أخبار

من قسد إلى الدولة: كيف يعيد الاندماج رسم مستقبل سوريا؟

من قسد إلى الدولة: كيف يعيد الاندماج رسم مستقبل سوريا؟
شبكة سيريا مورس الإخبارية

Morse AI

ملخص واستماع ذكي للمقال

الصوت مولّد بالذكاء الاصطناعي وليس صوتاً بشرياً.
بعد أشهر طويلة من التفاوض والحوار، مروراً بمراحل صعبة وتباينات سياسية وأمنية، وصلت عملية اندماج مؤسسات الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية إلى مرحلة مفصلية. لكن هذا التحول لا يمكن قراءته باعتباره اتفاقاً إدارياً أو عسكرياً فقط، بل بوصفه محطة قد تعيد رسم المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سوريا، داخلياً وخارجياً.
  • من الازدواجية إلى الدولة الواحدة

أهمية الاندماج تكمن أولاً في إنهاء حالة الازدواجية التي نشأت خلال سنوات الحرب، وعودة المؤسسات والمعابر والموارد إلى إطار الدولة السورية.

سياسياً، يمنح ذلك دمشق فرصة لتعزيز حضورها وسيادتها، فيما يفتح أمام المكون الكردي انتقالاً من العمل العسكري والإداري المنفصل إلى العمل السياسي والقانوني للمطالبة بالحقوق ضمن الدولة والدستور.

وبذلك ينتقل الخلاف من سؤال “من يسيطر على الأرض؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “كيف تُبنى دولة تتسع لجميع مكوناتها؟”

ضغط الميدان وتراجع هامش المناورة

لا يمكن فصل الوصول إلى هذا الاتفاق عن التحولات التي شهدها ميزان القوى.

فالضغط العسكري والسياسي على قسد، إلى جانب تغير البيئة الإقليمية والدولية، وتراجع مستوى الدعم غير المشروط الذي كانت تحظى به، دفعها تدريجياً إلى إعادة حساباتها والانتقال، وفق قراءة يطرحها مراقبون، من محاولة تكريس إدارة منفصلة بحكم الأمر الواقع إلى البحث عن صيغة اندماج داخل الدولة.

كما أن تراكم التحديات الاقتصادية والأمنية والخدمية زاد الضغوط على قسد وقلّص هامش المناورة أمامها.

وفي المقابل، فإن دمشق استفادت من تنامي اتجاه لدى بعض الأطراف الإقليمية والدولية يرى أن بقاء مناطق خارج إطار الدولة لفترة طويلة ليس حلاً مستداماً، وأن استقرار سوريا يتطلب توحيد مؤسساتها وحدودها وقرارها الأمني.

وهنا يصبح الاندماج نتيجة للحوار من جهة، ولتغير موازين القوة والخيارات المتاحة من جهة أخرى.

اقتصادياً.. استعادة الموارد وفتح أبواب الاستثمار

تمتلك مناطق شمال شرق سوريا أهمية كبيرة في الزراعة والطاقة والمياه والتجارة الحدودية.

ومن شأن توحيد الإدارة الاقتصادية والمؤسسات أن يفتح المجال لدمج هذه الموارد ضمن الاقتصاد الوطني، وتوحيد بعض القوانين والأسواق، وتحسين حركة التجارة والاستثمار، إذا توافرت بيئة قانونية وأمنية مناسبة.

لكن الاستفادة الحقيقية ستتوقف على قدرة الدولة على تحقيق تنمية عادلة في المنطقة، وعدم تحويل الموارد إلى مصدر جديد للتوتر، بل إلى أساس لتحسين الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة.

اجتماعياً.. الاختبار الأصعب

قد يكون الجانب الاجتماعي هو الأكثر حساسية.

فبعد سنوات من الانقسام والنزوح والحرب، يحتاج السوريون إلى أكثر من اتفاق سياسي؛ يحتاجون إلى استعادة الثقة.

وهنا تبرز ملفات النازحين والمعتقلين والمفقودين والممتلكات والخدمات والحقوق الثقافية واللغوية.

نجاح الدولة في معالجة هذه الملفات بعدالة يمكن أن يحول الاندماج من اتفاق بين قيادات إلى مصالحة بين مجتمعات.

خارجياً.. سوريا تستعيد موقعها

إقليمياً، قد يساهم الاندماج في تخفيف أحد أبرز مصادر التوتر بين دمشق وأنقرة، ويفتح الباب أمام تعاون أكبر في أمن الحدود والتجارة والطاقة.

كما قد يوفّر لدمشق ورقة تفاوضية أقوى في علاقاتها مع واشنطن وبعض العواصم الغربية، خصوصاً في ملفات مكافحة الإرهاب وإدارة الحدود وإعادة الإعمار.

أما دولياً، فإن توحيد مؤسسات الدولة يعزز صورة سوريا كدولة ذات سلطة مركزية قادرة على إدارة أراضيها ومواردها والوفاء بالتزاماتها، وهو ما يمكن أن يدعم مسار الانفتاح الاقتصادي والسياسي وإعادة الإعمار.

  • من اتفاق الاندماج إلى مشروع الدولة

المرحلة المقبلة هي الاختبار الحقيقي.

فالاندماج لا ينجح بمجرد دمج المؤسسات أو إعادة توزيع الرتب والمناصب، وإنما عندما يشعر المواطن الكردي والعربي والسرياني، وسائر مكونات المجتمع السوري، بأن الدولة تمثلهم جميعاً.

ولهذا فإن مقولة “كسب القلوب قبل الجغرافيا” تختصر جوهر المرحلة: فاستعادة الأرض قد تنجزها القوة، لكن استقرار الدولة لا يصنعه إلا القبول والثقة والعدالة.

إن نجاح الاندماج قد يكون أكثر من نهاية لمرحلة الإدارة الموازية؛ فقد يكون بداية لتحول أكبر: من سوريا مناطق النفوذ إلى سوريا الدولة، ومن التوازنات العسكرية إلى التوازنات السياسية، ومن إدارة الانقسام إلى بناء شراكة وطنية.