مع اقتراب عيد الفصح المجيد، تحولت صالة كاتدرائية النبي إلياس في حي الفيلات بحلب إلى قبلة للعائلات الباحثة عن بهجة العيد في أبهى صورها. حيث تستضيف منذ أيام معرض “عيد الفصح” بدورته التاسعة، الذي تحول إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية تعكس نبض المدينة وتمسك أهلها بتقاليد العيد.
ففي ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها مدينة حلب، باتت الفعاليات الموسمية تمثل اليوم بديلا حيويا لتسويق إنتاج السيدات، اللواتي وجدن فيها فرصة للانطلاق دون أعباء المحال التجارية الباهظة. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة يشكل الدخل الذي تحققه المشاركات خلال أيام المعرض دعما ملموسا للأسر في موسم الأعياد، حيث تتحول المهارات المنزلية من مجرد هواية إلى مورد اقتصادي حقيقي، يعزز صمود العائلة ويضفي على العيد بعدا من المشاركة والاعتماد على الذات.

يسبق الزائر قبل دخوله إلى قاعة المعرض صوت الموسيقى الهادئة وزحمة الأطفال الذين يتجولون حاملين بيضا ملونا وسلالا صغيرة. أما داخل القاعة يكتشف الزائر عالما من الإبداع اليدوي والنكهات المنزلية، ويعكس تنوع المنتجات بألوانها الزاهية التي تشاركت فيها أياد نسائية ماهرة مزيدا من الإبداع.
على الطاولات الممتدة، تتزاحم أصناف كعك العيد بأنواعه التقليدية المحشوة “بالعجوة والجوز والمربى والفستق الحلبي”، إلى جانب البسكويت الملون بأشكال زاهية. في ركن آخر تعرض سيدات أعمالهن اليدوية من زينة الميلاد برسومات وزخارف تعبر عن فرحة القيامة، بينما تتصدر الألبسة ومستحضرات التجميل والأكسسوارات زوايا المعرض مما يضفي طابعا مرتبطا بموسم الأعياد.

وشهد جناح المشاركة نويل موصللي المتخصصة بصناعة المعجنات والحلويات إقبالا لافتا من الزوار، حيث تنوعت تشكيلة كعك العيد ما بين الحلو والمالح، إذ تراوحت أسعار الكعك بوزن (400 غرام) بين 30 ألف ليرة، في حين بلغ سعر معمول الجوز (400 غرام) 45 ألف ليرة، ومعمول النانرج بوزن (400 غرام) 35 ألف ليرة، فيما جاء معمول التمر (500 غرام) بـ 50 ألف ليرة. كما لفتت تشكيلة الشوكولا المصنوعة من زبدة الكاكاو والبيض بوزن (250 غرام) بسعر 65 ألف ليرة، إلى جانب المربيات التي تراوحت بين 55 و75 ألف ليرة حسب الوزن (400-500 غرام) بنكهات الكباد والنانرج، مضيفة أنها تشارك في المعارض باستمرار بغية عرض منتجاتها وتسويقها بشكل مباشر والتعرف على زبائن جدد.
وما يميز هذا المعرض هو الدمج المتناغم بين البعد الديني والاقتصادي. فبجانب زينة الميلاد تجد شابات يعرضن أطباقا جاهزة وأصناف مخللات ومربيات حضرت بأيدي سيدات حلبيات، في مشهد يحول المعرض إلى ورشة صغيرة للاقتصاد المنزلي.
تخلو القاعة من الروتين التجاري الصارم كما في الأسواق المحلية، فالزائر هنا يدخل في حوار مباشر مع صانعات المنتج. فإن المشاركات هن في غالبيتهن من السيدات ربات البيوت والطالبات، اللواتي وجدن في هذا المعرض فرصة لتسويق منتجاتهن دون الحاجة إلى محال تجارية أو وسطاء. بعضهن يعرضن مشغولات كروشيه وتطريز يدوي لأول مرة، بينما تعتبر أخريات أن المعرض أصبح “موسماً سنوياً” يشكل دعماً أساسياً لدخل الأسرة خلال موسم الأعياد.
الأجواء في المعرض تسودها روح التعاون؛ فالسيدات المشاركات يتبادلن الخبرات فيما بينهن، ويقدمن النصح للزوار حول طريقة التحضير. من الواضح أن هذا التجمع فتح نافذة للتواصل الاجتماعي إلى جانب كونه منصة تسويقية ناجحة.
وكشفت مسؤولة المعرض جويل حداد خلال تصريح لـ “سيريا مورس” أن المعرض أصبح تقليدا سنويا تنتظره العائلات الحلبية حيث يعكس ثلاث زوايا: الأولى دينية، للاستعداد لعيد الفصح المجيد والسعي لنشر الفرحة في قلوب الأطفال والعائلات. الثانية اقتصادية، حيث يتم توفير بيئة آمنة للسيدات لعرض منتجاتهن، وهن اللواتي أثبتن أنهن قادرات على إدارة مشاريع صغيرة ناجحة تحسن وضعهن المالي. كذلك يشكل المعرض زاوية اجتماعية من خلال فضاء للقاء والتواصل بين المنتجين والزوار وبالتالي كسر حلقات الوصل التجارية ووصل المنتجات بأرخص الأسعار.

