لم تعد التحركات الدبلوماسية السورية باتجاه العواصم الخليجية مجرد محاولة لاستعادة العلاقات العربية بعد سقوط النظام السابق، بل أصبحت مؤشراً على سعي دمشق إلى تثبيت موقع جديد في معادلات الأمن الإقليمي، في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات استراتيجية عميقة، في ظل التصعيد العسكري المرتبط بالمواجهة مع إيران، والانخراط الأمريكي في حماية المصالح والممرات الإقليمية، والتهديدات التي طالت أمن الخليج والممرات البحرية، وتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة.
وتكتسب لقاءات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في قطر والسعودية، والتحركات الدبلوماسية تجاه دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات والكويت والبحرين، أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، لتطرح سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تتحول من ساحة للصراعات الإقليمية إلى شريك في حماية الاستقرار العربي، وأن توظف خروجها من المحور الإيراني لبناء توازنات جديدة تخدم مصالحها ومصالح دول الخليج؟
وخلال تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أجرى الشيباني سلسلة لقاءات في الدوحة والرياض والمنامة تناولت تعزيز التعاون والتشاور بشأن التطورات الإقليمية. كما شهدت العلاقات السورية الإماراتية اتصالات على مستوى وزيري الخارجية تناولت تعزيز التعاون والحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.
من التحالف الإيراني إلى الشراكة العربية: ماذا تغير في الدور السوري؟
على مدى عقود، ارتبطت السياسة الخارجية السورية في عهد النظام البائد بعلاقة استراتيجية مع إيران، بدأت منذ السبعينات لتصبح سوريا إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، حافظ النظام السابق على قنوات دبلوماسية مع دول الخليج، وشهدت علاقاته بها مراحل من التقارب والتفاهم، وأخرى من التوتر والقطيعة. لكن هذه العلاقات لم تعنِ أن دمشق كانت ضامناً لأمن الخليج من التهديدات الإيرانية؛ إذ ظل التحالف السوري الإيراني جزءاً أساسياً من المعادلة التي أثارت مخاوف عدد من الدول العربية.
أما اليوم، ويبدو أن سقوط النظام السابق أسهم في إحداث تغير جوهري في موقع سوريا ضمن هذه المعادلة. فدمشق لم تعد تتحرك ضمن الإطار الاستراتيجي نفسه الذي ربطها بطهران، وأصبحت أمام فرصة لإعادة بناء سياستها الخارجية انطلاقاً من المصالح الوطنية، وتوسيع الشراكات العربية، واستعادة استقلالية القرار السياسي.
وهنا تكمن المفارقة: النظام السابق كان جزءاً من شبكة التحالفات الإقليمية المرتبطة بإيران، لكنه حافظ في الوقت نفسه على علاقات دبلوماسية مع بعض دول الخليج؛ أما سوريا الجديدة، فتسعى إلى بناء علاقاتها الخليجية على أساس شراكة مباشرة لا تتطلب المرور عبر تفاهماتها السابقة مع طهران.
ومع ذلك، لا يصح القول إن خروج سوريا من المحور الإيراني هو الذي منع الحرب بين إيران والخليج؛ فالمواجهة الإقليمية لها أسباب متعددة، تتصل بالحسابات العسكرية والسياسية والنووية وأمن الملاحة. الأدق أن التحول السوري أزال أحد مكونات النفوذ الإيراني الإقليمي، وفتح أمام دول الخليج فرصة للتعامل مع دمشق بوصفها شريكاً محتملاً في ترتيبات الاستقرار، بدلاً من كونها امتداداً للتحالف السابق.
كيف تنظر واشنطن إلى الدور السوري الجديد؟
من المنظور الأمريكي، تكتسب سوريا أهميتها من قدرتها المحتملة على الإسهام في الحد من النفوذ الإيراني، ومنع عودة استخدام الأراضي السورية ممراً لنقل السلاح أو منصة لتهديد دول المنطقة، إلى جانب مكافحة التنظيمات المتطرفة وتعزيز الاستقرار.
وتشير بعض المؤشرات السياسية إلى انخراط أمريكي أوسع مع القيادة السورية الجديدة، مع حديث عن تخفيف بعض القيود وفتح قنوات للتعاون السياسي والأمني. لكن واشنطن تراقب أيضاً قدرة الحكومة السورية على تثبيت مؤسسات الدولة، وضبط الحدود، والتعامل مع التحديات الأمنية الداخلية والإقليمية.
وبناءً على ذلك، يمكن أن ترى الولايات المتحدة في تعزيز العلاقات السورية الخليجية فرصة لتحقيق عدة أهداف: تخفيف اعتماد دمشق على إيران، وتشجيع دول الخليج على الاستثمار في استقرار سوريا، وتوسيع التعاون الإقليمي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن واشنطن تريد تحويل سوريا إلى طرف في مواجهة عسكرية مفتوحة مع طهران. فالمصلحة الأمريكية قد تتقاطع أيضاً مع تجنب اتساع الحرب، وحماية الملاحة، ومنع انتقال الصراع إلى ساحات جديدة.
ومن هنا، فإن قيمة سوريا بالنسبة إلى واشنطن لا تكمن فقط في ابتعادها عن إيران، بل في قدرتها على أن تصبح دولة مستقرة، ذات مؤسسات فاعلة، وعلاقات عربية واسعة، وسياسة خارجية يمكن التنبؤ بها.
فواشنطن قد تستفيد من التحول السوري في تقليص النفوذ الإيراني، لكنها ستقيّم نجاحه أيضاً بمدى إسهامه في الاستقرار، لا بمجرد انتقال دمشق من تحالف سابق إلى خصومة جديدة.
ماذا تريد دول الخليج من سوريا الجديدة؟
تحتاج دول الخليج إلى أكثر من مجرد تحسن العلاقات الدبلوماسية مع دمشق. فهي تبحث عن بيئة إقليمية أقل اضطراباً، وعن شركاء قادرين على حماية المصالح المشتركة، ومنع استخدام أراضيهم أو أراضي الدول المجاورة في تهديد الأمن الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاهتمام الخليجي بسوريا الجديدة عبر ثلاثة مستويات:
أولاً: المستوى الأمني.
تريد دول الخليج سوريا مستقرة لا تُستخدم أراضيها لتهديد أمن الدول العربية، ولا تكون ممراً لشبكات التهريب أو السلاح أو الأنشطة التي تزيد من هشاشة المنطقة. ويمكن لدمشق أن تسهم في ذلك من خلال تعزيز مؤسسات الدولة، وضبط الحدود، وتطوير التعاون الأمني والدبلوماسي.
ثانياً: المستوى السياسي.
تحتاج المنطقة إلى قنوات إضافية للحوار والتنسيق، خصوصاً عندما تتصاعد المواجهات وتصبح احتمالات الخطأ في الحسابات العسكرية أكثر خطورة. ويمكن لسوريا، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتنامية، أن تدعم المواقف العربية المشتركة في قضايا السيادة ورفض الاعتداءات وخفض التصعيد.
ثالثاً: المستوى الاقتصادي.
يمثل استقرار سوريا مصلحة خليجية، لأن إعادة إعمارها وتنشيط اقتصادها يفتحان المجال أمام الاستثمارات والتجارة ومشاريع النقل والطاقة والربط الإقليمي. وكلما أصبحت سوريا أكثر استقراراً وقدرة على إدارة مؤسساتها، ازدادت فرص تحويل التقارب السياسي إلى مصالح اقتصادية متبادلة.
◆
وعليه، فإن دول الخليج لا تحتاج إلى سوريا بوصفها طرفاً إضافياً في محور مضاد لإيران، بقدر ما تحتاج إليها دولةً عربية مستقرة، قادرة على حماية سيادتها، والوفاء بالتزاماتها، والإسهام في منع انتقال الأزمات إلى بقية المنطقة.
دبلوماسية التوازن: كيف تحافظ دمشق على استقلال قرارها؟
التحدي الأكبر أمام الدبلوماسية السورية الجديدة هو تجنب الوقوع في معادلة الاستبدال: الخروج من محور إقليمي للدخول في محور آخر، من دون امتلاك قرار مستقل أو رؤية وطنية طويلة الأمد.
فالتقارب مع دول الخليج قد يتحول، إذا اتخذ طابعاً تلقائياً في جميع الملفات، إلى عامل يضعف استقلالية القرار السوري، كما أن إعادة تقييم العلاقة مع إيران لا تعني أن السياسة السورية يجب أن تقوم على العداء الدائم معها.
