً استراتيجياً في الاقتصاد وإعادة الإعمار والمؤسسات، ولكنها ليست صاحبة القرار.

صاحب القرار هو الدولة السورية.

ومن هنا، فإن أفضل صيغة للعلاقة مع موسكو ليست القطيعة، كما أن أفضل صيغة للعلاقة مع واشنطن وبروكسل ليست الارتهان.

إنها صيغة:

شراكات متعددة، والتزامات واضحة، ومصالح متبادلة، وحقوق محفوظة، وسيادة سورية كاملة.

وهذه هي معادلة “لا خاسر” التي يمكن أن تجعل من الدبلوماسية السورية الجديدة نموذجاً مختلفاً: لا دولة كبرى تخرج مهزومة من سورية، ولا دولة كبرى تدخلها بوصفها صاحبة القرار، والأهم أن تخرج سورية نفسها من هذه المعادلة وهي الرابح الأكبر: دولة ذات سيادة، ومؤسسات أقوى، واقتصاد أكثر انفتاحاً، وعلاقات دولية متعددة، وذاكرة محفوظة، وحقوق ضحايا لا تُساوَم عليها.

فالعلاقة مع روسيا لا ينبغي أن تُبنى على النسيان، والعلاقة مع أمريكا وأوروبا لا ينبغي أن تُبنى على الارتهان.

المستقبل السوري يحتاج إلى علاقات كثيرة، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى قرار سوري واحد.