الشرق الأوسطسوريا

من برلين إلى لندن: سوريا تعيد بناء علاقتها مع أوروبا على قاعدة المصالح

تحميل المقال PDF
من برلين إلى لندن: سوريا تعيد بناء علاقتها مع أوروبا على قاعدة المصالح
شبكة سيريا مورس الإخبارية

Morse AI

ملخص واستماع ذكي للمقال

الصوت مولّد بالذكاء الاصطناعي وليس صوتاً بشرياً.

خلال يومين، انتقل الرئيس أحمد الشرع من محادثات مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين إلى لقاء رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في لندن، في تحرك كشف انتقال العلاقة السورية الأوروبية من إدارة تداعيات الحرب إلى ملفات إعادة الإعمار والهجرة والاستثمار ومكافحة الإرهاب.

لندن – 31 مارس/آذار 2026

في أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة، حمل الرئيس السوري أحمد الشرع ملف سوريا الجديدة إلى اثنتين من أهم العواصم الأوروبية.

في برلين، جلس في 30 مارس/آذار مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس لمناقشة إعادة الإعمار ومستقبل مئات آلاف السوريين المقيمين في ألمانيا والتعاون الاقتصادي بين البلدين.

وفي صباح اليوم التالي، استقبله رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في 10 داوننغ ستريت، حيث اتفق الجانبان على أن العلاقات السورية البريطانية تقف أمام «لحظة مهمة»، وناقشا مكافحة تنظيم داعش والهجرة وأمن الحدود وإعادة بناء البنية التحتية وفرص الشركات البريطانية في سوريا.

الزيارتان لم تكونا مجرد إضافة جديدة إلى سلسلة اللقاءات الدبلوماسية التي عقدتها دمشق منذ سقوط نظام بشار الأسد.

لقد أظهرتا أن السؤال الأوروبي حول سوريا بدأ يتغير.

بعد سنوات كان الملف السوري في أوروبا مرتبطاً أساساً باللاجئين والحرب والعقوبات والمساعدات الإنسانية، أصبحت العواصم الأوروبية تناقش مع دمشق قضايا مختلفة: من سيشارك في إعادة الإعمار؟ وكيف يعود اللاجئون؟ وما شكل التعاون الأمني والاقتصادي مع الدولة السورية الجديدة؟

ألمانيا: اللاجئون يتحولون من ملف أزمة إلى ملف إعادة إعمار

تحتفظ ألمانيا بعلاقة خاصة مع القضية السورية.

فمنذ ذروة أزمة اللجوء عام 2015، استقبلت البلاد مئات آلاف السوريين، وأصبحت الجالية السورية واحدة من أكبر الجاليات القادمة من خارج الاتحاد الأوروبي.

ولهذا كان ملف العودة في قلب لقاء الشرع وميرتس.

قال المستشار الألماني إن بلاده وسوريا تعملان على برنامج مشترك لإعادة الإعمار والعودة، مشيراً إلى أن السوريين الذين اكتسبوا خبرات ومهارات خلال إقامتهم في ألمانيا يستطيعون أداء دور مهم في إعادة بناء بلدهم.

وقدر ميرتس أن نحو 80 في المئة من السوريين الموجودين في ألمانيا قد يعودون خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع إعطاء أولوية في عمليات الإعادة للأشخاص الذين لم تعد لديهم إقامة قانونية، ولا سيما المدانين بجرائم.

لكن الشرع طرح تصوراً أكثر مرونة.

فبدلاً من النظر إلى المسألة بوصفها عودة نهائية فقط، تحدث عن نموذج لـ**«الهجرة الدائرية»** يسمح للكفاءات السورية بالمساهمة في إعادة بناء البلاد مع الحفاظ على الروابط والخبرات التي اكتسبتها في ألمانيا.

وهذا الاختلاف في اللغة يعكس تعقيد الملف.

فأوروبا تريد معالجة إحدى أكبر نتائج الحرب السورية على أراضيها، بينما تحتاج سوريا نفسها إلى الأطباء والمهندسين ورجال الأعمال والعمال المهرة الذين غادروا خلال السنوات الماضية.

لذلك قد تصبح عودة السوريين أحد الملفات التي تتقاطع فيها المصلحة الأوروبية مع حاجة سوريا إلى رأس المال البشري.

من العودة إلى الاستثمار

لم تقتصر زيارة برلين على الهجرة.

نظمت الحكومة الألمانية بالتزامن معها طاولة اقتصادية سورية–ألمانية جمعت مسؤولين وممثلين عن قطاع الأعمال لبحث آفاق التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وقالت الحكومة الألمانية إن تخفيف العقوبات الأوروبية والأمريكية والأممية أوجد أساساً جديداً يسمح بمناقشة التعافي الاقتصادي السوري بصورة أكثر جدية.

وشدد ميرتس بعد لقائه الشرع على أن الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي شرطان أساسيان لنجاح عملية إعادة الإعمار، مؤكداً استعداد ألمانيا لدعم سوريا في هذا المسار.

هذه الرسالة مهمة لأنها تكشف تحولاً في طبيعة الموقف الأوروبي.