إن دبلوماسية التوازن تعني بناء علاقات قوية مع الدول العربية، وتوسيع التعاون مع الولايات المتحدة وتركيا وأوروبا، وإدارة الخلافات مع إيران على أساس المصالح الوطنية والسيادة والأمن، من دون السماح لأي طرف باستخدام سوريا للإضرار بجيرانها.
ولا يعني هذا التوازن الوقوف على مسافة واحدة من جميع المواقف، أو تجاهل الاعتداءات والتهديدات، بل يعني اتخاذ قرارات مستقلة تستند إلى طبيعة كل قضية، وتمنع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة بالوكالة.
وفي ظل التوترات المحيطة بمضيق هرمز وباب المندب، تستطيع دمشق دعم الجهود الدبلوماسية لحماية الملاحة والتجارة، والتنسيق مع الدول العربية لاحتواء التصعيد، من دون الادعاء بأنها تمتلك وحدها أدوات التأثير في هذه الملفات.
وهنا تبرز أهمية الزيارات واللقاءات الأخيرة: فهي تمنح سوريا فرصة لبناء الثقة، وتبادل التقديرات السياسية، وتطوير آليات تعاون يمكن أن تساعد في منع الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات أوسع.
◆
الخلاصة: سوريا شريك في الاستقرار لا أداة في الصراع
تكشف التحركات الدبلوماسية السورية نحو الخليج عن فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين دمشق والعواصم العربية على أسس جديدة، تقوم على المصالح المشتركة، واحترام السيادة، والتعاون الأمني والاقتصادي، والعمل على خفض التوترات.
لقد غيّر سقوط النظام السابق موقع سوريا في التوازنات الإقليمية، وأتاح لها الابتعاد عن البنية الاستراتيجية التي ربطتها بإيران. لكن هذا التحول لن يتحول إلى مكسب مستدام بمجرد تبادل الزيارات أو إعلان المواقف، بل يحتاج إلى مؤسسات قوية، وسياسة خارجية مستقلة، وقدرة فعلية على حماية الأراضي السورية ومنع استخدامها للإضرار بالدول الأخرى.
أما بالنسبة إلى الخليج، فإن المصلحة لا تكمن في دفع سوريا إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، بل في تشجيعها على بناء دولة مستقرة، ذات قرار مستقل، وعلاقات عربية متينة، وقادرة على المساهمة في حماية المصالح المشتركة.
لقد انتقلت سوريا من معادلة إقليمية كان تحالفها مع إيران أحد أبرز مكوناتها، إلى مرحلة تسعى فيها إلى استعادة دورها العربي. والنجاح الحقيقي ليس في استبدال محور بآخر، بل في تحويل هذا التحول إلى دبلوماسية توازن وانفتاح، تجعل من سوريا شريكاً في منع الحروب، لا ساحةً لها، وجسراً للتعاون العربي، لا أداةً في صراعات الآخرين.
تشارلز فينستر وهو طفل في الثانية يتميز بشعر أحمر أشعث ونظارات أرجوانية كبيرة وقميص أزرق يحمل رسمة كوكب زحل.
عبارته المتكررة «ربما ليست هذه فكرة جيدة» تلخص موقفه الحذر الدائم من العالم.
هذا المقال قراءة تحليلية في الشخصية وعلاقتها بمفهوم اضطراب القلق العام، وليست تشخيصاً طبياً لشخصية خيالية. المسلسل يبالغ في السمات لأغراض كوميدية، لكن بعض سمات الشخصية تتقاطع مع أوصاف مرتبطة بالقلق، بما يجعلها مادة قابلة للنقاش النفسي والتربوي.
تشاكي ابن تشاس فينستر، وهو أب عصبي ووحيد في معظم حلقات المسلسل الأصلي بعد وفاة الأم ميلندا بسبب مرض خطير بعد ولادة الطفل بفترة قصيرة.
كثير من القراءات اللاحقة ترى أن غياب الأم المبكر أسهم في تشكيل حذره الزائد وافتقاره إلى شعور بالأمان الأساسي.
يخاف تشاكي من المهرجين والجراثيم والظلام والوحوش تحت السرير، ومن المغامرات عموماً.
يرفض غالباً اقتراحات صديقه تومي بيكلز، ثم يشارك فيها على مضض، ويواجه مخاوفه أحياناً من أجل أصدقائه. في الجزء اللاحق من المسلسل الكرتوني يظهر في سن المراهقة المبكرة حيث يتحول القلق الخارجي (الخوف من الأشياء الملموسة) إلى قلق داخلي أكثر، يتعلق بالرفض الاجتماعي والهوية والرغبة في أن يكون «جريئاً» مثل أصدقائه، دون أن يختفي القلق تماماً.
أما اضطراب القلق العام (Generalized Anxiety Disorder)، فيتميّز وفق معايير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) بقلق وانشغال مفرطين يصعب السيطرة عليهما، ويظهران في معظم الأيام لمدة ستة أشهر على الأقل. يحدثان في معظم الأيام لمدة ستة أشهر على الأقل، ويتعلقان بعدد من الأحداث أو الأنشطة وليس بموضوع واحد محدد.
يرافق ذلك أعراض مثل التململ أو الشعور بالتوتر، والتعب السهل، وصعوبة التركيز، والتهيج، وتوتر العضلات، واضطراب النوم.
عند الأطفال يكفي وجود عرض واحد من هذه الأعراض المصاحبة بدلاً من ثلاثة كما عند البالغين.
يختلف هذا عن القلق الطبيعي المؤقت المرتبط بموقف محدد.
القلق المرضي يستمر، ويصعب إيقافه، ويسبب ضيقاً أو يعوق الأداء اليومي. عند الأطفال قد يظهر على شكل مخاوف متكررة من الكفاءة أو الأداء، أو توقع مستمر للخطر حتى في مواقف آمنة نسبياً.
◆
نقاط التشابه مع الشخصية
عدة عناصر في سلوك تشاكي تتقاطع مع هذا الوصف، وقد تناولتها تحليلات ثقافية ونفسية غير رسمية:
- القلق متعدد المصادر وغير محصور في خوف واحد: ينتقل بين الجراثيم والمهرجين والمغامرات والظلام، ويصعب إقناعه بأن الخطر غير موجود.
- صعوبة السيطرة على الخوف : حتى بعد طمأنة الأصدقاء يعود إلى التردد، وغالباً ما يتوقع أسوأ النتائج.
- التململ والتوتر الظاهر: يتجلى في صوته المرتجف، وتردده الجسدي، ورفضه المغادرة إلى أماكن جديدة.
- التأثير على النشاط الاجتماعي: يحدّ قلقه من مشاركته التلقائية، رغم ولائه العميق لأصدقائه.
تشاكي فينستر شخصية كوميدية بُنيت على الحذر والخوف، وأعطتها خلفية فقدان الأم عمقاً إضافياً. التشابه مع أعراض اضطراب القلق العام تفسير ثقافي شائع بين المشاهدين وبعض الكتاب، لكنه يبقى قراءة لا تشخيصاً. قيمة الشخصية تكمن في إظهار أن الطفل القلق يمكن أن يكون وفياً وذكياً وقادراً على النمو، وأن الدعم من المحيط يخفف العبء دون أن يمحو السمة. للمسلسل حدود عمرية وكوميدية، لكنه يقدّم حضور القلق في رسوم الأطفال بطريقة لا تختزل الشخصية إلى مجرد «جبان».
لم تعد الذكرى الحادية عشرة للتدخل العسكري الروسي في سورية مناسبة لاستعادة مشاهد الحرب فقط. بل تطرح اليوم سؤالاً أساسياً حول مستقبل العلاقة السورية–الروسية في ظل التحولات التي شهدها موقع سورية الدولي في المرحلة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد.
ففي 30 أيلول/سبتمبر 2015 بدأت روسيا تدخلها العسكري المباشر في سورية، لتصبح خلال السنوات التالية أحد أهم الداعمين العسكريين والسياسيين للنظام السابق. واليوم، بعد أحد عشر عاماً على ذلك التدخل، تغيّرت سورية، وتغيّرت السلطة، وتغيّرت البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها، كما تغيّرت خيارات دمشق نفسها.