وعن العدد الإجمالي للمشاركين في الدورة الحالية للمعرض، بينت حداد أن العدد بلغ أكثر من 80 مشاركة غالبيتهن من النساء وهو رقم قياسي بزيادة نسبة 60%مقارنة بالعام الماضي ، مما يعكس إقبالا متزايدا من السيدات على الاستثمار في مواهبهن.
وأضافت حداد أن المعرض هذا العام شهد تنوعا كبيرا في المنتجات، حيث تنوعت الأصناف بين مأكولات تقليدية وحرف يدوية وأكسسوارات وأعمال فنية بالإضافة إلى المأكولات والألبسة وزينة الميلاد، مشيرة إلى أن الإقبال الكبير من قبل الزوار يثبت نجاح الفكرة ويعزز ثقة المشاركات بقدرتهن على الاستمرار.
بدوره، أشار الباحث والخبير الاقتصادي محمد الحاج ابراهيم الخليلو خلال تصريح لـ “سيريا مورس” إلى أهمية المشاريع الصغيرة من كونها نقطة بداية مهمة لتمكين الاقتصاد خصوصا في مرحلة التعافي، مبينا أن مدينة العاصمة الاقتصادية حلب فقدت قدرتها ومكانتها الصناعية بسبب الحرب الطاحنة، مما أدى إلى تفريغ المدن الصناعية من أصحابها وهجرتهم إلى دول الجوار، ومعها تراجعت الحركة الصناعية بشكل كبير ناهيك عن ارتفاع تكاليف الانتاج، ولكن بعد التحرير وعودة بعض الصناعيين إلى البلاد أصبحت الحاجة الكبرى للمشاريع الصغيرة التي تحقق ردم جزئي للفجوات الاقتصادي وتساعد أصحابها في تأمين مصروفهم اليومي وتمكن أصحابها من تطوير أدواتهم وبالتالي مساهمتهم في الاقتصاد الوطني.
وفيما يتعلق بالتحديات الاقتصادية لأصحاب المشاريع الصغيرة بالنسبة لامتصاصها للصدمات الخارجية مثل التضخم أو انخفاض القوة الشرائية مقارنة مع الشركات الكبرى، أكد الخبير الاقتصادي أن المشاريع الصغيرة تلبي احتياجات فئات معينة من المجتمع وذلك بسبب تواجدها بالقرب من المستهلكين المباشرين ومن الممكن أن تحقق فرص عمل على نطاق الأسرة والحي، لأنها تحاول أن تستقطب العمالة من الدائرة القريبة منها، وبالتالي قد تخفض من نسبة التضخم لأنها توجد البدائل عن المنتجات للشركات الكبيرة أو الخدمات التي تقدمها وقربها من المستهلك وبالتالي تحقيق رغباتهم واحتياجاتهم بسرعة أكبر وبأسعار أقل.
الجدير ذكره أن “معرض الفصح” يحقق معادلة هامة بين الحفاظ على القداسة والبهجة الروحية للعيد، مع خلق فرصة اقتصادية حقيقية تنعش همم السيدات وتدعم الأسر الحلبية، بحيث يشكل نموذج حي على أن الفعاليات الموسمية وتتحول لمنصة تنموية واقتصادية متكاملة تعكس حياة المدينة وتنوعها.