فخلال سنوات الحرب، كان السؤال الرئيسي هو حجم المساعدات التي ينبغي تقديمها للسوريين.

أما الآن، فقد أصبح السؤال يتجه تدريجياً نحو كيفية بناء اقتصاد يستطيع الاستغناء عن المساعدات مستقبلاً.

لندن: مكافحة الإرهاب والبنية التحتية

بعد برلين، حمل الشرع أجندة مختلفة جزئياً إلى لندن.

أكد البيان الرسمي الصادر عن داوننغ ستريت أن ستارمر رحب بما قامت به الحكومة السورية ضد تنظيم داعش وبالتقدم الذي تحقق في التعاون بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب.

كما ناقش الطرفان تعزيز التعاون في الهجرة، بما يشمل إعادة الأشخاص، وأمن الحدود، والتصدي لشبكات تهريب البشر.

لكن الاقتصاد كان حاضراً أيضاً.

واتفق الجانبان على أن تجديد البنية التحتية سيكون أساسياً للانتقال الاقتصادي السوري، وبحثا فرص مشاركة الشركات البريطانية في عدد من القطاعات داخل سوريا.

هنا أيضاً يظهر نمط جديد في العلاقة.

فبريطانيا التي كانت من أبرز الدول الداعمة للعقوبات والعزل السياسي خلال عهد الأسد أصبحت تبحث مع القيادة السورية الجديدة إمكانات التعاون الأمني والاقتصادي.

ولا يعني ذلك غياب الشروط أو المخاوف.

لكنه يعني أن دمشق أصبحت مرة أخرى شريكاً مباشراً في النقاش الأوروبي حول سوريا، بدلاً من أن تكون موضوعاً للسياسة الأوروبية من الخارج.

سوريا تحاول الابتعاد عن حروب المنطقة

اكتسبت زيارة لندن بعداً إضافياً بسبب الحرب الإقليمية الدائرة مع إيران.

وفي كلمة ألقاها في مؤسسة تشاتام هاوس في لندن في 31 مارس، قال الشرع إن سوريا ستبقى خارج الصراع ما لم تتعرض لاعتداء ولا تجد أمامها حلاً دبلوماسياً.

وأكد أن سوريا دفعت ثمناً كبيراً للحرب ولا تريد أن تتحول مرة أخرى إلى ساحة للصراعات الإقليمية، معرباً عن رغبة دمشق في بناء شبكة علاقات استراتيجية مع دول المنطقة ومع بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة.

هذا الموقف يوضح جانباً أساسياً من السياسة الخارجية السورية الجديدة.

دمشق تحاول تقديم نفسها بوصفها دولة تريد توسيع عدد شركائها بدلاً من العودة إلى محور واحد.

وفي هذا السياق، تصبح برلين ولندن جزءاً من شبكة أوسع تمتد من واشنطن إلى الرياض وأنقرة وموسكو والعواصم الأوروبية.

أوروبا تنتقل من مراقبة الانتقال إلى الاستثمار فيه

كانت أوروبا شريكاً رئيسياً في التعامل مع نتائج الأزمة السورية طوال أكثر من عقد.

دفعت مليارات الدولارات للمساعدات الإنسانية، واستقبلت أعداداً كبيرة من اللاجئين، وفرضت عقوبات على النظام السابق، وشاركت في المسارات الدبلوماسية المتعلقة بالحل السياسي.

لكن زيارة مارس تشير إلى بداية مرحلة مختلفة.

إذا استمرت العلاقات في الاتجاه نفسه، فلن يكون الدور الأوروبي في سوريا مقتصراً على تمويل المساعدات.

قد يشمل الاستثمار، وإعادة بناء البنية التحتية، وتأهيل المؤسسات، والتعاون الأمني، وإدارة ملف العودة، وربط الاقتصاد السوري تدريجياً بالأسواق الأوروبية.

وهذا يحمل فرصة كبيرة لدمشق، لكنه يحمل أيضاً اختباراً.

فرأس المال الأوروبي سيحتاج إلى مؤسسات مستقرة وقوانين واضحة وأمن يمكن الاعتماد عليه. وعودة السوريين تحتاج إلى مساكن وفرص عمل وخدمات وضمانات اجتماعية وسياسية. والتعاون الأمني يحتاج إلى أجهزة دولة مهنية تستطيع مكافحة الإرهاب ضمن إطار قانوني.

لهذا لن يكون نجاح الجولة الأوروبية بعدد المصافحات أو البيانات المشتركة.

سيُقاس بما إذا كانت العلاقات التي تُبنى في برلين ولندن تستطيع أن تتحول إلى مشروعات واستثمارات وشراكات مؤسسية داخل سوريا.

خلال يومين، انتقلت العلاقة السورية مع اثنتين من أبرز القوى الأوروبية خطوة إضافية بعيداً عن لغة الحرب والعقوبات.

لكن المرحلة الأصعب تبدأ عندما تتحول الدبلوماسية إلى تنفيذ.

فالعودة إلى أوروبا سياسياً أصبحت ممكنة.

أما تحويل هذه العودة إلى جزء من إعادة بناء سوريا، فهو الاختبار الحقيقي الذي بدأ للتو.