وفي هذه اللحظة تحديداً، أعادت الشبكة السورية لحقوق الإنسان فتح ملف المسؤولية الروسية عن الانتهاكات التي وثقتها خلال سنوات التدخل. ووفق بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد وثّقت انتهاكات منسوبة إلى القوات الروسية أسفرت عن مقتل 6993 مدنياً، بينهم 2061 طفلاً و984 سيدة، إضافة إلى 363 مجزرة و1262 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، بينها مدارس ومنشآت طبية وأسواق. وطالبت الشبكة روسيا بالاعتراف بالمسؤولية، وجبر الضرر، والتعاون مع آليات المساءلة، مؤكدة أن تغير السلطة في دمشق لا ينهي، من وجهة نظرها، الالتزامات المترتبة على الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الروسية.
وهنا تبدأ المسألة الأكثر تعقيداً:
كيف تستطيع سورية أن تطالب روسيا بتحمل مسؤولياتها عن الماضي، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقة دولة بدولة مع قوة دولية مؤثرة، بينما أصبحت أمامها اليوم خيارات وشراكات غربية وأوروبية لم تكن متاحة بهذه الصورة خلال سنوات التدخل الروسي؟
الجواب، في تقديري، يكمن في مفهوم واحد:
دبلوماسية التوازن.
- من دبلوماسية الضرورة إلى دبلوماسية الخيارات
خلال المرحلة السابقة، كانت علاقة دمشق بموسكو محكومة إلى حد كبير بمنطق الضرورة.
كان النظام السابق يعتمد على روسيا عسكرياً وسياسياً، وكانت موسكو تمتلك حضوراً واسعاً في القرار السوري، ولا سيما في المجال العسكري والأمني والدبلوماسي.
أما سورية الجديدة فتدخل المرحلة الحالية في ظروف مختلفة.
وبحسب ما أعلنته الجهات الأميركية المعنية في 24 آب/أغسطس 2026، أُلغي رسمياً تصنيف سورية كدولة راعية للإرهاب بعد انتهاء فترة المراجعة، ما أنهى أحد أبرز القيود التي كانت تعوق اندماج سورية في النظام المالي والاقتصادي الدولي.
ولم يتوقف التحول عند هذا الحد.
ففي 30 أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إزالة سورية من قائمة الدول الخاضعة لسياسة الرفض الشامل في إطار لوائح تجارة الأسلحة الأميركية، على أن تدخل القاعدة الجديدة حيز التنفيذ في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، بما يسمح بالنظر في طلبات نقل المواد والخدمات الدفاعية إلى سورية على أساس كل حالة على حدة.
وهذا لا يعني تلقائياً حصول سورية على أسلحة أميركية أو قيام تحالف عسكري أميركي–سوري، لكنه يعني أن الباب القانوني والسياسي أصبح أكثر انفتاحاً أمام التعاون الدفاعي.
وهنا تتغير المعادلة.
فالدولة التي كانت مضطرة إلى الاعتماد على مورد أو شريك واحد في التدريب والتأهيل العسكري تستطيع اليوم أن تنظر إلى خيارات أوسع، بما فيها التعاون مع الولايات المتحدة وشركائها، وفق احتياجاتها الوطنية وقراراتها السيادية.
وهذا التحول لا ينبغي أن يُستخدم ضد روسيا، وإنما ينبغي أن يستخدم في بناء توازن تفاوضي جديد معها.
◆
أوروبا تدخل المعادلة من بوابة الشراكة
التغيير لا يأتي من واشنطن وحدها.
فالتحول الأوروبي في العلاقة مع دمشق أصبح أكثر وضوحاً خلال عام 2026.
فالاتحاد الأوروبي أعاد في أيار/مايو تفعيل اتفاقية التعاون بين الاتحاد وسورية بصورة كاملة، بعد سنوات من تعليق أجزاء منها، كما عقد أول حوار سياسي رفيع المستوى مع دمشق، وواصل دعم الاستقرار والتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وفي 6 أيلول/سبتمبر، عاد الاتحاد الأوروبي إلى التمثيل الدبلوماسي على مستوى السفير في دمشق، بعد انقطاع دام أربعة عشر عاماً، في خطوة عكست انتقال العلاقة إلى مرحلة أكثر مؤسسية.
ثم جاءت زيارة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، إلى دمشق في 29 أيلول/سبتمبر، حيث أجرت لقاءات مع الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، واختتمت زيارتها بمؤتمر صحفي مشترك.
وفي حديثها، أكدت كالاس أن نجاح الانتقال السوري مهم لأوروبا، وأن الاتحاد يستخدم أدواته السياسية والاقتصادية لدعم المسار السوري، مشيرة إلى رفع العقوبات الاقتصادية واستعادة التطبيق الكامل لاتفاقية التعاون والحوار السياسي رفيع المستوى.
وهنا تظهر أمام دمشق فرصة استراتيجية:
أن تتحول العلاقات الأميركية والأوروبية من بدائل لموسكو إلى عناصر في منظومة توازن دولية أوسع.
◆
لا ينبغي أن تتحول البدائل إلى محاور جديدة
وهنا تكمن النقطة الأهم.
إذا كانت سورية قد خرجت من مرحلة الاعتماد المفرط على روسيا، فإن الهدف لا ينبغي أن يكون الانتقال إلى اعتماد مفرط على الولايات المتحدة أو أوروبا.
فالاستقلال الحقيقي في السياسة الخارجية لا يعني استبدال محور بمحور.
بل يعني امتلاك القدرة على التعامل مع الجميع.
فكما أن روسيا لا ينبغي أن تكون صاحبة القرار في سورية، لا ينبغي لأي قوة أخرى أن تحل محلها في هذه الوظيفة.
وهنا يمكن صياغة القاعدة الجديدة:
روسيا شريك مؤثر، الولايات المتحدة شريك محتمل، أوروبا شريك استراتيجي، لكن القرار السوري يبقى سورياً.
وهذه ليست معادلة عدائية تجاه أي طرف.
إنها محاولة لبناء علاقة طبيعية بين دولة ذات سيادة وقوى دولية مختلفة.
تقرير الشبكة السورية: من ملف حقوقي إلى ملف تفاوضي
في هذا السياق، تكتسب مطالب الشبكة السورية لحقوق الإنسان أهمية سياسية تتجاوز البعد الحقوقي المباشر.
فالحديث عن الاعتراف بالمسؤولية، وجبر الضرر، وحفظ الأدلة، والتعاون مع آليات العدالة، لا ينبغي أن يُفهم بالضرورة على أنه دعوة إلى القطيعة مع روسيا.
بل يمكن أن يتحول إلى جزء من إعادة تعريف العلاقة نفسها.
فإذا كانت سورية تريد بناء علاقة جديدة مع موسكو، فإن من مصلحتها أن تكون هذه العلاقة واضحة تجاه إرث المرحلة السابقة.
وهنا يمكن لدمشق أن تقول لموسكو:
نحن لا نريد علاقة قائمة على الماضي، لكننا لا نستطيع بناء المستقبل عبر إنكار الماضي.
وهذه الصيغة تفتح الباب أمام مسار مختلف:
اعتراف بالمسؤولية، تعاون في التوثيق، مساهمة في جبر الضرر، ومشاركة في إعادة الإعمار، مقابل بناء علاقة سياسية واقتصادية جديدة بين دولتين.
◆
وبذلك يصبح ملف الضحايا جزءاً من دبلوماسية الحلول وليس أداة لإعادة إنتاج الصراع.
روسيا ليست خارج المعادلة، لكنها لم تعد فوقها
التغير الأساسي الذي ينبغي أن تدركه موسكو هو أن سورية لم تعد الدولة التي كانت عليها في عام 2015.
فروسيا لا تزال تمتلك أوراقاً مهمة.
هي عضو دائم في مجلس الأمن، وتمتلك خبرات عسكرية وتقنية، ولها مصالح استراتيجية في المتوسط، ولها علاقات تاريخية مع مؤسسات الدولة السورية.
لكنها في الوقت نفسه لم تعد الطرف الوحيد القادر على تقديم الخيارات العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية لدمشق.
وهذا تحديداً ما يمنح سورية قدرة تفاوضية أكبر.
فإذا كان التدريب والتأهيل العسكري الروسي قد شكّل في مرحلة سابقة مساراً أساسياً، فإن الانفتاح الأميركي الجديد على التعاون الدفاعي يخلق خياراً إضافياً. وإزالة سورية من سياسة الرفض الشامل في تجارة الأسلحة الأميركية تعني أن باب التعاون الدفاعي أصبح من حيث المبدأ أكثر مرونة، وإن كان لا يعني حصولاً تلقائياً على معدات أو دعماً عسكرياً محدداً.
ومن هنا، لا ينبغي لدمشق أن تقول:
سنستبدل التدريب الروسي بالتدريب الأميركي.
بل:
سنمتلك خيارات تدريب وتأهيل متعددة، ونختار منها ما يخدم بناء المؤسسة العسكرية السورية.
وهذا فرق جوهري بين التبعية والتوازن.
البرنامج المشترك: الصيغة السورية المطلوبة
من هنا يمكن أن تطرح دمشق مع شركائها، روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهم، فكرة برنامج عمل مشترك لسورية.
برنامج لا يقوم على منح دولة امتيازات مطلقة، وإنما على تحديد:
- – ما الذي تحتاجه سورية؟
- – ماذا تستطيع كل دولة أن تقدم؟
- – ما الالتزامات المتبادلة؟
- – ما الضمانات القانونية؟
- – ما العائد على الدولة السورية؟
- – وكيف تمنع الاتفاقات الجديدة تكرار نموذج الامتيازات غير المتوازنة؟
وهذا البرنامج يمكن أن يشمل:
أمنياً: بناء مؤسسات عسكرية وأمنية وطنية، والتدريب والتأهيل ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود.
اقتصادياً: الطاقة والكهرباء والنقل والموانئ والاتصالات والصناعة.
مؤسسياً: تطوير الإدارة العامة والقضاء والحوكمة والبنية التشريعية.
تنموياً: إعادة بناء البنية التحتية ودعم القطاع الخاص والاستثمار.
دبلوماسياً: دعم إعادة دمج سورية في المؤسسات والنظام الدولي.
حقوقياً: العدالة الانتقالية، توثيق الانتهاكات، وحفظ حقوق الضحايا.
وهنا تتحول العلاقات الخارجية من مجموعة تفاهمات منفصلة إلى منظومة مصالح مترابطة.
معادلة “لا خاسر”
لا يمكن أن تكون العلاقات الدولية الجديدة قائمة على فكرة أن انتصار طرف يعني خسارة طرف آخر.
فإذا شعرت روسيا أن إعادة بناء سورية تعني إقصاءها بالكامل، فإنها ستبحث عن أدوات للحفاظ على نفوذها.
وإذا شعرت الولايات المتحدة أن سورية تعيد إنتاج نفوذ روسي سابق بصورة جديدة، فقد تتعامل مع دمشق بحذر أكبر.
وإذا شعرت أوروبا أن الأموال التي تقدمها لإعادة الإعمار لا تنتج مؤسسات مستقرة وشراكات شفافة، فقد تتباطأ عملية الانخراط.
لذلك فإن النموذج الأكثر قابلية للاستمرار هو:
سورية تربح، وروسيا تحتفظ بمصالح مشروعة، والولايات المتحدة تجد شريكاً مستقراً، وأوروبا تجد دولة قادرة على التعافي والتكامل الاقتصادي.
وهذا هو مفهوم “لا خاسر”.
ليس المقصود أن يحصل الجميع على كل شيء، وإنما أن تكون قواعد اللعبة واضحة بحيث لا يكون نجاح طرف قائماً على إلغاء الطرف الآخر.
◆
الثقة هي رأس المال الحقيقي
زيارة كايا كالاس الأخيرة إلى دمشق تقدم مثالاً مهماً على أن العلاقة الأوروبية–السورية تتجه نحو بناء الثقة والحوار المؤسسي، وليس فقط تبادل المواقف السياسية.
وقد أكدت كالاس أن الاتحاد الأوروبي يتحرك بأدوات سياسية واقتصادية لدعم المرحلة الانتقالية، فيما تتجه العلاقات نحو مزيد من التنظيم المؤسسي.
وهذا النموذج يمكن أن تستفيد منه دمشق في علاقتها مع روسيا أيضاً.
فالثقة لا تُبنى عبر البيانات، وإنما عبر:
التزامات واضحة، وآليات تنفيذ، وشفافية، واحترام للسيادة، ومصالح متبادلة.
وإذا استطاعت سورية بناء هذه القاعدة مع أوروبا والولايات المتحدة وروسيا وتركيا والدول العربية والصين، فإنها ستتحول تدريجياً من دولة تبحث عن داعم إلى دولة تبحث عن شريك.
وهذا فرق كبير في مفهوم العلاقات الدولية.
ماذا تريد سورية من روسيا الآن؟
يمكن اختصار المصلحة السورية في العلاقة الجديدة مع موسكو في مجموعة محددة من الأولويات:
أولاً، الاعتراف بمسؤولية الدولة الروسية عن الانتهاكات التي تثبتها الآليات القانونية المختصة، والتعاون مع مسارات العدالة وجبر الضرر.
ثانياً، إعادة تعريف الوجود الروسي في سورية ضمن اتفاقات واضحة ومحددة، لا تمنح أي طرف سلطة تتجاوز السيادة السورية.
ثالثاً، تحويل التعاون العسكري من صيغة مرتبطة بالنفوذ السياسي إلى تعاون تقني وتدريبي يخدم بناء مؤسسة عسكرية وطنية.
رابعاً، إدخال الاستثمارات الروسية في إطار قانون الاستثمار السوري والمنافسة والشفافية، بما يضمن مصالح الطرفين.
خامساً، الحفاظ على قناة سياسية مفتوحة مع موسكو باعتبارها قوة دولية وعضواً دائماً في مجلس الأمن، من دون منحها حق الفيتو على الخيارات السورية الداخلية والخارجية.
وهنا يمكن أن تكون الرسالة السورية واضحة:
نريد روسيا شريكاً مؤثراً، لا وصياً؛ ومستثمراً، لا صاحب امتياز مطلق؛ وشريكاً أمنياً، لا صاحب قرار؛ ودولة تربطنا بها مصالح، لا علاقة تبعية.
◆
سورية بين روسيا وأمريكا وأوروبا
المعادلة الجديدة ليست معركة بين روسيا والغرب على سورية بقدر ما ينبغي أن تكون فرصة لسورية لكي تستفيد من انفتاح الطرفين عليها.
فواشنطن لديها مصالح أمنية في مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي، وأصبحت أبواب التعاون الاقتصادي والدفاعي معها أكثر انفتاحاً بعد إزالة تصنيف سورية كدولة راعية للإرهاب وتعديل سياسة تصدير السلاح إليها.
والاتحاد الأوروبي لديه مصالح في الاستقرار والهجرة وإعادة الإعمار والطاقة والتجارة والأمن الإقليمي، وقد اتخذ خطوات مؤسساتية كبيرة باتجاه إعادة بناء العلاقة مع دمشق.
أما روسيا، فتملك موقعاً دولياً ومصالح استراتيجية وقدرات وخبرات لا يمكن تجاهلها.
لكن سورية ليست مطالبة بالاختيار بين هذه القوى.
بل يمكنها أن تجعل تنافس المصالح الدولية فرصة لتعظيم المصلحة السورية، شرط أن تكون قواعد العلاقة واضحة، وأن يكون القرار الوطني مستقلاً، وأن تكون العقود والاتفاقيات قائمة على الشفافية.
من “التوازن بين القوى” إلى “التوازن لمصلحة سورية”
الدبلوماسية المتوازنة لا تعني أن تقف سورية في منتصف المسافة بين موسكو وواشنطن وبروكسل في كل قضية.
فالتوازن ليس حياداً آلياً.
قد تتفق دمشق مع واشنطن في ملف أمني، ومع أوروبا في ملف اقتصادي، ومع روسيا في ملف دبلوماسي، ومع تركيا في ملف حدودي، ومع الدول العربية في ملف إعادة الإعمار.
المعيار ليس: مع من نحن؟
بل:
ماذا نريد؟ ومن يستطيع أن يساعدنا في تحقيقه؟ وما الثمن؟ وما الضمانات؟
هذه هي الدبلوماسية التي تحتاجها سورية.
الخاتمة: سورية الجديدة لا تبحث عن بديل لروسيا، بل عن بديل للتبعية
إن التحول الأكبر في السياسة الخارجية السورية اليوم ليس أن دمشق تنتقل من روسيا إلى الولايات المتحدة أو من موسكو إلى بروكسل.
التحول الحقيقي هو أنها تنتقل من دبلوماسية الضرورة إلى دبلوماسية الخيارات.
وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان جزءاً من نقاش أوسع.
فسورية تستطيع أن تطالب روسيا بالاعتراف بالمسؤولية وجبر الضرر والتعاون مع العدالة، وفي الوقت نفسه تفتح معها صفحة جديدة من العلاقات.
وتستطيع أن تعزز تعاونها مع الولايات المتحدة دون أن تجعل نفسها جزءاً من استراتيجية أميركية مغلقة.
وتستطيع أن تعمق شراكتها مع أوروبا دون أن تتحول إلى تابع اقتصادي أو سياسي.
وتستطيع أن تتعاون مع تركيا والدول العربية والصين وغيرها، من دون أن تجعل أي علاقة منها بديلاً عن القرار الوطني.
إن المطلوب اليوم ليس إخراج روسيا من سورية، ولا إدخال أميركا مكانها، ولا جعل أوروبا بديلاً عن الطرفين.
المطلوب هو إخراج سورية من منطق “الطرف الواحد” أصلاً.
روسيا يمكن أن تبقى دولة مؤثرة، ولكنها ليست صاحبة القرار.
والولايات المتحدة يمكن أن تصبح شريكاً أمنياً واقتصادياً، ولكنها ليست صاحبة القرار.
وأوروبا يمكن أن تكون شريكاً استراتيجياً في الاقتصاد وإعادة الإعمار والمؤسسات، ولكنها ليست صاحبة القرار.
صاحب القرار هو الدولة السورية.
ومن هنا، فإن أفضل صيغة للعلاقة مع موسكو ليست القطيعة، كما أن أفضل صيغة للعلاقة مع واشنطن وبروكسل ليست الارتهان.
إنها صيغة:
شراكات متعددة، والتزامات واضحة، ومصالح متبادلة، وحقوق محفوظة، وسيادة سورية كاملة.
وهذه هي معادلة “لا خاسر” التي يمكن أن تجعل من الدبلوماسية السورية الجديدة نموذجاً مختلفاً: لا دولة كبرى تخرج مهزومة من سورية، ولا دولة كبرى تدخلها بوصفها صاحبة القرار، والأهم أن تخرج سورية نفسها من هذه المعادلة وهي الرابح الأكبر: دولة ذات سيادة، ومؤسسات أقوى، واقتصاد أكثر انفتاحاً، وعلاقات دولية متعددة، وذاكرة محفوظة، وحقوق ضحايا لا تُساوَم عليها.
فالعلاقة مع روسيا لا ينبغي أن تُبنى على النسيان، والعلاقة مع أمريكا وأوروبا لا ينبغي أن تُبنى على الارتهان.
المستقبل السوري يحتاج إلى علاقات كثيرة، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى قرار سوري واحد.
لم تعد العلاقات الصينية–الأمريكية تُقرأ فقط من زاوية من ينتصر على الآخر. الأهم اليوم هو كيف تدير القوتان الأكبر في النظام الدولي تنافسهما من دون أن يتحول إلى صدام مفتوح يربك الاقتصاد العالمي والأمن الدولي.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تكتسب الزيارات المتبادلة المعلنة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ خلال عام 2026 أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي. فزيارة ترامب إلى الصين في مايو، ثم زيارة شي إلى واشنطن في سبتمبر، تكشفان تحولاً لافتاً في طبيعة العلاقة بين بكين وواشنطن: من محاولة فرض شروط القوة على الطرف الآخر، إلى إدراك متزايد بأن كلاً منهما يحتاج إلى الآخر، ولو في إطار منافسة استراتيجية مستمرة.
قبل تسع سنوات تقريباً، كان المشهد مختلفاً.
في نوفمبر 2017، زار ترامب الصين خلال ولايته الرئاسية الأولى، وحظي باستقبال رسمي لافت، شمل لقاءات مع شي جين بينغ وزيارة المدينة المحرمة ومأدبة عشاء داخلها. وكانت الملفات التجارية وكوريا الشمالية والعجز التجاري حاضرة بقوة في المباحثات.
لكن تلك الزيارة جاءت في بداية مرحلة أخذت فيها واشنطن تنظر إلى الصين بصورة متزايدة باعتبارها منافساً اقتصادياً واستراتيجياً طويل الأمد. وبعدها تصاعدت الحرب التجارية، ثم جاءت جائحة كورونا في 2020 لتضيف طبقة جديدة من التوتر السياسي والاتهامات المتبادلة، ولتدفع العلاقات بين البلدين إلى واحدة من أكثر مراحلها صعوبة منذ عقود.
وهنا تكمن أهمية المقارنة بين 2017 و2026.
فترامب الذي ذهب إلى بكين عام 2017 وهو يحاول إعادة صياغة قواعد العلاقة التجارية مع الصين، يعود اليوم إلى العلاقة نفسها، لكن من موقع مختلف فرضته التحولات التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية. وفي مايو 2026 مثّلت زيارته إلى بكين أول زيارة رئاسية أمريكية إلى الصين منذ سنوات، بحسب ما أُعلن في حينه، وقد تحدث الطرفان آنذاك عن بناء علاقة صينية–أمريكية ذات “استقرار استراتيجي”، وعن تثبيت العلاقات الاقتصادية وتوسيع التعاون وإدارة الخلافات.
ثم جاء سبتمبر ليقلب اتجاه المشهد البروتوكولي.
الرئيس الصيني شي جين بينغ يصل إلى الولايات المتحدة في زيارة دولة تمتد من 23 إلى 25 سبتمبر، ويستقبله ترامب شخصياً عند قاعدة أندروز، في مشهد يُقرأ سياسياً بوصفه أكثر من مجرد إجراء بروتوكولي. فالزيارة هي الأولى لشي إلى واشنطن منذ سنوات طويلة، وتأتي بعد زيارة ترامب للصين بأشهر قليلة، بما يجعل تبادل الزيارات بين الزعيمين خلال فترة زمنية قصيرة أمراً استثنائياً في تاريخ العلاقات الثنائية.
لكن الأهم من المراسم هو السياق الذي جاءت فيه الزيارة.
فالولايات المتحدة لا تتعامل اليوم مع الصين في فراغ جيوسياسي. هناك حرب أوكرانيا التي دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، وهناك توتر وأزمة ممتدة مرتبطة بإيران وتداعياتها على أمن الخليج والطاقة، وهناك اضطرابات مرتبطة بممرات التجارة الدولية، فضلاً عن التوتر في مضيقي هرمز وباب المندب، وملف تايوان، والتنافس على الذكاء الاصطناعي والرقائق والمعادن النادرة.
وهنا تصبح الصين بالنسبة إلى واشنطن أكثر من مجرد منافس اقتصادي.
إنها دولة تمتلك أدوات تأثير على ملفات متعددة في الوقت نفسه.
الصين تمتلك علاقة استراتيجية واقتصادية مع روسيا، ولها مصالح مباشرة في استقرار أسواق الطاقة، ولديها نفوذ اقتصادي واسع في الشرق الأوسط، كما أنها لاعب رئيسي في سلاسل الإمداد العالمية، وفي المعادن النادرة والتصنيع والتكنولوجيا. ولهذا فإن محاولة واشنطن إدارة ملفات العالم الكبرى من دون التواصل مع بكين أصبحت أكثر كلفة وتعقيداً.
ومن هنا يمكن فهم أحد أبعاد زيارة شي إلى واشنطن.
أمريكا تريد الصين منافساً منضبطاً، لا خصماً منفلتاً.
والصين تريد من الولايات المتحدة منافسة يمكن إدارتها، لا سياسة احتواء شاملة تنتهي إلى مواجهة مفتوحة.
وهذه المعادلة هي جوهر المرحلة الجديدة.
من “فخ ثوسيديدس” إلى إدارة التنافس
كان شي جين بينغ قد استخدم خلال السنوات الماضية مفهوم “فخ ثوسيديدس” في سياق التحذير من أن صعود قوة جديدة قد يقود إلى صدام مع القوة القائمة. وفي قمة واشنطن الحالية عاد هذا المفهوم إلى المشهد السياسي والإعلامي باعتباره خلفية استراتيجية للعلاقة.
لكن المفارقة أن الصين والولايات المتحدة، رغم تنافسهما، لا تبدوان مستعدتين لدفع العلاقة إلى نقطة الانفجار.
فالاقتصاد الأمريكي يحتاج إلى الأسواق وسلاسل الإمداد والاستثمارات، بينما تحتاج الصين إلى استمرار الوصول إلى الأسواق العالمية والتكنولوجيا والتجارة المستقرة.
وحتى في ملف المعادن النادرة، الذي أصبح أحد أهم أوراق القوة الصينية في مواجهة الولايات المتحدة، تكشف الوقائع عن مدى تشابك الاقتصادين. فقد أصبحت قيود التصدير الصينية على المعادن النادرة عاملاً مؤثراً في الصناعات الأمريكية والأوروبية واليابانية، ما دفع الغرب إلى البحث عن بدائل، وفي الوقت نفسه جعل استقرار العلاقة مع بكين مصلحة اقتصادية لا يمكن تجاهلها.
لذلك فإن الصراع بين واشنطن وبكين لم يعد مجرد صراع على الرسوم الجمركية.
إنه صراع على من يضع قواعد الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتجارة في القرن الحادي والعشرين.
لكن المفارقة أن الطرفين لا يستطيعان بسهولة الانفصال الكامل عن بعضهما.
وهذا هو السبب الذي جعل “الهدنة التجارية” أكثر أهمية من مجرد أرقام الرسوم.
ففي سبتمبر اتفق الطرفان على تمديد التهدئة التجارية، وإن كان التمديد قصير الأجل، مع استمرار المفاوضات حول اتفاق أوسع. وهذا يعني أن الصراع لم ينته، لكنه انتقل إلى محاولة إدارة الصراع بدلاً من تفجيره.
◆
الصين لم تعد ملفاً أمريكياً منفرداً
في عام 2017 كان يمكن لواشنطن أن تتعامل مع الصين بدرجة أكبر باعتبارها ملفاً تجارياً واستراتيجياً منفصلاً.
أما اليوم، فإن الصين أصبحت مرتبطة بكل الملفات تقريباً.
في أوكرانيا، تحتاج واشنطن إلى معرفة حدود الدور الصيني وقدرته على التأثير في موسكو.
وفي الشرق الأوسط، تبرز الصين كقوة اقتصادية وسياسية لها مصالح مباشرة في استقرار الطاقة والممرات البحرية.
وفي إيران، تظهر أهمية الدور الصيني في أي محاولة لفتح مسار تفاوضي أو تخفيف التوتر.
وفي الطاقة، فإن اضطراب هرمز لا ينعكس على دول الخليج وحدها، بل على الاقتصاد العالمي، وعلى الصين باعتبارها واحدة من أكبر مستوردي الطاقة.
وفي باب المندب والبحر الأحمر، فإن أمن التجارة العالمية لا يمكن فصله عن المصالح الصينية والأمريكية والأوروبية.
لهذا فإن واشنطن تحتاج إلى بكين ليس لأنها تخلت عن مفهوم المنافسة، وإنما لأن إدارة الأزمات العالمية أصبحت تتطلب مشاركة القوى الكبرى التي تستطيع التأثير فيها.
وهنا يمكن فهم دعوة شي إلى عودة الولايات المتحدة وإيران إلى مسار الحوار والتفاوض، وإشارته خلال لقائه ترامب إلى الأوضاع في الشرق الأوسط وأوكرانيا والملف الكوري.
لكن ذلك لا يعني أن الصين تحولت إلى شريك أمريكي.
بل يعني شيئاً أكثر واقعية: التنافس لا يلغي الحاجة إلى التنسيق.
من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط: البحث عن “إدارة الأزمات”
أحد أهم التحولات في المشهد الدولي أن القوى الكبرى لم تعد قادرة على إدارة كل أزمة منفردة.
فالولايات المتحدة تمتلك القوة العسكرية والمالية والتكنولوجية الأكبر، لكنها تواجه في الوقت نفسه ملفات متعددة تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا.
والصين تمتلك ثقلها الاقتصادي والصناعي والتجاري، لكنها بدورها تحتاج إلى بيئة دولية مستقرة لحماية تجارتها وأسواقها ومصادر الطاقة.
ومن هنا تظهر فكرة جديدة في العلاقات الدولية: التفاهمات الجزئية بدلاً من التسويات الكبرى.
فليس المطلوب بالضرورة أن تتفق واشنطن وبكين على النظام العالمي كله، وإنما أن تتفقا على منع بعض الملفات من الانفجار.
خفض التصعيد هنا.
استقرار التجارة هناك.
تجنب أزمة في تايوان.
فتح قنوات في ملف إيران.
منع توسع الحرب في أوكرانيا.
تأمين الطاقة والممرات البحرية.
والحفاظ على قنوات الحوار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.
هذه ليست شراكة كاملة، لكنها أيضاً ليست حرباً باردة مكتملة الأركان.
إنها محاولة لصياغة تعايش تنافسي بين قوتين كبيرتين.
◆
ما بعد واشنطن ليس كما قبلها
قد تكون الأهمية الحقيقية لزيارة شي إلى واشنطن أنها تفتح مرحلة جديدة في إدارة العلاقات الصينية–الأمريكية، لا لأنها أنهت الخلافات.
فاللقاء لم يحسم الملفات الأكثر حساسية؛ بقي الذكاء الاصطناعي وتايوان والتجارة والشرق الأوسط وأوكرانيا ملفات خلاف وتفاوض، بينما ركز الطرفان على استمرار الحوار وإدارة التنافس.
وهذا تحديداً ما يجعل الزيارة مهمة.
ففي العلاقات الدولية، أحياناً لا تكون قيمة القمة في الاتفاق الذي توقعه، وإنما في الأزمة التي تمنعها من الوقوع.
وإذا كان عام 2017 قد حمل بداية مرحلة اعتبرت فيها واشنطن صعود الصين تحدياً ينبغي مواجهته وإعادة ضبطه، فإن عام 2026 يكشف أن الصين أصبحت جزءاً من معادلة حل الأزمات التي تريد واشنطن إدارتها.
لقد تغيرت البيئة الدولية.
روسيا لم تعد مجرد ملف أوروبي.
الشرق الأوسط لم يعد ملفاً إقليمياً منفصلاً.
الطاقة أصبحت أداة جيوسياسية.
الممرات البحرية أصبحت جزءاً من الأمن العالمي.
الذكاء الاصطناعي أصبح مجالاً للصراع على القوة.
والمعادن النادرة أصبحت جزءاً من الأمن القومي.
وبالتالي، فإن العلاقات الصينية–الأمريكية أصبحت مرآة للنظام الدولي كله.
من يفرض النظام الجديد؟
السؤال الحقيقي بعد زيارة شي إلى واشنطن ليس: هل انتصرت الصين أم انتصرت أمريكا؟
هذا السؤال ربما لم يعد يصف طبيعة المرحلة.
السؤال الأهم هو: كيف ستتقاسم القوتان مساحة التأثير في نظام دولي لم يعد أحادي القطبية كما كان؟
واشنطن تريد الحفاظ على موقعها القيادي ومصالحها الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، وبكين تريد تثبيت موقعها كقوة عالمية صاعدة وقادرة على التأثير في الاقتصاد والسياسة والأمن الدوليين.
وبين الهدفين توجد مساحة واسعة من المصالح المشتركة.
لذلك فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة نهاية المنافسة، بل مرحلة إعادة تعريف قواعد المنافسة.
الصين لا تريد حرباً مع الولايات المتحدة، والولايات المتحدة لا تريد بالضرورة حرباً مع الصين؛ لكن كل طرف يريد أن يضمن أن صعود الآخر لا يتحول إلى تهديد لمصالحه الأساسية.
وهنا تظهر أهمية الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذه اللحظة تحديداً.
فزيارة شي إلى واشنطن تأتي في ذروة موسم دبلوماسي عالمي، وفي وقت تبحث فيه الدول عن ترتيبات جديدة بعد سنوات من الحروب والأزمات الاقتصادية والطاقة واضطراب النظام الدولي.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى القمة الأمريكية–الصينية باعتبارها جزءاً من افتتاح موسم دبلوماسي جديد: موسم لن يكون فيه ممكناً لأي قوة كبرى أن تدير العالم وحدها، ولن يكون فيه ممكناً أيضاً لأي قوة صاعدة أن تفرض واقعاً جديداً من دون تفاهمات مع القوى الأخرى.
لقد كان ترامب في بكين عام 2017 يتعامل مع الصين بوصفها منافساً ينبغي إعادة ضبط العلاقة معه.
أما ترامب في واشنطن عام 2026 فيتعامل مع الصين باعتبارها منافساً، ولكن أيضاً باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاهله في ملفات الاقتصاد والطاقة والشرق الأوسط وأوكرانيا والاستقرار الدولي.
وهذا هو التحول الأهم.
من “مواجهة الصين” إلى “إدارة العلاقة مع الصين”.
ومن “من يربح؟” إلى “كيف يمنع الطرفان الخسارة الكبرى؟”
وقد لا تكون زيارة شي إلى واشنطن قد أنهت المنافسة الصينية–الأمريكية، لكنها كشفت بوضوح أن العالم دخل مرحلة مختلفة: مرحلة لا تكفي فيها القوة لفرض الإرادة، ولا تكفي فيها المنافسة لصناعة النظام.
إن العالم الذي يتشكل اليوم يحتاج إلى توازن جديد بين المنافسة والتعاون، القوة والتفاوض، المصالح الوطنية والمسؤولية الدولية.
ومن هنا، فإن زيارة شي إلى واشنطن قد لا تكون نقطة نهاية في مسار العلاقات الصينية–الأمريكية، لكنها يمكن أن تكون نقطة بداية لمرحلة جديدة: مرحلة تدرك فيها واشنطن أن احتواء الصين وحده ليس كافياً، وتدرك فيها بكين أن صعودها العالمي يحتاج إلى إدارة مستقرة لعلاقتها مع واشنطن.
وفي هذا التوازن المتوتر، ستتحدد ملامح النظام الدولي القادم.
لم تعد أزمة السويداء شأنًا محليًا أو خلافًا عابرًا بين دمشق وبعض الفصائل المحلية المسلحة التي تنضوي تحت ما يسمى «الحرس الوطني» بزعامة الشيخ حكمت الهجري، بل أصبحت عقدة إقليمية تتقاطع فيها مصالح سوريا والأردن والولايات المتحدة وإسرائيل، وأصبح التعنت المدموغ بصبغة انفصالية يشكل تهديدًا للأمن القومي، ليس في سوريا فحسب، بل في المنطقة برمتها، كما أصبحت السويداء حجر عثرة في وجه المشروع الأمريكي القائم على تحقيق الاستقرار الإقليمي وتهيئة المناخ الملائم لتحويل سوريا إلى ممر حيوي لصادرات النفط والغاز من العراق ودول الخليج إلى أوروبا والعالم عبر موانئ المتوسط السورية في طرطوس واللاذقية، كطريق بديل عن مضيق هرمز وما يحيط به من صراعات ومخاطر جيوسياسية.
لقد حاولت حكومة الرئيس الشرع، منذ سقوط النظام في دمشق، مد الجسور مع أهلنا في السويداء، وعينت الدكتور مصطفى البكور محافظًا للمدينة، الذي لم يوفر جهدًا في محاولة إيجاد صيغة تصالحية تضمن مطالب أهل المحافظة وتفتح آفاق الانتقال السلمي، بما يسمح للدولة باستعادة مسؤوليتها عن السلاح الثقيل والمفاصل الأمنية الحساسة في السويداء، مع الحفاظ على دور أبنائها في إدارة شؤون محافظتهم وحماية أمنها. ورغم توقيع اتفاقيات تشبه إلى حد كبير الصيغ التي جرى التوصل إليها مع الجنرال مظلوم عبدي بشأن دمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة والجيش المركزي تحت مظلة وزارة الدفاع، فإنها لم تحقق النتائج نفسها في السويداء. ثم جاءت الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة لتزيد المشهد تعقيدًا، بعدما سقط عدد كبير من الضحايا من أهل المدينة وقوات الأمن وأبناء العشائر العربية على حد سواء، وتحملت الحكومة مسؤولية التحقيق في تلك الأحداث المأساوية، وشكلت لجانًا مختصة للبحث في أسبابها وتوثيق الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون في مدينة السويداء وقراها ومحاسبة المسؤولين عنها. ومنذ ذلك الحين أخذت المدينة تنغلق على نفسها أكثر فأكثر، بينما استقوت بعض زعاماتها بالدعم الإسرائيلي، ووصل التصعيد إلى حد قيام الطائرات الإسرائيلية بقصف وزارة الدفاع في دمشق في تحد مباشر للحكومة السورية، في تطور كاد أن يفتح الباب أمام مواجهة أوسع بين البلدين.
ومنذ ذلك الحين أيضًا دخلت السويداء في حالة حصار وعزلة وتدهور اقتصادي وخدمي شديد، وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن إغلاق الطرق وتعطيل وصول المواد الأساسية، ورغم محاولات دمشق إرسال شاحنات الغذاء والدواء والمحروقات، بقي وصولها إلى السكان محدودًا ومتقطعًا. وزاد المشهد توترًا مع أزمة الطلاب والامتحانات، بعدما تعذر على أعداد من الطلاب الوصول إلى مراكز امتحاناتهم، وتعطلت ترتيبات دخول موظفي وزارة التربية والتعليم القادمين من دمشق للإشراف على امتحانات الشهادة الثانوية وبعض المراحل الجامعية، الأمر الذي تسبب بحالة من الغضب والتململ الشعبي، لأن أبناء المحافظة وطلابها كانوا في النهاية من يدفع ثمن الصراع السياسي والأمني، ولا يجوز أن يتحول مستقبل جيل كامل إلى ورقة تفاوض أو أداة لتحقيق مكاسب سياسية.
وفي ظل هذا المشهد الأمني والسياسي المعقد، ومع التقدم في ملف دمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة، تظهر خارطة الطريق السورية–الأردنية–الأمريكية، بقيادة أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الأمريكية في الملف السوري توم باراك، وإلى جانبه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، كمحاولة لرسم مخرج سلمي يسمح بإعادة اندماج السويداء تدريجيًا في مؤسسات الدولة السورية من دون الذهاب إلى مواجهة عسكرية جديدة. وتبدأ هذه المقاربة، التي تقوم على ما يمكن وصفه بـ«دبلوماسية منتصف الليل الهادئة»، بخفض التصعيد وفتح الطرق وإعادة الخدمات والمساعدات وعودة النازحين والكشف عن مصير المفقودين والمخطوفين، إلى جانب التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، ثم تنتقل إلى المرحلة الأكثر حساسية، وهي تشكيل شرطة محلية من أبناء السويداء، وتفعيل إدارة محلية أكثر فاعلية، وإنشاء مجلس يمثل مكونات المحافظة، ووضع ترتيبات أمنية وإدارية انتقالية، على أن يبقى الهدف النهائي إعادة اندماج السويداء في مؤسسات الدولة السورية. وهنا تكمن أهمية هذه المقاربة؛ فهي لا تقترح إعادة عقارب الساعة إلى الوراء والعودة إلى مركزية تتحكم بكل تفاصيل حياة المحافظة، لكنها في الوقت نفسه لا تمنح غطاءً سياسيًا لمشروع تقسيم سوريا.
غير أن العقبة الكبرى تبدأ عندما يتحول الخلاف من المطالبة بضمانات وحقوق وصلاحيات محلية مشروعة إلى التشكيك في العلاقة مع الدولة السورية نفسها، فالخطاب الذي تبناه الشيخ حكمت الهجري والقوى القريبة منه وصل في بعض مراحله إلى الحديث عن تقرير المصير، بالتوازي مع تقارب واضح مع إسرائيل وظهور شعارات ورموز أثارت جدلًا واسعًا داخل سوريا وخارجها. وهنا يظهر قصور سياسي خطير، إذ لا يكفي أن يبدو مشروع الانفصال ممكنًا عسكريًا في لحظة معينة حتى يصبح ممكنًا سياسيًا واقتصاديًا ودوليًا. فلا واشنطن ولا عمّان ولا القوى الدولية الأساسية قدمت غطاءً واضحًا لإقامة دولة مستقلة في السويداء، ثم هناك السؤال الأكثر بساطة وواقعية: كيف ستعيش مثل هذه الدولة؟ فالسويداء محافظة داخلية محدودة الموارد، وأي دولة تحتاج إلى حدود ومعابر وطاقة وأسواق وموارد ومؤسسات واعتراف دولي وقدرة على حماية نفسها، ولذلك فإن رفع شعار الاستقلال أسهل بكثير من بناء دولة قابلة للحياة.
الأردن، من جانبه، يريد حدودًا مستقرة ووقف التهريب والفوضى ومنع موجة لجوء جديدة أو ظهور كيان هش على حدوده، بينما تبحث واشنطن عن استقرار مستدام للجنوب السوري ومنع اندلاع حرب سورية–إسرائيلية جديدة، بالتوازي مع إعادة ترتيب المشهد السوري سياسيًا واقتصاديًا. ولهذا فإن الدور الأمريكي لا يتوقف عند السويداء، بل يمتد إلى محاولة الوصول إلى ترتيبات أمنية أوسع بين سوريا وإسرائيل حول الجنوب السوري. أما إسرائيل فتقول إنها تريد حماية الدروز، ولا شك أن العلاقة بين دروز سوريا ودروز إسرائيل عامل حقيقي في حساباتها، لكن اختصار المشروع الإسرائيلي كله بعبارة «حماية الدروز» سيكون قراءة ناقصة، فإسرائيل تريد قبل كل شيء جنوبًا سوريًا لا توجد فيه قوة عسكرية تعتبرها تهديدًا لحدودها في الجولان ومستوطنات الشمال، ولهذا يبقى السؤال الأخطر: هل تريد إسرائيل حماية السويداء داخل سوريا، أم تريد جنوبًا سوريًا ضعيفًا ومجزأً يتحول عمليًا إلى منطقة عازلة؟ لا توجد حتى الآن قاعدة كافية للجزم بأن إسرائيل تتبنى رسميًا إقامة «دولة درزية»، لكن من الصعب أيضًا فصل تحركاتها في السويداء عن رؤيتها الأمنية الأوسع للجنوب السوري.
وأمام السويداء اليوم ثلاثة طرق؛ الأول هو العودة إلى مركزية كاملة تحت سلطة دمشق، وهذه قد تعيد إنتاج الأسباب التي أدت إلى الأزمة، وقد يصبح فرضها بالقوة مقدمة لمواجهة جديدة. والثاني هو الانفصال وإقامة كيان مستقل، وهي فكرة تواجه عقبات سياسية وجغرافية واقتصادية ودولية تجعل نجاحها بالغ الصعوبة. أما الطريق الثالث، وهو برأيي الأكثر واقعية وعقلانية، فيقوم على قاعدة واضحة: السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، مقابل لامركزية إدارية موسعة وضمانات دستورية حقيقية، نسير من خلالها نحو اندماج تدريجي للقوى المسلحة وتسليم السلاح الثقيل والمفاصل الأمنية الحساسة للدولة، مقابل مشاركة أهل المحافظة وانتساب شبابها إلى الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة، ومنحهم دورًا أساسيًا في إدارة مدينتهم وحمايتها بعيدًا عن المطامع والتدخلات الإسرائيلية في الجنوب السوري. وهنا يمكن أن يكون للعقيد سليمان عبد الباقي، بصفته أحد أبناء السويداء والفاعل في الملف الأمني للمحافظة، دور مهم في بناء هذه المعادلة، خصوصًا في إعادة تشكيل جهاز أمني محلي يعتمد بصورة أساسية على أبناء المحافظة، ولكنه يعمل في الوقت نفسه تحت مظلة الدولة السورية وضمن مؤسساتها الرسمية. فوجود شخصية محلية تعرف التركيبة الاجتماعية والعشائرية والسياسية للسويداء يمكن أن يساعد في بناء جسور الثقة بين دمشق وأهالي المحافظة، وفي استيعاب الشباب المحليين ضمن قوى الأمن والشرطة بدل تركهم في تشكيلات مسلحة متفرقة خارج مؤسسات الدولة. ومن هنا يمكن أن يتحول دور سليمان عبد الباقي من مجرد دور أمني إلى جزء من عملية مصالحة وإعادة اندماج أوسع، شرط أن يكون ذلك ضمن توافق محلي يحفظ كرامة جميع أبناء السويداء ولا يسمح بتحويل الأمن إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.
هذه الصيغة تسمح لدمشق بالحفاظ على وحدة البلاد، ولأهل السويداء بإدارة شؤونهم وضمان أمنهم وخصوصيتهم، وللأردن بالحصول على حدود مستقرة، ولواشنطن بتجنب حرب جديدة، ويمكن أن توفر في الوقت ذاته ترتيبات أمنية تمنع تحول الجنوب السوري إلى ساحة صراع دائم مع إسرائيل. فالقضية في النهاية أكبر من السويداء، والسؤال الحقيقي الذي ستواجهه سوريا الجديدة هو: هل يمكن بناء دولة موحدة من دون العودة إلى المركزية الخانقة؟ وربما تكون السويداء أول اختبار حقيقي لهذه المعادلة، فالوحدة الوطنية لا تعني أن تتحكم العاصمة بكل تفصيل، واللامركزية لا تعني التقسيم، والخصوصية الاجتماعية لا تحتاج إلى دولة مستقلة كي تُحمى. تستطيع سوريا أن تكون دولة واحدة، بجيش واحد وسيادة واحدة وحدود واحدة، وفي الوقت نفسه تمنح محافظاتها صلاحيات حقيقية لإدارة شؤونها، ويبقى نجاح أي تسوية مرهونًا بمعادلة بسيطة وصعبة في آن واحد: أن يشعر ابن السويداء بأن كرامته وأمنه وخصوصيته مصانة داخل وطنه، وأن تدرك دمشق أن وحدة الأرض لا تكفي وحدها، فالوحدة الحقيقية تبدأ عندما يريد السوريون أنفسهم البقاء معًا. وبين المركزية والانفصال مساحة واسعة اسمها اللامركزية… وقد تكون هي الطريق الأقصر لإنقاذ السويداء والحفاظ على وحدة سوريا.
في تصريح لافت، أكد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك أن “سوريا أصبحت الآن جاهزة للأعمال والاستثمارات”، مشيرًا إلى أن تركيا، ودول الخليج، وأوروبا سيكونون شركاء في دعم الشعب السوري خلال المرحلة المقبلة.
هذا التصريح لا يُعد مجرد موقف سياسي، بل هو إعلان مباشر عن بداية مرحلة تعافٍ اقتصادي جاد وسريع. الرسالة وصلت بوضوح: سوريا أصبحت مرئية من جديد على خريطة الاستثمار الدولي، والمطلوب الآن تحرك من الداخل.
ما المطلوب من الحكومة السورية اليوم؟
1. تحديث قانون الاستثمار وتبسيط إجراءات تسجيل الشركات:
من الضروري مراجعة الإطار القانوني للاستثمار، وتقليل التعقيدات الإدارية، وتوفير الحماية القانونية الكاملة للمستثمرين المحليين والأجانب.
2. إنشاء هيئة وطنية مستقلة لرعاية الاستثمار:
وجود جهة رسمية واحدة تُعنى بخدمة المستثمرين وتسهيل معاملاتهم سيكون عامل ثقة أساسي في بناء شراكات طويلة الأمد.
3. دعم قطاع الفنادق كأولوية استراتيجية:
تعرّض قطاع الضيافة في سوريا لسنوات من التراجع، وأصبحت بنيته الحالية لا تلبّي الحد الأدنى من متطلبات البيئة الاستثمارية الحديثة. المرحلة القادمة بحاجة إلى استقبال رؤوس الأموال المهتمة، وهذا لا يتم إلا من خلال بنية فندقية حديثة، وخدمات ضيافة مهنية، وظروف إقامة آمنة.
تحديث هذا القطاع يُعد خطوة عملية وسريعة لتهيئة المناخ أمام المستثمرين الذين يرغبون بتقييم السوق ميدانيًا.
العالم يفتح الباب، والظروف السياسية تتحوّل، لكن الفرصة لن تكتمل إلا بجهوزية حقيقية من الداخل.
الاستثمار لا يحتاج فقط إلى قوانين، بل إلى ثقة.
والثقة تُبنى بالفعل، لا بالخطاب.
“قد نرفع العقوبات عن سوريا… لأننا نريد أن نعطيهم بداية جديدة.”
– الرئيس دونالد ج. ترامب
أعاد هذا التصريح إحياء النقاش حول مستقبل العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، وسط تساؤلات متزايدة حول فعاليتها وانعكاساتها الإنسانية.
رغم أن العقوبات طرحت في الأصل كأداة للضغط السياسي، إلا أن آثارها المباشرة طالت قطاعات حيوية ومدنيين لا علاقة لهم بالقرار السياسي. وقد دفعت هذه الآثار إلى الواجهة مجددا في ضوء التحولات الإقليمية ومحاولات إعادة الاستقرار.
وفي هذا السياق، صرح المستشار الأميركي المستقل في السياسات الدولية، إسماعيل باقر، قائلاً:
“أواصل الدعوة إلى إصلاحات ذكية، إنسانية، واستراتيجية تخدم المصالح الأمريكية وتحمي الشعب السوري.”
وقد اعتبر هذا الموقف انعكاسا لتوجه واقعي يسعى إلى مراجعة شاملة لأدوات الضغط، دون التخلي عن المبادئ السياسية، بل بإعادة ضبطها بما يتوافق مع المتغيرات على الأرض.
وتطرح إمكانية تعديل أو تخفيف العقوبات كخيار استراتيجي متدرج، يفتح المجال أمام الاستقرار الاقتصادي، ويعزز مناخ التهدئة دون المساس بالمصالح العليا.
ينظر إلى هذه المراجعة كخطوة عملية، لا كتراجع سياسي، بل كتحول في الوسائل من أجل تحقيق أهداف أكثر تماسكا وفعالية.